من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 
فصل مهم

   [ في الإمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ]

اعلم أن الإمام بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم  أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بإجماع [ أهل ] الإسلام ، وقد تفردت الشيعة بإنكار ذلك ، وقالوا الإمامة كذلك لعلي رضي الله تعالى عنه ، وعند أهل السنة له بعد الثلاثة ، ثم لابنه الحسن رضي الله تعالى عنه ، والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة ، لا لخوف من كما افترى .

 إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة له يقول فيها : (( إنما فعلت ما فعلت إشفاقاً عليكم ))([1]) ، وقد ثبت في أخرى أورده المرتضى وصاحب الفصول أنه قال : لما انبرم الصلح بينه وبين ومعاوية : (( إن معاوية قد نازعني حقاً لي دونه فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني ، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم ))([2]).

فهاتان الخطبتان يدلان على أن الصلح للمصلحة لا للعجز وعدم النصرة ، والثانية أيضاً تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني لأن المصالحة لأهل الكفر والردة لمخالفة الفتنة لا تجوز بل ترك قتالهم وغلبتهم هو الفتنة ، لقوله تعالى : ] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ ([3]) .

وأيضاً قد سبق ما كان يقوله الحسين في صلح الحسن افنسى ان الضرورات [ 22/أ ] تبيح المحظورات ، ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكاره ، لا تكون قبيحة ، وأيضاً الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضاء لا يقدح في أحد الجانبين فليحفظ وليفهم .

ثم لا يغتر بما تقوّله أهل الزور على أهل السنة من أنهم يقولون بخلافة معاوية بعد الشهيد ، حاشا وكلا ، بل هم يقولون بصحة خلافته بعد صلح الحسن رضي الله تعالى عنه ، إلا انه غير راشد والراشدون هم الخمسة ، بل قالوا إنه باغ([4]) ، فإن قلت : فإذا ثبت بغيه لِمَ لا يجوز لعنه ؟ .

جوابه : أن أهل السنة لا يجوّزون لعن مرتكب الكبيرة مطلقاً ، فعلى هذا لا تخصيص بالباغي لأنه مرتكب كبيرة أيضاً ، على أنه إذا كان باغياً بلا دليل ، أما به بالاجتهاد ولو فاسداً ، فلا إثم فضلاً عن الكبيرة ، ويشهد لهم قوله تعالى : ] وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [([5]) ، والأمر بالشيء نهي عن ضده عند الإمامية([6]) ، فالنهي عن اللعن واضح .

 نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر مثل قوله تعالى : ] أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ ([7]) ، وقوله تعالى ] فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ ([8]) ، لكن هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لا على صحابه ، ولو فرض عليه يكون وجود الإيمان مانعاً ، والمانع مقدم كما هو عند الشيعة ، وأيضاً وجود العلة مع المانع لا يكون مقتضياً فاللعن لا يكون مترتباً على وجود الصفة حتى يرتفع الإيمان المانع ، وقوله تعالى : ] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [ ([9]) ، نص في طلب المغفرة وترك العداوة ؛ بحيث جعل مترتباً على الإيمان من غير تقييد ، ويشهد لهم أيضاً ما تواتر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه من نهي لعن أهل الشام ، قالت الشيعة النهي لتهذيب الأخلاق ، وتحسين الكلام ، كما يدل قوله في هذا المقــام : (( إني أكره لكم أن تكونوا سبابين )) ([10]) .

وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام فينبغي كراهته لنا وعد محبوبيته ، وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة ، وأيضاً روى في نهج البلاغة عنه رضي الله تعالى عنه ما يدل صراحة على المقصور ، وهو أنه لما سمع لعن أهل الشام خطب ، وقال : (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل ))([11]) .

فإذا صحت [ 22/ب ] الروايتان في كتب الإمامية حملنا ان الأولى في حق من كان يلعنهم بالوصف ، وهو جائز لا مطلقاً ، بل لمن لم يبلغ الشريعة كالأنبياء ، إذ قد يستعمل لبيان قباحة تلك الصفات ، وأما الغير فهو في حقه مكروه ، لأنه لو اعتاده لخشي في حق من ليس أهلاً ، وأن الثانية في حق من كان يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص غافلاً عن منع الإيمان فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال .

وقال بعض علماء الشيعة البغي غير موجب للعن على قاعدتنا ، لأن الباغي آثم لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب ، وأما هو فكافر عندنا ، بدليل حديث متفق عليه عند الفريقين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم  قال للأمير : (( حربك حربي ))([12]) ، وانه قال لأهل العباءة : (( أنا سلم لمن سالمتم ، حرب لمن حاربتم ))([13])  ، وحرب الرسول كفر بلا شبهة ، فكذا حرب الأئمة .

قال أهل السنة هذا مجاز للتهديد والتغليظ بدليل ما حكم به الأمير من بقاء إيمان أهل الشام ، وأخوتهم في الإسلام ، على ان قوله حرب الرسول كفر ممنوع ، إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معاً ، قال تعالى : ] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [([14]) ، وعلى قطّاع الطريق كذلك قال تعالى : ] إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... الآية [ ([15])  ؛ فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء .

 هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه ، ولنورد عدّة آيات قرآنية ، وأخبار عترية تدل على المرام ، وتوضح المقام ، وتفسد أصل الشيعة ، وتبطل هذه القاعدة الشنيعة ، وبالله تعالى التوفيق ، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق .

فمن الآيات قوله تعالى : ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [([16]) ، الحاصل ان الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت النزول بالاستخلاف والتصرف([17]) ، كما جعل بني إسرائيل متصرفين في مصر والشام كداود u الوارد في حقه : ] يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ [([18]) وغيره من أنبياء بني إسرائيل ، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين بأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ، ولا يخشون أحداً إلا الله [ 23/أ ] وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه كما ينبغي .

ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة ؛ لأن المهدي ما كان موجوداً وقت النزول ، والأمير وإن كان حاضراً لكن لم يحصل له رواج الدين كما هو حقه بزعم الشيعة ، بل صاروا أسوء وأقبح من عند الكفار ، كما صرح به المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة ، مع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائماً .

وأيضاً الأمير كرم الله تعالى وجهه فرد من الجماعة ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق ، والأئمة الآخرون لم يوجد فيهم مع عدم حضورهم تلك الأمور كما لا يخفى ، وخلف الوعد مختلف اتفاقا فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالاستخلاف وأخويه وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة .

وقال الملاّ عبد الله المشهدي في ( إظهار الحق )([19]) :  بعد الفحص الشديد يحتمل أن يكون الخليفة بالمعنى اللغوي والاستخلاف الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بني إسرائيل : ] عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ [ ([20]) ، والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة ، جوابه أنا متى قلنا أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوي ، ولكن القاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي ان تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية ، حتى الإمكان لا على المعاني اللغوية ، وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى .

وأيضاً كيف يصـح تمسكهم بحديث : (( أنت مني ... الخ ))([21]) ، المنضم إليـه : ] اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [([22])، وكيف التمسك بحديث : (( يا علي أنت خليفتي من بعدي ))([23]) ، ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية وتوجيهها وأحسن الأجوبة عندهم اثنان ، الأول : أن من للبيان لا للتبعيض والاستخلاف الاستيطان ، قلنا حمل من الداخلة على الضمير على البيان ، مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة ، وإن قال به البعض ، سلمنا بناء على قول البيضاوي([24]) ، [ وورود البيـان في آخر سورة الفتح ، تدبر ]([25]) .

لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم ، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة ، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع ، وأيضاً قيد وعملوا الصالحات وكذا الإيمان يكون عبثاً إذ الاستيطان [ 23/ب ] يحصل للفاسق وكذا الكافر أيضاً وحاشا القران من العبث ، الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغة الجمع للتعظيم أو مع أولاده ، قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى ، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف والناس شهود على ذلك([26]) .

وأنظر أيها المنصف العرّيف ، واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام ، مما ينحسم فيه الإشكال في هذا المقام ذكر في نهج البلاغة للمرتضى الذي هو أصح الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لماّ استشار الأمير كرم الله تعالى وجهه عند انطلاقه لقتال فارس ، وقد جمعوا للقتال ، أجابه : (( إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة ، وهو دين الله تعالى الذي أظهره ، وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع ، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز أسمه : وعد الله الذين آمنوا وتلا الآية ، والله تعالى منجز وعده ، وناصر جنده ومكان القيّم في الإسلام ، مكان النظم من الخرز ، فان انقطع النظام تفرّق ، ورب متفرق لم يجتمع .

والعرب اليوم وان كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام ، وغزيرون بالاجتماع ، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب ، وصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت([27]) عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع ورائك من العورات ، أهم إليك مما بين يديك ، وكان قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غداً يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لِكَلَبهم عليك ، وطمعهم فيك .

فأما ما ذكرت من سير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكرهه ، وأما ما ذكرت من عدوهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصرة والمعونة ))([28]) ، انتهى بلفظه المقدس ، فتدبر منصفاً ، فارتفع الإشكال ، واتضح الحال ، والحمد لله رب العالمين .

ومنها قولـه تعـالى : ] قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا [ 24/أ ] حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [([29]) ، المخاطب بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة الحديبية ، لعذر بارد وشغل كاسد .

 وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك ، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام فتعين الغير ، والداعي ليس جناب الرسول عليه الصلاة والسلام لا محالة([30]) ، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم ، كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولاً ، وأهل الروم آخراً ، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع ، فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد ، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية ، فهلاّ يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجوب إماماً ، المنصف يعرف ذلك .

وقد خبط ابن المطهر الحلي وقال : يجوز أن يكون الداعي الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال ولم ينقل لنا ، وإذ فتح الباب يقال يجوز عزل الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه ولم ينقل لنا فانظر وتعجب ؛ وقال بعض الداعي هو الأمير كرم الله وجهه ، فقد دعى إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، وفيه ان قتل الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يكن لطب الإسلام ، بل لانتظام أحوال الإمام ، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لا طاعة الإمام الإسلام ولمخالفته الكفر ([31]).

ومع هذا نقل الشيعة بروايات صحيحة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال : (( إنك يا علي تقاتل على تأويل القران كما قاتلت على تنزيله ))([32]) ، وظاهر أن المقاتلة على تأويل القران لا تكون إلا بعد قبول تنزيله ، وذلك لا يعقل بدون الإسلام ، بل هو عينه فلا يمكن المقاتلة على التأويل مع المقاتلة على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر .

ومنها قوله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [([33]) ، مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل الصفات ، وأعلى المبرات ، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع ، لأن ثلاث فرق قد ارتدوا في آخر عهده عليه الصلاة والسلام([34]) .

 الأولى بنو مدلج قوم أسود العنسي ذي الخمار([35]) الذي ادعى النبوة في اليمن ، وقتل على يد فيروز الديلمي([36]) ، الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب([37]) المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشي([38]) ، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بن خويلد المتنبئ([39]) ، ولكنه آمن بعد أن أرسل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خالداً وهرب منه إلى الشام ، وقد ارتد في خلافة الصديق سبع فرق :

بنو فزارة قوم عيينة بن حصين([40])، وبنو غطفان قوم قرة بن مسلمة([41]) ، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل([42]) ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة([43]) ، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر([44]) ، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي([45]) ، وبنو بكر في البحرين ، وارتدت فرقة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ، والتحقت بالنصارى إلى الروم .

وقد أستأصل الصديق كل فرقة وازعجهم واستردهم إلى الإسلام ، كما أجمع عليه المؤرخون كافة ، ولم يقع للأمير كرم الله تعالى وجهه ذلك بل كان متحسراً وكم قال : ابتليت بقتال أهل القبلة ، كما رواه الإمامية ، وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث ، على انّ المنكر للنص غير كافر كما قاله الكاشي وصاحب الكافي .

وانظر إلى ما قاله الملاّ عبد الله صاحب إظهار الحق ما نصه : فإن قيل إن لم يكن النص الصريح ثابتاً كما في باب خلافة الأمير ، فالإمامية كاذبون ، وإن كان لزم أن جماعة الصحابة مرتين العياذ بالله تعالى ؛ أجيب ان إنكار النص الذي هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد ان الأمر المنصوص باطل ، وان كذّبوا في ذلك التنصيص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حاشا ، أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه ، فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير .

ثم قال فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم  نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها معاذ الله [ 25/أ ] بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص ، وأوّل بعضهم كلام الرسول عليه الصلاة والسلام تأويلاً بعيداً انتهى كلامه .

وأيضاً قال الأمير كرم الله وجهه في بعض خطبه المروية عنه عندهم : (( أصبحنا نقاتل أخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل )) ، وأيضاً قد منع السبّ كما تقدم وسب المرتد غير منهي عنه ، قطعنا النظر وسلّمنا ان الأمير كرم الله تعالى وجهه  قاتل المرتدين ، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول