|
فصل
[ الإمامة والعصمة ]
العدالة شرط الإمامة لا العصمة ، بمعنى عدم تصور الذنب
كما في الأنبياء ، خلافاً للشيعة سيما الإمامية
والإسماعيلية ، قالوا لا بد منها علماً وعملاً وهو
مخالف للكتاب والعترة .
أمّا الكتاب فقوله تعالى :
]
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا
[([1])
، فكان واجب الطاعة بالوحي ، ولم يكن معصوماً بالإجماع
، وقوله تعالى :
]
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً
[([2])
فكان قبل النبوة ، إماماً وخليفة وصدر منه ما صدر ،
ويدل على ذلك قوله تعالى :
]
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
[
وقولـه :
]
ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
[
([3])
والاجتباء في قوله تعالى في حق يونس فاجتباه ربه فجعله
من الصالحين ، والاصطفاء للدعاء ، وعذره ورده إليه لا
الاستنباء إذ قد ثبت قبل بقوله تعالى :
]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ أَبَقَ
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[
([4])
بخلاف ما نحن فيه كذا قيل ، فليتأمل .
وأمّا أقوال العترة ، فقد أسلفنا قول الأمير لا بد
للناس ... الخ ، وأيضاً روى في الكافي ما قال الأمير
لأصحابه :
((
لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست آمن
أن أخطئ
))([5])
، والحمل على المشورة الدنيوية يأباه الصدر كما لا
يخفى ، وأيضاً روى صاحب ( الفصول )([6])
عن أبي محنف([7])
أنه قال : كان الحسين يبدي الكراهة من صلح أخيه الحسن
مع معاوية ويقول : لو جر أنفي كان أحب إلي مما فعله
أخي ، وإذا خطأ أحد المعصومين الآخر ، ثبت خطأ أحدهما
بالضرورة لامتناع اجتمـاع النقيضين .
وأيضاً في الصحيفة الكاملة للسجاد :
((
قد ملك الشيطان عناني في سوء الظن وضعف اليقين ، وإني
أشكو سوء محاورته لي طاعة نفسي له
))([8])
، فظاهر أنه على الصدق والكذب مناف للعصمة ، ومن
أدلتهم على العصمة ان الإمام لو لم يكن معصوماً لزم
التسلسل ، بيان الملازمة أن المحوج للنصب ، هو جواز
الخطأ للأمة ، فلو جاز [ 21/أ ] الخطأ عليه أيضاً
لأفتقر إلى آخر وهكذا فيتسلسل .
ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر ، بل المحوج تنفيذاً
لأحكام ودرء المفاسد وحفظ بيضة الإسلام مثلاً ، ولا
حاجة في ذلك إلى العصمة ، بل الاجتهاد والعدالة كافيان
، ولمّا لم يكن إثم على التابع إذ ذاك استوى جواز
الخطأ وعدمه ، سلمنا لكن التسلسل ممنوع بل تنتهي
السلسة إلى النبي ، سلمنا لكنه منقوص بالمجتهد النائب
عن الإمام في الغيبة عند الإمامية ، وليس بمعصوم
إجماعاً فيلزم ما لزم والجواب هو الجواب .
ومن الأدلة أيضاً أنه حافظ للشريعة ، فكيف الخطأ ،
ويجاب بالمنع بل هو مرّوج والحفظ بالعلماء لقوله تعالى
:
]
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا
اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا
عَلَيْهِ شُهَدَاءَ
[
([9])،
وقوله تعــالى :
]
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ
[
([10])
.
وأيضاً إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة
على ما في ( كشكول الكرامة ) للحلي([11])
، ففي الحضور كذلك سلمنا ، لكن الحفظ بالكتاب والسنة
والإجماع ، لا بنفسه ويمتنع الخطأ في الثلاثة ،
والأداء لا دخل له في صلب الشريعة فلا ضرورة في حفظه ،
سلمنا لكن ذلك منقوض بالنائب ، وقد يقال بأن وجود
المعصوم لو كان ضرورياً للأمن من الخطأ ، لوجب أن يكون
في كل قطر بل في كل بلدة ، إذ الواحد لا يكفي في
الجميع ، بل هو مستحيل بداهةً ؛ لانتشار المكلفين في
الأقطار والحضور مستحيل عادة ، ونصب نائب لا يفيد
لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك ، سيما في الغيبة
والوقائع اليومية ، إذ الاطلاع ممنوع ، وعلى تسليمه
الإعلام أمّا برسول ولا عصمة أو بكتاب والتلبيس جائز .
على أن الفهم إنما هو باستعمال قواعد الرأي وضوابط
القياس ، والكل مظنة الخطأ فلا يحصل المقصود إلا بنصب
معصوم في كل قطر وهو محال .
فصل
[ النص على الإمام ]
الإمام لا يلزم أن يكون منصوصاً من الباري تعالى ، لأن
نصبه واجب على العباد كما تقدم ، فتعيين الرئيس مفوض
إليهم وهو الأصلح لهم ، وقالت الإمامية لا بد أن يكون
منصوصاً من قبله تعالى كما ان نصبه واجب عليه تعالى ،
وهذا مخالف للعقل والنقل ، أمّا الأول فمر ، وأما
الثاني فلأن الله تعالى يقـول :
]
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً
[
([12])
،
]
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
[([13])
،
]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ
[
([14])
إلى غير ذلك ، ولم يكن [ 21/ب ] في أحد من تلك الفرق
نص ، بل كان برأي أهل الحل والعقد ، فمعنى الجعل إلقاء
اختياره في قلوب مسموعي القول فينصبوه ، فان عدل فعامل
وإلا فجائر .
وقد قيس طالوت بعصاة الملوك فساومها ، فملك كما لا
يخفى على المتتبع فافهم وتدبر .
فصل
[ هل الإمام أفضل أهل العصر ]
لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى ،
إذ قد خلّف طالوت وداود واشمويل موجودان ، نعم لا بد
لأهل الحل والعقد نصب الأفضل رئاسة وسياسة لا عبادة
ودراسة ، والشيعة على خلاف هذا ، وقد علمت ردهم إجمالا
، واشترطوا ما اشترطوا لنفي الخلافة عن الثلاثة لعدم
العصمة والنص ، وفي الأفضلية مجال بحث ، وهذه نبذة
يسيرة في الرد ، وسيأتي التفصيل في إثبات الخلافة ان
شاء الله تعالى ، فلينظره .
([1])
سورة البقرة ، آية 247 .
([2])
سورة البقرة ، آية 30 .
([3])
سورة طه ، آية 121 ، 122 .
([4])
سورة الصافات ، آية 139 ، 140 .
([5])
الكافي : 8/358 ؛ بحار الأنوار : 41/154 .
([6])
هو كتاب ( الفصول المهمة في إثبات
الأئمة ) لمحمد بن السحن المعروف بالحر العاملي (
ت 1104هـ ) ، وهو مرتب على مقدمة وأبواب تزيد على
ألف باب ، يفتح كل باب ألف باب ، لأنه مشتمل على
القواعد الكلية المنصوصة في الأصولين والفقه والطب
والنوادر ، وقد طبع في طهران سنة 1304هـ ، وله
مختصر . الذريعة : 16/246 .
([7])
قال الذهبي : مجهول . ميزان الاعتدال : 7/49 .
([8])
الصحيفة السجادية : ص 47 . والسجاد هو علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب .
([9])
سورة المائدة ، آية 44 .
([10])
سورة آل عمران ، آية 79 .
([11])
هو لجمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن علي الحلي ( ت 726 ) . الذريعة : 18/73 .
([12])
سورة الأنبياء ، آية 73 .
([13])
سورة القصص آية 5 .
([14])
سورة الأنعام ، آية 165 .
|