|
مسائل الجهاد
قالوا : الجهاد خاص بمن كان مع النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم أو في زمن خلافة الأمير أو الإمام الحسن قبل
صلحه مع معاوية أو مع الإمام الحسين أو من سيكون مع
الإمام المهدي([1])
، ولا يجوز الجهاد عندهم في غير هذه الأوقات الخمسة ،
مع أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة ، والآيات الدالة
على وجوب الجهاد غير مقيدة بزمان ، بل تدل على أن
الجهاد وفي جميع الأوقات عبادة ومستوجب للأجر العظيم ،
مثل قوله تعالى :
]
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ..
[
الآية [ المائدة : 54 ] فإنها نـزلت في حق الخليفة
الأول([2])
، وقوله تعالى :
]
سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ
أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
..
[
الآية [ الفتح : 16 ] فإنها نـزلت في حق رفقاء
الخليفة الثاني([3])
.
وما وقع عندهم من الجهاد في غير الأوقات المذكورة فهو
فاسد [ عندهم ] ([4])،
فيلزم على هذا أن تكون الغنائم في الجهاد الفاسد ليس
بمشروعة القسمة ، ولا تكون الجواري المأسورة [ مملوكة
] ([5])
لأحد ولا يصح التمتع بهن ، وقد استخرجوا فتوى عجيبة
لتسهيل هذا العسير ونسبها ( صاحب الرقاع )
المزورة ابن بابويه إلى صاحب الزمان إن تلك الجواري
كلها مملوكة للإمام([6])
، وقد حلل الأئمة جواريهم لشيعتهم ، فبهذه الحيلة يجوز
التسري بهن ، وإن كانت مأسورة في الجهاد الفاسد .
وما يوجب العجب بل يضحك المغبون أنك لو سألتهم وقلت :
كيف تسرى [ علي بن أبي طالـب رضي الله تعالى عنه ] ([7])
بخولة بنت جعفر([8])
اليمامية الحنفية التي جاء بها خالد بن الوليد مأسورة
في عهد الخليفة الأول ، وولد منها محمد بن الحنفية ؟
مع أن ذلك الجهاد كان - بزعمهم الفاسد - فاسداً ،
أجابوك بأنه قد صح عندنا أن الأمير اعتقها أولاً ثم
تزوجها([9])
، أولا يفقهون [ 124/ ب ] أن الإعتاق لا يتصور بدون
الملـك ، فيلزم أن يملكها أولاً ثم يعتقها ، مع أن
الإعتـاق نوع من التصرف ، وبه يثبت المدعى .
مسائل النكاح والبيع :
قالوا : لا يجوز النكاح والبيع إلا بلغة العرب([10])
، مع أن اعتبار اللغات في المعاملات الدنيوية لم يأت
في شريعة أصلاً ، ولا أن الأمير كلف أهل خراسان وفارس
في عهد خلافته بأن يعقدوا معاملاتهم بلسان العرب بل
نفذ أنكحتهم وبيوعهم المنعقدة بلغتهم ، وأي دخل للسان
العرب في صحة العقود والمعاملات كالنكاح والبيع
والإجارة والطلاق ، إذ المقصود بها إظهار ما في الضمير
، وهو معين لكل قوم بلغتهم .
وقالوا إن الجد مختار في بيع مال الصغير وله الولاية
عليه مع وجود الأب ، وقد تقرر في الشرع عدم دخول الولي
الأبعد عند وجود الأقرب في كل باب ، وسقوط المدلي عن
المدلى به في الولاية والميراث .
مسائل التجارة :
قالوا إن أخذ الربح من المؤمن في التجارة مكروه([11])
، وقد قال الله تعالى :
]
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا
[
[ البقرة : 275 ] وقال تعالى :
]
إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً
حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ
[
[ البقرة : 282 ] ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً
عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ [ النساء : 29 ] والمؤمن
وغيره سيان في هذا الباب إذ مبنى التجارة والبيع على
تحصيل النفع ، وما توارثه جميع الأمة في كل الأعصار
والأمصار على خلاف هذه المسألة .
فلو اتجر مؤمن في دار الإسلام تجارة بالمؤمنين لا تجوز
له فتصير ديار كثيرة محرومة من هذه الفائدة ، وقد قرر
الأنبياء والأئمة المؤمنين على تجارتهم فيما بينهم مع
أخذ الربح .
مسائل الرهن والدين :
قالوا يجوز الرهن من غير قبض المرتهن المرهون ، وقد
جعل القبض في الشرع من لوازم الرهن ، قال تعالى :
]
فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
[
[ البقرة : 283 ] ولا تتحقق الفائدة المقصودة من الرهن
بدون القبض ؛ لأن المرتهن لا حق له في رقبة المرهون ،
ولا يجوز الانتفاع بمنافعه بلا إذن الراهن ، وليس له
إلا القبض حتى يحصل دينه من المرهون لدى الحاجة ، فإذا
لم يكن هذا أيضاً فائدة فيه للمرتهن ، ومع هذا قد
خالفوا في هذه المسألة الروايات الصحيحة عن الأئمة ،
روى محمد بن قيس عن الباقر والصادق إنهما قالا :
((
لا رهن إلا مقبوض
))([12])
.
وقالوا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون([13])
، وهو ربا محض ، وقالوا إن أرتهن أحد أمة آخر يجوز له
وطؤها ، وهو زنا ، وقالوا إن رهن أحد أم ولده جاز ،
وإن إذن للمرتهن وطأها قبلاً ودبراً جاز أيضاً([14])
، ولا يخفى شناعة هذه المسألة ومخالفتها لقواعد الشرع
.
وقالوا لو أحال رجل دينه على آخر وهو لا يقبل ، لزمت
الحوالة نص عليه أبو جعفر الطوسي وشيخه ابن النعمان([15])
، وفي هذا الحكم غاية غرابة ، ولم يأت في باب [ من
أبواب ] ([16])
الشريعة أن يلزم دين أحد آخر بلا التزامه ، ولو جرى
العمل على هذه المسألة لحصل فساد عظيم ، إذ يمكن لكل
فقير أن يحيل دينه على الأغنياء والتجار في كل بلدة
ويبرئ ذمته .
مسائل الغصب والوديعة :
قالوا [ 125/ أ ] لو غصب رجل مال غيره وأودعه غيره يجب
على المودع إنكار الوديعة بعد موت المودع ، مع أن الله
تعالى شدد الوعيد في إنكار الأمانة ، وإن كان ذلك
المودع غاصباً فعليه ذنبه ، ولكن كيف يجوز لهذا الأمين
إنكار أمانته والحلف بالكذب ؟! .
وقالوا : إن لم يظهر مالك ذلك المغصوب بعد التفحص سنة
واحدة يتصدق به على الفقراء مع أن التصدق من مال الغير
بلا إذنه لا يجوز في الشرع لقوله تعالى :
]
إنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا
[
[ النساء : 58 ] وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
:
((
أدِ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك
))
([17])
، وهو خبر صحيح نص عليه ابن المطهر الحلي([18])
.
وقالوا : إن غصب أحد مال غيره وخلطه بماله بحيث لا
يمكن الامتياز بينهما كاللبن المخلوط باللبن ، والسمن
بالسمن والبر بالبر ونحوها ، يرد الحاكم ذلك المال إلى
المغصوب منه ، وهذا الحكم ظلم صريح ؛ لأن المغصوب منه
لا حق له في مال الغاصب ولا يعالج الظلم بالظلم .
وقالوا إن أودع رجـل أمته عند آخر وأجـاز له وطأها متى
شاء [ جاز ] ([19])
للأمين أن يطأها متى شاء ([20])
.
مسائل العارية :
قالوا : لو قال رجل لآخر حللت لك جميع منافع هذه الأمة
يكون وطؤها له حلالا طيباً وإعارة فروج النساء بالخصوص
أو في ضمن جميع المنافع جائزة عندهم ، وكذا إعارة أم
الولد للوطئ ، وهذه الأحكام كلها مخالفة لقوله تعالى :
]
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَافِظُونَ
_
إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
_
فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ
[
[ المعارج : 29 – 31 ] .
مسائل اللقيطة :
قالوا إن وجد رجلٌ طفلاً مميزاً ضل عن ورثته ، لا يجوز
له التقاطه ولا حفظه ببيته ، ولا شبهة في أن ترك
التقاطه موجب لهلاكه ؛ لأنه لصغره عاجز عن دفع المؤذين
عن نفسه ، غير قادر على كسب نفقته فالتقاطه أوكد من
التقاط الحيوانات .
مسائل الإجارة والهبة والصدقة والوقف :
قالوا : لا تنعقد الإجارة بغير لسان العرب ، وقالوا :
من استؤجر لجهاد الكفار ولحراسة الطريق والشوارع من
قطاع الطريق في زمن غيبة الإمام المهدي لا يكون الأجير
مستحقاً للأجرة ؛ لأن الجهاد في زمن غيبة الإمام فاسد
فلا تصح إجارته ، وقالوا إن جعل شيعي أم ولده أجيراً
لخدمة رجل ولتدبير البيت وأحل فرجها لآخر يكون خدمتها
للأول ووطؤها للثاني .
وقالوا لا تصح الهبة بغير اللغة العربية ، فلو قال رجل
ألف مرة باللسان الفارسي مثلاً بخشيدم بخشيدم لا تكون
هبة ، وقالوا إن هبة وطئ مملوكته فقط صحيحة ويكون
الفرج عارية .
وقالوا يجوز الرجوع عن الصدقة([21])
، وقد قال تعالى :
]
لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ
[
[ البقرة : 264 ] وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
:
((
العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه
))
([22])
.
وقالوا يجوز وقف الهرّة مع أنه لا فائدة في وقفها([23])
، وقالوا إن وقف فرج الأمة صحيح فتلك الأمة تخرج [ إلى
الناس ] ([24])
[ 125/ ب ] ليستمتعوا بها وأجرة هذه المتعة حلال طيب
لمن وقفت له([25])
، فلم يبق فرق بين الشريعة وبين أسلوب الكفار الذين لا
دين لهم .
([1])
قال المجلسي بهذا الخصوص : (( ولا جهاد إلا مع
الإمام )) . بحار الأنوار : 99/10 .
([2])
وقد روى الطبري عن الضحاك في تفسير هذه الآية قال
: (( هو أبو بكر وأصحابه لما ارتد من ارتد من
العرب عن الإسلام جاهدهم أبا بكر وأصحابه حتى ردهم
إلى الإسلام )) . تفسير الطبري : 6/283 ؛ وينظر
أيضاً السيوطي ، الدر المنثور : 3/102 .
([3])
وذهب الطبري في تحديد هؤلاء القوم بأنهم أهل فارس
والروم ، ومعلوم أن قتال هؤلاء كان في عهد أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب
t
. تفسير الطبري : 26/82 .
([4])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 222 ) يقتضيها السياق .
([5])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 222 ) يقتضيها السياق .
([6])
قال المفيد : (( الأنفال لرسول الله صلى الله عيله
وسلم في حياته ، وهي للإمام القائم بعده )) .
تهذيب الأحكام : 4/132 . لأن هذه الدنيا باعتقاد
الإمامية للإمام يتصرف فيها كيفما يشاء ، فقد روى
ابن بابويه القمي عن أبي بصير عن الصادق أنه قال :
(( إن الدنيا للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها حيث
يشاء ... )) . من لا يحضره الفقيه : 2/39 .
([7])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 222 ) يقتضيها السياق .
([8])
هي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن
يربوع ، كانت من سبي اليمامة فصارت إلى علي بن أبي
طالب ، وقد وهبها له أبا بكر الصديق ، قالت أسماء
بنت أبي بكر : (( رأيتها سندية سوداء وكانـت أمة
لبني حنيفة )) . طبقات ابن سعد : 5/91 ؛ المنتظم :
6/228 .
([9])
ويدعي الإمامية أن سبي خولة كانت تعدياً من خالد
بن الوليد وأن علياً أبقاها عند أسماء بنت عميس
إلى أن خطبها فيما بعد من أخوها كما أورد ذلك
القطب الراوندي في قصة طويلة له . الخرائج
والجرائح : 2/81 – 82 . وكل هذا من أحل حل السراري
لهم ، وهذه القصة بالأساس من اختراع القطب
الراوندي ، لأن علياً
t
لم يتزوج من إماء السبي خولة فقط بل تزوج سبية
أخرى هي أم عمر ، قال ابن أبي الحديد في بيان
أولاد الأمير
t
: (( أما محمد فأمه خوله بنت أياس بن جعفر من بني
حنيفة ... وأما عمر ورقية فأمهما سبية من بني تغلب
يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر ، وإمارة
خالد بن الوليد بعين التمر )) . فإن سلمنا برواية
الإمامية بأن خولة قد أعتقت ثم تزوجها الأمير
t
، فما تكون إجابة القوم بخصوص الصهباء ، وقد صرح
أحد علمائهم المعتبرين بأنها سبية ، ولم يشر إلى
أن الأمير اعتقها ؟! .
([10])
قال العاملي وهو بصدد كلامه على عقد الزواج : ((
ولا يجوز بغير العربية مع القدرة )) . اللمعة
الدمشقية : 5/20 ويشمل هذا الأمر البيع أيضاً عند
الإمامية .
([11])
قال ( المحقق ) الحلي : (( ويكره مدح البائع ...
والربح على المؤمن إلا لضرورة ... )) . شرائع
الإسلام : 2/27 .
([12])
العاملي ، وسائل الشيعة : 18/383 .
([13])
قال ( شيخ الطائفة ) الطوسي : (( وإن أقرض شيئاً
وارتهن على ذلك وسوغ له صاحب الرهن الانتفاع به
جاز له ذلك سواء كان ذلك متاعاً أو مملوكاً أو
جارية أو أي شيء كان ... )) . النهاية : ص 116 .
([14])
ورغم توقف الطوسي في هذا ، فإن غيره من فقهاء
الإمامية أباحوا ذلك ، قال ابن إدريس : (( والذي
عندي أنه إذا أباح المالك له وطأها من غير اشتراط
في القرض ذلك ، فإنه جائز حلال )) . السرائر :
2/65 .
([15])
يعني بابن النعمان المفيد ، المقنعة : ص 219 ؛
الطوسي ، النهاية : ص 323 .
([16])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 224 ) يقتضيها السياق .
([17])
الحديث أخرجه الإمام أحمد ، المسند : 3/414 ؛
الترمذي ، السنن ، كتاب البيوع ، باب النهي عن أن
يدفع المسلم إلى الذمي الخمر : 3/564 ، رقم 1264 ؛
أبو داود ، السنن ، كتاب البيوع ، باب الرجل يأخذ
حقه بيده : 3/290 ، رقم 3534 .
([18])
ورواه الإمامية في كتبهم أيضاً عن الأئمة في :
الكافي : 8/293 ؛ تهذيب الأحكام : 6/348 .
([19])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 224 ) يقتضيها السياق .
([20])
تقدم النقل عن كتبهم ما يفيد ذلك .
([21])
قال المرتضى : (( ومما انفردت به الإمامية القول
بأن من وهب شيئاً غير قاصد به ثواب الله تعالى
ووجهه جاز له الرجوع فيه ما لم يتعوض عنه ، ولا
فرق في ذلك بين الأجنبي وذي الرحم )) . الانتصار :
ص 267 .
([22])
الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس ، الصحيح ، كتاب
الهبة ، باب هبة الرجل لامرأته : 2/915 ، رقم 2449
؛ مسـلم ، الصحيح ، كتاب الهبات ، باب تحريم
الرجوع في الصدقة والهبة : 3/1241 ، رقم 1622 .
([23])
كما نقل ذلك ( المحقق ) الحـلي ، شرائع الإسلام :
2/444 ؛ ( العلامة ) الحلي ، قواعد الأحكام : ص
215.
([24])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 227 ) يقتضيها السياق .
([25])
قال ( المحقق ) الحلي : (( يصح وقف المملوكة ،
ينتفع بها مع بقائها ويصح قبضها )) . شرائع
الإسلام : 2/444 .
|