من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

المجلس السادس

في تحقيق نفي وجوب اللطف المبني عليه إمامتهم ،

وأنه لا يجب على الله تعالى شيء

فنقول : فيما يزعمونه من وجوب اللطف ما حده وما دليله عندكم ؟هل العقل أو النقل أو كلاهما ؟ وهل هو واجب أن يفعله الله بكل المكلفين أو بمن يعلم منه الفعل إذا فعل معه اللطف دون من يعلم منه عدم الفعل سواء فعل معه لطف أو لا ؟ وهل يتوقف عليه الفعل المجعول له اللطف أو لا يتوقف عليه ؟ بينوا لنا ذلك .

فإن قلتم : حده عندنا ما كان المكلف معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية([1]) ، ولم يكن له حظ في التمكين ، ولم يبلغ الإلجاء ، وبعبارة أخرى ما أفاده المكلف هيئة مقربة إلى الطاعة ومبعدة عن المعصية ، ولم يكن له حظ في التمكين ولم تبلغ الهيئة الإلجاء([2]) .

 قلنا هذان التعريفان يشعران بأنه لا يجب عليه إلا في من علم منه الفعل ، إذا فعل معه اللطف فقط دون غيره ، وإلا كان عبثاً لأنه إذا علم الباري عز وجل أنه لا يقرب من الطاعة [ 13/ب ] ولا يبعد عن المعصية ففعله يكون عبثاً وهو بيّن .

ويؤيده قول المرتضى : (( كل من علم الله تعالى أن له لطفاً يختار عنده الامتناع من القبيح ، فإنه لا بدّ أن يفعله به ، ولا يمتنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم ، أن شيئاً متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح ، فيكون هذا المكلف لا لطف له )) ([3]) .

وكذا صرح بمثله الطبرسي عند تفسير قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نـزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ﴾ الآيـة [  الأنعام : 111 ] ([4]) ، ولقوله : ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم ﴾ الآية [ يـس : 10 ] فيكون اللطف على هذا خاصاً بمن علم الله منه الإيمان فقط ، وأما من علم منه عدم الإيمان سواء فعل معه لطف أو لا ، فلا يفعل معه لطفاً .

وقد قال ابن المطهر في ( منهاج اليقين ) ([5]) : اللطف يتوقف عليه الفعل ؛ لأن الفعل لا يقع إلا بالداعي والداعي متوقف عليه - أي على اللطف - فيكون الإيمان ممتنعاً من الكافر الذي علم الله أنه يموت على الكفر([6]) .

وشرطتم في الفعل المكلف به أن يكون ممكناً ، وشرطتم في المكلف أن يكون([7]) قادراً على ما كلف به ، والممتنع غير مقدور عليه ؛ لأن الفعل عندكم لا يحصل إلا بالداعي والداعي لا يحصل إلا باللطف واللطف لا يحصل إلا بعد علم الله تعالى بوقوع الفعل من العبد إذا فعل معه اللطف ، والكلام فيمن لا لطف له ، ومن لا لطف له لا داعي له ومن لا داعي له امتنع منه الفعل ومن يمتنع منه الفعل لا تكليف عليه ، ومن لا تكليف عليه لا عصيان منه ، ومن لا عصيان منه لا عقوبة عليه ، فيلزمكم أن لا عقوبة على كافر في كفره ، ولا على عاصٍ في عصيانه ، لتوقف العصيان على التكليف ، والتكليف على القدرة والقدرة على الفعل ، وهي متوقفة على إمكان الفعل وهو متوقف على الداعي ، والداعي متوقف على اللطف ، ولا لطف للعلم بأنه لا فعل معه ، وهذا أظهر من الشمس ، وأقرب إلى أذهان العقلاء من اللَّمس .

وإن قلتم : الدليل على وجوب اللطف أنه لو لم يكن واجباً لكان الله تعالى ناقصاً ، والثاني باطل فالمقدم مثله بيان الشرطية : أن الله تعالى إذا كلف العبد بفعل وعلم أنه لا يفعله إلا عند حصول أمر يفعله فعله سبحانه وتعالى ؛ لأنه لم يكن بفعله لكان الله تعالى ناقصاً لعرضه ، وكل ما كان كذلك كان ناقصاً ، تعالى الله عن ذلك .

قلنا : جعلتم علمه تعالى بوقوع الفعل من العبد عند الباري اللطف معه علمه في جواب اللطف من أجله ، والواجب غير مقدور ولا تكليف بغير المقدور ، ويمتنع التكليف أصلاً ورأساً ، لا يقال اللطف عدنا مقرب لا موجب لأنا نقول : نحن لم ندعي وجوب الفعل من العبد موجب للطف السابق على الفعل السابق سابق ، فلو لم يكن الفعل واجباً لزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً ، وكون اللطف عبثاً لأنه إنما جعل لأجل وقوع الفعل بعد العلم بوقوعه ، فإذا لم يقع الفعل كان اللطف عبثاً؛ لأنه إنما جعل لجل وقوع العقل بعد العلم بوقوعه ، فإذا لم يقع الفعل كان اللطف عبثاً وانقلب علم الله تعالى جهلاً وكلاهما محال [ 14/أ ] لا يقال العبد باقي على اختياره في الفعل ؛ لأن علم الباري بوقوع العمل منه لا ينفي الاختيار لوجوه أربع :

الأول : لأن العلم تابع للمعلوم .

الثاني : لأن العلم لا يؤثر على المعلوم .

الثالث : للمعارضة الواقعة في ذلك بأفعال الباري عز وجل ؛ لأن كل فعله تعالى معلوم له ، فيكون واجباً ، والواجب لا يتعلق به قدرة ولا إرادة ، وذلك يوجب امتناع وجود العالم بأسره .

الرابع : لزوم محال بنفي الاختيار عن العبد ونسبة فعله إلى الله تعالى كما تقول الأشعرية من وجوه أربع : الأول أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما بقي فرق بين حركاتنا وحركات الجماد ، والفرق بيّن ، فيكون القول بما يلزم منه عدم الفرق محال ، الثاني : أن أفعالنا لو كانت مخلوقة له تعالى لقبح منه التكليف وفعله للقبيح محال ، الثالث : يلزم الظلم وهو محال ، الرابع أن أفعالنا توجد عند دواعينا ، وتنتفي عند صوارفنا ، فلولا استنادها إلينا لجاز أن يقع إذا كرهنا وتنعدم إذا أردنا وهو محال .

لأنا نقول في الجواب عن الأول : ما قاله ابن المطهر في ( مناهج اليقين ) وهو قول مسألة لا في العلم من المطابقة والأركان جهلاً ، وهو حكاية عن المعلوم وتابع له لا على معنى أنه متأخر عنه في الوجود ، بل على معنى أنه لولا تحقق المعلوم على حاله لما صح تعلق العلم به على تلك الحال .

وقد قال ولده([8]) : العلم أما فعلي أو انفعالي ،وعلم الباري أما فعلي أو لا فعلي  ولا انفعالي ، والفعلي هو المحصّل للأعيان الخارجية كمن حصل في ذهنه صورة نفس غير موجودة في الخارج ، وفعل ما يطابق تلك الصورة في الخارج ، وعلى كل تقدير ينتفي عنه التبعية ، على أنه متأخر فيكون متقدماً في الوجود ، فيكون معنى التبعية أن المعلوم مصحح للعلم كالخبر مع المخبر عنه ، فإن الخبر متأخر عن المخبر عنه ، ثم لا نعلم صدقه من كذبه إلا بعد تطبيقه الواقع ، فإن طابق صدق وإلا فكذب ، ولكن هذا في الخبر الذي يمكن الشك فيه ، وأما الخبر المقطوع بصدقه ، كخبر الله ورسوله ، فيعلم صدقه بنفس الأخبار ولا يحتاج إلى تطبيق ، فلو قال أحد انظروا إليه ، فإن طابق فصدق وإلا فكذب كفر في الحال بنفس الشك .

وكذلك الكلام في علم الباري إذا تعلق بوقوع شيء وجوب وقوعه ، ولا يحتاج في تصحيحه إلى وقوع ما تعلق العلم بوقوعه ، فلو فرضنا أن الله أخبرنا ورسوله عنه أنه يعلم بموت زيد في اليوم الفلاني ، أو يقتله عمرو وقال بعض الناس بعد مضي ذلك اليوم إن زيداً لم يمت أو لم يقتله عمرو في ذلك اليوم المعين كفرناه في الحال ؛ لأنا نقطع بوقوع ذلك ، ولولا تقدمه لما قطعنا بوجوب وقوع ما تعلق بهو بيّن .

وعن الثاني : بأنا لا ندعي أنه يؤثر في المعلوم كالقدرة والإرادة ، بل يؤثر أثر فيه باعتبار وجود [ 14/ب ] هذا الموجود دون غيره من الممكنات ، وذلك أن القدرة تؤثر في مطلق الإيجاد والإرادة باعتبار إيجاده في هذا الوقت دون ذلك ، والعلم يؤثر فيه باعتبار أن القدرة تتعلق بإيجاد هذا الموجود دون ذلك ، ألا ترى أنكم قلتم بموجب وجود جميع ما تقتضيه الحكمة ، حتى قلتم إن اللطف من فعله تعالى واجب عليه أن يفعله ، وإن كان من فعل المكلف وجب على الله تعالى أن يعرفه إياه وأن يكلفه به ، وإن كان من فعل غيرهما لم يجز من الله تعالى أن يكلف العبد بما يتوقف عليه ذلك إلا إذا علم أن ذلك الغير يفعله لا محالة .

فانظر رحمك الله كيف صار علم الباري بوقوع الفعل من ذلك الغير سبباً في تكليف المكلف الذي يصير ذلك الفعل لطفاً له بناء على تحقق وقوعه لعلم الباري تعالى بوقوعه ، فلو لم يكن ذلك الفعل من الغير واجب الوقوع لما جاز تكليف ذلك المكلف بما له لطف مشكوك في وقوعه ، لا على تقدير عدم وقوعه من ذلك الغير يكون الله مخلاً بواجب عندكم وهو محال ، فيجب وقوعه لتعلق علم الله به ولئلا يخلّ الله بواجب أو يكلف بفعل ما ليس له لطف ، مع أنه لا يفعل إلا بلطف وهو يفعل ذلك .

عن الثالث : بالممكنات بأسرها جائزة الوقوع بالذات ، ثم منها ما يتعلق علم الباري بوجوده ، فتكون واجبة الوجود بالغير ، ومنها ما يتعلق علمه بعدم وجوده فيكون ممتنع الوقوع بالغير ، سواء كان ذلك في أفعاله تعالى الغير مضافة إلى العباد ، أو من أفعاله المضافة إليهم ، لكن ذلك الوجوب في أفعاله تعالى وجوب لاحق لا يسلب الاختيار عنه ، بدليل أنهم قالوا في البرهان : على أن الباري تعالى عالم وأن الباري تعالى مختار فيكون عالماً ؛ لأن المختار لا بد أن يتصور أولاً ما يختاره وإلا لكان توجه اختياره إلى أحد الأشياء دون ما عداه ترجيحاً من غير مرجح .

فانظر – رحمك الله – كيف تقدم العلم على الاختيار الذي هو معنى الإرادة التي هي أحد أرجاء المؤثر ، بل يقتضي الكلام العلم هو الاختيار الذي هو الإرادة ، فبان من هذا علمه بجميع الممكنات ، ويكون تعلق علمه بوجود بعضها وعدم وجود البعض هو اختياره بوجود ما تعلق علمه بوجوده ، بخلاف الوجوب في فعل العبد ، فإنه وجوب سابق لا سيما قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته وعلمه صفات قديمة سواء قلنا أنها معانٍ زائدة أو أمور اعتبارية ، وقدرة العبد وإرادته صفتان مخلوقتان لله تعالى ، على ما سيأتي .

وعن الرابع : بتقدير نفي لزوم المحال في الوجوه الأربع ، والتزم نسبة أفعال العباد إلى الله تعالى بمعنى خلقه وإيجاده ، وذلك أن قولكم لو كانت مخلوقة لله تعالى لقبح منه التكليف إلى آخره الوجوه الأربع باطل [ 15/أ ] لأنه مبني على الحسن والقبح العقليين ، وهو باطل للزوم نفي الاختيار عن الباري في أحكامه ؛ لأنه حينئذ يكون كالمجبور على أن يحكم بوجوب ما حسنه العقل وبتحريم ما قبحه العقل  ، ولا سيما وقد قلتم في الدليل على بطلان القياس إن شرعنا مبني على ائتلاف المختلفات والمئتلفات .

ثم نقول إنا قدمنا وجوب وجود ما تعلق علم الباري تعالى بوجوده ، وامتناع وجود ما تعلق علمه بعدمه ، فانتفى الاختيار على العبد بالمعنى الذي ذكروه ، وهو إن شاء الله فعل ، وإن شاء ترك ، ويثبت بالمعنى الذي يعتقده ، وهو اختيار العبد هو الإرادة التي يخلقها الله فيه ، وذلك أنه [ إذا ] أراد سبحانه وتعالى الفعل من العبد خلق فيه قدرة عليه وإرادة وسهَّلَ أسبابه ويسر دواعيه ورفع موانعه وصوارفه ، فيوجد الفعل في العبد بخلقه تعالى وقدرته وإرادته ، كما يوجد الولد عن أبويه بخلق الله تعالى وقدرته ، ويقال فلان بن فلان ومن نفاه عن أبيه فعليه الحد ، ومن نفاه عن إيجاد الله تعالى إياه من خلقه كفر .

وسبب ذلك يتعلق المدح والذم بالعبد ويقع الثواب له والعقاب عليه ، ويصح أمره ونهيه ، وهذا الذي عنا الصادق t بقوله فيه : (( بين أمرين لا جبر ولا تفويض )) ([9])  فسره علي بن موسى الرضا t بأنه وجود السبيل إلى فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ، فجعله من باب الانفعال لا من باب الفعل .

ويوضح ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ الرعد : 16 ] ، ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [ الإنسان : 30 ] ، ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴾ [ القمر : 52 ]، ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [ يّـس : 12 ] ، ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [ الحديد : 22 ] ، ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ` لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ [ مريم : 93- 94 ] وقد عدّ فيهم سبحانه وتعالى أولاد الزناة ، ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ [ يونس : 99 ] تمدح الباري تعالى بذلك ، ولا يمدح بقبيح .

هذا والله تعالى قادر على مثل مقدور العبد باتفاق من محققي الفريقين ، وعندكم أنه تعالى مريد لفعل الطاعة من العبد ، ومتى اجتمعت القدرة والإرادة حصل الفعل ، ولكنه يلزم على هذا أن لا يقع من العباد معصية ، وهو معلوم البطلان فيصح نقيضه ، وهو الذي يقع من العبد هو مراد الله سواء كان طاعة أو معصية .

وإن الأمر عن الإرادة كما يفهم من قوله عز وجل : ﴿  قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء ﴾ [ الأعراف : 28 ] مع قوله عز وجل : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ [ المائدة : 41 ] وقولـه تعـالى : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [ التوبة : 55 ] وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ يونس : 25 ] ، فعمّ سبحانه وتعالى بالدعاء وخص بالهداية .

وفي صدر المسألة ما يثلج الصدور ويقطع العذر في ذلك ، من قيام الدليل الواضح أن في الخلق من لا لطف لهم ، ومن لا لطف لهم يستحيل على قواعدهم [ 15/ب ]  أن يريد الله تعالى منهم الطاعة ، فيريد منهم المعصية وهو المطلوب ، ولا يريد منهم شيئاً ، فيكون خلقه لهم عبثاً والله تعالى منـزه عن ذلك .

ويؤيده قول الأمة بلسان واحد ما شاء الله كان ولم لم يشأ لم يكن ، وقوله e : (( سألت ربي ثلاثاً وهو أن لا يهلك أمتي بالسنين وان لا يسلّط عليهم من سواهم ، وأن لا يجعل بأسهم بينهم ، فأعطاني اثنين ومنعني الثالثة )) ([10]) .

فلا يخلو أما أن يكون بأسهم من فعله تعالى وهو المطلوب ، أو من فعلهم وهو باطل ؛ لأنه يستحيل طلب أفعال العباد من الله إلا أن يكون بمعنى أن يجبرهم على ذلك وهو قبيح عندكم ، فيستحيل من النبي e أن يطلب من الله فعل قبيح ، فيثبت ما نعتقده من إضافة أفعال العبد إلى الله تعالى إضافة خلق ويجاد وإضافتها إلى العباد إضافة كسب وإسناد .

وعلى هذا يحمل جميع ما في القرآن الشريف والحديث المتقدم من إضافة الأفعال إلى العباد كقوله تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [ المدثر : 38 ] ، ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل : 32 ] ، ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ فصلت : 40 ] توفيقاً بين الأدلة القطعية ، إذ لو كان بعضها يقتضي الجبر المحض وبعضها يقتضي التفويض ، فتعين أن يكون هناك وسط وهو الكسب الضرورة القاضية بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولقـول علي t : (( إذا كان المقدور لا يرد فالاحتراس باطل )) ([11]) ، ولقول الصادق t : (( إن الله أرحَمْ بعباده من أن يجبرهم على المعاصي ، ثم يعاقبهم عليها ، وهو أيضاً أجلّ وأعزّ وأرفع من أن يريد أمراً فيكون في استطاعة العباد غيره )) ([12]) .

وهذا عين مذهب أهل السنة والجماعة ، خلافاً للقدرية الذين هم مجوس هذه الدين ، قال علي t على ما رواه عنه ابن بابويه في كتاب ( ثواب الأعمال وعقابها ) في باب عقاب القدرية : (( إن أرواح القدرية يعرضون على النار غدواً وعشياً حتى تقوم الساعة ، فيعذبون بأنواع العذاب ، فيقولون : يا ربنا عذبتنا خاصة وتعذبنا عامة ، فيرد عليهم : ﴿ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ` إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [ القمر : 48 – 49 ] )) ([13]) ، ومذهب القدرية إنكار عذاب القبر فيكون الحديث الكريم دليل من وجهين .

وروي أيضاً أنه دخل عليه مجاهد مولى ابن عباس فقال : (( يا أمير المؤمنين ما تقول في كلام أهل القدر ؟ فقال : هل معكم أحد منهم ؟ فقال : ما تصنع به يا أمير المؤمنين ؟ قال : أستتيبهم فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم )) ([14]) . 

وقال t : (( ما دخل([15]) أحد في القدر إلا خرج من الإيمان )) ([16]) .

وعن أبي جعفر t : (( ما الليل بالليل والنهار بالنهار أشبه من المرجئة بالنصارى والقدرية باليهود )) ([17]) ومعلوم قطعاً أن مذهب اليهود في القدر مذهب المعتزلة ، ومذهب النصارى مذهب الجبرية ومنهم المرجئة .

وفي ( كتاب ورام ) عنه t أنه قال : (( إن الله تعالى لم يختبر أو نهى تحذيراً لم يطمع مكروهاً ولم يعص مغلوباً ، فلو أراد عز وجل أن لا يعصى ما عُصي ، ولكنه [ 16/أ ] يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، وهو خالق كل شيء خيراً وشراً حلواً ومراً ، وقد قال عز وجل : ﴿  أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ` وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [ الصافات :96 ] )) ([18]) .

ومنه عن أبي جعفر t أنه قال : (( يحشر الكذابون بقدر الله من قبورهم وقد مسخهم قردة وخنازير )) ([19]) .

ومنه عن النبي e : (( صنفان من أمتي ليس لهما من الإسلام نصيب : المرجئة والقدرية )) ([20]) .

ومن المعلوم قطعاً أن القدري هو الذي يضيف القدر إلى نفسه ، لا من ينفيه عنه ، ويثبته لخالقه ، كما يقال الإمامي لمن قال بالإمامة لا من نفاها ، والمالكي لمن قال بقول مالك لا من نفاه عنه ، وإلى صعوبة الوسط أشار علي t بقولـه للسائـل : (( بحر عميق فلا تلجه ، وطريق ضيق فلا تسلكه )) ([21]) ، بخلاف الطرفين فإن للنفس اطمئنان لأحدهما أو ميل وفهم معنى كل منهما سهلّ .

وهذا خلاصة ما أردناه فليتأمل على وجه القصد والإنصاف واجتناب التعصب والاعتساف ، فإن ابن بابويه روى في كتابه المقدم ذكره عن النبي e أنه قال : (( من تعصب عصبّه الله بعصابة من النار )) ([22]) .

وأقول كما قال الله تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ النور : 63 ] نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا وإياكم من عذابه ، ويأخذ بنواصينا إلى ما يحبه ويرضيه ، بحرمة محمد وصحبه وآله([23]) ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

 


 

([1]) ينظر تعريف هذا العلم عند الإمامية : دائرة المعارف الشيعية العامة : 15/452 .

([2]) وقاعدة اللطف عندهم تأخذ مدى أوسع من ذلك ، إذ أن اللطف يعني أنه يجب على الله بعث الأنبياء وإقامة اللأئمة والحجج ، قال محمد رضا مظفر ( وهو من علماء الإمامية المعاصرين ) : (( فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً بهم وينذرهم عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم )) . عقائد الإمامية : ص 57 . وينظر ما قرره الخوئي في الهداية في الأصول : 3/155 .

([3]) نقلها المجلسي عن المرتضى في بحار الأنوار : 17/95.

([4]) قال الطبرسي : (( وفي الآية دلالة على أن الله سبحانه لو علم أ،ه إذا فعل ما اقترحوه من الآيات آمنوا لفعل ذلك ، ولكن ذلك من الواجب في حكمته ؛ لأنه لو لم يجب ذلك لم يكن لتعليله بأنه يظهر هـذه الآيات ... )) . إلى آخر ما قال . مجمع البيان : 2/352 .

([5]) هو ( منهاج اليقين في أصول الدين ) لابن المطهر الحلي . الذريعة : 22/352 .

([6]) ينظر نهج الحق : ص 377 .

([7]) ( أن يكون ) تكررت في الأصل .

([8])هو أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ، يعرف عند الإمامية بـ ( فخر المحققين ) وهو الولد الأشهر لابن المطهر الحلي ،كانت أكثر مؤلفاته تدور حول الفقه وأصوله وعلم الكلام ، مات سنة 771هـ .روضات الجنات : 6/330 ؛ جامع الرواة : 2/96 ؛ أمل الآمال : 2/260.

([9]) تقدم تخريج هذه الرواية .

([10]) الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ، المسند : 3/146 ؛ ابن خزيمة ، الصحيح : 2/230 ؛ الحاكم ، المستدرك : 1/459 .

([11]) تقدم تخريج هذه الرواية.

([12]) الكليني ، الكافي ، باب الجبر والقدر : 1/159 ؛ مجموعة ورام : 2/268 .

([13]) تقدم تخريج هذه الرواية .

([14]) ثواب الأعمال : ص 213 ؛ الشعيري ، جامع الأخبار : ص 161 .

([15]) في كتب الإمامية ( غلا ) .

([16]) ابن بابويه ، ثواب الأعمال : ص 213 ؛ الشعيري ، جامع الأخبار : ص 161 .

([17]) تقدم تخريج هذه الرواية .

([18]) مجموعة ورام : 2/268 .

([19]) تقدم تخريج هذه الرواية .

([20]) صحيفة الرضا : ص 91 ؛ ابن بابويه ، الخصال : 1/72 ؛ الكراكجي ، كنز الفوائد : 1/125 ؛ .

([21]) تقدم تخريج هذه الرواية .

([22]) الكليني ، الكافي ، باب العصبية : 2/380 ؛ الشعيري ، جامع الأخبار : ص 162 .

([23]) ليس من عقيدة السلف التوسل بحرمة النبي e كما ذكر المؤلف رحمه الله ، وعفا الله تعالى عنا وعنه . ينظر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى : 27/130 .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter