من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

الشبهة اللغوية :

       ثم قال : (( قال الماسحون يا أيها الأخوان في الدين والشركاء في طلب اليقين، لو صرفتم إلى الآية الكريمة بالكم لعلمتم إنها عليكم لا لكم ، وبيان ذلك إنكم وجهتم قراءة النصب بتوجيهين نحن وانتم في الثاني وهو تقدير واغسلوا([1]) أرجلكم منهما سواء من حيث التقدير ))([2]) .

      يعني انهم يقدرون في ( أرجلكم ) بالنصب وامسحوا أرجلكم ، ولا يخفى أنه ليس سواء ، فان تقدير المسح ينافيه التقييد بالكعبين ، ولو كان المقصود المسح لم [ 3/ب ] يحتج إلى التقييد ، ألا ترى أن الرأس مصّرح فيه بالمسح ، ولم يقيد بشيء ، وتقدير أهل السنة مناسب للمقام لكون الأيدي مقيدة بالمرافق ، وهي مغسولة اتفاقاً ، وتقييد الرجلين بالكعبين أقوى دليل على إرادة الغسل للتناسب ، فيبقى الأول وهو العطف على الوجوه ولا يخفى أنه مخل بنظم الكلام ، لأنه يصير من قبيل ضربتُ زيداً وعمرواً ، وأكرمت خالداً وبكراً ،  بجعل بكراً معطوفاً على زيدٍ وإرادة أنه مضروب لا مكرم ، وهذا مستهجن جداً تنفر عنه الطباع ، ولا تقبله الأسماع ، فكيف يُحتجُ إليه ويحمل القران عليه([3]).

الرد اللغوي :

      لا يخفى على ذي بصيرة أن عطف الأرجل المنصوبة على الوجوه أو الأيدي المنصوبة مع وجود القرينة في الأيدي المغسولة بالتقييد بالمرافق يناسب عطف الأرجل المنصوبة المقيدة بالكعبين [ على مثلها ]([4]) .

     وأما تنظيره الآية بما مثّل من قوله ضربت زيداً وعمرواً ، وأكرمت خالداً وبكراً فتنظير بعيد ، وقياسٌ غير سديد ، بل مثاله ضربت زيداً وعمرواً([5])  على رأسه ، ومررت([6]) بخالد وبكراً على كتفه فان وجود النصب في بكر يدل على أنه معطوف على نظيره المنصوب ، وكذلك تقييده بقوله على كتفه يدل على أنه معطوف على عمرو المضروب المقيد بكون الضرب على رأسه ، وهذا كما في قوله تعالى : ] أَنَّ اللَّهَ بَرِيء مِنْ الْمُشْرِكِين وَرَسُولُهُ [([7]) ، فإن فساد المعنى لوجود القرينة الخارجية  [ 4/أ ] يمنع عطف رسوله على المشركين ، بل يوجب عطفه على الله ، ولا يضر الفصل بالجملة الأجنبية .

     لكن المؤلف لترويج بدعته مثل بمثال تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع ،  وحمل كلام الله عليه ، وبينهما بعد المشرقين ، فأما أنه جاهل بما مثل وهو الأشبه ، وأما أنه لاستيلاء الشقاوة استحكمت فيه الغباوة ، فظن أن مثاله يروج على أطفال العقول فتستحسن ما يقول ، فتعيّن إما العطف على الرؤوس بناء على أن المجرور مفعول في المعنى ولا يخفى على أن هذا - وإن كان جائزاً على ندور - لكن العطف على اللفظ المنصوب للتماثل اللفظي والمعنوي - لاسيما مع وجود القرينة - فهو المحمل الصحيح بإجماع أئمة العربية.

      ولان العطف على المغسول هو ظاهر هذه القراءة([8])، ولا يجوز ترك الظاهر إلا بدليل والدليل قام على خلافه ؛ ولان العطف على المحل مجاز فلا يصار إليه من غير ضرورة ، كما قاله جملة من العلماء ، ولان دليل العطف على المغسول مما تواتر من الأخبار ، ولان العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس ، لا يقال ضربت زيداً ومررت بعمرو وبكراً بعطف بكر على عمرو محلا [ لمناسبة عطف المنصوب على مثله لا عطف المنصوب على المجرور الذي لا يشهد له الظاهر ]([9]).

     وأما جعل الواو للمعية([10]) ، أقول : هذا ضعيف من حيث العربية جداً ، لان شرط واو المعية أن تكون نصاً فيها ، وفي هذه الآية الواو في كل الأعضاء للعطف، وأيضا لا يجوز المعية هنا لوجود التحديد بالكعبين في الأرجل [ 4/ب ] كالتحديد في الأيدي بالمرافق كما تقدم ، وأيضا جعل الواو للمعية مع كونه خلاف الظاهر ، وخلاف القاعدة في نصيتها لما([11]) يلزم أن يكون المسح على الأرجل بنفس المسح الذي يكون للرأس  لان العامل واحد ، ويكون زمان مسح الرأس والأرجل واحد ، وهو محال ممتنع ، إذ لا يتصور أن مسح الرأس والأرجل معاً ، كما إذا قلت استوى الماء والخشبة ، فإن استوائهما في زمان واحد معاً ، وهذا ليس كذلك فبطل القول به وكل منهما ، أي من عطف الأرجل على محل الرؤوس ، وجعل الواو واو المعية صريح فيما ندعيه  ، ليس بصريح بل ضعيف قبيح بعيد عن الوجه المليح كما تبين لك فيما تقدم .

رأي ابن عربي :    

     وحكاية المعية أوردها الشيخ الجليل جمال العارفين محي الملة والدين ابن عربي([12]) في الجزء الثالث من الفتوحات المكية ، وهي مذكورة في كتب الإمامية ، لما ضاق طعن([13]) الرافضة عن الاستدلال بقواعد أئمة العربية من أئمة النقل الصحيح ، اضطروا إلى النقل عن مثل الشيخ الذي اتفق العلماء على أن ما في كتبه من مخالف)([14]) للنصوص ، إما مدسوس عليه من مثل الرافضة أو من أعدائه ، أو هو خارج به عن القواعد بتأويل أو سكر حال وعدم شعور ، ومن هذا حاله كيف يستدل بكلامه على رد قاعدة عظيمة من قواعد الدين اجمع عليها أئمة العلم ولم ينقل عن من يعتد به لها مخالف .

     على أنّ الشيخ محي الدين [ 5/أ ] ، لو سلمنا صحة نقله وأنه من عنده لا بدَّ لها محمل ما فهمه هذا المؤلف ، وسيأتي تحقيقه ، ومع هذا فالمعوّل في مثل هذه المطالب على أئمة النقل من أئمة العربية ونقلة الشريعة المحمدية ، والحجة من هؤلاء ناهضة على خلاف ما يقول الشيخ ، ثم اخذ يورد عبارة الشيخ في الفتوحات . وهي قوله : (( فمذهبنا أن الفتح في اللام لا يخرجه عن المسوح ، فان هذه الواو قد تكون واو مع واو المعية تنصب ، تقول قام زيداً وعمرو تريد مع عمرو ، فحجة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى ، لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها وهي فتح واللام )) ([15]) ، لا يخفى أن الواو التي في مثل قام زيد وعمرو لمطلق الجمع وهي محتملة للمعية ، ولا يقال لهذه الواو واو المعية الناصبة باتفاق أهل العربية ؛ لأنها هي التي تنص على المعية وتعينها ، بحيث لا تحتمل غيرها نحو استوى الماء والخشبة .

     ويدل ما قلنا قول الشيخ في عبارته ، فإنَّ هذه قد تكون واو مع ومثل بما العطف فيه هو الراجح ، وقوله قد تكون تدل على التقليل بل هو نادر ولا يقتضيه المقام ، وأيضا هو لا يصح عقلاً كما لا يصح نقلاً  ، لما قدمنا أنه يلزم أن يكون مسح الرأس مع مسح الأرجل معاً في فعل واحد ، وهو محال ولا قائل به لان وقت مسح الرأس لا يمكن بنفس ذلك الوقت ، وذلك المسح  تمسح الأرجل لأنه لا يتأتى ولا يتصور .

      ثم معنى قول الشيخ لأنه يشارك القائل بالغسل … الخ أن [ 5/ب ] القائل بالغسل مستدل بفتح اللام والقائل بالمسح مستدل أيضا بفتح اللام ، بناء على أن الواو واو المعية وقد علمت امتناعه من حيث النقل والعقل والقواعد العربية : (( ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام ))([16]) ؛ انتهى كلامه .

      يعني كلام الشيخ محيي الدين بن عربي ، ومقصوده بقوله ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام ، أن خفض لام الأرجل في الآية محمول على المسح وليس كذلك ، فأن الخفض لا يخرج الأرجل عن الغسل لان الخفض محمول على مسح الخفين أو الغسل الشبيه بالمسح أو خفض الجوار ، ثم أن الشيخ نسب هذه العبارة لنفسهِ ، فقال : ومذهبنا ، يعني نفسه فقط لأنه مجتهد ، وكثيراً ما يخرج عن المذاهب الأربعة في بعض المسائل ، وإنما قلنا هذا لان مذهبهُ [ في الأصل ]([17]) مالكي ، وجميع المالكية لا يقولون بهذا القول قطعاً ، والظاهر أن مراده بالمسح الذي يقول به هو المسح المجامع للغسل كما هو قول ابن جرير الطبري([18]) .

      فلو مدّ المتوضأ رجله في الماء من غير دلك ومسحٍ بنحو يده لا يكفي ، بل لابد من المسح الذي هو الدلك مع الغسل وهو مذهب مالك([19]) ، أن الدلك فرض مع الغسل فيكون قوله مذهبنا يعني مذهب مالك مذهب نفسه([20]) .

     فحاصل مراد الشيخ أن وأرجلكم في قراءة النصب مغسولة لعطفها ظاهراً على المغسول ، وهو الوجوه أو الأيدي المنصوبة ويجوز اعتبار المعية في قراءة النصب وعطفها على الرؤوس الممسوحة [5/ أ ] لا لتمسح فقط ، بل لتغسل بالعطف على المغسول ، وتمسح مع الغسل وهو امرار اليد ، وأما([21]) أشبهها على المغسول وهو الدلك الذي اشترطه المالكية فافهم .

     ويدل قولنا إن الشيخ قال في الفتوحات بعد ما تقدم من عبارته : (( واعلم أن الغسل يتضمن المسح فمن غسل ، يعني مع دلكه فقد اندرج المسح فيه كاندراج أنوار الكواكب في نور الشمس وينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة ))([22]) انتهى  .

    فإذا كان المسح مندرجاً تحت الغسل صار القائل بالغسل أصوب وأقوى وأحوط ممن يقول بالمسح لاندراج هذا تحت هذا ولا عكس ، فتبين أن نقل الشيخ محيي الدين لنا موافق لما عليه أهل السنة والجماعة ، ولكن الرافضي ما فهم كلامه ولو لم يُحمل على هذا لكان آخر كلامه مناقضاً لأوله كما لا يخفى فتأمل.

 


 

([1]) في (د) :" فاغسلوا " .

([2]) العاملي : ص 30أ .

([3]) إلى هنا انتهى كلام العاملي : ص 30أ .

([4]) زيادة من هامش (و) .

([5]) في (و) :" عمراً " .

([6]) في (و) :" مررة " .

([7]) سورة التوبة : آية 3 .

([8]) في نسخة (و) : " قرائه " .

([9]) زيادة من هامش (و) .

([10]) يقول العاملي : (( أما جعل الواو للمعية ، وكل منهما صريح فيما ندعيه ، حكاية المعية أوردها الشيخ الجليل جمال العارفين عربي في الجزء الثالث من الفتوحات المكية )) . ص 30أ . كذا ورد ابن عربي بلا ابن ! .

([11]) في (د) : لها .

([12]) هو محمد بن علي بن محمد بن عربي ، المعروف بمحي الدين ، من أئمة المتكلمين ، ولد بالأندلس ، وتوفي في دمشق سنة 638هـ ، قال ابن دقيق العيد :" سمعت شيخنا يقول : هو شيعي سوء كذاب " . ميزان الاعتدال : 3/659 ؛ نفح الطيب : 2/161 .

([13]) في النسخة (و) : " عطن " .

([14]) في (د) : " المخالف للنصوص " .

([15]) ينظر : الفتوحات المكية : 1/448 .

([16]) العاملي : ص 30أ .

([17]) ما بين القوسين سقطت من (د) .

([18]) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، المفسر المؤرخ الإمام ، أستوطن بغداد ، وفيها توفي ، كان مجتهدا في أحكام الدين لا يقلد أحدا ، وكتبه معروفة ومشهورة . تاريخ بغداد : 2/162 ، وفيات الأعيان : 4/191

([19]) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني ، الإمام الحافظ ، فقيه الأمة ، وإمام دار الهجرة ، قال الشافعي عنه :" إذا ذكر العلماء ، فمالك النجم " ، قال الذهبي :" لقد أتفق لمالك مناقب ما علمتها لغيره منها : طول العمر وعلو الرواية وسعة الفهم والذهن الثاقب " ، (ت 179هـ ) . طبقات ابن خياط : ص 275 ؛ تذكرة الحفاظ : 1/207 .

([20])وهذا مشهور عند المالكية حتى عده بعضهم من فرائض الوضوء كما قال أحمد الدردير في شرحه: (( الفريضة الخامسة الدلك  : وهو إمرار اليد على العضو ، ولو بعد صب الماء قبل جفافه ، وتندب المقارنة هنا دون الغسل للمشقة والمراد باليد هنا باطن الكف على ما استظهر والدلك في الغسل هو إمرار العضو على العضو )) ، الشرح الكبير : 1/90 ؛ الفواكه الدواني ، للنفراوي : 1/142 .

([21]) في (د) :" وما " .

([22]) هذه العبارة وردت في الفتوحات : 1/448 .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter