من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

المعنى الحقيقي والمجازي :

     قال : (( وأيضاً فإذا أريد بالمسح بالنسبة إلى المعطوف عليه حقيقة ، وبالنسبة إلى المعطوف الغسل الشبيه بالمسح يكون استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز ، وهذا مما [ يلحق ]([1]) بالمعميات والإلغاز ))([2]) .

أقول قد جاء المسح في اللغة بمعنى الغسل حقيقة ، روي عن أبي زيد الأنصاري ، إمام اللغة كما نقله الطبرسي([3]) في تفسيره([4]) ، وكذلك غيره من أئمة اللغة . قال في القاموس : (( المسح إمرار اليد على الشيء السائل )) انتهى .

فيكون مراد به الغسل لأن المسح بلا غسل لا يكون سائلا ، ومنه يقال للشخص إذا تؤضأ وغسل أعضاؤه قد تمسح ، وهذه اللغة باقية في العرب إلى يومنا [12/ب ] هذا ، فإن جميع العرب يسمون الوضوء مسوحا ، ويقولون للمتؤضي متمسح ، ويقال مسح الله ما بك أي غسله . وتقدم قول مـحي الدين([5]) فـي ( الفتوحات ) إن العرب تسمي الغسل مسحا ، وإنه من الألفاظ المترادفة .

     فيكون استعمال المسح في الرأس على ظاهره ، وفي الأرجل مراداً به الحقيقة الأخرى للقرينة ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه ، وهو جائز عند كثير من الأصوليين ، وظاهر النصوص تدل عليه ، منها قوله تعالى :) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (([6]) ولا شك أن سجود الآدميين وأمثالهم بوضع الجبهة وسجود غيرهم بالنسبة لما يليق بهم ، ومنه قوله تعالى :) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ( ([7]) فإن صلاة الله غير صلاة ملائكته ، ولكل واحد حقيقة أخرى فجمعت في لفظ واحد .

ومنه قوله تعالى :) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (([8]) فلكل واحد عزة تليق([9]) به هي حقيقة في حقه ، وكثير مثل ذلك .

وقد قال في معالم الأصول([10]) للرافضة ذلك وذكره عن الأصوليين ، وإن كان فيهم من يمنع . قال في ( المعالم ) : (( أصل الحق أن الاشتراك واقع في لغة العرب ، وقد أحاله شرذمة وهي [ ـ أي الإحالة ـ ]([11]) شاذ ضعيف لا يلتفت إليه )) .

ثم أن القائلين بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى ، إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه المعاني ممكنا ، فجوزه قوم [ 12/أ ] مطلقا ، ومنعه آخرون ... إلى أن قال : (( ثم أختلف المجيزون ، فقال قوم إنه بطريق الحقيقة ، وزاد بعض هؤلاء ، أنه ظاهر في الجميع عند تجرده عن القرينة ، فيجب حمله عليه حينئذٍ ، وقال الباقون ، إنه بطريق المجاز ، والأقوى عندي جوازه مطلقا ، لكنه في المفرد مجاز ، وفي غيره حقيقة ، ولنا على الجواز انتفاء المانع بما سَنُبيّـنُهُ من بطلان ما تمسك به المانعون …)) إلى آخر ما قال .

     ثم قال : أصل : واختلفوا في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي كاختلافهم في استعمال المشترك في معانيه ، فمنعه قوم وجوزه آخرون ، ثم اختلف المجيزون وأكثرهم على أنه مجاز ، وربما قيل بكونه حقيقةً ومجازاً بالاعتبارين .. ([12]) إلى أن قال : ونـزيد الحجة على مجازيته بأن فيها خروجاً عن محل النـزاع، إذ موضع البحث هو استعمال اللفظ في المعنيين على أن يكون كل منهما مناط الحكم ، ومناط الإثبات والنفي كما مرّ في المشترك .

     وما ذكر في الحجة آنفاً في المشترك يدل على أن اللفظ مستعمل في معنى مجازي شامل للمعنى الحقيقي والمجازي ، الأول فهو معنى ثالث لهما ، وهذا لا نـزاع فيه ، فإن النافي للصحة يجوز إرادة المعنى المجازي الشامل للمعنى الحقيقي ، ويسمى ذلك بعموم المجاز ، مثل أن يريد بوضع القدم في قولك لا أضع قدمي في دار فلان ، فيتناول دخولها حافياً وهو الحقيقة وراجلاً وراكباً وهما مجازان [ 12/ب ] .

    والتحقيق عندي في هذا المقام أنهم أرادوا بالمعنى الحقيقي الذي يستعمل فيه اللفظ [ حالة ]([13]) تمام الموضوع له حتى مع الوحدة الملحوظة في اللفظ المفرد ، كما عُلم في اللفظ المشترك ، كان القول بالمنع متجهاً ، لأن إرادة المجاز تعانده من جهتين : منافاتها للوحدة الملحوظة ، ولزوم القرينة المانعة ، وإن أرادوا به المدلول الحقيقي من دون اعتبار كونه مفرداً كما قرره في جواب حجة المانع في المشترك أتجه القول بالجواز ، لأن المعنى الحقيقي يصير بعد تعريته عن الوحدة مجازياً للفظ فالقرينة اللازمة للمجاز لا تعانده ، وحيث كان المعتبر في استعمال المشترك هو هذا المعنى ، فالظاهر اعتباره هنا أيضاً … إلى آخر ما قال .

فإذا كان القول في استعمال المشترك جائزاً واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز كذلك جائز ، ولو عند قوم ، والقول بعموم المجاز عند آخرين كالحنفية ومن وافقهم ، فكيف يقال إن استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز مما يلحق بالمعميات والألغاز ؟ . فتبين لك أن قوله غير جار على أصول العلماء ولا على أصول مذهبه الذي ينسب إليه فبطل قوله .

ثم اعلم أن المجتهد إذا مشى على قول من أقوال أهل الأصول لا يعاب عليه مادام له ملمس في ذلك القول ، وإنما سقنا عبارة صاحب المعالم ، لأن الرافضة ليس لهم أصول في الحقيقة ، وإنما هم متطفّلون على أصول أهل السنة ، فينقلونها ويستعملون ما وافق أهوائهم ، وإنما ابتكار فن [ 13/أ ] الأصول لأهل السنة ، وأول من أبتكره الإمام الشافعي رضي الله عنه ، فإذا نقلنا عن أصول الرافضة فقد رددنا على خصمنا الذي هو منهم من قولهم واكتفينا عن ذكر أهل أصولنا لأن الذي عندهم نقل أقوالنا.. فافهم .

     والحاصل أن استعمال المشترك في معنييه ، واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز هو قول جمهور الأصوليين منهم : الإمام الشافعي رضي الله عنه ، كما في جمع الجوامع وشرحه للمحلي ، والقول بعموم المجاز هو قول الحنفية ، لكن يظهر لي أن عموم([14]) المجاز إنما هو عبارة عن القدر المشترك ، وهو هنا الطلب لكن طلب الغسل مقدر في حال جر الأرجل ، ويكون مراداً به الغسل الخفيف ، والله اعلم .

وقد نقل صاحب ( الصواقع ) عن شارح زبدة الأصول([15]) على مذهب الإمامية : أنه صحح إرادة المعنى الحقيقي في المعطوف عليه ، والمعنى المجازي في المعطوف ، وقال الصلاة في قوله تعالى : ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا َّعَابِرِي سَبِيلٍ (([16]) في المعطوف عليه على المعنى الحقيقي ، وهو الأركان المخصوصة ، وفي المعطوف على المعنى المجازي ، وهو موضع الصلاة ، يعني المساجد ، وقال إنه نوع من الاستخدام، وفسرها به جمع من مفسري الرافضة وفقهائهم ، وكثير من الشافعية وغيرهم )) انتهى .

وذلك لأن وجود القرينة سوغت استعمال ذلك ، وهو قوله تعالى :) وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ( [ 13/ب ] إذ لا يمكن العبور على الصلاة التي هي من الأركان ، بل المراد المكان فكذلك هنا لما كان وجود التحديد بالكعبين دليل ، وقرينة على الغسل وقراءة النصب معينة له جاز لنا أن نجعل المسح عبارة عن الغسل الشبيه بالمسح لحفوف هذه القرائن مع تواتر عمل الشارع بالغسل وعدم ورود المسح منه قطعاً حتى بنقل الرافضة ، كما سيأتي .

رأي الزمخشري :  

     قال : (( والعجب من الزمخشري([17]) منع في هذه الآية من حمل الأمر في اغسلوا على ما يشمل الوجوب والندب .. وقال إن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية ثم أنه جوّز مثل هذا ))([18]) .

     أقول : عبارة الزمخشري في الكشاف : (( فإن قلت هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب ، ولهؤلاء على وجه الندب ، قلت : لا لأن تناول الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية ))([19]) انتهى .

     وإنما جعل هذا من قبيل الإلغاز لقدم القرينة ، قال الطيبي([20]) في حاشية الكشاف : (( مراده أن اللفظ عند إرادة الحقيقة لا يحتاج إلى قرينة ، وعند إرادة المجاز يفتقر إليها ، فلا يعلم المقصود )) ، [ انتهى ]([21]) .

فتبين أنه إنما منع في اغسلوا أن يكون للوجوب ، والندب لعدم القرينة وفي أرجلكم بالجر لوجود القرينة.

قال الزمخشري : (( فإن قلت ما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح ؟  قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة ، تغسل بصب الماء عليها فكانت [ 14/أ ] مظنة الإسراف المذموم المنهي عنه ، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها ، وقيل إلى الكعبين فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة ؛ لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة )) ([22]) .

    فنبه على وجود القرينة في مسألة الأرجل هي التي جوزت عطف المغسول على الممسوح ، لإرادة الاقتصاد وترك الإسراف ، وفي مسألة حمل الأمر على الوجوب والندب لا قرينة فيه ، فيكون فيه تعمية ، وما فيه قرينة لا تعمية فيه ففرق بين العبارتين لا يخفى إلا على أعمى العين .

والزمخشري أجل من أن يترك لمثلك اعتراضاً ، أو يتعرى ما قاله تناقضا وانتقاضاً ، ثم لا يخفى عليك أن شمول الأمر للوجوب والندب قال به جمهور الأصوليين كالشافعي رضي الله عنه ، وغيره فليس من باب الألغاز على قولهم ، وقول الزمخشري يمنعه ، وجعله من باب الإلغاز إنما هو قول الحنفية في منعهم استعمال المشترك . وأما على قولهم بعموم المجاز وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب ، وهو الطلب المجرد فيصح تناولهما ، فللمحدثين وجوباً وللمتطهرين ندباً ، كما قاله في ( الانتصاف )([23]) ، ونقله([24]) عنه الطيبي([25]) .

     والحاصل أن مسألة الأمر ما فيها إلا قول واحد ، ولا قرينة على إرادة المعنيين، وفي مسألة [ 14/ب ] [ جر ]([26]) الأرجل قد وجهت بوجوه كثيرة ، منها ما قاله الزمخشري ، مع وجود القرينة ، والوجه الذي يذكر من جملة وجوه متعددة لتقوية المرام لا يلزم أن يكون جارياً على كل رأيٍ ، بل يكفي جريانه على بعض الآراء لجواز الحمل ، ومسألة الأمر ليس فيها ذلك فافترقا .

 


 

([1]) زيادة من العاملي كي يستقيم المعنى .

([2]) العاملي : ص 31أ ـ 31ب .

([3]) هو أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي ، مفسر الشيعة الإمامية ، أشتهر بتفسيره مجمع البيان في تفسير القرآن (ت 548 هـ ) .روضات الجنات : 5/357 .

([4]) قال الطبرسي في تفسيره :" وروي عن أبي زيد إنه قال المسح خفيف الغسل ، فقد قالوا تمسحت للصلاة ، وقوي ذلك بأن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول ، ولم يجيء في الممسوح فلما وقع التحديد في المسح ، علم إنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد ، وهذا قول أبي علي الفارسي …" مجمع البيان : 3/165 .

([5]) هو ابن عربي ، وقد تقدمت ترجمته .

([6]) سورة الحج : آية 18 . وقد وردت في النص محرفة .

([7]) سورة الأحزاب : آية 56 .

([8]) سورة المنافقون : آية 8 .

([9]) في (و) :" يليق " .

([10]) في (د) : ( الوصول ) . والكتاب من كتب الشيعة الإمامية المشهورة في أصول الفقه من تأليف حسن بن الشهيد الثاني ، وعليه حواشي كثيرة . الذريعة : 21/198 .

([11]) سقطت ما بين القوسين من : (د) .

([12]) لا بد من الإشارة هنا إلى ان هذا الكلام هو من كتب الشيعة الإمامية ، وهم يخالفون أهل السنة في الأصول كما يخالفونهم في غيرها ، فكلام صاحب معالم الأصول من ان استعمال المشترك في معنييه هو جائز عند كثير من الأصوليين ، كلام يخالف ما عليه أهل السنة من الأصول والعكس هو الصحيح عند أهل السنة ، كما في المستصفى للغزالي : 1/240 ، المحصول للرازي : 4/225 .

([13]) في (و) :" ح " .

([14]) في (د) :" العموم " .

([15]) زبدة الأصول من مؤلفات الإمامية في هذا الفن وهي للبهائي ( ت1030 هـ ) أشار صاحب الذريعة إلى طبعها مع حواشيها في طهران ، ولا ادري هل طبعت كل شروحـاته أم لا ؟ .. الذريعة : 12/19 ؛ 13/297.

([16]) سورة النساء : آية 43.

([17]) هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري ، من أئمة العلم بالتفسير واللغة ، اشتهر بتفسيره الكشاف (ت 538 هـ ) . وفيات الأعيان : 5/168 ؛ معجم الأدباء : 7/147 .

([18]) العاملي : ص 31ب .

([19]) نقلها من الكشاف : 1/448 .

([20]) هو الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي ، العلاّمة المشهور بالعربية وأسرارها ، صنف حاشية على الكشاف أشار إليها المؤلف ( ت 743 هـ ) . بغية الوعاة : 1/522 .

([21]) زيادة من (د) .

([22]) الكشاف : 1/449 .

([23]) هو كتاب الانتصاف لما تضمنه الكشاف من الاعتزال لمؤلفه أحمد بن محمد بن منير الاسكندراني المالكي

([24]) سقطت هذه الكلمة من (د) .

([25]) ينظر ابن المنير : الانتصاف 1/448 ( بحاشية الكشاف ) .

([26]) زيادة من (د) .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة: