|
الملخص
تشكل الناحية الفكرية في تاريخ كل أمة، أساس
إبداعها الحضاري، ومقياس تطورها العقلي، وقد وصل
المسلمون بما حملوه من رسالة واعتقدوه من عقيدة، إلى
إدراك جانب عظيم من الأفكار والمعتقدات التي روادت
الإنسان، وحاولوا عرضها ومناقشتها في كتب الملل
والنحل، في بحث عقائدي يثير الإعجاب، ومن هنا فإن
موضوع هذه الرسالة: ((ابن حزم الأندلسي ومنهجه في
دراسة العقائد والفرق الإسلامية))، يحاول الكشف عن
جانب من إسهامات المفكرين المسلمين في خدمة هذا العلم،
عن طريق دراسة المادة التي بحث فيها ابن حزم الفرق
والعقائد الإسلامية لاسيما في كتابه (الفصل في الملل
والأهواء والنحل)) حيث نال هذا الكتاب اهتماماً كبيراً
من قبل العلماء والباحثين قديماً وحديثاً، لأصالة
منهجه وقيمة معلوماته، وقوة حجته، إلا أن معظم
الاهتمام بهذا الكتاب أنصب على القسم الأول منه، والذي
يتناول فيه عقائد الملل الأخرى خصوصاً عقيدتي اليهود
والنصارى على اعتبار أنه من الرائدين في هذا المجال من
العلماء المسلمين خاصة، وغير المسلمين عامة، في حين أن
القسم الثاني منه وفيه عرض ابن حزم العقائد والفرق
الإسلامية، لم ينل ذلك الاهتمام الذي ناله القسم
الأول، وربما يعود ذلك إلى كون هذا القسم لم يكن فريدا
في هذا الباب، فقد وصلت إلينا كتب قبله وبعده تناولت
هذا الجانب، فقللت من أهمية هذه المادة بنظر الدارسين،
ونحن –بالاستعانة بالله تعالى- نحاول أن نبين مركزين
على القسم الثاني منه، والذي تناول فيه جانبا مهما من
جوانب الفكر الإسلامي، وسوف نحاول إن شاء الله تعالى
عرض وتحليل المنهج الذي اتبعه ابن حزم في دراسته
للعقائد والفرق الإسلامية، وهل اعتمد منهجا محددا في
ذلك؟ موضحين في الوقت نفسه أدوات بحثه، وماهية حججه،
وكيفية استدلاله، ذلك أن مثل هذه العناصر المهمة لكشف
جانب مهم في هذا الاتجاه، في الوقت نفسه الذي نضع فيه
أمام القارئ أسئلة عديدة سنحاول الإجابة عليها في
الورقات القادمة، ولابد من التنبيه إلى أن الإطار
العام الذي اتبعناه هنا، هو عرض منهجه على وجه
الإجمال، والتفصيل في أدواته، على أن هذا لا يمنع من
كون هذه الدراسة تهدف بالمقابل إلى وضع نتاج هذا الفكر
بالميزان، في محاولة للتمسك بالموضوعية من أجل الوصول
إلى أفضل النتائج، وإن كانت هذه النقطة تحتاج إلى
عناية كبيرة من لدن الباحث.
بالإضافة إلى ذلك، فهناك عوامل أخرى دفعت
الباحث لاعتماد هذا الموضوع، يتمثل بأهمية الجانب
الفكري في دراسة التاريخ الإسلامي، ونحن في هذا المقام
ننبه على قيمة هذا الجانب الحضارين للابتعاد عن النمط
التقليدي لدراسة التاريخ، لأن وظيفة المؤرخ تتمثل
بالاهتمام بكل الجوانب الحضارية بما فيها الفكرية
منها، والتي تحتاج إلى عناية خاصة، واهتمام أكبر.
إن مثل هذا الموضوع يتطلب الإحاطة بجوانب
متعددة، لها صلة بمادته وتساعد القارئ على الفهم، منها
عصر ابن حزم وتفاعله مع مجتمعه، وكذلك العقائد والفرق
الإسلامية التي كانت سائدة في الأندلس، لدورها في
بلورة ثقافة هذا المفكر وتأثره بها، أما فيما يخص
حياته وسيرته، فهي لها أهمية أيضا، لبيان أثرها في
شخصية المؤلف ومسار ثقافته، وعلى هذا الأساس فقد تم
تقسيم هذا البحث وفق الأسس الآتية:
الفصل الأول: وقد ضم مبحثين، تناول المبحث
الأول الأوضاع السياسية في عصر ابن حزم، حيث عاش هذا
المفكر بالأندلس وفي أحرج حقبة من تاريخها، وقد ركزنا
في هذا المبحث على نشاط ابن حزم في عصره وتفاعله معه،
وإسهامه فيه من خلال ما وصلنا من مؤلفاته. أما المحور
الثاني الذي يدور حوله هذا المبحث فهو دراسة الناحية
الفكرية في عصره هذا، مع إعطاء عناية أكبر لعلوم
الأوائل وحركتها في قرطبة على وجه الخصوص وفي الأندلس
على وجه العموم. أما المبحث الثاني فعرضنا فيه جانبا
خاصا من جوانب التاريخ الأندلسي، يتمثل بتاريخ الفرق
وعقائدها حتى وفاة ابن حزم، وتنبع أهمية هذا الجانب
لإعطاء تصور لأثر هذا الجانب في منهج ابن حزم وانعكاسه
على نتاجه.
الفصل الثاني: وفيه تناولنا سيرة هذا المفكر،
فابتدأنا بتحليل مصادر ترجمته، مبينين أهميتها، ثم
بينا أصله ونسبه، ودور أسرته في الحياة العامة في
الأندلس، كما تتبعنا رحلاته والمدن التي زارها لإبراز
نشاطه الثقافي والسياسي على الساحة الأندلسية، وبعد
ذلك قدما قائمة بشيوخ ابن حزم مع المراحل التي مر بها
تلقيه العلم منهم، ثم أعقبنا ذلك بقائمة بلتلاميذه
الذين أسهموا في نقل ونشر علمه ونتاجه، ولأهمية دراسة
مذهبه الذي بقي أثره واضحا في نتاجه الفكري، فقد
أولينا عناية لهذا الجانب، وأعقبناه بردود بعض العلماء
عليه، وبعد ذلك قدمنا تحليلا مختصرا لشخصية ابن حزم،
ثم مكانته العلمية وأهم مؤلفاته.
الفصل الثالث: وفيه يجد القارئ مبحثين، يتناول
الأول منه: التعريف بكتاب الفصل، والذي يحتوي على
تحقيق لاسم الكتاب وتاريخ تأليفه، ثم العوامل التي
دفعت ابن حزم لتأليف هذا الكتاب. وأما فيما يخص المبحث
الثاني: ففيه عرض لمصادر ابن حزم الإسلامية في كتابه
هذا، وأهمها القرآن الكريم وعلومه، والحديث النبوي
الشريف وكتبه، وأهم العلماء الذين أخذ عنهم معلوماته،
كما أن فيه عرضا لمنهجه في إيراد مصادره.
الفصل الرابع/ ويحمل عنوان (منهج ابن حزم في
دراسة العقائد)، ويشكل هذا الفصل أهمية خاصة في تصميم
البحث، فحاولنا من خلاله تقديم صورة لأسس البحث التي
اعتمدها في دراسته للعقائد، ففيه بيان لمنهجه في
تقسيمها ثم عرض لأهم أدوات منهجه، وضمت اللغة ودلالتها
في البحث، ثم أسلوبه في تناول العقائد، وبعدها بينا
الاستشهاد واستخدامه عند ابن حزم، ومن ضمن أدوات منهجه
أيضا العلوم العقلية والاستدلال. وأخيراً طريقة ابن
حزم لعرض العقائد.
الفصل الخامس: وانصب حول منهجه في دراسة الفرق
الإسلامية وكبداية له بينا طريقة تقسيمه للفرق ومنهجه
في عرضها، مع أخذ نموذج لذلك، ثم عرضنا لأهم أدواته
لدراسة الفرق الإسلامية وهي الإسلام والمصطلحات، كما
كان لابن حزم دور في دراسة أسباب نشوء الفرق الإسلامية
بيناه أيضا في هذا الفصل مع نماذج من ذلك ووسائله،
لدراسة هذا الجانب، وهما الخبر والنقد.
ختاماً، فإن العناء الذي يتحمله الباحث من أجل
بيان الحقيقة، لا يعدو أن يكون مجرد سراب مقارنة
بالسابقين من العلماء، آملين أن يكون هذا البحث لبنة
من دراسات أخرى في هذا الميدان، وندعو الله تعالى أن
يجعل عملنا خالصا له. وأعلم أخي القارئ إن ما أصبت في
هذه الورقات، فهو بفضل من الله تعالى وتوفيقه، وما
أخطأت فيه فهو من نفسي والشيطان.
والله يهدي إلى سواء السبيل
ملاحظة : الكتاب مطبوع في دار ابن حزم ( بيروت ،
1425هـ/2004م )
|