من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

   ملخص الكتاب

فإن الخيرية التي أنعم بها الله  على هذه الأمة قد تأتت من الدعوة إلى الله تعالى سراً وعلانية ، أفراداً وجماعات ، وهي من أفضل الدعوات وأشرفها على هذه الأرض كما قال تعالى : ] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [ [ فصلت : 33 ]  ، وفي هذه الآية يتضح جلياً الأمانة التي وضعها الله تعالى في أعناق العلماء كافة للدعوة ، وذب البدع والخرافات عن هذا الدين ، وتحذير الناس من شر الشيطان وشركه ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية : (( وأي كلام أحسن من القرآن ومن أحسن قولاً من داعى إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم )) ([1]) ، من أجل ذلك فليتنافس المتنافسون في طاعة الله عز وجل ، حاملين أفئدتهم على المحابر والورق ، يدونون ما فتح الله عليهم من الحق ، داحضين الباطل الذي يتربص بالإنسان المسلم حيثما كان .

ولقد لحق بهذا الدين الافتراق ، حاله حال الأديان الأخرى ، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : ((  إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي  )) ([2]) ، وكان هذا الافتراق من ابرز العوامل التي جعلت جسد الأمة ضعيفاً ينتشر بين أطرافه الضعف والوهن ، وما كان الله ليذر المسلمين على هذا الافتراق دون أن يهيأ لهم من يبيّن لهم سواء السبيل ، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم .

ومن هؤلاء العلماء المخلصين الصادقين ، علامة العراق السيد محمود شكري الآلوسي ، الذي قضى حياته في الذود عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وبيان سبيل الحق ، وقمع أهل البدع والزيغ الذين قعدوا في كل مرصد يظنون أن لحن قولهم وتنميق كلماتهم مانعتهم من الله ، ولكن لله تعالى جنوداً نذروا حياتهم وسخروا إمكانياتهم لاعلاء كلمة الله ، فكان الآلوسي واحداً منهم ، وإن ذكرناه فإنما نذكره بفخر واعتزاز ، نسأل الله تعالى أن يتقبل عمله ، ويحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .

والصراع الذي خاضه الآلوسي مع أهل الأهواء والبدع لم يكن صراعاً هيناً ، بل كان صراعاً مريراً تعرض فيه لأذى المشاغبين الذين لا يميزون بين الغث والسمين ، وكان السبب في ذلك أن العصر الذي عاش فيه الآلوسي كان عصر التغييرات في العالم الإسلامي ، خاصة مع بداية انهيار الدولة العثمانية ، ومجيء جماعة ( الاتحاد والترقي ) إلى سدة الحكم في استنبول ، والتي أدت بالتالي إلى إلغاء الخلافة العثمانية ، وبداية سقوط هذا البلد الإسلامي بيد العلمانيين بعد نهاية الحرب العالمية الأولى .

ولم تكن الدولة العثمانية ، رغم أنها كانت الدولة التي رعت الإسلام والمسلمين مدة تقارب الأربعة قرون ، لم تكن هذه الدولة بمستوى التطورات المتلاحقة في العالم ، وكان للاتجاه الصوفي الذي سلكته هذه الدولة - وحافظت عليه دون تغيير في هذه الحقبة الطويلة من الزمن - أثرٌ كبير في انهيارها ومحاربتها لكل دعوة إسلامية مخلصة من أجل إنقاذ الأمة مما هي فيه من خرافات وبدع وجهل ، بل وقفت الدولة العثمانية ضد حركات التجديد التي ظهرت في العالم الإسلامي ، خاصة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ، مدعومةً من العلماء المقلدين المتعصبين الذين وجدوا في هذه الدولة ملاذاً آمناً لشهواتهم ، فحاربوا كل جديد بدعوة المحافظة على وحدة الدولة ، وهم كانوا أول من مزقها ، مدعين أن نصرة الأمة الإسلامية تكون في المحافظة على نهجهم والأخذ بمشورتهم ، ولم تكن هذه الطرق الصوفية إلا وبالاً على الدولة ، بل لم تكن تقل خطراً من الدول الاستعمارية الطامعة في ممتلكاتها بسبب قلة فهمهم وقصر نظرهم ، ويصف الآلوسي ذلك بقوله : (( وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية ، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها ، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء وإلتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم وأعمالهم عبارة عن مسالك الحيات والعقارب ونحو ذلك )) ([3]) ، إن هذا الوصف الدقيق لما كان عليه مشائخ الطرق الصوفية في البلاد العثمانية من بدع وخرافات من قبل الآلوسي نفسه يبين ما كانت تتمتع به من رعاية من قبل الدولة العثمانية التي شجعت هذه الطرق عن طريق المال وتوفير الدعم المعنوي لهم ، كما أنها قامت ببناء عدد من التكايا والزوايا ، وجعلت كلمتهم هي العليا بين علماء البلاد كافة ، بل أصبحت هذه الطرق سلماً لنيل المكاسب المادية والوظيفية لأصحابها ، فلا تكاد ترى قاضياً أو مستشاراً أو مفتياً إلا وهو منهم([4]) .

وكانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى درجة عظيمة من الوهن والضعف ، حتى أطلق عليها الأوربيون ( الرجل المريض ) ، وكانت النتيجة أن انتهى الأمر إلى تلك النهاية المحزنة للمسلمين كافة ، عندما انهارت الدولة العثمانية ، وفقد المسلمون معها قوة عسكرية وسياسية أعطتهم هيبة بين الأمم ، بل انقلبت هذه الدولة - على يد شرذمة من معتنقي الماسونية - من دولة تمثل الخلافة الإسلامية والمسلمين إلى دولة علمانية تحارب كل ما هو إسلامي ، عندما تأسست دولـة تركيا الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية سنة 1924م .

 كانت هذه الحالة قد انعكست انعكاساً سلبياً على ولاياتها ، أو ما تبقى منها ، خاصة في الشام والعراق ، وكان للعراق خصوصية أكبر من الشام نظراً لما يتمتع به من مقومات بشرية واقتصادية ، فاصبح محط نظر لأطماع الطامعين وكان على رأسها الدولة الصفوية في إيران التي كانت تتربص بالدولة العثمانية الدوائر ، على اعتبار أن الدولة العثمانية هي دولة سنيّة ، والدولة الصفوية هي دولة شيعية إمامية ، وقد حرصت الدولة الصفوية عبر تاريخها الطويل على مد نفوذها إلى العراق من أجل الوصول إلى مراقد الأئمة في النجف وكربلاء ، والتي تمثل مركزاً روحياً كبيراً عند الشيعة الإمامية ، فقامت ببث الدعاة في القرى والأرياف ، فانتشر فيها بسبب الجهل كانتشار النار في الهشيم ، فتحولت قرى كاملة لعقيدة الإمامية ، قال الآلوسي واصفاً ذلك : (( ولقد أصبح اليوم أعراق قطر العراق ، مملوّة من سم أذنابهم فلا ينجع فيه ترياق ولا ألف راق ، فقد ارتد غالب القبائل والعربان على أعقابهم ، ورجعوا - والأمر لله تعالى - على أدبارهم ، فرفضوا شعائر الإسلام وأهملوا سائر الأحكام ، واتخذوا بغض أئمة الدين عباده ، وصيّروا مقت أصحاب سيد المرسلين وسيلة لنيل السعادة ، وقعدوا عن نصرة إمام المسلمين في الجهاد ، بل عدوا ذلك من باطل الاعتقاد ... )) ([5]) ، وكان ذلك تحصيل حاصل للتخلف المقدع الذي رزخت حوله ولايات الدولة العثمانية ، خاصة انتشار الأمية والجهل ، وغياب الدعاة من أهل السنة والجماعة بعد أن أفرغت الساحة لمشائخ الطرق الصوفية ، الذين أهملوا أمر الدعوة ، ولم يكونوا يفكرون إلا بمصالحهم ومصالح مريديهم ، ومحاربة الدعوات السلفية ودعوات الإصلاح الأخرى التي طالبت بالعودة إلى الإسلام الصافي بعيداً عن البدع والخرافات ، ولم تقف الدولة العثمانية موقفاً حازماً تجاه دعاة الرفض ، لأنها لم تكن تعي خطرهم عليها ، خاصة وأن هذه الدولة بدأت تحتضر في القرن التاسع عشر الميلادي ، ومن ثم تحول عامة الناس في جنوب العراق من عقيدة أهل السنة والجماعة إلى عقيدة الشيعة الإمامية ، وكانت هذه الخسارة كبيرة لأهل العراق خاصة وللمسلمين عامة([6]) .

كان لا بد للعلماء المخلصين في مثل هذه الأخطار الجسام التي أصابت جسد الأمة أن يبينوا الحق للناس كافة ولا يكتمونه استناداً إلى قوله تعالى ] لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ [ آل عمران : 187 ] ، ولم يكن هؤلاء العلماء ، خاصة أصحاب العقيدة السليمة ، بمنأى عن التشويش والتنفير الذي مارسه المقلدين والمتصوفة المتعصبين تجاههم ، فكانوا يجاهدون بألسنتهم وبأقلامهم على أكثر من جبهة ، وفي أكثر من اتجاه ، ولكن إخلاصهم وتفانيهم في سبيل الحق ، ونصرهم لكلمة الله جعلهم في الطليعة دائماً ولو كره المبطلون ، فظهر عدد كبير من العلماء الذين قاموا بتصنيف الكتب الكبيرة والرسائل الصغيرة لنصرة مذهب أهل السنة والجماعة ، ورد شبهات أهل الرفض والبدعة ، وفضح مكائدهم ، وبيان عقيدتهم للناس كافة لكي لا يغتر بها الجهلة والسذج منهم .

وقد حاول علماء السنة في العراق الانتفاع بتجربة إخوانهم الذين سبقوهم في هذا الميدان ، وهم علماء الهند وباكستان الذين صنفوا المؤلفات الكثيرة في بيان عقيدة الإمامية وفسادها ، وبيان ما هم عليه من زيغ وضلال للمسلمين في تلك البلاد وغيرها ، قال الآلوسي : (( وقد ألف في إبطال مذاهب هذه الفرقة السالكة طريق الردى ، والفئة الزائغة عن منهج الهدى ، كتب تصدع بالحق ، وتنطق بالصدق وتقلع أساس الكفر من محله ، وتستأصل عرق الرفض من أصله ، غير أن البعض منها فيه إطناب ممل ، والبعض الآخر فيه إيجاز مخلّ )) ([7]) .

ثم نهض علماء العراق بمهمة التأليف والتصنيف والترجمة والاختصار لهذه المؤلفات التي كان بعضها قد كتب بالفارسية أو بالهندية أو بالعربية ، وقد شارك بهذه المهمة خيرة علماء العراق من عرب وأكراد بهذا النشاط العلمي العظيم ، الذي لازال الناس ليومنا هذا ينتفعون به ، ويطالعونه ويثنون على من أوصله إلينا بهذا الشكل الذي لا يمكن إلا أن نجل أصحابه ونترحم على من سعى لأجله ، فرحم الله هؤلاء العلماء ، وجعل علومهم نافعة للمسلمين عامة إلى يوم القيامة .

ولم يقتصر عمل هؤلاء العلماء على الاختصار والترجمة بل تعداه إلى التأليف والتصنيف ، ويمكن أن نستعرض أهم هؤلاء العلماء الذين ظهروا في هذه الحقبة :

1. علي بن أحمد الهيتي ( كان حياً سنة 1025هـ ) [8 : وهو من علماء العراق ، ونسبته إلى هيت مدينة على الفرات ، صنف لنا ( السيف الباتر لرقاب الشيعة الروافض الكوافر ) ([9]) .

2. عبد الله بن محمد الكردي البيتوشي ( ت 1221هـ ) ([10]) : كان أديباً نحوياً ، ولد في بيتوش من قرى الكرد في العراق ، وقدم بغداد ونزل البصرة وتوفي بالأحساء ، ألف كتاباً في الرد على الإمامية سماه : ( طريقة البصائر إلى حديقة السرائر في نظم الكبائر ) ([11]) .

3. محمد أمين بن علي بن سعيد السويدي البغدادي ( ت 1236هـ ) ([12]) : كان فقيهاً ورعاً ذا عقيدة سليمة ، وقد ألف كتاباً ضخماً سماه ( الصارم الحديد في عنق صاحب السلاسل العنيد ) ، وهو كتاب ضخم الحجم بلغت عدد لوحاته ( 700 ) لوحة([13]) .

4. بدر الدين عثمان بن سند النجدي ( ت 1242هـ ) ([14]) : كان أديباً بارعاً في اللغة سلفي الاعتقاد ، نظم قصيدة في الرد على الشاعر دعبل الخزاعي الرافضي سماه ( الصارم القرضاب في الرد على من سب أكارم الأصحاب ) وهو أكثر من ألف وستمائة بيت .

5. محمود بن عبد الله شكري الآلوسي ، شهاب الدين الحسيني ( ت 1270هـ ) ([15]) : وهو من أشهر علماء العراق ، وقد أتت هذه الشهرة من تأليفه لتفسيره الشهير ( روح المعاني ) ، وله مؤلفات كثيرة غيره ، منها ما يخص الردود على الروافض أكثر من مؤلف وكتاب منها ( الأجوبة العراقية على الأسئلة اللأهورية ) وهي إجابات عن أسئلة وردتـه فـي الـرد على الإمامية([16]) ، ( الأجوبة العراقية على الإيرانية ) وهي إجابات أيضاً لأسئلة وردته من إيران([17]) ، ( النفحات القدسية في الرد على الإمامية )([18]) ، ( نهج السلامة إلى مباحث الإمامية ) ([19]) .

6. محمود شكري الآلوسي ، مؤلف هذا الكتاب ، وله أكثر من مؤلف ومختصر ، وسنتكلم عن مؤلفاته في فقرة مستقلة .

وبعد هذا الاستعراض لهذه الكوكبة من العلماء الذين بذلوا الجهد العظيم لنصرة هذا الدين وإزهاق الباطل ، يتبين أن هذا النتاج ما كان ليظهر لولا الخطر العظيم الذي أحدق بالأمة في تلك الأيام العصيبة من تاريخها ، وفي أرض عزيزة من بلاد المسلمين ، كانت عبر تاريخها منارة من منارات الإسلام الشامخة ، إلا أن كيد الأعداء كان يتربص بـها ، ] وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ [ الأنفال : 30 ].

وقد عادت في هذا العصر دولة الرفض من جديد إلى مكانها ، وبدأت تبث سمومها عبر وسائل الإعلام الحديثة بكل أنواعها من جديد إلى الجهلة من اتباع عقيدة الإمامية في العراق ، بعد أن مر على هذه البلاد ما مر ، وتعاقبت على أهلها السنوات العجاف ، فبدأ الرفض يظهر مجدداً بصوت مسموع في تلك البلاد ، معلناً عقيدته ناشراً لها ومستقطباً للجهلة من العوام الذين يظنون أن الحق في ما قالت شيعة فارس ، لا ما قال أهل الحرم ، فيسر الله تعالى من جديد لهذا الدين دعاة حملوا أرواحهم على أكفهم وساروا في هذه الأرض المحرمة على أهل السنة والجماعة ، فعاد كثير من أهلها رجالاً ونساءً إلى الله عز وجل ، تائبين موحدين على نهج السلف المبارك ، وكاتب هذه الكلمات من بين هؤلاء الذين أنعم الله تعالى عليهم بالعودة إلى دينه الحق ، بعد أن رفض أجداده دين الإسلام ، وتقمصوا دين فارس ، فالحمد لله على نعمة الإيمان ، والحمد لله الذي فتح لبلادنا من جديد دعوة السلف القائمة على التوحيد الخاص ، والسائرة على نهج النبوة الذي لا عوجاج فيه ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال على أهل الشرك : (( لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً )) ([20]) .

إن أصل الكتاب هو ( الصواقع([21]) المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة ) ، وهي من تأليف الشيخ نصير الدين محمد المشهور بخواجة نصر الله الهندي المكي ، ورغم أني بذلت جهداً كبيراً في محاولة الحصول على ترجمة لهذا الرجل ، إلا أني فشلت في ذلك ، ولكن ترجح لدينا أنه من علماء الهند وعاش في القرن الثاني عشر الهجري ، وربما تكون هذه التسمية هي تسمية مستعارة لأحد العلماء المشهورين ، ويعتقد مؤرخو الشيعة أن هذا الكتاب هو من تأليف الشيخ نصر الله الكابلي ، وأبعدوا أكثر من ذلك فقال الطهراني إن التحفة الاثني عشرية ما هي إلا مختصر لهذا الكتاب ، ويعني به ( الصواقع المحرقة ) ([22]) .

إلا أننا لا يمكن أن نسلم بذلك ؛ لأن ليس هناك تطابق بين التسمية التي أوردها الآلوسي للمؤلف وتسمية الطهراني ، وعسى أن ييسر الله تعالى لأخواننا في الهند أو الباكستان الوقوف على صاحب الأصل ، لأنه قد ترجح لدينا أن مؤلف الأصل غير مذكور في كتب الترجمة المكتوبة بالعربية والمنتشرة في المكتبات العربية .

وعلى أية حال ، فإن هذا الكتاب كان قد أعجب علامة العراق محمود شكري الآلوسي ، فسعى إلى اختصاره وتشذيبه وإضافة بعض الفوائد إليه ، والأمر المهم في هذا التلخيص أنه حصل بعد أن لخص الآلوسي ( التحفة الاثني عشرية ) ، قال الآلوسي : (( ولقد لخصت فيما مضى ترجمة التحفة الاثني عشرية بألفاظ موجزة وعبارات مرضية ، وقد ظفرت في هذه الأيام بكتاب الصواقع المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة ... فرأيته كتاباً تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل ، وهو أشبه شيء بالتحفة الاثني عشرية ، وأوفقها بجميع ما انطوت عليه من كلية وجزئية ...)) ([23]) ، إلا أن الكتاب مع ذلك كان بحاجة إلى تشذيب وعادة سبك أكثر عباراته ، لأن فيه عبارات صعبة الفهم ، وفيه مصطلحات لا يفهمها إلا العلماء ، فسعى الآلوسي إلى بسطه وشرحه للناس كافة حيث قال : (( غير أن فيه بعض الزيادات ، تعد من جمة الإفادات ، وكان مفتقراً إلى الإيجاز وتبديل بعض عبارات فيه كالإلغاز ، حيث إنّ المؤلف رحمه الله تعالى أدى غالب مقاصده بألفاظ غير مأنوسة الاستعمال ، وكلمات لا تكاد تعرف إلا بمراجعة كتب اللغة وكمّل الرجال ، وقد اشتملت مع ذلك على ذكر حكايات لا تفيد شيئاً لدى الخصام والمشاجرات ، وعلى عبارات لا دخل لها في المقصد ، ولا تعرض لها في دفع الخصم الألد . فأحببت أن ألخصها ليعم نفعها ، وأختصرها كي يسهل أخذها ، ونقلها وسميت ما كتبته واختصرته ولخصته ( السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة ) )) ([24]) .

من خلال ذلك يتبين أن هذا الكتاب له أهمية خاصة لاعتبارين ، الأول إن الآلوسي قام باختصاره بعد أن انتهى من اختصار ( التحفة الاثني عشرية ) ، وهذا له أهميته على اعتبار أن الآلوسي قوت شوكته وازدادت علميته ، ففي هذا الكتاب فوائد جمّة سوف يطلع عليها القارئ لأنها غير موجودة في مختصر التحفة ، والاعتبار الثاني إن هذا الكتاب هو أكبر حجماً سواء كان بالأصـل أم بالمختصر من ( التحفة الاثني عشرية ) ومختصرها ، ولذا حوى معلومات أكثر ، وفوائد أكبر ، فأتى كاملاً في مقاصده مستوعباً لما فات في مختصر التحفة ، ولا يمكن أن نحيط بفؤائد الكتاب إلا بعد المطالعة لسطوره ، ومتابعة عباراته .

وهناك مشكلة فنية تتعلق بمخطوط الكتاب ، إذ أن الآلوسي كتب مسودة الكتاب دون أن يبيضه ، فكان هذا من المخطوط فيه العديد من الأخطاء والتصحيفات وبعض السقط ، وهناك إضافات كثيرة أضافها الآلوسي من الهوامش ، وربما وجدت في بعض الصفحات أسطر عديدة تم حذفها أو استبدلت بغيرها ، وهذا أمر معهود في كتابات الآلوسي رحمه الله ، إذ كان نادراً ما يراجع مؤلفاته أو يعيد تبييضها من جديد ، قال تلميذه الأثري : (( وقد كان قليل العناية بمؤلفاته لا يتعهدها بالتهذيب والتشذيب ، ولا يكاد يلفت إليها نظره إلا بإلحاح من السائلين فلذلك بقي أكثرها من نفثة القلم الأولى لم يتطرقه أقل إصلاح )) ([25]) ، وهذا الأمر قد وقع لكتابه هذا ، فلم يسلم من الأخطاء ، ولم يراجعه المؤلف مراجعة تامة أو يعطيه إلى من ينسخه عن الأصل .

والكتاب مع ذلك قد جاء منظماً سليم التسلسل ، واضح العبارة قوي الحجة ، ذو أسلوب أخاذ بليغ ، وهذا الأمر الأخير معهود في مؤلفات الآلوسي ، وقد قسم الآلوسي كتابه إلى ثمانية مقاصد ، كان المقصد الأول أوسعها وأكبرها ، حتى شكل حجمه ربع حجم الكتاب تقريباً ، وضمنه الآلوسي إحدى وعشرون فصلاً ، استعرض فيها الآلوسي اصل الشيعة وظهور فرقها ثم افتراق هذه الفرق واختلافهم في تعيين الأئمة ، كما لم ينس الآلوسي أن يبين مدة بقاء كل فرقة من هذه الفرق وأشهر دعاة كل فرقة منها ، وبعد أن انتهى من ذلك خصص فصلاً كاملاً لمكائد الرافضة ، التي أسهب في استعراضها وتفصيلها قاربت الثمانين مكيدة ، ويعني بالمكيدة هنا الشبهات التي أثارها الشيعة الإمامية لاتباعهم من أجل تشويه عقيدة أهل السنة والجماعة في &