|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
علم العقيدة :
إن علم أصول الدين هو من أشرف العلوم ،
إذ شرف العلم بشرف المعلوم ، وحاجة العباد إليه فوق كل
حاجة وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة ؛ لأنه لا حياة
للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها
ومعبودها وفاطرها باسمائه وصفاته وأفعاله ، ويكون مع
ذلك كله أحب إليهما مما سواه ، ويكون سعيها فيما
يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه .
ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك
وإدراكه على التفصيل ، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن
بعث الرسل به معرفين ، وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين
، ولمن خالفهم منذرين ، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة
رسالتهم معرفة المعبود سبحانه ، إذ على هذه المعرفة
تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها .
ولقد بدأ المسلمون يقررون العقيدة بعد
ذهاب السلف الأول من هذه الأمة التي شهد لها النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم بالخيرية ، إذ أن اختلاط
المسلمين بمن جاورهم من الأمم الأخرى قد أدى إلى ظهور
بعض العلوم الغريبة عن شريعة الله تعالى ، والتي تعتمد
الأدوات العقلية والفلسفية في خياطة أبعادها وشراكها
المتشعبة ، وكانت هذه العلوم قد انتقلت على يد من اسلم
من الموالي والأمم المجاورة خاصة من الفرس والروم ،
الذين كانوا يعتقدون عقائد تتناقض في مضمونها ومحتواها
مع عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام ، وكان
المتكلمون الأوائل من المسلمين قد تأثروا بهذه العقائد
بسبب كثرة محاوراتهم ومناظراتهم مع الفرس والروم ، لكن
معظم هؤلاء استخدموا هذه العلوم الفلسفية في وصف الذات
الإلهية ، مما جعل العلماء ينكرون عليهم ذلك ، ويذمون
من يبحث في صفات الله تعالى واسمائه وأفعاله ، كما
يروى عن الإمام مالك أنه دخل عليه رجل فسأله عن
الاستواء فقال له : (( الاستواء معلوم والكيف مجهول
والسؤال عنه بدعة )) ، ثم أمر به فخرج .
ولا يمكن أن نحدد تاريخ محدد لظهور مثل
هذه الأفكار عند المسلمين ، فبعض العلماء يرجع ذلك إلى
عهد الخليفة الراشدي علي رضي الله تعالى عنه ، عندما
تأول الخوارج بعض الآيات وحدثت في زمنه فتنة عظمية حتى
قاتلهم رضي الله عنه في موقعة النهروان ، لكن أثرهم
بقي إلى يوم الناس هذا .
وعلى أي حال كان قد ظهر نتيجة لذلك عدد
من العلماء من أهل السنة والجماعة فوضعوا أسس العقيدة
في كتب مبسوطة ولعل من أشهرها الإمام أبي جعفر أحمد
بـن سلامة الطحاوي ( ت 321هـ ) ، فقد احتاج المؤمنون
إلى إيضاح الأدلة الشرعية ودفع الشبهة الواردة عليها
وكثر الكلام والشغب ، وسبب ذلك إصغائهم إلى شبه
المبطلين وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف ،
ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه
امتثالاً لأمر ربهم حيث قال :
]
وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى
يخوضوا في حديثٍ غيره
[
، فإن معنى الآية يشملهم ، فإن كل من الانحراف
والتحريف على مراتب ، فقد يكون كفراً وقد يكون فسقاً
وقد يكون معصية وقد يكون خطئاً .
فالواجب اتباع المرسلين واتباع ما
أنزله الله عليهم ، وقد ختمهم الله بمحمد
e
فجعله آخر الأنبياء وجعل كتابه مهيمناً على الكتب ،
وأنزل عليه الكتاب والحكمة ، فكل من طلب أن يحكم في
شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول ويظن أن ذلك
حسن ، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين من
يخالفه فله نصيب من ذلك بل ما جاء به الرسول كاف كامل
يدخل فيه كل حق وإنما وقع التقصير من كثير من
المنتسبين إليه ، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير
من الأمور الكلامية الاعتقادية ولا في كثير من الأحوال
العبادية ولا في كثير من الإمارة السياسية أو نسبوا
إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا
عنها كثيرا مما هو منها فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم
وتفريطهم وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق
ودرس كثير من علم الرسالة .
والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر
والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على
معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا
كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل
كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك
مخالفتها الكتاب والسنة ولهذا لا تجد عند أهلها من
اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن
علمائهم ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر
المراء والجدال وانتشر القيل والقال وتولد لهم عنها من
الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق
عنه المجال وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله فمن رام
علم ما حظر عنه علمه .
التوحيد ومعانيه :
قال الشيخ : نقول في الله معتقدين
بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له :
اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل وأول
منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز
وجل ، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى
قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الأعراف:59 ] ،
وقال هود عليه السلام : ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ
هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴾ [ الأعراف :
65 ] ، وقال تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون ِ﴾ [ الأنبياء :25
] ، وقال تعالى : ﴿
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
﴾ [ النحل : 36 ] ، قال الطبري في تفسير الآية الأخيرة
: (( ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم
رسولا ، أن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له
الطاعة وأخلصوا له العبادة واجتنبوا الطاغوت ، يقول
وابعدوا من الشيطان واحذروا أن يغويكم ويصدكم عن سبيل
الله فتضلوا )) ([1])
.
أما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة
تبين عقيدة التوحيد ، ودعوة الرسل إليها ، فعن ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإسلام وحسابهم على الله )) ([2])
، وكذلك ما ورد عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم من : (( قال أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك لـه ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن
عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح
منه ، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي
أبواب الجنة الثمانية شاء )) ([3])
، قال النووي في شرح هذا الحديث : ((هذا حديث عظيم
الموقع وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد ،
فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل
الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم ، فاختصر صلى الله
عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم وسمى
عيسى عليه السلام كلمة ؛ لأنه كان بكلمة ( كن ) فحسب
من غير أبٍ بخلاف غيره من بني آدم )) ([4]).
ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على
المكلف شهادة أن لا اله إلا الله ، لا النظر ولا القصد
إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام
المذموم ، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما
يؤمر ب العبد الشهادتان ، ومتفقون على أن من فعل ذلك
قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ، بل يؤمر
بالطهارة والصلاة إذا بلغ أم ميز عند من يرى ذلك .
إن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع :
1. توحيد الأسماء والصفات : وهو
بيان الاعتقاد الصحيح في الصفات الإلهية كما جاء ذلك
في الكتاب والسنة الصحيحة ، والرد على الفرق الأخرى
التي تكلمت حول هذا المعتقد ، وعمدة الكلام هنا موجه
إلى النفات من فرق الجهمية ، إذ أشتهر عن الجهم بن
صفوان([5])
نفيه للصفات الإلهية ، والمعطلة من المعتزلة الذين
سلوا مسلكاً مغايراً للجهمية ولكن عن طريق تأويل
الصفات عن معناها الحقيقي أو تعطيلها بتفسيرات لغوية
لا تفي بمقتضاها ، وأشتهر عن المعتزلة كلامهم في
الصفات أيضاً ، وسلكوا فيها مسلكاً يغاير عقيدة السلف
في ذلك ([6])
.
2. توحيد الربوبية : هو الإقرار
بأن الله وحده خالق كل شيء ، وأنه ليس للعالم خالقان
متكافئان في الصفات والأفعال ، وفي بيان معتقد أهل
السنة والجماعة في هذا التوحيد ردٌ على الملاحدة
والدهريين والفلاسفة ، كما فيه ردٌ على الملل الأخرى
كاليهود والنصارى والصابئة والمجوس والقائلين بالتناسخ
من أهل الهند والصين .
والآيات في هذا الباب كثيرة منها قوله
تعالى : ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ
اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [ الأنبياء : 22 ] ،
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ
وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [
الأنعام : 14 ] ، وقوله تعالى : ﴿ قَالَتْ
رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ ﴾ [ إبراهيم : 10 ] ، وقولـه تعالى : ﴿
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [ الأعراف : 54 ] .
أما في السنة فمنه ما رواه مسلم عن
عبد الرحمن بن عوف قال : سألت عائشة أم المؤمنين بأي
شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا
قام من الليل ؟ قالت : كان إذا قام من الليل افتتح
صلاته : (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر
السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه
من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) ([7])
.
3. توحيد الإلهية : وهو استحقاقه
سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ، على ما سيأتي
بيانه إن شاء الله .
والثالث توحيد الإلهية وهو استحقاقه
سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له .
وسنأتي على شرح كل واحد من هذه الأنواع
بإذن الله تعالى .
توحيد الربوبية :
هو الإقرار بأنه تعالى خالق كل شيء ،
وأنه ليس للعالم خالقان متكافئان في الصفات والأفعال ،
وهذا التوحيد حق لا ريب فيه وهو الغاية عند كثير من
أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية ، وهذا التوحيد
لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بنى آدم بل القلوب
مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على
الإقرار بغيره من الموجودات ، كما قالت الرسل فيما حكى
الله عنهم :
]
قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض
[
، وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون ،
وقد كان مستيقنا به في الباطن كما قال له موسى :
]
لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر
[
، وقال تعالى عنه وعن قومه :
]
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا
[
ولهذا لما قال :
]
وما رب العالمين
[
على وجه الإنكار له تجاهل العارف قال له موسى :
]
رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، قال
لمن حوله إلا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال
إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون
[
.
والمقصود هنا أنه ليس في الطوائف من
يثبت للعالم خالقين متماثلين مع أن كثيرا من أهل
الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب
وتقريره ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل
وزعم أنه يتلقى من السمع .
ولم يكن المشركون يعتقدون في الأصنام
أنها مشاركة في خلق العلم ، بل كان حالهم فيها كحال
أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر
وغيرهم ، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من
أنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى
الله ، وهذا كان اصل شرك العرب ، وشرك قوم إبراهيم
u
كان فيما يقال من هذا الباب وكذلك الشرك بالملائكة
والجن واتخاذ الأصنام لهم .
وهؤلاء كانوا مقرين بالخالق وأنه ليس
للعالم خالقان ، ولكن اتخذوا هؤلاء شفعاء كما أخبر
عنهم تعالى بقوله :
]
والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا
إلى الله زلفى
[
، وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا
الرسل ، فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية
الذي يتضمن توحيد الربوبية قال تعالى :
]
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها
لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس
لا يعلمون
[
.
وقال
e
: (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو
ينصرانه أو يمجسانه )) ، ولا يقال أن معناه يولد ساذجا
لا يعرف توحيدا ولا شركا ، كما قال بعضهم لما تلونا ،
وإما يدل على ذلك حيث قال يهودانه أو ينصرانه أو
يمجسانه ولم يقل يسلمانه ، وفى رواية : ((على هذه
الملة )) .
وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله
أهل الكلام والنظار – ومن وافقهم من الصوفية - هو
الغاية في التوحيد داخلا في التوحيد الذي جاءت به
الرسل ونزلت به الكتب والقرآن ، وقد ضرب الله للناس
فيه من كل مثل وهى المقاييس العقلية المفيدة للمطالب
الدينية ، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل ،
ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس
كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات
والأفعال ، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقا
خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة ، وكما
يقوله القدرية في أفعال الحيوان ، وكما يقوله الفلاسفة
والدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس أو الأجسام
الطبيعية فان هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون إحداث
الله إياها فهم مشركون في بعض الربوبية ، وكثير من
مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر
بدون أن يخلق الله ذلك .
وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية
دون العكس فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزا والعاجز
لا يصلح أن يكون إلها قال تعالى :
]
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون
[
، وقال تعالى :
]
قل لو كان معه آلهة كما يقولون اذاً لابتغوا إلى ذي
العرش سبيلا
[
، والمنقول عن السلف لاتخذوا سبيلا بالتقرب إليه ،
وذلك أنه قال لو كان معه آلهة كما يقولون وهم لم
يقولوا إن العالم له خالقان بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم
شفعاء ، وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
، بخلاف الآية الأولى .
دعوة الرسل للتوحيد :
إن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله
ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة ،
وتوحيد في الطلب والقصد .
فالأول هو الثبات حقيقة ذات الرب
تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ليس كمثله شيء في ذلك
كله ، كما اخبر به عن نفسه ، وكما اخبر رسوله
e
، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح .
والثاني وهو توحيد الطلب والقصد مثل ما
تضمنته سورة قل يا أيها الكافرون وقل يا أهل الكتاب
وغيرها من السور والآيات .
وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد
بل كل سورة في القرآن ، فالقرآن إما خبر عن الله
وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري ، وإما دعوة
إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه ،
فهو التوحيد الإرادي الطلبي ، واما أمر ونهي وإلزام
بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته ، واما خبر عن
إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم
به في الآخرة فهو جزاء توحيده ، واما خبر عن أهل الشرك
وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في
العقبى من العذاب ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .
وقد شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهدت
له به ملائكته وأنبياؤه ورسله ، قال تعالى
]
شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم
قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم . إن الدين
عند الله الإسلام
[
، فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد
على جميع طوائف الضلال فتضمنت أجل شهادة وأعظمها
وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به .
ووجه استلزم شهادته سبحانه لذلك انه
إذا شهد انه لا اله إلا هو ، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم
وقضى أن ما سواه ليس بإله أو إلهية ما سواه باطلة ،
فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره ،
وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهى عن اتخاذ
غيره معه إلها ، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي
والإثبات ، كما إذا رأيت رجلا يستفتى رجلا أو يستشهده
أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول
هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان ، والشاهد
فلان والطبيب فلان فان هذا أمر منه ونهي .
وأيضا فالآية دلت على أنه وحده المستحق
للعبادة ، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن
هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب
تعالى عليهم ، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم .
وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد
الذي أرسلت به الرسل ، وأنزلت به الكتب , وأكمل الناس
توحيدا الأنبياء صلوات الله عليهم والمرسلون منهم أكمل
في ذلك ، ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر
سبحانه نبيه
e
أن يقتدي بهم فيه ، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة
إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر
الأنبياء من ذريته :
]
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[
، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله أن يقتدي بهم ،
وكان يعلم
e
أصحابه إذا اصبحوا أن يقولوا : (( أصبحنا على فطرة
الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة ابينا
إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) ، فملة
إبراهيم التوحيد ودين محمد ما جاء به من عند الله قولا
وعملا واعتقادا ، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا اله
إلا الله ، وفطرة الإسلام هي ما فطر عليه عباده من
محبته وعبادته وحده لا شريك له ، والاستسلام له عبودية
وذلا وانقيادا وإنابة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن
الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ،
ووصفه رسوله
e
من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .
قلت ولا بد من بيان هذه معني هذه
المصطلحات للدلالة على المقصود :
فالتحريف في اللغة هو التغيير وإمالة
الشيء عن وجهه ، يقال انحرف عن كذا إذا مال ، وهو
نوعان : النوع الأول تحريف اللفظ وهو العدول به عن
جهته إلى غيرها إما بزيادة أو نقص أو تغيير حركة ،
كقول أهل الضلالة في قوله تعالى :
]
الرحمن على العرش استوى
[
أي ( استولى ) فزاودوا حرفاً ، وكقولهم في قوله تعالى
:
]
وجاء ربك
[
أي امر ربك فزادوا كلمة ، وكقولهم في قوله تعالى :
]
وكلم الله موسى تكليما
[
بنصب لفظ الجلالة فغيروا الحركة الإعرابية من الرفع
والنصب .
النوع الثاني من التحريف هو تحريف
المعنى : وهو العدول به عن وجهته وحقيقته وإعطاء اللفظ
معنى لفظ آخر كقول المبتدعة : إن معنى الرحمة الإنعام
، وإن معنى الغضب : إرادة الانتقام .
والتعطيل : لغة الإخلاء – يقال عطله أي
أخلاه ، والمراد به هنا نفي الصفات عن الله سبحانه
وتعالى ، والفرق بين التحريف والتعطيل : أن التحريف هو
نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص واستبداله
بمعنى آخر غير صحيح ، والتعطيل هو نفي المعنى الصحيح
من غير استبدال له بمعنى آخر كفعل المفوضة، فكل محرف
معطل لا العكس .
والتكييف : هو تعيين كيفية ، فكييف
صفات الله تعالى هو تعيين كيفيتها والهيئة التي تكون
عليها ، وهذا لا يمكن لبشر ؛ لأنه مما استأثر الله
تعالى بعلمه ، فلا سبيل إلى الموصل إليه ؛ لأن الصفة
تابعة للذات ، فكما أن ذات الله تعالى لا يمكن للبشر
معرفة كيفيتها ، فكذلك صفته سبحانه لا تعلم كيفيتها .
والتمثيل هو التشبيه ، بأن يقال إن
صفات الله مثل صفات المخلوقين ، كأن يقال يد كأيدينا
وسمعه كسمعنا تعالى الله عن ذلك ، فالمثل هو الذي
يثبتها على وجه لا يليق بالله وإنما يليق بالمخلوق.
ليس كمثله شيء :
اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله
شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ولكن لفظ
التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به
المعنى الصحيح ، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل من
أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات ولا
يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته :
]
ليس كمثله شيء
[
، رد على الممثلة المشبهة :
]
وهو السميع البصير
[
، رد على النفات ، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات
المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم ، ومن جعل صفات
المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم ،
ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات ، فلا يقال له
قدرة ولا علم ولا حياة لان العبد موصوف بهذه الصفات
ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي عليم قدير ؛ لان
العبد يسمى بهذه الأسماء ، وكذلك كلامه وسمعه وبصره
وأرادته وغير ذلك . وهم يوافقون أهل السنة على انه
موجود عليم قدير حي والمخلوق يقال له موجود حي عليم
قدير ولا يقال هذا تشبيه يجب نفيه وهذا مما دل عليه
الكتاب والسنة وصريح العقل ولا يخالف فيه عاقل .
فإن الله سمى نفسه بأسماء وسمى بعض
عباده بها ، وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى ببعضها صفات
خلقه ، وليس المسمى كالمسمي فسمى نفسه حيا عليما قديرا
رؤوفا رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا ملكا مؤمنا جبارا
متكبرا ، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال :
]
وبشــروه بغلام عليم
[
،
]
وبالمؤمنين رؤوف رحيم
[
،
]
فجعلناه سميعا بصيرا
[
،
]
قالـت امرأة العزيز
[
،
]
كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
[
، ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي ، ولا العليم العليم
ولا العزيز العزيز ، وكذلك سائر الأسماء ، وعن جابر
رضي الله عنه قال كان رسول الله
e
يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من
القرآن يقول : (( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين
من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني استخيرك بعلمك
واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فانك تقدر ولا
اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت
تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري
أو قال عاجل أمري بارك لي فيه وان كنت تعلم أن هذا
الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل
أمري واجله فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث
كان ثم رضني به قال ويسمى حاجته )) ، رواه البخاري .
ونظائر هذا كثيرة وهذا لازم لجميع
العقلاء فان من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها
نفسه كالرضى والغضب والحب والبغض ونحو ذلك وزعم أن ذلك
يستلزم التشبيه والتجسيم قيل له فأنت تثبت له الإرادة
والكلام والسمع والبصر مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات
المخلوقين فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك
فيما أثبته إذ لا فرق بينهما .
فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه
واختلافهما من وجه فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا
قائلا بالباطل ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا
بالباطل والله اعلم ، وذلك لأنهما وان اتفقا في مسمى
ما اتفقا فيه فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته
وسائر صفاته ، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك والعبد
أيضا مختص بوجوده وعلمه وقدرته ، والله تعالى منزه عن
مشاركة العبد في خصائصه وإذا اتفقا في مسمى الوجود
والعلم والقدرة فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان
لا في الأعيان والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه
، وهذا موضع اضطراب فيه كثير من النظار حيث توهموا أن
الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي
للرب كالوجود الذي للعبد .
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا
هذا المعنى وزادوا فيه على الحق فضلوا وأن المعطلة
أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على
الحق حتى ضلوا وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي
تعقله العقول السليمة الصحيحة وهو الحق المعتدل الذي
لا انحراف فيه فالنفات أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه
عن التشبيه بشيء من خلقه ، ولكن اساؤوا في نفي المعاني
الثابتة لله تعالى في نفس الأمر والمشبهة أحسنوا في
إثبات الصفات ولكن اساؤوا بزيادة التشبيه .
فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما
بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ذلك وليس في لغتهم
لفظ يدل عليها بعينها أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك
المعاني وجعلها أسماء لها فيكون بينها قدر مشترك
كالصلاة والزكاة والصوم والإيمان والكفر ، وكذلك لما
أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر وهم
لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل
عليها بعينها أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما
تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية
والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها وقرن بذلك من
الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد كتعليم الصبي
.
لا شيء يعجزه :
لكمال قدرته قال تعالى :
]
إن الله على كل شيء قدير
[
،
]
وكان الله على كل شيء مقتدرا
[
، وقال تعالى :
]
وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي
العظيم
[
اي لا يؤده أي لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه ، فهذا
النفي لثبوت كمال ضده ، وكذلك كل نفي يأتي في صفات
الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده ،
كقوله تعالى :
]
ولا يظلم ربـك أحدا
[
لكمال عدله ، وقوله تعالى :
]
وما مسنا من لغوب
[
لكمال قدرته ، وقوله :
]
لا تأخذه سنة ولا نوم
[
، لكمال حياته وقيوميته ، وإلا فالنفي الصرف لا مدح
فيه ، لهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا
والنفي مجملا .
والمراد أن الله تعالى قد جمع فيما وصف
وسمى نفسه بين النفي والإثبات ، فقد تضمنت صفات الكمال
ونفي النقص عن الله تعالى ، ففي قوله تعالى :
]
الله لا إله إلا هو
[
نفي الإلهية عما سواه وإثباتها له ، وفي قوله :
]
الحي القيوم
[
إثبات الحياة والقيومية له ، وفي قوله تعالى :
]
لا تأخذه سنة ولا نوم
[
نفي السنة ( وهي النوم الخفيف ) والنوم عنه ، وفي قوله
:
]
له ما في السماوات وما في الأرض
[
إثبات ملكيته الكاملة للعالمين العلوي والسفلي ، وفي
قوله
]
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
[
نفي الشفاعة عنده بغير إذنه لكمال عظمته وغناه عن خلقه
، وفي قوله :
]
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم
[
إثبات كمال علمه بكل شيء ماضياً أو مستقبلاً ، وفي
قوله :
]
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء
[
بيان حاجة الخلق إليه وإثبات غناه عنهم ، وفي قوله :
]
وسع كرسيه السماوات والأرض
[
إثبات كرسيه وإثبات كما عظمته وجلالته وصغر المخلوقات
بالنسبة إليه ، وفي قولـه :
]
ولا يؤده حفظهما
[
نفي العجز والتعب عنه سبحانه ، وفي قوله ( وهو العلي
العظيم
[
إثبات العلو والعظمة له سبحانه .
ولا إله غيره :
هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل
كلهم كما تقدم ذكره ، واثبات التوحيد بهذه الكلمة
باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر ، فان الإثبات
المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال ولهذا والله أعلم لما
قال تعالى :
]
والهكم اله واحد
[
، قال بعده
]
لا اله إلا هو الرحمن الرحيم
[
فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني فيقول : هب أن
إلهنا واحد فلغيرنا اله غيره ، فقال تعالى :
]
لا اله إلا هو الرحمن الرحيم
[
.
هو الأول والآخر :
قال تعالى :
]
هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم
[
، وقد فسر النبي
e
هذه الآية الكريمة بقوله : (( اللهم أنت الأول فليس
قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر
فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء )) ، (
رواه مسلم ) ، قال ابن القيم ( رحمه الله ) : (( فهذه
الأسماء الأربعة متقابلة : اسمان لأزليته وأبديته
سبحانه ( وهما الأول والآخر ) ، واسمان لعلوه وقربه (
وهما الظاهر والباطن ) ... )) ، والشاهد من كلامه
تعالى وكلام النبي
e
: إثبات هذه الأسماء له تعالى المقتضية لإحاطته بكل
شيء زماناً ومكاناً وإطلاعاً وتدبيراً ، تعالى وتقدس
علواً كبيراُ
لا يفنى ولا يبيد :
قرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى قال عز
من قائل :
]
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
[
، والفناء والبيد متقاربان في المعنى والجمع بينهما في
الذكر للتأكيد
ولا يكون إلا ما يريد
:
هذا رد لقول القدرية والجبرية فانهم
زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر
أراد الكفر وقولهم فاسد ، مردود لمخالفته الكتاب
والسنة والمعقول الصحيح وهي مسالة القدر المشهورة ،
وقد تفرقوا إلى طائفتين رئيسيتين :
القدرية
: ويلقبون بالقدرية لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم
، بعبارة أخرى أنهم يقولون لا قدر ( وهو نفي الإرادة
الكونية ، وإثبات الإرادة الشرعية فقط ) ، وهم الذين
قـال النبي
e
فـي حقهم : (( القدرية مجوس هذه الأمة )) ، قال
الشهرستاني : لمشاركتهم المجوس فيما اشتهروا به من
إثبات خالقين لا في قولهم بأن الله خلق شيئا ثم أنكره
، والنافون له هم المشاركون لهم في تلك ، الصفة
المشهورة حيث يجعلون العبد خالقا لأفعاله وينسبون
القبائح والشرور إليه دون الله سبحانه .
الجبرية
: الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الله
تعالى ، ( فهو يثبتون الإرادة الكونية فقط ، وينفون
الإرادة الشرعية ) .
أما أهل السنة فيقولون إن الله وان كان
يريد المعاصي قدرا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر
بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها ، وهذا قول
السلف قاطبة فيقولون : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
يكن ، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال والله
لافعلن كذا إن شاء الله لم يحنث اذا لم يفعله ، وان
كان واجبا أو مستحبا ، ولو قال إن أحب الله حنث اذا
كان واجبا أو مستحبا .
والمحققون من أهل السنة يقولون الإرادة
في كتاب الله نوعان :
الإرادة القدرية الكونية الخلقية
: هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات ، وهذا كقولـه
تعالى :
]
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن
يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء
[
، وقوله تعالى عن نوح عليه السلام :
]
ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد
أن يغويكم
[
، وقوله تعالى :
]
ولكن الله يفعل ما يريد
[
.
الإرادة الدينية الأمرية الشرعية
: وهي المتضمنة للمحبة والرضى ، كقوله تعالى :
]
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
[
، وقوله تعالى :
]
يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب
عليكم والله عليم حكيم
[
وقوله تعالى :
]ما
يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم
نعمته عليكم
[
.
أما الفرق بينهما فيمكن بيانه بالآتي :
1.
الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها
وقد لا يحبها ولا يرضاها ، والإرادة الشرعية لا بد أنه
يحبها ويرضاها ، فالله أراد المعصية كوناً ولا يرضاها
شرعاً .
2.
والإرادة الكونية مقصودة لغيرها – كخلق
إبليس وسائر الشرور لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة
والاستغفار وغير ذلك من المحاب ، والإرادة الشرعية
مقصودة لذاتها – فالله أراد الطاعة كوناً وشرعاً
وأحبها ورضيها .
3.
الإرادة الكونية لا بد من وقوعها ،
والإرادة الشرعية لا يلزم من وقوعها ، فقد تقع أو لا
تقع .
لا تبلغه الأوهام ولا
تدركه الأفهام :
يجب أن نعرفه سبحانه بصفاته وهو أنه :
]
أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد
[
، وقال تعالى :
]
هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس السلام
المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما
يشركون . هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء
الحسنى يسبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو
العزيز الحكيم
[
.
لا يشبه الأنام :
هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون
الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى ، قال عز وجل :]
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[
، وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع ، فمن
كلام أبي حنيفة رحمه الله في ( الفقه الأكبر ) : (( لا
يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه ، ثم قال بعد
ذلك وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا
ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا )) ، وقال نعيم بن
حماد : (( من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ، ومن
أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف
الله به نفسه ولا رسوله تشبيه )) .
قال خلق كثير من أئمة السلف علامة
الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة ، فانه ما من أحد من
نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها
مشبها ، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية
الزنادقة القرامطة والفلاسفة ، وقال : ( إن الله لا
يقال له عالم ولا قادر ) ، يزعم أن من سماه بذلك فهو
مشبه ؛ لان الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه
، ومن أثبت الاسم وقال هو مجاز كغالية الجهمية : يزعم
أن من قال : إن الله عالم حقيقة قادر حقيقة فهو مشبه
، ومن أنكر الصفات وقال : إن الله ليس له علم ولا قدرة
ولا كلام ولا محبة ولا إرادة ، قال لمن أثبت الصفات
انه مشبه وانه مجسم ، ولهذا كتب نفات الصفات من
الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية
مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة ، حتى الذين يفسرون القرآن
منهم كعبد الجبار والزمخشري وغيرهما يسمون كل من أثبت
شيئا من الصفات وقال بالرؤية مشبها ، وهذا الاستعمال
قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف ، ولكن المشهور
من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين أنهم
لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات ولا يصفون به كل من
اثبت الصفات ، بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في
أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما تقدم من كلام أبي حنيفة
رحمه الله ، أنه تعالى يعلم لا كعلمنا ويقدر لا
كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا وهذا معنى قوله تعالى :
]
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[
.
حي لا يموت قيوم لا
ينام :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن
عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات مدح
كقوله :
]
الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم
[
إلى قوله :
]
ولا يؤوده حفظهما
[
فنفى السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام ، فهو
مبين لكمـال أنه الحـي القيوم ، وكذلك قوله :
]
ولا يؤوده حفظهما
[
أي لا يكرثه ولا يثقله ، وذلك مستلزم لكمال قدرته
وتمامها ، بخلاف المخلوق القادر اذا كان يقدر على
الشيء بنوع كلفة ومشقة فإن هذا نقص في قدرته وعيب في
قوته .
وفي السنة من حديث عن أبي موسى قال :
(( قام فينا رسول الله
e
بخمس كلمات فقال : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي
له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل
قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه
النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
بصره من خلقه )) . ( أخرجه مسلم ) .
قال الخطابي عندما سأل عن صفاته تعالى
: (( إن مذهب السلف إثباتها وأجراؤها على ظواهرها ،
ونفي الكيفية والتشبيه عنها ، وقد نفاها قوم فأبطلوا
ما أثبته الله ، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك
إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك
الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين
الغالي فيه والجافي والمقصر عنه ))
خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنة :
قال تعالى :
]
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق
وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين
[
وقال تعالى :
]
ياأيها الناس انتم الفقراء إلى الله والله هو الغني
الحميد
[
، وفي السنة من حديث أبي ذر رضي الله عنه فيما يرويه
e
عن رب العزة : (( يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم
وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في
ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم
كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي
شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم
قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما
نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط اذا أدخل البحر
)) ( رواه مسلم ) ، وقوله بلا مؤنة : بلا ثقل ولا
كلفة .
باب تفصيل صفات الذات
من صفات الأفعال
قال الطحاوي رحمه الله : ما زال
بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن
قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال
عليها أبديا .
أي أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا
بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز أن
يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها لان
صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها صفة نقص ولا يجوز أن
يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفا بضده ولا يرد
على هذه صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق
والتصوير والامانة والاحياء والقبض والبسط والطي
والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضى
ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وان كنا لا
ندرك كنهة وحقيقته التي هي تأويله ولا ندخل في ذلك
متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن أصل معناه
معلوم لنا .
أما الضابط في التفريق بين الصفات
الذاتية والصفات الفعلية ( وتسمى في بعض الأحيان
الاختيارية ) ، فإن صفات الفعل هي التي تتعلق بالمشيئة
والقدرة مثل : الاستواء ، النزول ، المجيء ، العجب ،
الضحك ، الرضى ، الحب ، الكره السخط ، الغضب ، وهذا
القسم قديم النوع حادث الآحاد ، ويقدر فيها إذا شاء ،
ومثال على هذا النوع قوله تعالى واصفاً حال اليهود :
]
قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه
الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبـدة
الطاغوت
[
ومن السنة ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((
يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ،
يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل
فيستشهد )) ، وكذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبو
هريرة قال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم –
يوم أحد - اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو حينئذ يشير إلى رباعيته
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على
رجل يقتله رسول الله في سبيل الله عز وجل )) .
أما صفات الذات فهي التي لا تنفك عن
الله تعالى كما ذكرنا مثل العين والعلم واليد والملك
والعظمة والكبرياء والعلو والغنى والرحمة والحكمة ،
وضابط الصفات الذاتية أن يقال هي الملازمة للذات ،
ويقال هي التي لا ينفك الباري عنها . وأكثر ما نجدها
في آيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى :
]
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[
،
]
والله غفور رحيم
[
وغيرها من الآيات ، أما من السنة فهي كثير أيضاً منها
ما أخرجه البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : (( من تعار من الليل فقال لا إله
إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا
الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال
اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت
صلاته )) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله
ثراه في الصفات الاختيارية وهى الأمور التي يتصف بها
الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثلا : كلامه
وسمعه وبصره وارادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه
ومثل خلقه واحسانه وعدله ومثل استوائه ومجيئه واتيانه
ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز
والسنة ، فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم
يقولون لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها ، و
الكلابية([8])
ومن وافقهم من السالمية([9])
وغيرهم يقولون تقوم صفات بغير مشيئته وقدرته ، فأما ما
يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقا منفصلا عنه .
وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول
الحوادث على الله تعالى فيسلم السني للمتكلم ذلك على
ظن أنه نفي عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله ، فإذا سلم
له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل
، وهو غير لازم له ، وإنما آتي السني من تسليم هذا
النفي المجمل وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه .
وكذلك مسالة الصفة هل هي زائدة على
الذات أم لا لفظها مجمل وكذلك لفظ الغير فيه اجمال فقد
يراد به ما ليس هو إياه وقد يراد به ما جاز مفارقته
له ، ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا
يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره ولا انه ليس
غيره ؛ لان إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له ،
وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو اذا كان لفظ
الغير فيه اجمال فلا يطلق الا مع البيان والتفصيل ،
وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن
مجردة ، بل هي غيرها وليست غير الموصوف بل الموصوف
بصفاته شيء واحد غير متعدد ، فإذا قلت أعوذ بالله فقد
عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة
الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه ، واذا
قلت : (( أعوذ بعزة الله )) فقد عذت بصفة من صفات الله
تعالى ولم أعذ بغير الله ، وهذا المعنى يفهم من لفظ
الذات فان ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة أي
ذات وجود ذات قدرة ذات عز ذات علم ذات كرم إلى غير ذلك
من الصفات ، فذات كذا بمعنى صاحبة كذا تأنيث ذو هذا
أصل معنى الكلمة فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات
عنها بوجه من الوجوه وان كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة
عن الصفات كما يفرض المحال ، وفي الحديث أن رسول الله
e
كان يقول : (( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد
وأحاذر )) ، وقال
e
في حديث آخر : (( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما
خلق )) ، وهو صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعوذ بغير
الله ، وكذا قال
e
: (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من
عقوبتك وأعوذ بك منك )) .
والشيخ رحمه الله أشار بقـوله : ما زال
بصفاته قديما قبل خلقه ... إلى آخر كلامه ، إلى الرد
على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة فانهم
قالوا انه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن
لم يكن قادرا عليه ، لكونه صار الفعل والكلام ممكنا (
أي بعد أن خلق الخلق لأن كونه تعالى قبل الخلق لا يوجد
من يتكلم معه بزعمهم ) بعد أن كان ممتنعا وانه انقلب
من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ، وعلي بن
كلاب والاشعري ومن وافقهما فانهم قالوا إن الفعل صار
ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه وأما الكلام عندهم فلا
يدخل تحت المشيئة والقدرة بل هو شيء واحد لازم لذاته .
ولذا قال الطحاوي رحمه الله :
ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق ، ولا
بإحداثه البرية استفاد اسم الباري
.
خالق قبل الخلق :
إن القول بأن الحوادث لها أول يلزم منه
التعطيل قبل ذلك وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير
فاعل ثم صار فاعلا ، ولا يلزم من ذلك قدم العالم ( أي
أنه موجود مع الله تعالى ) ؛ لان كل ما سوى الله تعالى
محدث ممكن الوجود موجود بايجاد الله تعالى له ليس له
من نفسه ، إلا العدم ( وهو ليس بشيء ) ، والله تعالى
واجب الوجود لذاته غني لذاته والغنى وصـف ذاتي لازم له
سبحانه وتعالى .
والناس قولان في هذا العالم هل هو
مخلوق من مادة أم لا ؟ واختلفوا في أول هذا العالم ما
هو ، وقد قال تعالى :
]
وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه
على الماء
[
، وقال تعالى :
]
فاطر السماوات والأرض
[
، وروي عن ابن عباس في تفسير لفظ ( فاطر ) أي أوجدها
من غير إيجاد ، أي أوجد السماوات والأرض من العدم .
وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين
رضي الله عنه قال : (( قال أهل اليمن لرسول الله
e
: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ؟
فقال : كان الله ولم يكن شيء قبله )) وفي رواية : ((
ولم يكن شيء معه )) وفي رواية : (( غيره وكان عرشه على
الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ))
، وفي لفظ : (( ثم خلق السماوات والأرض )) فقوله
e
: (( كتب في الذكر )) يعني اللوح المحفوظ ، كما قال
تعالى :
]
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر
[
يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا كما يسمى ما يكتب في
الكتاب كتابا .
المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم
المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على
العرش كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع وفي صحيح مسلم
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي أنه قال
قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات
والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء فأخبر أن
تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه
الأرض والسماوات بخمسين ألف سنة وأن عرش الرب تعالى
كان حينئذ على الماء .
ومعنى الحديث أن قول أهل اليمن : ((
جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر )) ، إشارة إلى حاضر
مشهود موجود ، والأمر هنا بمعنى المأمور ، أي الذي
كونه الله بأمره وقد أجابهم النبي عن بدء هذا العالم
الموجود لا عن جنس المخلوقات ؛ لأنهم لم يسألوه عنه
وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على
الماء ، ولم يخبرهم عن خلق العرش ، وهو مخلوق قبل خلق
السماوات والأرض ، وأيضا فانه قال : (( كان الله ولم
يكن شيء قبله )) ، ولفظ القبل ثبت عن النبي
e
في غير هذا الحديث ففي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي أنه كان يقول في دعائه : (( اللهم
أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء
وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
اقض عنا الدين وأغننا من الفقر .. )) الحديث .
هذا المعنى ينفي تعطيل الرب عن الفعل
حتى خلق السماوات والأرض ، وأيضا فقوله : (( كان الله
ولا شيء قبله )) وقوله تعالى :
]
وكان عرشه على الماء
[
لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق
معه أصلا ، لأن قوله
]
وكان عرشه على الماء
[
يرد ذلك ، فعرشه مخلوق موجود في ذلك الوقت ، فعلم أن
المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود .
لذا قال الطحاوي : له معنى الربوبية
ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق .
يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب
قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق
: وكما أنه محبي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا
الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم
يعني أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى
قبل إحيائهم فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم إلزاماً
للمعتزلة ، ومن قال بقولهم بأنه تعالى خلق الخلق فسمي
خالقاً وأحياهم فسمي محي ، لأن الحق أنه تعالى لم يزل
يفعل ما يشاء .
وهو على كل شيء قدير :
قال الطحاوي رحمه الله : ذلك بأنه
على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير
لا يحتاج إلى شيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
.
ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل
خلقه ، والكلام على ( كل ) وشمولها وشمول كل في كل
مقام بحسب ما يحتف به من القرائن ، وقد حرفت المعتزلة
المعنى المفهوم من قولــه تعالى :
]والله
على كل شيء قدير
[
فقالوا : إنه قادر على كل ما هو مقدور له وأما نفس
أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم .
وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل
شيء قدير ، وكل ممكن فهو مندرج في هذا ، وهذا الأصل هو
الإيمان بربوبيته العامة التامة ، فانه لا يؤمن بأنه
رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء ، ولا
يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل
شيء قدير ، وإنما تنازعوا في ( المعدوم ) الممكن هل هو
شيء أم لا ؟ والتحقيق أن المعدوم ليس بشيء في الخارج ،
ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره
ويخبر به كقوله تعالى :
]
إن زلزلة الساعة شيء عظيم
[
، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج ،
كما قال تعالى :
]
إنما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[
، وقال تعالى لزكريا :
]
وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئا
[
أي لم تكن شيئا في الخارج ، وان كان شيئا في علمه
تعالى ، وقال تعالى :
]
هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا
[
، فهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال ، وليس له
فيها شبيه فالمخلوق وان كان يوصف بأنه سميع بصير فليس
سمعه وبصره كسمع الرب وبصره ، ولا يلزم من إثبات الصفة
تشبيه إذ صفات المخلوق كما يليق به وصفات الخالق كما
يليق به ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به
أعرف الخلق .
خلق الخلق بعلمه :
خلق أي أوجد وأنشأ وأبدع ويأتي خلق
أيضا بمعنى قدر ، والخلق مصدر وهو هنا بمعنى المخلوق ،
وقوله بعلمه : أي خلقهم عالما بهم ، قال تعالى :
]
ألا يعلم مـن خلق وهو اللطيف الخبير
[
، واللطيف : هو الذي لطف علمه وخبرهُ حتى أدرك السرائر
الضمائر والخفايا والعيوب ودقائق الأمور والمصالح
وغوامضها فالخفي في علمه مكشوف كالجلي من غير فرق ،
وأنواع لطفه تعالى لا يمكن حصرها فليطف بعبده في أموره
الداخلية المتعلقة بنفسه ، ويلطف بعبده في أموره
الخارجية فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا
يشعر ، النوع الثاني لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن
يتم عليه إحسانه كما جرى ليوسف عليه السلام ، وأما
معنى الخبير : فهو من الخبرة بمعنى كمال العلم ووثوقه
والإحاطة بالأشياء على وجه الدقة والتفصيل هو العلم
بكل ما خفي ودق .
فالعلم عندما يضاف إلى الخفايا الباطنة
يسمى خبرة ويسمى صاحبه خبيراً ، والله سبحانه لا يجري
في الملك والملكوت شيء ولا يتحرك ذرة فما فوقها وما
دونها ، ولا يسكن ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلا من عنده
من ذلك خبرة ، قال ابن القيم ( رحمه الله ) :
وهو اللطيفُ بعبدهِ ولعبـدهِ
واللطفُ في أوصافهِ نوعـان
إدراكُ أسرار الأمورِ بخبرةٍ
واللطفُ عند مواقعِ الإحسـانِ
فيريك عزتهُ ويبـدي لطفهُ
والعبدُ في الغفلات عن ذا الشأنِ
وقال تعالى :
]
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر
والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات
الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين
[
، ولهذه الآية شأن عظيم ، فهي من أعظم الآيات تفصيلاً
لنعم الله المحيط ، والمعنى أن عنده سبحانه خاصة مخازن
الغيب أو المفاتيح التي يتوصل بها إليه ن فهو الذي
يحيط بها علماً وسواه جاهل لا يعلم منها شيئاً إلا ما
أعلمه الله فقوله تعالى :
]
لا يعلمها إلا هو
[
جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى .
قال المناوي : فمن أدعى علم شيء منها
كفر ، وخص علم ما في البر والبحر بالذكر لأنهما من
أعظم مخلوقات الله ولكونهما أكثر ما يشاهده الناس
ويتطلعون لعلم ما فيهما ، والخلاصة أنه سبحانه يعلم
الغيب والشهادة والأحوال الظاهرة والباطنة والرطبة
واليابسة ، وأنه لا يند عن علمه شيء في الزمان ولا في
المكان ولا في البر ولا في البحر ولا في الجو ولا في
الأرض .
روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن
أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : مفاتح
الغيب خمس :
]
إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في
الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي
أرض تموت إن الله عليم خبير
[
.
وفي ذلك رد على المعتزلة قال الامام
عبد العزيز المكي صاحب الامام الشافعي رحمه الله
وجليسه في كتاب الحيدة الذي حكى فيه مناظرته بشر
المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى فقال بشر
: أقول لا يجهل ، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم
تقريرا له ، وبشر يقول لا يجهل ولا يعترف له أنه عالم
بعلم ، فقال الإمام عبد العزيز : نفي الجهل لا يكون
صفة مدح ، فان هذه الاسطوانة لا تجهل ، وقد مدح الله
تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي
الجهل ، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل ومن نفى الجهل
لم يثبت العلم ، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله
تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه ويمسكوا عما أمسك عنه .
تقدير الأقدار والآجال
:
قال الطحاوي : وقدر لهم أقدارا
: ومنه قوله تعالى :
]
وخلق كل شيء فقدره تقديرا
[
، وقال تعالى :
]
إنا كل شيء خلقناه بقدر
[
وقال تعالى :
]
وكان أمر الله قدرا مقدورا
[
، وقال تعالى :
]
الذي خلق فسوى
_
والذي قدر فهدى
[
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قـال : ((
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كتب الله
مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين
ألف سنة قال وعرشه على الماء )) ، قال المناوي: أي
أجرى القلم على اللوح أو غيره بتحصيل مقاديرها على وفق
ما تعلق به وإرادته وليس المراد هنا أصل التقدير لأنه
أزلي لا ابتداء له ( قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة ) معناه طول الأمد وتكثير ما بين
الخلق والتقدير من المدد لا التحديد إذ أن مفهوم العدد
لا يحتج به عند أهل الأصول ، ( وعرشه على الماء )
وفيه صراحة بأن أول المخلوقات العرش والماء واللّه
أعلم .
وقال الطحاوي وضرب لهم آجالا
:يعني أن الله سبحانه وتعالى قدر آجال الخلائق بحيث
اذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال
تعالى :
]
اذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
[
. قال القرطبي : ((- ولكل أمة أجل : أي وقت مؤقت ...
فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله ، وأجل الموت
هو وقت الموت ; كما أن أجل الدين هو وقت حلوله، وكل
شيء وقت به شيء فهو أجل له ، وأجل الإنسان هو الوقت
الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة ، وهو وقت
لا يجوز تأخير موته عنه, لا من حيث إنه ليس مقدورا
تأخيره ، وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم: إن
المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له, وإنه لو لم يقتل
لحيي ، وهذا غلط , لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره
له, بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب
له ، فإن قيل: فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون
منه؟. قيل له: نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن
يتصرف فيه, لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله ،
ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى
الفساد ودمار العباد. وهذا واضح )) .
وهذا تقرير حسن منه رحمه الله فإنه
تعالى قال :
]
وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا
[
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي لا يموت أحد إلا
بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له ولهذا
قال "كتابا مؤجلا" كقوله
]
وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب
[
" وكقولـه :
]
هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده
[
، وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال
فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه ،
ثم روى عن حبيب بن ظبيان قال: قال رجل من المسلمين وهو
حجر بن عدي ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه
النطفة - يعني دجلة - "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن
الله كتابا مؤجلا" ثم أقحم فرسه دجلة فلما أقحم ، أقحم
الناس فلما رآهم العدو هربوا .
الأمر بطاعة الله :
فإنه تعالى لم يخف عليه شيء قبل أن
يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم : فانه
سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف
يكون ، كما قال تعالى :
]
ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه
[
وان كان يعلم أنهم لا يردون ولكن اخبر أنهم لو ردوا
لعادو ، كما قال تعالى :
]
ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم
معرضون
[
، وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية والذين قالوا انه
لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده وهي من فروع مسألة
القدر
قولـه وأمرهم بطاعته ونهاهم عن
معصيته فذكر الشيخ هنا الأمر والنهي بعد ذكره
الخلق والقدر إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق
لعبادته ، كما قال تعالى :
]
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[
وقال تعالى :
]
الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[
.
المشيئة :
قال الطحاوي : وكل شيء يجري بتقديره
ومشيئته ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد الا ما شاء لهم
فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ، كما قال
تعالى :
]
وما تشاؤون إلا أن يشاء الله أن الله كان عليما حكيما
[
وقال : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين
[
، وقال تعالى :
]
ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا
عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله
[
، وقال تعالى :
]
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن
يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء
[
وقال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إذ قال لقومه :
]
ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد
أن يغويكم
[
، وقال تعالى :
]
من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم
[
إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم
يشأ لم يكن ، وكيف يكون في ملكه ما لا يشاء ومن أضل
سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر ،
والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله
تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، فان قيل يشكل على
هذا قوله تعالى :
]
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا
[
الاية وقوله تعالى :
]
وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من
شيء
[
الآية وقوله تعالى :
]
وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم
ان هم إلا يخرصون
[
، فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم
بمشيئة الله ، وكذلك ذم ابليس حيث أضاف الاغواء إلى
الله تعالى اذ قال :
]
رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين
[
.
وقد أنكر الله عز وجل عليهم ذلك لانهم
احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته ، وقالوا لو كره ذلك
وسخطه لما شاءه فجعلوا مشيئته دليل رضاه ، لأن المشيئة
تعني الإرادة الكونية وهي غير مقصودة لعينها هنا ،
فرد الله عليهم ذلك أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن
مشيئة الله دليل على أمره به أو أنه أنكر عليهم
بمعارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه
بقضائه وقدره فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر فلم
يذكروا المشيئة على جهة التوحيد وانما ذكروها معارضين
بها لأمره دافعين بها لشرعه الذي أمرهم به وارتضاه لهم
( أي الإرادة الشرعية ) وقد احتج سارق على عمر رضي
الله عنه بالقدر فقال وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره
يشهد لذلك قوله تعالى في الآية :
]
كذلك كذب الذين من قبلهم
[
، فعلم أن مرادهم التكذيب فهو من قبل الفعل من أين له
أن الله لم يقدره أطلع الغيب .
أنواع الهداية :
قال الطحاوي : يهدي من يشاء ويعصم
ويعافي فضلاً ، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلى عدلاً ،
والكلام هنا على أنواع الهداية نوعان :
1.
هداية البيان : قال شيخ الإسلام ابن
تيمية : أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة ، بما
جعل فيهم من العقل و بما أنزل إليهم من الكتب و أرسل
إليهم من الرسل ، قال تعالى :
]
تعالى الرحمن
_
علم القرآن
_
خلق الإنسان
_
علمه البيان
[
و قال تعالى :
]
و هدينـاه النجدين
[
ففي كل واحد ما يقتضي معرفته بالحق و محبته له و قد
هداه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة
الآخرة و جعل في فطرته محبة لذلك قد يعرض الإنسان عن
طلب علم ما ينفعه ، ويستبدل بما هو أدنى منه .
2.
هداية التوفيق : وهي أن يوفق الله
تعالى العبد لما يحبه ويرضى ، وتسمى أيضاً هداية خاصة
، قال تعالى :
]
ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم
[
، وقال :
]
اهدنا الصراط المستقيم
[
، وقال تعالى :
]
ما أصابك من حسنة فمن الله
[
، وقال عز وجل على لسان أهل الجنة :
]
الحمد لله الذي هدنا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن
هدانا الله
[
، وقد بين الله تعالى أن هذه الهداية بيده أيضاً كما
قال لنبينا
e
:
]
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء
[
، ويقال أن هذه الآية نزلت بشأن أبي طالب عم النبي
e
الذي مات على الشرك ، ومنه قول رسول الله
e
: (( إنما أنا مبلغ والله يهدي وقاسم والله يعطي فمن
بلغه مني شيء بحسن رغبة وحسن هدى فإن ذلك الذي يبارك
له فيه ومن بلغه عني شيء بسوء رغبة وسوء هدى فذاك الذي
يأكل ولا يشبع )) .
قال ابن أبي العز في بيان قول الطحاوي
الذي تقدم : هذا رد على المعتزلة في مسألة الهدى
والضلال ، حيث قالت المعتزلة الهدى من الله بيان طريق
الصواب ، والإضلال تسمية العبد ضالا وحكمه تعالى على
العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه ، وهذا
مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم (
أي للعباد ) ، والدليل على أن هذه الأفعال مخلوقة كما
أن الهداية بيده تعالى قولـه تعالى :
]
انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء
[
ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه ،
لانه بين الطريق لمن أحب وأبغض ، وقوله تعالى :
]
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[
فلو كان الهدى من الله البيان وهو عام في كل نفس لما
صح التقييد بالمشيئة .
الكلام على الصفات :
تقدم الكلام حول الصفات العلية له
تعالى ، ولا بد أن نورد عقيدة أهل السنة والجماعة في
بعض الصفات التي كانت مثار نزاع بين فرق المسلمين ،
وتقرير العقيدة الحقة إن شاء الله تعالى :
1. المحبة
:
المحبة من الصفات التي أثبتها لله
تعالى لنفسه بما يليق بجلاله ، مثل قوله :
]
وأحسنوا إن الله يحب المحسنين
[
، ففي هذه الآية بيان لمحبة الله تعالى لمن أحسن العمل
( وهو إتيان به على أحسن أحواله وأكملها ، والإحسان هو
أعلى المقامات ، وعندما سأل جبريل
u
النبي
e
عن الإحسان قال : أن تعبد الله كأنك تراه ) والأمر في
هذه الآية بالإحسان لأن ذلك يجلب محبة الله تعالى ،
فإنه تعالى أمر به فهو يحبه ويرضاه ، ومحبته جل وعلا
تستلزم أن يجازيهم أحسن الجزاء ، والآيات في هذا الباب
كثيرة معلومة منها قوله تعالى :
]
وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
[
، وقوله :
]
إن الله يحب المتقين
[
، وقوله تعالى :
]
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
[
، وقوله :
]
من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم
ويحبونه
[
.
أما في السنة فما أخرجه البخاري من
حديث أبي هريرة
t
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله
قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي
عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه
الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها
ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن
استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي
عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته )) .
وقد نفت الجهمية والمعتزلة صفة المحبة
فقالوا : إن الله لا يُحَبَّ ولا يُحِبُّ ، وأولوا
محبة العباد له بمعنى محبتهم عبادته وطاعته ، ومحبته
تعالى للعباد بمعنى إحسانه إليهم وإثابتهم ونحو ذلك ،
وهذا تأويل باطل لأن مودته ومحبته سبحانه وتعالى
لعباده على حقيقتهما كما يليق بجلاله كسائر صفاته
ليستا كمودة ومحبة المخلوقين .
2 . رضى الله وسخطه :
لقد ذكر في القرآن الكريم رضى الله
وسخطه ، فقال تعالى : ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه
[
أي رضي عنهم بما عملوا من الطاعات الخالصة له ، ورضوا
عنه بما جازاهم من النعيم ، والرضا منه سبحانه هو أرفع
درجات النعيم قال تعالى :
]
ورضوان من الله أكبر
[
ورضاهم عنه هو رضى كل منهم بمنزلته حتى يظن أنه لم يؤت
أحد خيراً مما أوتي . وقال تعالى :
]
ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جنهم خالداً فيها وغضب
الله عليه ولعنه
[
، فهنا وصف لغضبه تعالى على قاتل المؤمن المتعمد ، قال
تعالى :
]
ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه
[
،
أما في السنة فقد وردت أحاديث عديدة
فيها إثبات لهذه الصفات مثل قوله
e
: (( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم )) والألد هو
شديد الخصومة ، وأيضاً قال رسول الله
e
: (( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء
الله كره الله لقاءه قالت فقلت يا رسول الله كلنا نكره
الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله
ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن
الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره
الله لقاءه )) .
والشاهد من هذه الآيات والأحاديث أن
فيها وصف الله تعالى بالغضب والرضا واللعن والانتقام
والكراهية ، وهذه كلها من صفات الأفعال التي يفعلها جل
وعلا متى شاء إذا شاء كيف شاء ، وأهل السنة يثبتون ذلك
لله تعالى كما أثبته لنفسه على ما يلق بجلاله
3. الإتيان والمجيء :
هذه من الصفات الاختيارية التي أثبتها
أهل السنة له تعالى ، قال تعالى :
]
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام
والملائكة وقضي الأمر
[
، وقوله تعالى :
]
كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً
_
وجاء ربك والملك صفاً صفاً
[
، والشاهد من هذه الآيات أنها أفادت إثبات المجيء
والإتيان لله يوم القيامة بذاته على ما يليق بجلاله
لفصل القضاء بين عباده ومجيئه وإتيانه سبحانه من صفاته
الفعلية يجب إثباتها على حقيقتها ولا يجوز تأويلها
بمجيء أو إتيان أمره كما يفعله نفاة الصفات ، فيقولون
: ( وجاء ربك ) أي جاء أمره وهذا من تحريف آيات الله
تعالى .
أما السنة فما ثبت عند البخاري ومسلم
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : (( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة
إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول : من
يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر
له )) فنزول هنا نزول يليق بجلاله نؤمن به ولا نشبهه
بنزول المخلوق لأنه سبحانه
]
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[
وهذا الحديث فيه إثبات النزول الإلهي – وهو من صفات
الأفعال .
قال ابن القيم رحمه الله : والإتيان
والمجيء المضاف إليه سبحانه نوعان : مطلق ومقيد ، فإذا
كان المراد مجيء رحمته أو عذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما
في قوله تعالى :
]
ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم
[
، والنوع الثاني : الإتيان والمجيء المطلق فهذا لا
يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله تعالى في الآيات
والأحاديث المتقدمة
4 . صفة الوجه :
قال تعالى :
]
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
[
، وقال تعالى :
]
كل شيء هالك إلا وجهه
[
، ففي هذه الآيات يخبر الله تعالى أن كل من على الأرض
يعدم ويموت ، ويبقى وجهه سبحانه ، وقد دل الكتاب
والسنة على إثبات هذه الصفة ، أما الكتاب فهذه الآية
والتي بعدها ، فيها إثبات الوجه على الوجه اللائق
بجلاله وعظمته ، وأما السنة ، فقد صح عنه
e
أنه كان يقول : (( أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ))
.
وفيما تقدم رد عل من أنكر صفة الوجه أو
أولها بتأويل باطل ، مثل تفسير الوجه بالثواب ، بل ما
عليه أهل السنة هو إثبات ذلك بما يليق بجلاله وعظمته
تعالى . ولا بد من الإشارة إلى أن المضاف إلى الله
تعالى نوعان : أعيان قائمة بنفسها مثل قولنا ناقة الله
وبيت الله وروح الله ، فهذه إضافتها إلى الله تقتضي
الاختصاص والتشريف ، وهي من جم المخلوقات . النوع
الثاني : صفاتٌ لا تقوم بنفسها كعلم الله وعزته ووجهه
، فهذه إن وردت مضافة إليه فهي من باب إضافة الصفة إلى
الموصوف .
5. صفة اليدين :
قال تعالى على سبيل الإنكار والتوبيخ :
]
يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[
أي أيُّ شيء منعك وصرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه
بيدي من غير واسطة ، وأضاف الله تعالى خلق آدم إليه
تكريماً وتشريفاً ، مع أنه تعالى خالق كل شيء ، كما
أضاف إليه البيت والروح والناقة ، وفي تثنية اليد أعظم
دلالة على أنهما ليست بمعنى القدرة أو القوة ، بل
لدلالة على أنهما صفتان من صفاته الذاتية .
وفي السنة ما يدل على ذلك أيضاً ما
أخرجه مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : (( إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء
النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع
الشمس من مغربها ))
6. إثبات العينين لله تعالى :
قال تعالى : ب واصبر لحكم ربك فإنك
بأعيينا
[
، وقال :
]
وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان
كفر
[
، ففي هاتين الآيتين إثبات العينين على ما يليق بجلال
الله وعظمته ، وهما من الصفات الذاتية التي لا تنفك
عنه ، فيجب إثباتهما لله على الوجه اللائق بجلاله
وعظمته لثبوتهما بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فتقدم ،
وأما السنة فقول النبي
e
واصفاً حال الدجال : (( إن الله ليس بأعور ألا أن
المسيح الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية )) ،
وفي حديثٍ آخرٍ : (( إذا قام العبد في الصلاة قام بين
عيني الرحمن ))
فائدة
:
لا بد من التفريق بين أسماء الله تعالى
التي بلفظ الاسم مثل الرحمن ، الرحيم ، السميع العليم
ونحو ذلك ، فهذه أسماء يدل كل منها على صفة من صفات
الله ، وبين الاسم المضاف الذي يشتق منه الفعل وما جاء
بلفظ الاسم المضاف كقوله :
]
يخادعون الله وهو خادعهم
[
]
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم
شديد
[
، فهذا الاسم يطلق على الله بلفظ الإضافة كما ورد ن
وبلفظ الفعل فيقال ( خادع المنافقين ) ( إن أخذ الله
شديد ) ولا يقال أن من أسمائه المخادع أو الخادع ولا
الشديد ولا الآخذ ، ولأنه لم يرد ، ولأنه يفهم من هذه
التسمية نوع من نقصٍ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
كذلك من المفيد الإشارة في هذا المقام
إلى قوله تعالى :
]
ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، وقوله :
]
إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيدا
[
، فهذه تطلق على الله تعالى كما وردت ولا يجوز أن يشتق
لله تعالى منه اسم ، فلا يقال من أسمائه الماكر ولا
الكائد ؛ لأنه لم يرد ، وقيل مكراً وكيداً فهو من باب
المقابلة نحو
]
وجزاء سيئة سيئة مثلها
[
.
المعية تنقسم إلى قسمين : عامة وخاصة ،
وهما كسائر الصفات لا يعلم كيفيتها إلا الله عز وجل:
القسم الأول العامة وتكون للخلق
كافة ودليلها من القرآن قوله تعالى: ﴿ ما يكون من نجوى
ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا
أدنى من ذلك ، ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، ثم
ينبئهم بما علموا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ﴾
قال ابن القيم رحمه الله : تأمل كيف جعل نفسه رابع
ثلاثة وسادس الخمسة إذ هو غيرهم سبحانه بالحقيقة لا
يجتمعون معه في جنس ولا فصل وقال : ﴿ لقد كفر الذين
قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ فإنهم ساووا بينه وبين
الاثنين في الألوهية ، والعرب تقول رابع أربعة وخامس
خمسة ، وثالث ثلاثة لما يكون فيه المضاف من جنس المضاف
.
المعية الخاصة
: وتكون للمؤمنين خاصة كما قال تعالى : والدليل عليه
قوله تعالى : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ ، وفي هذه
الآية حكاية عما قاله
e
لأبي بكر وهما في الغار وقد أحاط المشركون بفم الغار
عندما خرجوا في طلبه عليه السلام فلما رأى أبو بكر ذلك
أنزعج وقال : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه
لأبصرنا ، فقــال له رسـول الله
e
: ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ ففي هذه الآية دليل على
المعية الخاصة وهي من الصفات الفعلية .
أما الفرق بين المعية العامة والخاصة
فيمكن حصرها الآتي :
1.
إن المعية العامة من الصفات الذاتية ،
أما الخاصة فهي من الصفات الفعلية .
2.
إن المعية العامة تكون في سياق تخويف
ومحاسبة على الأعمال وحث على المراقبة ، في حين أن
مقتضى الخاصة الحفظ والعناية والنصرة والتوفيق
والتسديد ، والحماية من المهالك واللطف بأنبيائه ورسله
وأوليائه .
3.
إن المعية الخاصة مرتبة على الاتصاف
بالأوصاف الجميلة والأخلاق الحميدة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وليس معنى
قوله تعالى ﴿ وهو معكم ﴾ أنه مختلط بالخلق ، فإن هذا
خلاف ما أجمع عليه السلف من الأمة وخلاف ما فطر الله
عليه الخلق ، بل القمر من آيات الله من أصغر مخلوقاته
وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وفوق المسافر
أينما كان ، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن
عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته ، وكل
هذا الكلام الذي ذكره الله أنه فوق العرش وأنه معنا
على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ، ولكن يصان عن الظنون
الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله : ﴿ في السماء ﴾ تقله
أو تظله ، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان فإن
الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض ، وهو الذي يمسك
السماوات والأرض أن تزولا ، ويمسك السماء أن تقع على
الأرض إلا بإذنه ، ومن آياته أن تقوم السماء بأمه .
الإيمان :
الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق
بالجنان وجميع ما صح عن رسول الله
e
من الشرع والبيان كله حق
والإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم
بالخشية والتقي ومخالفة الهوى وملازمة الأولى
.
اعلم أن الناس اختلفوا فيما يقع عليه
اسم الإيمان اختلافا كثيرا فذهب مالك والشافعي وأحمد
والاوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل
المدينة رحمهم الله وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين
إلى أنه : تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان
، وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله
أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان .
ومنهم من يقول : إن الإقرار باللسان
ركن زائد ليس بأصلي والى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي
، ويروى عن أبي حنيفة رحمه الله ، وذهب الكرامية إلى :
أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط ، فالمنافقون عندهم
مؤمنون كاملو الإيمان ، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون
الوعيد الذي اوعدهم الله به ، وقولهم ظاهر الفساد .
وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن
الصالحي أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة
بالقلب ، وهذا القول أظهر فسادا مما قبله فإن لازمه أن
فرعون وقومه كانوا مؤمنين فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون
عليهما الصلاة والسلام ولم يؤمنوا بهما ولهذا قال موسى
لفرعون : ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات
والأرض بصائر ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وجحدوا بها
واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة
المفسدين ﴾ .
ولهذا والله أعلم قال الشيخ رحمه الله
: ( وأهله في أصله سواء ) يشير إلى أن التساوي إنما هو
في أصله ولا يلزم منه بالتساوي من كل وجه ، بل تفاوت
درجات نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيها
إلا الله تعالى ، فمن الناس من نور لا إله إلا الله في
قلبه كالشمس ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري
وآخر كالمشعل العظيم وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج
الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين
أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور
الإيمان والتوحيد علما وعملا ، ومن عرف هذا عرف معنى
قول النبي إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا
الله يبتغي بذلك وجه الله وقوله لا يدخل النار من قال
لا إله إلا الله .
والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم
يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقد فإن هذا من
المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام فإن المنافقين
يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل
من النار فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما
تتفاضل بتفاضل ما في القلوب ، وتأمل حديث البطاقة التي
توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد
البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب صاحبها
ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة وكثير منهم يدخل
النار .
والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من
الكتاب والسنة والآثار كثيرة جدا منها قولــه تعالى :
﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ﴾ ، ﴿ ويزيد
الله الذين اهتدوا هدى ﴾ ، ﴿ ويزداد الذين آمنوا
إيمانا ﴾ وغيرها من الآيات .
وقد وصف النبي النساء بنقصان العقل
والدين ، وقال : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه
من ولده ووالده والناس أجمعين )) ، والمراد نفي الكمال
ونظائره كثيرة وحديث شعب الإيمان وحديث الشفاعة وانه
يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من
إيمان ، فكيف يقال بعد هذا أن إيمان أهل السماوات
والأرض سواء ، وإنما التفاضل بينهم بمعانٍ أخر غير
الإيمان .
وكلام الصحابة رضي الله عنهم في هذا
المعنى كثير أيضا منه قول ابي الدرداء رضي الله عنه :
(( من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه ، وما نقص منه ومن
فقه العبد أن يعلم أيزداد هو ام ينتقص )) وكان عمر رضي
الله عنه يقول : (( لأصحابه هلموا نزدد إيمانا فيذكرون
الله تعالى عز وجل)) ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه
يقول في دعائه : (( اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها ))
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لرجل : (( اجلس
بنا نؤمن ساعة )) ومثله عن عبد الله بن رواحة رضي الله
عنه .
وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان فيه
نزاع بين العلماء ، وإنما وعد الله بالجنة في القرآن
وبالنجاة من النار باسم الإيمان كما قال تعالى : ﴿ ألا
إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين
آمنوا وكانوا يتقون ﴾ وقال تعالى : ﴿ سابقوا الى مغفرة
من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين
آمنوا بالله ورسله ﴾ ، وأما اسم الإسلام مجردا فما علق
به في القرآن دخول الجنة لكنه فرضه وأخبر انه دينه
الذي لا يقبل من أحد سواه وبه بعث النبيين : ﴿ ومن
يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ﴾ .
فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام
بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر ، فمثل
الاسلام من الايمان كمثل الشهادتين إحداهما من الاخرى
فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية فهما شيئان في
الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم
كشيء واحد كذلك الإسلام والايمان لاإيمان لمن لا إسلام
له ولا إسلام لمن لا إيمان ، له إذ لا يخلوا المؤمن من
إسلام به يتحقق إيمانه ولا يخلوا المسلم من إيمان به
يصح إسلامه ونظائر ذلك في كلام الله ورسوله وفي كلام
الناس كثيرة .
ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان قوله
تعالى : ﴿ قالت الأعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا
أسلمنا ﴾ ، ورجح هنا أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان
لا أنهم منافقون كما نفى الإيمان عن القاتل والزاني
والسار& |