من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد

علم العقيدة :

إن علم أصول الدين هو من أشرف العلوم ، إذ شرف العلم بشرف المعلوم ، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة ؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها باسمائه وصفاته وأفعاله ، ويكون مع ذلك كله أحب إليهما مما سواه ، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه .

ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل ، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين ، وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ، ولمن خالفهم منذرين ، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه ، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها .

ولقد بدأ المسلمون يقررون العقيدة بعد ذهاب السلف الأول من هذه الأمة التي شهد لها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيرية ، إذ أن اختلاط المسلمين بمن جاورهم من الأمم الأخرى قد أدى إلى ظهور بعض العلوم الغريبة عن شريعة الله تعالى ، والتي تعتمد الأدوات العقلية والفلسفية في خياطة أبعادها وشراكها المتشعبة ، وكانت هذه العلوم قد انتقلت على يد من اسلم من الموالي والأمم المجاورة خاصة من الفرس والروم ، الذين كانوا يعتقدون عقائد تتناقض في مضمونها ومحتواها مع عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام ، وكان المتكلمون الأوائل من المسلمين قد تأثروا بهذه العقائد بسبب كثرة محاوراتهم ومناظراتهم مع الفرس والروم ، لكن معظم هؤلاء استخدموا هذه العلوم الفلسفية في وصف الذات الإلهية ، مما جعل العلماء ينكرون عليهم ذلك ، ويذمون من يبحث في صفات الله تعالى واسمائه وأفعاله ، كما يروى عن الإمام مالك أنه دخل عليه رجل فسأله عن الاستواء فقال له : (( الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة )) ، ثم أمر به فخرج .

ولا يمكن أن نحدد تاريخ محدد لظهور مثل هذه الأفكار عند المسلمين ، فبعض العلماء يرجع ذلك إلى عهد الخليفة الراشدي علي رضي الله تعالى عنه ، عندما تأول الخوارج بعض الآيات وحدثت في زمنه فتنة عظمية حتى قاتلهم رضي الله عنه في موقعة النهروان ، لكن أثرهم بقي إلى يوم الناس هذا .

وعلى أي حال كان قد ظهر نتيجة لذلك عدد من العلماء من أهل السنة والجماعة فوضعوا أسس العقيدة في كتب مبسوطة ولعل من أشهرها الإمام أبي جعفر أحمد بـن سلامة الطحاوي ( ت 321هـ ) ، فقد احتاج المؤمنون إلى إيضاح الأدلة الشرعية ودفع الشبهة الواردة عليها وكثر الكلام والشغب ، وسبب ذلك إصغائهم إلى شبه المبطلين وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف ، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه امتثالاً لأمر ربهم حيث قال : ] وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره [ ، فإن معنى الآية يشملهم ، فإن كل من الانحراف والتحريف على مراتب ، فقد يكون كفراً وقد يكون فسقاً وقد يكون معصية وقد يكون خطئاً .

فالواجب اتباع المرسلين واتباع ما أنزله الله عليهم ، وقد ختمهم الله بمحمد e فجعله آخر الأنبياء وجعل كتابه مهيمناً على الكتب ، وأنزل عليه الكتاب والحكمة ، فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول ويظن أن ذلك حسن ، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين من يخالفه فله نصيب من ذلك بل ما جاء به الرسول كاف كامل يدخل فيه كل حق وإنما وقع التقصير من كثير من   المنتسبين إليه ، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية ولا في كثير من الأحوال العبادية ولا في كثير من الإمارة السياسية أو نسبوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة .

والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن علمائهم   ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر المراء والجدال وانتشر القيل والقال وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله فمن رام علم ما حظر عنه علمه .

 

التوحيد ومعانيه :

قال الشيخ : نقول في الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له :

اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الأعراف:59 ] ، وقال هود عليه السلام : ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴾ [ الأعراف : 65 ]  ، وقال تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون ِ﴾ [ الأنبياء :25 ] ، وقال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [ النحل : 36 ] ، قال الطبري في تفسير الآية الأخيرة : (( ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولا ، أن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة  واجتنبوا الطاغوت  ، يقول وابعدوا من الشيطان واحذروا أن يغويكم ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا )) ([1]) .

أما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة تبين عقيدة التوحيد ، ودعوة الرسل إليها ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) ([2]) ، وكذلك ما ورد عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من : (( قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء )) ([3])  ، قال النووي في شرح هذا الحديث : ((هذا حديث عظيم الموقع وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد ، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم ، فاختصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم وسمى عيسى عليه السلام كلمة ؛ لأنه كان بكلمة ( كن ) فحسب من غير أبٍ بخلاف غيره من بني آدم )) ([4]).

ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا اله إلا الله ، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم ، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر ب العبد الشهادتان ، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أم ميز عند من يرى ذلك .

إن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع :

1. توحيد الأسماء والصفات : وهو بيان الاعتقاد الصحيح في الصفات الإلهية كما جاء ذلك في الكتاب والسنة الصحيحة ، والرد على الفرق الأخرى التي تكلمت حول هذا المعتقد ، وعمدة الكلام هنا موجه إلى النفات من فرق الجهمية ، إذ أشتهر عن الجهم بن صفوان([5]) نفيه للصفات الإلهية ، والمعطلة من المعتزلة الذين سلوا مسلكاً مغايراً للجهمية ولكن عن طريق تأويل الصفات عن معناها الحقيقي أو تعطيلها بتفسيرات لغوية لا تفي بمقتضاها ، وأشتهر عن المعتزلة كلامهم في الصفات أيضاً ، وسلكوا فيها مسلكاً يغاير عقيدة السلف في ذلك ([6]) .

2. توحيد الربوبية : هو الإقرار بأن الله وحده خالق كل شيء ، وأنه ليس للعالم خالقان متكافئان في الصفات والأفعال ، وفي بيان معتقد أهل السنة والجماعة في هذا التوحيد ردٌ على الملاحدة والدهريين والفلاسفة ، كما فيه ردٌ على الملل الأخرى كاليهود والنصارى والصابئة والمجوس والقائلين بالتناسخ من أهل الهند والصين .

والآيات في هذا الباب كثيرة منها قوله تعالى : ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [ الأنبياء : 22 ] ، وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [ الأنعام : 14 ] ، وقوله تعالى : ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [ إبراهيم : 10 ] ، وقولـه تعالى : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [ الأعراف : 54 ] .

 أما في السنة فمنه ما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن عوف قال : سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت :  كان إذا قام من الليل افتتح صلاته : (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) ([7]) .

3. توحيد الإلهية : وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله .

والثالث توحيد الإلهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له .

وسنأتي على شرح كل واحد من هذه الأنواع بإذن الله تعالى .

توحيد الربوبية :

هو الإقرار بأنه تعالى خالق كل شيء ، وأنه ليس للعالم خالقان متكافئان في الصفات والأفعال ، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية ، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بنى آدم بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات ، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم : ] قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [ ، وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون ، وقد كان مستيقنا به في الباطن كما قال له موسى : ]  لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر [ ، وقال تعالى عنه وعن قومه : ] وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ ولهذا لما قال : ] وما رب العالمين [ على وجه الإنكار له تجاهل العارف قال له موسى : ] رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، قال لمن حوله إلا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون [ .

والمقصود هنا أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم خالقين متماثلين مع أن كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل وزعم أنه يتلقى من السمع .

ولم يكن المشركون يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة في خلق العلم ، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم ، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من أنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله ، وهذا كان اصل شرك العرب ، وشرك قوم إبراهيم u كان فيما يقال من هذا الباب وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم .

وهؤلاء كانوا مقرين بالخالق وأنه ليس للعالم خالقان ، ولكن اتخذوا هؤلاء شفعاء كما أخبر عنهم تعالى بقوله : ] والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ ، وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل ، فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية قال تعالى : ] فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون [ .

وقال e : (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) ، ولا يقال أن معناه يولد ساذجا لا يعرف توحيدا ولا شركا ، كما قال بعضهم لما تلونا ، وإما يدل على ذلك حيث قال يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولم يقل يسلمانه ، وفى رواية : ((على هذه الملة )) .

وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله أهل الكلام والنظار – ومن وافقهم من الصوفية - هو الغاية في التوحيد داخلا في التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب والقرآن ، وقد ضرب الله للناس فيه من كل مثل وهى المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية ، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل ، ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال ، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقا خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة ، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان ، وكما يقوله الفلاسفة والدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس أو الأجسام الطبيعية فان هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون إحداث الله إياها فهم مشركون في بعض الربوبية ، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك .

وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزا والعاجز لا يصلح أن يكون إلها قال تعالى : ] أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون [ ، وقال تعالى : ] قل لو كان معه آلهة كما يقولون اذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [ ، والمنقول عن السلف  لاتخذوا سبيلا بالتقرب إليه ، وذلك أنه قال لو كان معه آلهة كما يقولون وهم لم يقولوا إن العالم له خالقان بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء ، وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، بخلاف الآية الأولى . 

دعوة الرسل للتوحيد :

إن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة ، وتوحيد في الطلب والقصد .

 فالأول هو الثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ليس كمثله شيء في ذلك كله ، كما اخبر به عن نفسه ، وكما اخبر رسوله e ، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح .

والثاني وهو توحيد الطلب والقصد مثل ما تضمنته سورة قل يا أيها الكافرون وقل يا أهل الكتاب وغيرها من السور والآيات .

وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن ، فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري ، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الإرادي الطلبي ، واما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته ، واما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده ، واما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .

وقد شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله ، قال تعالى ] شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم . إن الدين عند الله الإسلام [ ، فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع طوائف الضلال فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به .

ووجه استلزم شهادته سبحانه لذلك انه إذا شهد انه لا اله إلا هو ، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله أو إلهية ما سواه باطلة ، فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره ، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهى عن اتخاذ غيره معه إلها ، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ، كما إذا رأيت رجلا يستفتى رجلا أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان ، والشاهد فلان والطبيب فلان فان هذا أمر منه ونهي .

وأيضا فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة ، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم ، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم .

وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل ، وأنزلت به الكتب , وأكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله عليهم والمرسلون منهم أكمل في ذلك ، ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر سبحانه نبيه e أن يقتدي بهم فيه ، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته : ] أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ ، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله أن يقتدي بهم ، وكان يعلم e أصحابه إذا اصبحوا أن يقولوا : (( أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة ابينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) ، فملة إبراهيم التوحيد ودين محمد ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا ، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا اله إلا الله ، وفطرة الإسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له ، والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ، ووصفه رسوله e من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .

قلت ولا بد من بيان هذه معني هذه المصطلحات للدلالة على المقصود :

فالتحريف في اللغة هو التغيير وإمالة الشيء عن وجهه ، يقال انحرف عن كذا إذا مال ، وهو نوعان : النوع الأول تحريف اللفظ وهو العدول به عن جهته إلى غيرها إما بزيادة أو نقص أو تغيير حركة ، كقول أهل الضلالة في قوله تعالى : ] الرحمن على العرش استوى [ أي ( استولى ) فزاودوا حرفاً ، وكقولهم في قوله تعالى : ] وجاء ربك [ أي امر ربك فزادوا كلمة ، وكقولهم في قوله تعالى :