|
مسائل القضاء
قالوا : لا ينفذ قضاء القاضي في الحدود ، بل لا بد
فيها من الإمام المعصوم([1])
، فيلزم تعطيل الحدود في زمن غيبة الإمام أو عدم تسلّط
الأئمة كما كانت في الأزمنة الماضية ، كذلك ولو كان
موجوداً في محل فمن يقيم الحدود في محل آخر مع أن ليس
في جميع العبادات والمعاملات والكفارات موقوفاً على
حضور الإمام فلتكن إقامة الحدود أيضاً من ذلك .
وقالوا : يشترط في القضاء علم الكتابة([2])
، مع أنه لا دليل عليه ، بل إن الدليل قائم على خلافه
، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له
منصب القضاء بلا ريب لقوله تعالى :
]
أَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ
اللَّهُ
[
[ النساء : 105 ] ولم يتصف بالكتابة لقوله تعالى :
]
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ
قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
[
[ العنكبوت : 48 ] مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك .
مسائل الدعوى :
قالوا : تقبل دعوى امرأة ماتت ابنتها [ بأنها تركت عند
ابنتها المتوفاة متـاعاً أو خادمـاً بالأمانة وذلك ] ([3])
من غير بينة ولا شهود ، نص عليه ابن بابويه ، مع أنه
مخالف لقوله تعالى :
]
لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا
بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ
الْكَاذِبُونَ
[
[ النور : 13 ] ، ولقوله عليه الصلاة والسلام :
((
البينة على المدعي واليمين على من أنكر
))
([4])
، وأيضاً لو قبلت الدعاوى من غير بينة لفسد الدين
وأختل نظام المسلمين .
وقالوا : لو ادعى أحد على عدوه بالزنا ، وليس عنده
شهود على إثبات هذه الدعوى ، يحلّف ولا يحد بالقذف ،
نص عليه شيخهم المقتول في ( المبسوط ) ([5])
، مع أن الحلف لا اعتبار له في الحدود ، ويجب حد القذف
على مدعيه إذا عجز عن إقامة البينة ، وكيف لا ننظر إلى
العداوة الني هي سبب ظاهر للاتهام والكذب ؟ .
مسائل الشهادة والصيد والطعام :
قالوا : تقبل شهادة الصبي الغير بالغ في القصاص([6])
، مع أن الطفل ليس له أهلية الشهادة لقوله تعالى :
]
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ
مِنْ رِجَالِكُمْ
[
[ البقرة : 282 ] ولا سيما باب القصاص الذي فيه إتلاف
النفس .
وقالوا صيد أهل الكتاب حرام([7])
وذبيحة أهل السنة ميتة([8])
، وكذا ذبيحة من لم يستقبل القبلة عند الذبح([9])
، وكل ذلك مخالف لقولـه تعالى :
]
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ
[
[ الأنعام : 118 ] ، وقالوا لو اصطاد أحد بغير المعتاد
من الآلة لا يصير الصيد مملوكاً([10])
، مع أنه لا فرق بين الآلة المعتادة وغيرها
وقالوا لبن الميتة وما لا يؤكل من الحيوان حلال([11])
، وقالوا إن الخبز الذي عجن دقيقه بماء نجس طاهر، كما
ذكره الحلي في ( التذكرة ) [ 127/ ب ] ، وقالوا
إن الطعام الذي وقع فيه ذرق الدجاج واضمحل فيه طاهر
جائز أكله([12])
، وكذا لو طبخ المرق أو نحوه بماء الاستنجاء أو وقع
فيه شيء من خرء الدجاج ، وكذا ماء الغدير الذي استنجى
فيه كثير من الناس ، ووقع فيه دم حيض ونفاس ومذي وودي
، وبال فيه كلب ، فإنه طاهر يجوز استعماله لشرب وطبخ([13])
، وكذا الماء الذي كان قدر نصفه دم مسفوح أو بول حمار
أو فرس ، مع أن ذلـك مخالف لقوله تعالى :
]
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ
الْخَبَائِثَ
[
[ الأعراف : 157 ] .
وقالوا إن من كان جائعاً ولو غنياً ، فنهب طعاماً من
مالكه الذي يطلب عليه أزيد من الثمن المتعارف فأكله
جاز له ذلك([14])
.
مسائل الفرائض والوصايا :
قالوا إن ابن الابن لا يرث مع وجود الأبوين([15])
، مع أن هذا مخالف لقوله تعالى :
]
يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي
أَوْلاَدِكُمْ
[
[ النساء : 11 ] وولد الابن داخـل في الأولاد بلا شبهة
لقوله تعالى :
]
أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَكُمْ
[
[ آل عمران : 61 ] وقوله تعالى :
]
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ
اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[
[ البقرة : 40 ] وقولـه تعالى :
]
يَابَنِي آدَمَ لاَ
يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ
أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ
[
[ الأعراف : 27 ] ، ومخالف أيضاً لما ثبت عندهم من
الأخبار الصحيحة([16])
.
وقالوا لا يرث أولاد الأم من ديــة المقتـول([17])
، وكذا لا ترث الزوجـة مــن العقار([18])
، مع أن النصوص عامة ، وقالوا إن أكبر الأولاد الميت
يخصص من تركة أبيه بالسيف والمصحف والخاتم ولباسه من
غير عوض([19])
، مع أن ذلك مخالف لنص الكتاب ، وبعضهم يجعل الجدات
والأعمام وأبنائهم محرومين من الإرث .
وقالوا في مسائل الوصايا : إن المظروف تابع للظرف فلو
أوصى أحد لآخر بصندوق يدخل في الوصية ما فيه من النقود
والمتاع([20])
، وقالوا : تصح الوصية بتحليل فرج الأمة لرجل إلـى سنة
أو سنتين .
مسائل الحدود والجنايات :
قالوا : يجب الحد على المجنون حتى لو زنى بامرأة عاقلة
([21])
، وهذا مخـالف لما ثبت عنـد الفريقين :
((
رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق ...
))
الحديث([22])
، وقالوا يجب الرجم على امرأة جامعها زوجها ثم ساحقت
تلك المرأة بكراً وحملت تلك البكر ، وتحد البكر مائة
جلدة مع أن السحـاق لم يقل أحد أنه زنا([23])
.
وقالوا : يجب حد القذف على مسلم قال لآخر يا ابن
الزانية ، وكانت أم المقذوف كافرة([24])
، مع أن نص القرآن يخصص حد القذف بالمحصنـات ،
والكافرة ليست بمحصنة بل يجب تعزيره لحرمة ولدها
المسلم .
وقالوا : لو قتل الأعمى مسلماً معصوماً لا يقتص منه ،
مع أن القصاص عامة للأعمى وغيره ([25]).
وقالوا : لو جاع شخص وعند آخر طعام لا يعطيه للجائع
يجوز للجائع أن يقتله ويأخذ طعامه ، ولا يجب عليه شيء
من القصاص والديـة ، مع أن عـدم إطعام الجائع لا يسوغ
القتـل في شريعة من الشرائع .
وقالوا لو قتل ذمي مسلماً يعطى ورثة المقتول مال
القاتل كله ، والورثة مخيّرون في جعل الذمي عبداً لهم
وفي قتله ، وكذا إن كان للذمي أولاد صغار يجوز لورثة
المقتول أن يتخذوهم عبيدا ً [ 128 / أ ] وإماء ([26])،
مع أن الآية تدل على القصاص فقط ولا يجوز الجمع بين
القصاص والدية ن فضلاً عن أن يصير القاتل عبداً أو
ورثته ، قال تعالى :
]
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى
[
[ الإسراء : 15 ] .
ولنكتفِ بهذا المقدار ، إذ فيه كفاية لأولي الأبصار ،
ولو تتبعنا هفواتهم في هذا الباب ، لما وسعه أمثال هذا
الكتاب .
([1])
العاملي ، اللمعة الدمشقية : 3/62 .
([2])
وجعلوه من شروط القضاء ، كما في اللمعة الدمشقية :
2/417 .
([3])
زيادة من مختصر التحفة ( ص 234 ) يقتضيها السياق .
([4])
الحديث أخرجه البيهقي عن ابن عباس ، سنن البيهقي :
10/252 ؛ قال الحافظ ابن حجر :
((
وأصله في الصحيحين بلفظ :
((
اليمين على المدعى عليه
))
. الدراية : 2/175 .
([5])
لم أجد للمقتول كتاباً يحمل هذا الاسم والمشهور
بين الإمامية من الكتب الفقهية هو كتاب المبسوط لـ
( شيخ الطائفة ) الطوسي . أما النص فهو عند الأخير
في كتابه المبسوط ، نقلاً عن الينابيع الفقهية :
33/212 .
([6])
فحكموا بجواز شهادة الغلام إذا بلغ العشر سنين كما
رووه في كتبهم ، ينظر : الكافي : 7/377 ؛ تهذيب
الأحكام : 6/251 .
([7])
فاخرج الكليني عن إسماعيل بن جابر قال :
((
قلت لأبي عبد الله
u
: ما تقول في طعام أهل الكتاب ؟ فقال : لا تأكله
))
. الكافي : 6/264 .
([8])
قال المفيد في تقرير هذه المسألة في كتب القوم :
((
ولا تأكل من ليس على دينك في الإسلام
))
. المقنعة : ص 571 . ويعني بالدين هنا من لا يعتقد
مذهب الإمامية .
([9])
وقد نسبوا الروايات في كتبهم بهذا الخصوص إلى
الأئمة ، فاخرج الكليني عن محمد بن مسلم قال :
((
سألت أبا جعفر
u
عن رجل ذبح ذبيحته فجهل أن يوجهها إلى القبلة ؟
قال : كل منها ، فقلت : فإنه لم يوجهها ؟ قال : لا
تأكل منها ... وقال
u
: إذا أردت أن تذبح فاستقبل القبلة
))
. الكافي : 6/233 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام : 9/59
.
([10])
العاملي ، الدروس : ص 576 .
([11])
فقد أخرج ابن بابويه عن زرارة عن أبي عبد الله قال
:
((
سألته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت ؟ قال : لا
بأس به ، قلت : اللبن يكون في ضرع الشاه وقد ماتت
، قال : لا بأس به ، قلت : والصوف والشعر وعظام
الفيل والبيض يخرج من الدجاجة ؟ فقال : كل هذا لا
بأس به
))
. من لا يحضره الفقيه : 3/342 ؛ الطوسي ، تهذيب
الأحكام : 9/76 . مع أن الراويات الواردة عن
الأئمة في كتبهم تعارض ذلك ، كما أخرج الطوسي عن
علي
t
أنه :
((
سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن ؟ فقال
u
: ذلك حرام
))
. تهذيب الأحكام : 9/76 ؛ الاستبصار : 4/89 . وقد
حملها ( شيخ الطائفة ) الطوسي على التقية لأنها
توافق مذاهب العامة !! .
([12])
روى ( شيخ الطائفة ) الطوسي عن الزبير قال :
((
سألت أبا عبد الله
u
عن البئر تقع فيه الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت
، فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال : إذا
أصابته النار فلا بأس به
))
. تهذيب الأحكام : 1/413 ؛ من لا يحضره الفقيه :
1/14 .
([13])
لأن النار عندهم تطهر ما وقع في القدر من نجاسات ،
قال ( شيخ الطائفة ) الطوسي :
((
والنار تطهر كلما يكون في القدر من اللحم والتوابل
والمرق إذا كانت تغلي ، ووقع فيها مقدار أوقية دم
أو أقل )) . النهاية : ص 587 .
([14])
( المحقق ) الحلي ، شرائع الإسلام : 4/45 .
([15])
وقد اعترف ( شيخ الطائفة ) الطوسي بذلك ، وبأن هذا
خلاف التنـزيل فقال :
((
وذكر أصحابنا أن ولد الوالد مع الأبوين لا يأخذ
شيئاً ، وذلك خطأ لأنه خلاف لظاهر التنـزيل
والمتواتر من الأخبار
))
. النهاية : ص 359 ؛ وينظر أيضاً ما قاله العاملي
، وسائل الشيعة : 26/111 .
([16])
كما روى ذلك الكليني وغيره بإسناد صحيح عندهم عن
الصادق أنه قال :
((
ابن الابن يقوم مقام أبيه
))
. الكافي : 7/88 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام : 9/317
؛ العاملي ، وسائل الشيعة : 26/110 .
([17])
قال النعمان :
((
ولا يعطى الأخوة والأخوات من قبل الأم شيئاً ،
وكذلك الأخوال والخالات ولا يورثون من الدية شيئاً
))
. المقنعة : ص 701 ؛ وينظر أيضاً العاملي ، اللمعة
الدمشقية : 8/37 .
([18])
وهذا من مسلمات المذهب ، كما نسبه الكليني وغيره
إلى الباقر أنه قـال :
((
لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً
))
. الكافي : 7/128 . وأخرج ابن بابويه رواية قريبة
من هذا المعنى عن الصادق ، من لا يحضره الفقيه :
4/347 ؛ والطوسي ، تهذيب الأحكام : 9/299 .
([19])
فاخرج الكليني وغيره عن حريز عن الصادق أنه قال :
((
إذا هلك الرجل فترك بنين فللأكبر السيف والدرع
والخاتم والمصحف ، فإن حدث به حدث فللأكبر منهم
))
. الكافي : 7/85 ؛ تهذيب الأحكام : 9/275 ؛
الاستبصار : 4/144 .
([20])
يشير الآلوسي إلى ما نسبه الكليني إلى أبي الحسن
الرضا أن رجلاً سأله :
((
عن رجل أوصى لرجل بصندوق ، وكان فيه مال ؟ فقال
الورثة : إنما لك الصندوق وليس لك المال ، فقال
أبو الحسن
u
: الصندوق بما فيه
))
. الكافي : 7/44 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام : 9/211
.
([21])
ونسبوا ذلك إلى الأئمة ، فروى الكليني عن أبان بن
تغلب قال :
((
قال أبو عبد الله
u
: إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد ، وإن كان
محصناً رجم
))
. الكافي : 7/192 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام :
10/19 .
([22])
تقدم تخريجه ص 79 من كتب أهل السنة . وأخرجه
الإمامية عن علي
t
في كتبهم المعتبرة ، فأخرجه المفيد في الإرشاد :
1/194 ؛ ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة :
12/205 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 5/303 ؛
العاملي ، وسائل الشيعة : 28/23 .
([23])
فروى الطوسي أن الحسن بن علي بن أبي طالب سأل عن :
((
امرأة جامعها زوجها ، فقامت بحرارة جماعه فساحقت
جارية بكراً ، فألقت عليها النطفة فحملت ، فقال
u
: في العاجل تؤخذ هذه المرأة بصداق هذه البكر لأن
الولد لا يخرج حتى يذهب بعذره ، وينتظر حتى تلد
ويقام عليها الحد ويلحق الولد بصاحب النطفة ،
وترجم المرأة صاحبة الزوج
))
. تهذيب الأحكام : 7/422 .
([24])
قال الطوسي :
((
إن قال لمسلم : أمـك زانية أو يا ابن الزانية ،
وكانت أمه كافرة أو أمة كان عليه الحد تاماً
))
. النهاية : ص 784 ؛ العاملي ، اللمعة الدمشقية :
9/167 .
([25])
يشير الآلوسي إلى ما أخرجه ( شيخ الطائفة ) وغيره
من الإمامية عن محمد الحلبي قال :
((
سألت أبا عبد الله
u
عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه ،
فوثب المضروب على ضاربه فقتله ؟ فقال أبو عبد الله
: هذان متعديان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل
قوداً لأنه قتله وهو أعمى ، والأعمى جنايته خطأ
))
. تهذيب الأحكام : 10/233 ؛ العاملي ، وسائل
الشيعة : 29/399 .
([26])
قال ابن حمزة :
((
وإن قتل كافر حراً مسلماً أو كفار واسلموا قبل
الاقتصاص كان حكمهم حكم المسلمين ، وإن لم يسلموا
دفعوا برمتهم مع أولادهم وجميع ما يملكونه إلى ولي
الدم إن شاء قتل واسترق الأولاد وتملك الأموال ،
وإن شاء استرق القاتل أيضاً
))
. الوسيلة : ص 345 .
|