|
المجلس السادس
في تحقيق نفي وجوب اللطف المبني عليه إمامتهم ،
وأنه لا يجب على الله تعالى شيء
فنقول : فيما يزعمونه من وجوب اللطف ما حده وما دليله
عندكم ؟هل العقل أو النقل أو كلاهما ؟ وهل هو واجب أن
يفعله الله بكل المكلفين أو بمن يعلم منه الفعل إذا
فعل معه اللطف دون من يعلم منه عدم الفعل سواء فعل معه
لطف أو لا ؟ وهل يتوقف عليه الفعل المجعول له اللطف أو
لا يتوقف عليه ؟ بينوا لنا ذلك .
فإن قلتم : حده عندنا ما كان المكلف معه أقرب إلى
الطاعة وأبعد عن المعصية([1])
، ولم يكن له حظ في التمكين ، ولم يبلغ الإلجاء ،
وبعبارة أخرى ما أفاده المكلف هيئة مقربة إلى الطاعة
ومبعدة عن المعصية ، ولم يكن له حظ في التمكين ولم
تبلغ الهيئة الإلجاء([2])
.
قلنا هذان التعريفان يشعران بأنه لا يجب عليه إلا في
من علم منه الفعل ، إذا فعل معه اللطف فقط دون غيره ،
وإلا كان عبثاً لأنه إذا علم الباري عز وجل أنه لا
يقرب من الطاعة [ 13/ب ] ولا يبعد عن المعصية ففعله
يكون عبثاً وهو بيّن .
ويؤيده قول المرتضى :
((
كل من علم الله تعالى أن له لطفاً يختار عنده الامتناع
من القبيح ، فإنه لا بدّ أن يفعله به ، ولا يمتنع أن
يكون في المكلفين من ليس في المعلوم ، أن شيئاً متى
فعل اختار عنده الامتناع من القبيح ، فيكون هذا المكلف
لا لطف له
))
([3])
.
وكذا صرح بمثله الطبرسي عند تفسير قوله تعالى : ﴿
وَلَوْ أَنَّنَا نـزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
﴾ الآيـة [ الأنعام : 111 ] ([4])
، ولقوله : ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ
تُنْذِرْهُم ﴾ الآية [ يـس : 10 ] فيكون اللطف على
هذا خاصاً بمن علم الله منه الإيمان فقط ، وأما من علم
منه عدم الإيمان سواء فعل معه لطف أو لا ، فلا يفعل
معه لطفاً .
وقد قال ابن المطهر في ( منهاج اليقين ) ([5])
: اللطف يتوقف عليه الفعل ؛ لأن الفعل لا يقع إلا
بالداعي والداعي متوقف عليه - أي على اللطف - فيكون
الإيمان ممتنعاً من الكافر الذي علم الله أنه يموت على
الكفر([6])
.
وشرطتم في الفعل المكلف به أن يكون ممكناً ، وشرطتم في
المكلف أن يكون([7])
قادراً على ما كلف به ، والممتنع غير مقدور عليه ؛ لأن
الفعل عندكم لا يحصل إلا بالداعي والداعي لا يحصل إلا
باللطف واللطف لا يحصل إلا بعد علم الله تعالى بوقوع
الفعل من العبد إذا فعل معه اللطف ، والكلام فيمن لا
لطف له ، ومن لا لطف له لا داعي له ومن لا داعي له
امتنع منه الفعل ومن يمتنع منه الفعل لا تكليف عليه ،
ومن لا تكليف عليه لا عصيان منه ، ومن لا عصيان منه لا
عقوبة عليه ، فيلزمكم أن لا عقوبة على كافر في كفره ،
ولا على عاصٍ في عصيانه ، لتوقف العصيان على التكليف ،
والتكليف على القدرة والقدرة على الفعل ، وهي متوقفة
على إمكان الفعل وهو متوقف على الداعي ، والداعي متوقف
على اللطف ، ولا لطف للعلم بأنه لا فعل معه ، وهذا
أظهر من الشمس ، وأقرب إلى أذهان العقلاء من اللَّمس .
وإن قلتم : الدليل على وجوب اللطف أنه لو لم يكن
واجباً لكان الله تعالى ناقصاً ، والثاني باطل فالمقدم
مثله بيان الشرطية : أن الله تعالى إذا كلف العبد بفعل
وعلم أنه لا يفعله إلا عند حصول أمر يفعله فعله سبحانه
وتعالى ؛ لأنه لم يكن بفعله لكان الله تعالى ناقصاً
لعرضه ، وكل ما كان كذلك كان ناقصاً ، تعالى الله عن
ذلك .
قلنا : جعلتم علمه تعالى بوقوع الفعل من العبد عند
الباري اللطف معه علمه في جواب اللطف من أجله ،
والواجب غير مقدور ولا تكليف بغير المقدور ، ويمتنع
التكليف أصلاً ورأساً ، لا يقال اللطف عدنا مقرب لا
موجب لأنا نقول : نحن لم ندعي وجوب الفعل من العبد
موجب للطف السابق على الفعل السابق سابق ، فلو لم يكن
الفعل واجباً لزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً ، وكون
اللطف عبثاً لأنه إنما جعل لأجل وقوع الفعل بعد العلم
بوقوعه ، فإذا لم يقع الفعل كان اللطف عبثاً؛ لأنه
إنما جعل لجل وقوع العقل بعد العلم بوقوعه ، فإذا لم
يقع الفعل كان اللطف عبثاً وانقلب علم الله تعالى
جهلاً وكلاهما محال [ 14/أ ] لا يقال العبد باقي على
اختياره في الفعل ؛ لأن علم الباري بوقوع العمل منه لا
ينفي الاختيار لوجوه أربع :
الأول : لأن العلم تابع للمعلوم .
الثاني : لأن العلم لا يؤثر على المعلوم .
الثالث : للمعارضة الواقعة في ذلك بأفعال الباري عز
وجل ؛ لأن كل فعله تعالى معلوم له ، فيكون واجباً ،
والواجب لا يتعلق به قدرة ولا إرادة ، وذلك يوجب
امتناع وجود العالم بأسره .
الرابع : لزوم محال بنفي الاختيار عن العبد ونسبة فعله
إلى الله تعالى كما تقول الأشعرية من وجوه أربع :
الأول أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما
بقي فرق بين حركاتنا وحركات الجماد ، والفرق بيّن ،
فيكون القول بما يلزم منه عدم الفرق محال ، الثاني :
أن أفعالنا لو كانت مخلوقة له تعالى لقبح منه التكليف
وفعله للقبيح محال ، الثالث : يلزم الظلم وهو محال ،
الرابع أن أفعالنا توجد عند دواعينا ، وتنتفي عند
صوارفنا ، فلولا استنادها إلينا لجاز أن يقع إذا كرهنا
وتنعدم إذا أردنا وهو محال .
لأنا نقول في الجواب عن الأول : ما قاله ابن المطهر في
( مناهج اليقين ) وهو قول مسألة لا في العلم من
المطابقة والأركان جهلاً ، وهو حكاية عن المعلوم وتابع
له لا على معنى أنه متأخر عنه في الوجود ، بل على معنى
أنه لولا تحقق المعلوم على حاله لما صح تعلق العلم به
على تلك الحال .
وقد قال ولده([8])
: العلم أما فعلي أو انفعالي ،وعلم الباري أما فعلي أو
لا فعلي ولا انفعالي ، والفعلي هو المحصّل للأعيان
الخارجية كمن حصل في ذهنه صورة نفس غير موجودة في
الخارج ، وفعل ما يطابق تلك الصورة في الخارج ، وعلى
كل تقدير ينتفي عنه التبعية ، على أنه متأخر فيكون
متقدماً في الوجود ، فيكون معنى التبعية أن المعلوم
مصحح للعلم كالخبر مع المخبر عنه ، فإن الخبر متأخر عن
المخبر عنه ، ثم لا نعلم صدقه من كذبه إلا بعد تطبيقه
الواقع ، فإن طابق صدق وإلا فكذب ، ولكن هذا في الخبر
الذي يمكن الشك فيه ، وأما الخبر المقطوع بصدقه ، كخبر
الله ورسوله ، فيعلم صدقه بنفس الأخبار ولا يحتاج إلى
تطبيق ، فلو قال أحد انظروا إليه ، فإن طابق فصدق وإلا
فكذب كفر في الحال بنفس الشك .
وكذلك الكلام في علم الباري إذا تعلق بوقوع شيء وجوب
وقوعه ، ولا يحتاج في تصحيحه إلى وقوع ما تعلق العلم
بوقوعه ، فلو فرضنا أن الله أخبرنا ورسوله عنه أنه
يعلم بموت زيد في اليوم الفلاني ، أو يقتله عمرو وقال
بعض الناس بعد مضي ذلك اليوم إن زيداً لم يمت أو لم
يقتله عمرو في ذلك اليوم المعين كفرناه في الحال ؛
لأنا نقطع بوقوع ذلك ، ولولا تقدمه لما قطعنا بوجوب
وقوع ما تعلق بهو بيّن .
وعن الثاني : بأنا لا ندعي أنه يؤثر في المعلوم
كالقدرة والإرادة ، بل يؤثر أثر فيه باعتبار وجود [
14/ب ] هذا الموجود دون غيره من الممكنات ، وذلك أن
القدرة تؤثر في مطلق الإيجاد والإرادة باعتبار إيجاده
في هذا الوقت دون ذلك ، والعلم يؤثر فيه باعتبار أن
القدرة تتعلق بإيجاد هذا الموجود دون ذلك ، ألا ترى
أنكم قلتم بموجب وجود جميع ما تقتضيه الحكمة ، حتى
قلتم إن اللطف من فعله تعالى واجب عليه أن يفعله ، وإن
كان من فعل المكلف وجب على الله تعالى أن يعرفه إياه
وأن يكلفه به ، وإن كان من فعل غيرهما لم يجز من الله
تعالى أن يكلف العبد بما يتوقف عليه ذلك إلا إذا علم
أن ذلك الغير يفعله لا محالة .
فانظر رحمك الله كيف صار علم الباري بوقوع الفعل من
ذلك الغير سبباً في تكليف المكلف الذي يصير ذلك الفعل
لطفاً له بناء على تحقق وقوعه لعلم الباري تعالى
بوقوعه ، فلو لم يكن ذلك الفعل من الغير واجب الوقوع
لما جاز تكليف ذلك المكلف بما له لطف مشكوك في وقوعه ،
لا على تقدير عدم وقوعه من ذلك الغير يكون الله مخلاً
بواجب عندكم وهو محال ، فيجب وقوعه لتعلق علم الله به
ولئلا يخلّ الله بواجب أو يكلف بفعل ما ليس له لطف ،
مع أنه لا يفعل إلا بلطف وهو يفعل ذلك .
عن الثالث : بالممكنات بأسرها جائزة الوقوع بالذات ،
ثم منها ما يتعلق علم الباري بوجوده ، فتكون واجبة
الوجود بالغير ، ومنها ما يتعلق علمه بعدم وجوده فيكون
ممتنع الوقوع بالغير ، سواء كان ذلك في أفعاله تعالى
الغير مضافة إلى العباد ، أو من أفعاله المضافة إليهم
، لكن ذلك الوجوب في أفعاله تعالى وجوب لاحق لا يسلب
الاختيار عنه ، بدليل أنهم قالوا في البرهان : على أن
الباري تعالى عالم وأن الباري تعالى مختار فيكون
عالماً ؛ لأن المختار لا بد أن يتصور أولاً ما يختاره
وإلا لكان توجه اختياره إلى أحد الأشياء دون ما عداه
ترجيحاً من غير مرجح .
فانظر – رحمك الله – كيف تقدم العلم على الاختيار الذي
هو معنى الإرادة التي هي أحد أرجاء المؤثر ، بل يقتضي
الكلام العلم هو الاختيار الذي هو الإرادة ، فبان من
هذا علمه بجميع الممكنات ، ويكون تعلق علمه بوجود
بعضها وعدم وجود البعض هو اختياره بوجود ما تعلق علمه
بوجوده ، بخلاف الوجوب في فعل العبد ، فإنه وجوب سابق
لا سيما قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته وعلمه صفات
قديمة سواء قلنا أنها معانٍ زائدة أو أمور اعتبارية ،
وقدرة العبد وإرادته صفتان مخلوقتان لله تعالى ، على
ما سيأتي .
وعن الرابع : بتقدير نفي لزوم المحال في الوجوه الأربع
، والتزم نسبة أفعال العباد إلى الله تعالى بمعنى خلقه
وإيجاده ، وذلك أن قولكم لو كانت مخلوقة لله تعالى
لقبح منه التكليف إلى آخره الوجوه الأربع باطل [ 15/أ
] لأنه مبني على الحسن والقبح العقليين ، وهو باطل
للزوم نفي الاختيار عن الباري في أحكامه ؛ لأنه حينئذ
يكون كالمجبور على أن يحكم بوجوب ما حسنه العقل
وبتحريم ما قبحه العقل ، ولا سيما وقد قلتم في الدليل
على بطلان القياس إن شرعنا مبني على ائتلاف المختلفات
والمئتلفات .
ثم نقول إنا قدمنا وجوب وجود ما تعلق علم الباري تعالى
بوجوده ، وامتناع وجود ما تعلق علمه بعدمه ، فانتفى
الاختيار على العبد بالمعنى الذي ذكروه ، وهو إن شاء
الله فعل ، وإن شاء ترك ، ويثبت بالمعنى الذي يعتقده ،
وهو اختيار العبد هو الإرادة التي يخلقها الله فيه ،
وذلك أنه [ إذا ] أراد سبحانه وتعالى الفعل من العبد
خلق فيه قدرة عليه وإرادة وسهَّلَ أسبابه ويسر دواعيه
ورفع موانعه وصوارفه ، فيوجد الفعل في العبد بخلقه
تعالى وقدرته وإرادته ، كما يوجد الولد عن أبويه بخلق
الله تعالى وقدرته ، ويقال فلان بن فلان ومن نفاه عن
أبيه فعليه الحد ، ومن نفاه عن إيجاد الله تعالى إياه
من خلقه كفر .
وسبب ذلك يتعلق المدح والذم بالعبد ويقع الثواب له
والعقاب عليه ، ويصح أمره ونهيه ، وهذا الذي عنا
الصادق
t
بقوله فيه :
((
بين أمرين لا جبر ولا تفويض
))
([9])
فسره علي بن موسى الرضا
t
بأنه وجود السبيل إلى فعل ما أمروا به وترك ما نهوا
عنه ، فجعله من باب الانفعال لا من باب الفعل .
ويوضح ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ
كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ الرعد : 16 ] ، ﴿ وَمَا
تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [
الإنسان : 30 ] ، ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي
الزُّبُرِ ﴾ [ القمر : 52 ]، ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ
أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [ يّـس : 12
] ، ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ
وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ
قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [ الحديد : 22 ] ، ﴿
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ
آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً
`
لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ
عَدّاً ﴾ [ مريم : 93-
94 ] وقد عدّ فيهم سبحانه وتعالى أولاد الزناة ، ﴿
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ [ يونس : 99 ] تمدح الباري
تعالى بذلك ، ولا يمدح بقبيح .
هذا والله تعالى قادر على مثل مقدور العبد باتفاق من
محققي الفريقين ، وعندكم أنه تعالى مريد لفعل الطاعة
من العبد ، ومتى اجتمعت القدرة والإرادة حصل الفعل ،
ولكنه يلزم على هذا أن لا يقع من العباد معصية ، وهو
معلوم البطلان فيصح نقيضه ، وهو الذي يقع من العبد هو
مراد الله سواء كان طاعة أو معصية .
وإن الأمر عن الإرادة كما يفهم من قوله عز وجل : ﴿ قُلْ
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء ﴾ [
الأعراف : 28 ] مع قوله عز وجل : ﴿ أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ
قُلُوبَهُمْ ﴾ [ المائدة : 41 ] وقولـه تعـالى : ﴿
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ
وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [ التوبة : 55 ] وقوله تعالى
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾ [ يونس : 25 ] ، فعمّ سبحانه وتعالى بالدعاء وخص
بالهداية .
وفي صدر المسألة ما يثلج الصدور ويقطع العذر في ذلك ،
من قيام الدليل الواضح أن في الخلق من لا لطف لهم ،
ومن لا لطف لهم يستحيل على قواعدهم [ 15/ب ] أن يريد
الله تعالى منهم الطاعة ، فيريد منهم المعصية وهو
المطلوب ، ولا يريد منهم شيئاً ، فيكون خلقه لهم عبثاً
والله تعالى منـزه عن ذلك .
ويؤيده قول الأمة بلسان واحد ما شاء الله كان ولم لم
يشأ لم يكن ، وقوله
e
:
((
سألت ربي ثلاثاً وهو أن لا يهلك أمتي بالسنين وان لا
يسلّط عليهم من سواهم ، وأن لا يجعل بأسهم بينهم ،
فأعطاني اثنين ومنعني الثالثة
))
([10])
.
فلا يخلو أما أن يكون بأسهم من فعله تعالى وهو المطلوب
، أو من فعلهم وهو باطل ؛ لأنه يستحيل طلب أفعال
العباد من الله إلا أن يكون بمعنى أن يجبرهم على ذلك
وهو قبيح عندكم ، فيستحيل من النبي
e
أن يطلب من الله فعل قبيح ، فيثبت ما نعتقده من إضافة
أفعال العبد إلى الله تعالى إضافة خلق ويجاد وإضافتها
إلى العباد إضافة كسب وإسناد .
وعلى هذا يحمل جميع ما في القرآن الشريف والحديث
المتقدم من إضافة الأفعال إلى العباد كقوله تعالى : ﴿
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [
المدثر : 38 ] ، ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل : 32 ] ، ﴿
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ﴾ [ فصلت : 40 ] توفيقاً بين الأدلة
القطعية ، إذ لو كان بعضها يقتضي الجبر المحض وبعضها
يقتضي التفويض ، فتعين أن يكون هناك وسط وهو الكسب
الضرورة القاضية بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
يكن ، ولقـول علي
t
:
((
إذا كان المقدور لا يرد فالاحتراس باطل
))
([11])
، ولقول الصادق
t
:
((
إن الله أرحَمْ بعباده من أن يجبرهم على المعاصي ، ثم
يعاقبهم عليها ، وهو أيضاً أجلّ وأعزّ وأرفع من أن
يريد أمراً فيكون في استطاعة العباد غيره
))
([12])
.
وهذا عين مذهب أهل السنة والجماعة ، خلافاً للقدرية
الذين هم مجوس هذه الدين ، قال علي
t
على ما رواه عنه ابن بابويه في كتاب ( ثواب الأعمال
وعقابها ) في باب عقاب القدرية :
((
إن أرواح القدرية يعرضون على النار غدواً وعشياً حتى
تقوم الساعة ، فيعذبون بأنواع العذاب ، فيقولون : يا
ربنا عذبتنا خاصة وتعذبنا عامة ، فيرد عليهم : ﴿
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
`
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ
﴾ [ القمر : 48 – 49 ]
))
([13])
، ومذهب القدرية إنكار عذاب القبر فيكون الحديث الكريم
دليل من وجهين .
وروي أيضاً أنه دخل عليه مجاهد مولى ابن عباس فقال :
((
يا أمير المؤمنين ما تقول في كلام أهل القدر ؟ فقال :
هل معكم أحد منهم ؟ فقال : ما تصنع به يا أمير
المؤمنين ؟ قال : أستتيبهم فإن تابوا وإلا ضربت
أعناقهم
))
([14])
.
وقال
t
:
((
ما دخل([15])
أحد في القدر إلا خرج من الإيمان
))
([16])
.
وعن أبي جعفر
t
:
((
ما الليل بالليل والنهار بالنهار أشبه من المرجئة
بالنصارى والقدرية باليهود
))
([17])
ومعلوم قطعاً أن مذهب اليهود في القدر مذهب المعتزلة ،
ومذهب النصارى مذهب الجبرية ومنهم المرجئة .
وفي ( كتاب ورام ) عنه
t
أنه قال :
((
إن الله تعالى لم يختبر أو نهى تحذيراً لم يطمع
مكروهاً ولم يعص مغلوباً ، فلو أراد عز وجل أن لا يعصى
ما عُصي ، ولكنه [ 16/أ ] يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، وهو
خالق كل شيء خيراً وشراً حلواً ومراً ، وقد قال عز وجل
: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ
`
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ ﴾ [
الصافات :96 ]
))
([18])
.
ومنه عن أبي جعفر
t
أنه قال :
((
يحشر الكذابون بقدر الله من قبورهم وقد مسخهم قردة
وخنازير
))
([19])
.
ومنه عن النبي
e
:
((
صنفان من أمتي ليس لهما من الإسلام نصيب : المرجئة
والقدرية
))
([20])
.
ومن المعلوم قطعاً أن القدري هو الذي يضيف القدر إلى
نفسه ، لا من ينفيه عنه ، ويثبته لخالقه ، كما يقال
الإمامي لمن قال بالإمامة لا من نفاها ، والمالكي لمن
قال بقول مالك لا من نفاه عنه ، وإلى صعوبة الوسط أشار
علي
t
بقولـه للسائـل :
((
بحر عميق فلا تلجه ، وطريق ضيق فلا تسلكه
))
([21])
، بخلاف الطرفين فإن للنفس اطمئنان لأحدهما أو ميل
وفهم معنى كل منهما سهلّ .
وهذا خلاصة ما أردناه فليتأمل على وجه القصد والإنصاف
واجتناب التعصب والاعتساف ، فإن ابن بابويه روى في
كتابه المقدم ذكره عن النبي
e
أنه قال :
((
من تعصب عصبّه الله بعصابة من النار
))
([22])
.
وأقول كما قال الله تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾ [ النور : 63 ] نسأل الله العظيم رب
العرش الكريم أن يجيرنا وإياكم من عذابه ، ويأخذ
بنواصينا إلى ما يحبه ويرضيه ، بحرمة محمد وصحبه وآله([23])
، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم .
([1])
ينظر تعريف هذا العلم عند الإمامية : دائرة
المعارف الشيعية العامة : 15/452 .
([2])
وقاعدة اللطف عندهم تأخذ مدى أوسع من ذلك ، إذ أن
اللطف يعني أنه يجب على الله بعث الأنبياء وإقامة
اللأئمة والحجج ، قال محمد رضا مظفر ( وهو من
علماء الإمامية المعاصرين ) :
((
فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً
بهم وينذرهم عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه
صلاحهم وسعادتهم
))
. عقائد الإمامية : ص 57 . وينظر ما قرره الخوئي
في الهداية في الأصول : 3/155 .
([3])
نقلها المجلسي عن المرتضى في بحار الأنوار :
17/95.
([4])
قال الطبرسي :
((
وفي الآية دلالة على أن الله سبحانه لو علم أ،ه
إذا فعل ما اقترحوه من الآيات آمنوا لفعل ذلك ،
ولكن ذلك من الواجب في حكمته ؛ لأنه لو لم يجب ذلك
لم يكن لتعليله بأنه يظهر هـذه الآيات ...
))
. إلى آخر ما قال . مجمع البيان : 2/352 .
([5])
هو ( منهاج اليقين في أصول الدين ) لابن المطهر
الحلي . الذريعة : 22/352 .
([6])
ينظر نهج الحق : ص 377 .
([7])
( أن يكون ) تكررت في الأصل .
([8])هو
أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر
الحلي ، يعرف عند الإمامية بـ ( فخر المحققين )
وهو الولد الأشهر لابن المطهر الحلي ،كانت أكثر
مؤلفاته تدور حول الفقه وأصوله وعلم الكلام ، مات
سنة 771هـ .روضات الجنات : 6/330 ؛ جامع الرواة :
2/96 ؛ أمل الآمال : 2/260.
([9])
تقدم تخريج هذه الرواية .
([10])
الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ، المسند
: 3/146 ؛ ابن خزيمة ، الصحيح : 2/230 ؛ الحاكم ،
المستدرك : 1/459 .
([11])
تقدم تخريج هذه الرواية.
([12])
الكليني ، الكافي ، باب الجبر والقدر : 1/159 ؛
مجموعة ورام : 2/268 .
([13])
تقدم تخريج هذه الرواية .
([14])
ثواب الأعمال : ص 213 ؛ الشعيري ، جامع الأخبار :
ص 161 .
([15])
في كتب الإمامية ( غلا ) .
([16])
ابن بابويه ، ثواب الأعمال : ص 213 ؛ الشعيري ،
جامع الأخبار : ص 161 .
([17])
تقدم تخريج هذه الرواية .
([18])
مجموعة ورام : 2/268 .
([19])
تقدم تخريج هذه الرواية .
([20])
صحيفة الرضا : ص 91 ؛ ابن بابويه ، الخصال : 1/72
؛ الكراكجي ، كنز الفوائد : 1/125 ؛ .
([21])
تقدم تخريج هذه الرواية .
([22])
الكليني ، الكافي ، باب العصبية : 2/380 ؛ الشعيري
، جامع الأخبار : ص 162 .
([23])
ليس من عقيدة السلف التوسل بحرمة النبي
e
كما ذكر المؤلف رحمه الله ، وعفا الله تعالى عنا
وعنه . ينظر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في
مجموع الفتاوى : 27/130 .
|