|
التناقض في الأقوال :
قال :
((
ثم من جوزه إنما جوزه بشرط اَمْن اللبَّس وأن لا يتوسط
حرف العطف ، والشرطان مفقودان في الآية الكريمة ،
فالقول به عدول عن الطريقة القويمة والجادة المستقيمة
))([1])
.
أقول : قد تقدم فيما نقلناه أن المجوّز له أكابر
الأئمة ، والقائل بقلته كابن الحاجب وأبي حيان([2])
وتبعه ابن هشام([3])
في ( شرح الشذور )([4])
من المتأخرين [ 8/ب ] الذين لا يعول على قولهم ،
كتعويل من تقدم من أساطين العلماء المثبتين لكثرته في
كلام الله وكلام العرب العربآء ، فلا يلتفت إلى قول
غيرهم ، ولا يعتبر منهم ما شرطوه إذ الوارد مطلقا كما
نقلنا .
ولو سلّمنا فأمن اللبس موجود في الآية الشريفة ،
وهو وجود القرينة الدالة على الغسل ، وهو التحديد
بالكعبين ، كما في نظيره المغسول من اليدين المقيدين
بالمرافق .
ومما يدلك على ذلك أن التيمم لما كان مسحاً خالصاً قال
تعالى :)
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
(([5])
، ولم يقيد الأيدي([6])
بشيء لكونها ممسوحة فيه، وكذلك الرؤوس لما كانت
ممسوحةً خالصةً لم يذكر الله [ تعالى ]([7])
لها قيداً .
فإن قلت : لِمَ وَسَّطَ هنا([8])
الممسوح بين المغسولات ؟ ؛ قلت : لفائدة الترتيب [ قال
صاحب الصواقع ]([9])
: ثم أن الرافضة يعيبون علينا حمل الأرجل على المجاورة
، وقد أثبته أكابر الأئمة بالنصوص القاطعة ، وهم قد
حملوا الباء في برؤوسكم على التبعيض ، وقد أنكره
سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه ، وأنكره أبو الفتح
بن جُني([10])
وأبو البقاء العكبري وجماهير النحاة من الكوفية
والبصرية .
واعترف جمع من عيون علمائهم كابن المطهر الحلي([11])
والمقداد([12])
ومحمد ابن الحسن الطوسي([13])
، شيخ الطائفة ، على صحة قول سيبويه ، وقد بالغ الطوسي
في عدم وروده في كلام العرب ، فقال في (
التهذيب
) :
((
أفادتها التبعيض غير موجود في كلام العرب
))
([14])
، وقال المقداد في ( كنـز العرفان ) :
((
أنكر أهل العربية إفادة الباء للتبعيض ))
([15]).
وما قيل [ 9/أ ] أنه أثبته الأصمعي([16])
، فلم يثبت ، نعم قد توهم بعض المتأخرين من أهل
العربية : كالفارسي([17])
والقتيبي وابن مالك أن الباء في قوله تعالى :)
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ
اللَّهِ
(([18])
للتبعيض .
وكذا في قول الشاعر :
فَلَثَمتُ فاها آخِذاً بِقُرونِها شُربَ
النَزيفِ بِبَردِ ماءَ الحَشرَجِ ([19])
وهو وهم واضح ، وخطأ فاضح ، فإن الظاهر أن الباء
فيهما للإلصاق ، ولم يكن قولهم شهادة ، حتى يسمع ولا
يلتفت إلى قول سيبويه وجمهور أئمة الأدب .
فإذا تبين لك أن الرافضة مشوا على الباء للتبعيض مع
إنكار أكابر [ أهل ]([20])
العربية ، فلم يلتفتوا إلى إنكارهم ، مع أعيانهم بأن
الحق مع المنكر [ انتهى ]([21])
.
فكيف يسوغ لهم منع الحمل على الجواز إذا كان القائل به
أكابر [ أئمة ]([22])
العربية ومستثقله حثالتهم ومتأخروهم ، ممن ليس لهم علم
إلا بنقل الأقدمين، والله أعلم([23])
.
([2])
هو محمد بن يونس بن علي الأندلسي ، من كبار
العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم
واللغات ، ولد في غرناطة ، وأنتقل إلى القاهرة
وفيها توفي سنة 745 هـ . الدرر الكامنة : 4/302 ؛
بغية الوعاة : 1/280 .
([3])
هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد أبن هشام ،
من أئمة العربية ، مولده ووفاته بمصر ، كان يشبه
سيبويه في سعة علمه ( ت 761 هـ) . الدرر الكامنة :
2/308 ؛ النجوم الزاهرة : 10/336 .
([4])
ينظر : ابن هشام ، شذور الذهب : ص 331 – 332 .
([5])
سورة المائدة : آية 6 .
([6])
في (د) : " اليدين " .
([10])
هو أبو الفتح عثمان بن جني من أئمة الادب والنحو ،
ولد بالموصل وتوفي ببغداد سنة 392هـ . تاريخ بغداد
: 11/311 ؛ وفيات الأعيان : 3/246 .
([11])
هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ، من
علماء الإمامية ، نسبته إلى الحلة ( في العراق )
وهو صاحب كتاب " منهاج الكرامة " الذي رد عليه شيخ
الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " توفي ابن
المطهر سنة 726هـ . الدرر الكامنة : 2/71 ؛ لسان
الميزان : 2/317 .
([12])
هو أبو عبد الله مقداد بن جلال الدين عبد الله
السيوري الحلي ، من علماء الشيعة الإمامية ، كان
له علم بالعربية والتفسير ( ت 826 هـ ) . روضات
الجنات : 7/171 .
([13])
هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ، قال
عنه السبكي :" فقيه الشيعة ومصنفهم " ، كانت
إقامته في بغداد ( ت 460هـ ) . روضات الجنات :
6/216 ؛ لسان الميزان : 5/135 .
([14])
تهذيب الأحكام : 1/60 .
([15])
كنـز العرفان 1/18 .
([16])
هو عبد الملك بن قريب بن علي الباهلي ، راوية
العرب ، وأحد الأئمة في الأدب والبلدان ( ت216 هـ)
. تاريخ بغداد : 10/410 ؛ وفيات الأعيان : 3/170 .
([17])
هو أبو الحسن عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي ، من
علماء العربية والتاريخ والحديث ، فارسي الأصل ،
أرتحل إلى خوارزم وغزنة والهند ، وتوفي بنيسابور
سنة 526هـ . وفيات الأعيان : 3/225 .
([18])
سورة الإنسان : آية 6 .
([19])
البيت لجميل بثينة ، ينظر ديوانه : ص 42 .
([20])
زيادة من المحقق كي يستقيم المعنى !.
([22])
زيادة من المحقق كي يستقيم المعنى !.
([23])
قال العكبري :" وقال من لا خبرة له بالعربية :
الباء في مثل هذا للتبعيض ، وليس بشيء يعرفه أهل
النحو ، ووجه دخولها ، إنها تدل على إلصاق المسح
بالرأس " . الإملاء : 1/208 .
|