|
الغسل في كتب الإمامية
قال : (( وأما ما استدللتم به من السنة فهو معارض
بمثله ، وقد روينا عن أئمتنا عليهم السلام أن النبي
صلى الله عليه وسلم لما توضأ الوضوء البياني مسح رجليه
))([1])
.
أقول : لم يروِ([2])
أحدٌ([3])
من أهل السنة عن الأئمة رضي الله عنهم إلا الغسل ، ولم
يصدر منهم غيره ، ورواه عنهم الإمامية أيضاً ، فروى
محمد بن النعمان([4])
عن أبي بصير([5])
عن أبي عبد الله ، يعني سيدنا الحسين رضي الله عنه([6])
قال : (( إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك ، فامسح
رأسك ثم تغسل رجليك ))([7])
.
وروى العياشي([8])
: عن علي بن حمزة([9])
قال سألت أبا إبراهيم
عن القدمين فقال : (( تغسل غسلاً ))([10])
، وروى الأثر الأول جمع آخر كالكليني([11])
وأبي جعفر الطوسي وغيرهما بأسانيد صحيحة عندهم([12])
.
وروى محمد بن الحسن الصفار([13])
عن زيد بن علي([14])
عن علي كرم الله وجه قال : (( جلست أتوضأ ، فاقبل رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غسلت قدمي ، قال : يا
علي خلل بين الأصابع ))([15])
.
وفي الكليني عن علي كرم الله وجهه ، يصف وضوء رسول
الله صلى الله عليه وسلم البياني ، وفيه غسل الرجلين([16])
، ولهذا الحديث لطيفة [ 15/أ ] ذكرها البرزنجي([17])
، في ( النواقض ) قال : إن بعض علماء شروان [ أخبره
أنه حضر في ]([18])
أصفهان ، وكان مجتهدهم يقرأ في الكليني ، فجاء هذا
الحديث فنظر الطلبة بعضهم إلى بعض وقالوا : هذا حجة
لأهل السنة ، ووكلوا السؤال إليّ ، فسألته : فقال
راجعوا الشرح ، فراجعوه ، فإذا هو قد أجاب بأن هذا كان
تقيّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال المجتهد
: لا يجوز أن يتقي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم
يعلم الدين إلا منه ، فقلت : ما تقول أنت ، فتفكر ساعة
ثم قال : ينبغي أن يقدح في راويه !. انتهى .
فانظر إلى الجهل إلى أين وصل به ..؟ ، إذ القدح في
الراوي ليس بالتشهي وحظ النفس ، فإن الراوي إذا كان
عدلاً ، كيف يطعن فيه .. ؟ ، والدليل على عدالته عندهم
إن الشرّاح ما أجابوا بالتقية للنبي صلى الله عليه
وسلم ، مع أنها عندهم لا تجوز عليه ، إلا لأن الراوي
لهذا الحديث كان عدلا ، ولولا هذا لأجاب الشرّاح
بالطعن في الراوي ، وسلموا من الطعن في الشارع ، مع أن
الكليني متلقي كل ما فيه عندهم بالقبول .
فتبين مما ذكرناه بطلان قول المؤلف وغيره من المعارضة
لما روينا من السنة ، وثبت أن سند الغسل من الأحاديث
متفق عليه ، وسند المسح نقله بعضهم ، وهو مكذوب بلا شك
، وأيضاً على مقتضى أصولهم الأخذ بالمتفق عليه ، وترك
المختلف فيه ، فيجب طرح رواية المسح المخالفة .
ودعوى [ 15/ب ] التقيّة باطلة كما هي من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وهي([19])
من أهل البيت ممتنعة غبر جائزة ، لأن الدين لا يعلم
إلا من قِبلهم والتقيّة من باب الإلغاز والتعمية
واختلاط الحق بالباطل ، والرسل واتباعهم مبينون
للشرائع لا يجوز عليهم الكتمان ولا التقية عقلاً
ونقلاً .
قال الطبرسي منهم في تفسيره في قولـه تعالى :
]
يُخَادِعُونَ اللَّهَ
وَالَّذِينَ آمَنُوا
[([20])
، قال : (( والتقيّة تسمى خداعاً ))([21]).
ثم يقال للرافضي يحتمل أن رواية المسح تقية ، لأن لأهل
البيت أعداءً من شيعتهم لا يرضون منهم إلا بموافقتهم ،
كما كان أمير المؤمنين كثيراً ما يتظلّم ويتشكى منهم ،
وهم أسلموه لأعدائه ، وخرجوا عليه ، وكان مقهوراً
منهم ، فيحتمل أنه كان يتاقيهم فاشتبه الأمر ، فلعن
الله من رمى بهذه الوصمة أهل البيت وجعل أحدهم بالتقية
حياً كميت ، بل هم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم
، ومن المؤمنين الذين أشترى الله أنفسهم وأموالهم بأن
لهم الجنة ، فكيف يشحون بأنفسهم وأموالهم على ربهم ،
ويتاقون لأجل إبقائهما سبحانك هذا بهتان عظيم .
([2])
في (د) : " يرووا " .
([3])
في (و) :" حد " ، والتصحيح من (د) .
([4])
هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام المشهور
بالشيخ المفيد ، عالم الإمامية في عصره ، عاش في
بغداد ، له نحو مائتي مصنف ، قال عنها الذهبي :"
طعن فيها على السلف " (ت413 هـ ) ميزان الاعتدال :
4/30 ؛ روضات الجنات : 6/153 .
([5])
هو أبو بصير العبدي الكوفي ، يقال أسمه حفص ، روى
عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب والأشعث بن قيس ،
وعنه روى ابنه ، ذكره ابن حبان في الثقاة .وعند
الإمامية يطلق غالبا على يحيى بن القاسم ، أو ليث
البحتري ، وهو ثقة ثبت عندهم . تهذيب التهذيب :
12/22 ؛ الكنى والألقاب : 1/18 .
([6])
كذا ذكره والأصح أن أبا بصير يروي عن أبي عبد الله
جعفر الصادق كما هو وارد في كتب الإمامية .
([7])
أخرجه الطوسي في تهذيب الأحكام :" عن أبي بصير عن
أبي عبد الله عليه السلام ، قال : إن نسيت فغسلت
ذراعيك قبل وجهك ، فاعد غسل وجهك ثم أغسل ذراعيك
بعد الوجه ، فإن بدأت بذراعيك الأيسر قبل الأيمن
فاعد على الأيمن ثم اغسل اليسار ، وإن نسيت مسح
رأسك حتى تغسل رجليك ، فامسح رأسك ثم اغسل رجليك"
. 1/99 ، رقم 258 .
([8])
هو أبو النضر محمد بن مسعود العياشي السلمي ، فقه
من كبار علماء الإمامية ، من أهل سمرقند ، من كتبه
تفسير العياشي الذي أشار إليه المؤلف . ( ت 320 هـ
) روضات الجنات : 6/129 ؛ الكنى والألقاب : 2/455
.
([9])
هو أبو محمد علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن
العباس بن علي بن جعفر ، من رجال الإمامية ثقة
كثير الرواية ، لم أجد له ترجمة في كتب أهل السنة
. مجمع الرجال : 4/193 .
([10])
ينظر تفسير العياشي ( ط . طهران ) : 1/298 .
([11])
هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ،
فقيه الإمامية ، ومن أكابر رواتهم ، عاش في بغداد
، وبها توفي سنة 329هـ . لسان الميزان : 5/433 .
([12])
أوردها جمع من مؤلفيهم كما في الكافي : 3/35 ؛
الاستبصار 1/74 ؛ الوسائل : 1/452 . وقد تعسف
الأخير عندما أورد هذه الرواية فقال : (( غسل
الرجلين محمول على التقية )) .
([13])
هو محمد بن الحسن الصفار القمي ، له كتب عديدة ،
يروي عن أبي محمد الحسن بن علي وغيرهم من أئمة أهل
البيت . مجمع الرجال : 6/189 .
([14])
هو زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ، الإمام قال
أبو حنيفة :" ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع
جواباً ولا أبين قولاً " ، كانت إقامته بالكوفة ،
وقتل فيها سنة 122هـ . تاريخ الطبري : 7/160 ؛
فوات الوفيات : 2/35 .
([15])
أخرجه الطوسي قال :" محمد بن الحسن الصفار عن عبد
الله بن المنبه عن الحسين بن علوان عن عمرو بن
خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام
قال : جلست أتوضأ واقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين بدأت في الوضوء ، فقال لي : تمضمض
واستنشق واستن ، ثم غسلت وجهي ثلاثاً ، فقال : قد
يجزئك من ذلك المرتان ، قال فغسلت ذراعي ، ومسحت
برأسي مرتين ، فقال : قد يجزئك من ذلك المرة ،
وغسلت قدمي ، فقال لي : يا علي خلل بين الأصابع لا
تخلل بالنار " . تهذيب الأحكام : 1/93 ، رقم 248 .
([16])
الكافي : 1/93 ؛ تهذيب الأحكام : 1/99 .
([17])هو
محمد بن عبد الرسول الحسني البرزنجي الشهرزوري
المدني ، من فقهاء الشافعية ، له كتاب نواقض
الروافض ، الذي أشار إليه المؤلف ، ( ت 1103 هـ )
. سلك الدرر 4/65 ؛ الأعلام : 7/75 .
([18])
ما بين القوسين سقطت من : (د) .
([20])
سورة البقرة : آية 9 .
([21])
الطبرسي ، مجمع البيان : 1/47 .
|