|
حكم المعطوف عليه :
قال : (( وأما العطف على الرؤوس لتغسل غسلا شبيها
بالمسح ، فهو ـ وإن أورده صاحب الكشاف ـ لكنه ظاهر
الاعتساف ، فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه باتفاق
النحاة ، فهل يليق من رشيد أن يقول أكرمت زيداً
وعمرواً، وسخرت من خالدٍ وبكر ، بعطف بكر على خالد ،
لا لمشاركته له في السخرية ، بل للدلالة على أن إكرامه
كان إكراماً قليلاً ، شبيها بالسخرية ))([1])
.
أقول : أما إنكاره الغسل الشبيه بالمسح ، فإنما أنكر
ما هو فعله وفعل إخوانه الرافضة ، فإنهم التزموا في
جميع أعضاء الوضوء([2])
، جعل الغسل شبيهاً بالمسح ، فتراهم يتوضؤن بالزمزمية
التي [ 9/ب ] هي عبارة عن ماء فيه نصف أوقيّة ، فتراه
يمسح وجهه مسحاً ويديه ما أظن أن يكون معه([3])
إسالة ، فهل هذا غسل شبيه بالمسح أم لا ..؟ ، مع أنه
المنصوص عليه بالغسل ، فكيف جعلتموه مسحاً ، وهو غسل
الأرجل ، لكونها مظنة الإسراف في كثرة الصب عليها
بالإشارة في قراءة الجر حكم المسح ، وجعلتم القول به
ظاهر الاعتساف .
وأما قوله : فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه باتفاق
النحاة ، إن أراد في الأعراب ، فمسّلم وليس هو مما نحن
فيه ، فإن الذي يقوله مراده من حيث العامل، وهو يختلف
باتفاق النحاة وأهل البلاغة إذا اقتضاه المقام .
قال المرتضى([4])
في ( الدرر والغرر )([5])
في قوله تعالى :)
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ
السَّمَاءُ وَالأَرْضُ
(([6])
، يمكن أن يكون البكاء عن المطر بالبكاء ، ويمكن أن
يكون معنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم ، ولم تجد
عليهم بالقطر على مذهب العرب المشهور ، وذلك لأنهم
يستسقون السحائب لقبور من فقدوه … إلى أن قال : والفعل
الذي أضيف إلى السماء - وإن كان لا يجوز إضافته إلى
الأرض - فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يُقَّدَرَ
لها فعل يصح نسبته إليها ، والعرب تفعل مثل ذلك .
قال الشاعر :
يَا لَيتَ زَوجَكِ قَد غَدا مُتَقَلِّداً
سَيفَاً وَرُمحا ([7])
فعطف الرمح على السيف ، وإن كان التقليد لا يجوز
فيه ، لكنه أراد وحاملاً رمحاً ، ومثل هذا في الآية
فيقال إنه [ 11/أ ] أراد أن السماء لم تسق قبورهم ،
وإن الأرض لم يعشب عليها .([8])
انتهى .
فجعل البكاء ، وهو مجاز من السماء ، عبارة عن
المطر ، وفي الأرض عبارة عن العشب والنبت ، فهذا نقل
المرتضى من أكابر علمائهم ، والعمدة عندهم يذكر في
تفسير هذه الآية هكذا ، ويقول إن العرب كثيراً ما تفعل
مثل هذا وفي كلامهم كثرة منه ، فكيف ينكر على من قال
إن الجر في الأرجل بالعطف على الرؤوس ، لا لتمسح ، بل
ليكون غسلها شبيها بالمسح ، لمظنة الإسراف .
ثم مما ينقض قوله إن المعطوف في حكم المعطوف عليه
في العامل ، قوله تعالى :)
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ
رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً
لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
_
وَعَلامَاتٍ
(([9])
فإن لفظ ( وأنهاراً ) معطوف على ( رواسي ) ، ولا يصح
أن يقال ألقى أنهاراً ، بل يقدر لها وشق أنهاراً ، أو
جعل أنهاراً ، وكذلك علامات معطوفة على ما رواسي ، وهي
بتقدير ونصب علامات ، فيقدر في المعطوف ما يناسبه ، مع
وجود الفصل بالجملة الأجنبية ، وهي لعلكم تهتدون ،
فكذلك آية الوضوء .
ويدل أيضا على ما قلنا قول لبيد([10])
:
فَعَلا فُروعُ الأَيهُقانِ وَأَطفَلَت
بِالجَهلَتَينِ [ ظِبائُها ]([11])
وَنَعامُها ([12])
أي وباضت نعامها ، لأن النعام تبيض ولا تطفل .
وقال الآخر :
إذا ما الغانياتُ برزنَ يوماً وزجّجنَ
الحواجبَ والعيونَا ([13])
أي وكحل العيونا .
وقال الآخر :
تَراهُ كَأَنَّ [ اللهَ ]([14])
يَجدَعُ أَنفَهُ وَعَينَيهِ إِن مَولاهُ ثابَ
لَهُ وَفرُ ([15])
أي ويفقأ([16])
عينيه .
ومنه قول الأعراب علفتها [ 11/ب ] تبنا وماءً بارداً ،
أي وسقيتها ماءً بارداً.
فهذا باتفاق علماء النحو وغيرهم [ دليل ]([17])
جواز تغاير المعطوف والمعطوف عليه في العامل ، ثم
قياسه صورة ما في الآية ، على ما مثل به قياس مع
الفارق ، فإن وجود التقييد بالكعبين هو الحامل على
تفسير المسح بالغسل الشبيه بالمسح ليتساوى المحدودان ،
وهما الأيدي والأرجل ، وأيضاً قراءة النصب قرينة أخرى
لأنها ناصة على الغسل بعطفها الظاهر ، بخلاف مثاله
فإنه خال عن القرينتين، مع أن العمدة في مثل هذا
المطالب ، لا على اللفظ فقط ، حتى يستنبط منه ليكون
مشابهاً ، بل العمدة على النقل المبين للقرآن من
الشارع الذي هو المبين له ، فلا يضر لو كان الكلام
خاليا عن القرائن والاعتبارات فكيف بها .
ثم ما مثّل به من قوله أكرمت زيداً وعمرواً ،
وسخرت من خالد وبكر ، تمثيل باطل ، لأن الإكرم
والسخرية متضادان ، وأما الغسل والمسح فهما يجتمعان ،
ويدخل المسح في الغسل ، كما هو ظاهر ؛ لأن الغسل مسح
وزيادة ، ولهذا لو غسل المتوضئ رأسه كفاه عن المسح ،
وكذلك لو غسل الرافضي رجله كفاه عن المسح ، ولهذا يطلق
في اللغة المسح على الغسل .
ثم أن الوضوء معقول المعنى ، لأن حكمه فيه التطهير
والنظافة ، ولهذا أشتق من الوضاءة الحاصلة من نظافة
الغسل ، وأعضاء الوضوء من الوجه واليدين والرجلين لما
كانت [ 12/أ ] محل عروض الأوساخ لاسيما الرجلين ، حكم
العقل كالنقل أن الغسل هو المفروض .
فإن قلت لو كان معقول المعنى لم يكن فيه ولا تطهير ،
قلت الرأس لما كان دائم التغطية لكل أحدٍ لم يعرض له
ما يدنسه ، وأيضا لو أمر بغسله لضر الغاسل ، وربما
أهلكه ، خفف الله عن المتوضئ بمسحه ، والرجل ليست كذلك
بل هي معرضة للوساخة وغيرها فهي بالغسل أولى من اليدين
كما لا يخفى .
على أنه كثير في الاستعمال أن يعطف شيء على شيء ويكون
في الثاني كما يليق به ، فلو قلت أكرم السلطان الوزير
والمكدي ، لا يشك أحد أن إكرام المكدي ليس شبيهاً
بإكرام الوزير ، بل إكرام كل بما([18])
يناسب مقامه ، فكذلك هنا .
([2])
في (د) :" الأعضاء المغسولة " .
([4])
هو علي بن الحسن بن موسى بن محمد العلوي الشريف
المرتضى ، المتكلم الشيعي المعتزلي ، صاحب
التصانيف ، عاش في بغداد ، وإليه ينسب كتابة نهج
البلاغة ، (ت 436 هـ) . تاريخ بغداد : 11/402 ؛
لسان الميزان : 4/223 .
([5])
ويعرف أيضا بآمالي المرتضى ، ينظر هذا الكتاب :
1/54.
([6])
سورة الدخان : آية 29 .
([7])
البيت لعبد الله بن الزبعري ، ينظر امالي المرتضى
: 1/54 ؛ معجم الشواهد : 1/81
([8])
ينظر آمالي المرتضى : 1/54 ـ55 .
([9])
سورة النحل : آية 15 ، 16 .
([10])
لبيد بن ربيعة بن مالك العامري ، أحد الشعراء
الفرسان الأشراف في الجاهلية ، أدرك الإسلام ،
ووفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأسلم
وحسن إسلامه (ت41 هـ ) . الإصابة : 5/675 . خزانة
الأدب : 1/337 ، 4/171 .
([11])
في الأصل :" ضباها " ، والتصحيح من الديوان .
([12])
ينظر : ديوان لبيد بشرح الطوسي ، ص 298 .
([13])
البيت للراعي النميري ، وأسمه عبيد بن حصين ، ابن
جني ، الخصائص : 2/432 ؛ معجم الشواهد : 1/384.
([14])
في الأصل :" مولاه " والتصحيح من الحيوان : 6/40 .
والبيت للزبرقان بن بدر .
([15])
البيت لخالد بن الطيفان ، وفي رواية الحيوان :
6/40 .
تراه كأن الله يجدع
أنفه وأذنيه إن مولاه كان له وافرُ
ويستشهد به النحويون كثيراً ، على إضمار الفعل
بعد حرف العطف ويقولون التقدير :" ويفقأ عينيه " ،
ينظر أمالي المرتضى : 4/169 .
([16])
في (د) : " ويفقئ ".
|