من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

الباب الثالث

في ذكر قول فاصل وكلام يميز بين الحق والباطل

احتجاجهم بالآيات القرآنية على الإمامة

    اعلم أن الشيعة استدلوا على مطلوبهم بالكتاب والسنة وأقوال العترة ، والأدلة العقلية وبالمطاعن في الخلفاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم ، على ما سيظهر لك ان شاء [ 27/ب ] الله تعالى .

أمّا الكتاب فآيات أوردها أهل السنة في رد الخوارج والنواصب([1]) ، فاخذوها وحرفوا بعض المقدمات وأوردوها فيما أوردوها ، فمنها قوله تعالى : ] إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [ ([2])  تقرير الاستدلال ان أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه ، إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع ، وكلمة إنما للحصر ، والولي المتصرف في الأمور ، والمراد به هنا التصرف العام المرادف للإمامة بقرينة العطف ، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره للحصر وهو المطلوب ([3]) .

الجواب : الحصر أيضاً ينافي خلافة باقي الأئمة ، ولا يمكن أن يكون إضافياً بالنسبة إلى من تقدمه ، لأنـّا نقول أن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا حقيقياً ، بل لا يصح لعدم استجماع من تأخر ، وان أجابوا بأن المراد الحصر للولاية في جنابه في بعض الأوقات ، وهو وقت إمامته لا وقت إمامة الباقي ، فمرحباً بالوفاق فإنا كذا نقول : هي محصورة فيه وقت إمامته لا قبله أيضاً .

ودونك هذا التفصيل : فنقول أولاً ما ذكرْ من إجماع أهل التفسير ممنوع ، فقد روى أبو بكر النقاش([4]) صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر انها نزلت في المهاجرين والأنصار ، وقال قائل : سمعنا في علي فقال هو منهم ، وهذه الرواية أوفق بصيغة الجمع ، وروى جمع من المفسرين عن عكرمة([5]) انها نزلت في أبي بكر ويؤيده الآية السابقــة في قتــال المرتدين([6]) ، وأورد صاحب اللباب في التفسير([7]) أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت([8]) ، إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هوداً على زعم عبد الله بن أبي ، فأنه لم يتبرأ منهم([9]) ، وهذا القول أنسب بسياق الآية وهو : ]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ  [ ([10]) .

وقال جماعة من المفسرين ان عبد الله بن سلام([11]) لما اسلم هجرته قبيلته فشكى ذلك ، وقال يا رسول الله أن قومنا هجرونا فنزلت هذه الآية ، وهذا القول باعتبار فن الحديث أصح الأقوال ، وأما القول الذي ذكروه ، فإنما هو للثعلبي([12]) فقط ، وقد قالوا فيه انه حاطب ليل([13]) .

هذا وثانياً ان لفظ الولي مشترك بين المحب والناصر والصديق والمتصرف [ 28/أ ] في الأمور فالحمل على أحدها بدون قرينة لا يجوز والسباق لكونه في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين ، والسياق من قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ... الآية ، لأن أحداً لم يتخذ اليهود والنصارى أئمة لنفسه ، وهم ما اتخذوا بعضهم بعضاً إماماً أيضاً قرينتان على إرادة معنى الناصر والمحب كما لا يخفى ، وكلمة إنما تقتضي هذا المعنى أيضاً لأن الحصر في ما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان ، ولم يكن بالإجماع وقت النزول تردد ونزاع في الإمامة والولاية بل كان في النصرة والمحبة .

وثالثاً العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما هو عند الجميع ، واللفظ عام ولا ضرورة إلى التخصيص ، وكون التصدق في حالة الركوع لم يقع لغيره ، غير داع له إذ القصة ليست مذكورة في الآية بحيث تكون مانعاً من حمل الموصول وصلاته على العموم ، بل جملة وهم راكعون عطف على السابق ، وصلة للموصول أو حال من ضمير يقيمون ، وعلى كل فالركوع الخشوع ، وقد ورد كقولــه تعالى : ] وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ ([14])، ولم يكن ركوع اصطلاحي في صلاة من قبلنا بالإجماع ، وقوه تعالى : ] وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ ([15]) ، وليس في الاصطلاحي خرور ، بل انحناء إلى غير ذلك من الآيات فهو معنى متعارف أيضاً يصح الحمل عليه كما هو المقرر في محله .

وأيضاً حمل الزكاة على التصدق كحمل الركوع على الخشوع ، فالجواب هو الجواب ، بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا لئلا يلزم التكرار ، وذكر الزكاة بعدها مضر لكم ، إذ في عرف القرآن يكون المراد بها حينئذ الزكاة المفروضة لا الصدقة المندوبة ، ولو حملنا الركوع على المشهور ، وجعلت الجملة حالاً من ضمير يقيمون لعمت المؤمنين أيضاً لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية من الركوع ، وفي هذا التوجيه غاية لصوق بالنهي عن موالاة اليهود الوارد بعد .

وأيضاً لو كان حالاً من ضمير يؤتون ، لم يكن فيه كثير مدح إذ الصلاة إنما تمدح إذا خلت عن الحركات المتعلقة بالغير وقطع صاحبها العلائق عما سوى الخالق المتوجه إليه ، الواقف بين يديه ، ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طرداً ولا عكساً في صحة الإمامة ، فالتعليق به لغو ينزه الباري تعالى عنه [ 28/ب ] على أنها معارضة بما تقدم فافهم .

وتكلف صاحب ( إظهار الحق ) غاية التكلف ، وتعسف نهاية التعسف ، في تصحيح هذا الاستدلال وتنميق هذا المقال ، فلم يأتِ إلا بقشور بلا لب ، وظني انه بلا عقل ولب ، فمن جملة ما قال ان الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة ، فكذا الأمر بمحبة المؤمنين المتصفين بالصفات المذكورة أيضاً يكون بطريق الوجوب ، إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متحداً أو متعدداً أو متعاطفاً لا يمكن أن يكون بعضه واجباً ، وبعضه مندوباً ، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين فهذا المقتضى تصير معدة للمؤمنين واجبة .

وثالثه لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة ، فلو أخذ ان المراد بالمؤمنين كافة المسلمين ، باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح ، لأن معرفة كل منهم يكون متعذراً  لكل واحد من المكلفين فضلاً عن مودتهم ، وأيضاً قد تكون العادات لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة ، بل واجبة ، فالمراد به البعض وهو المرتضى ، انتهى([16]) .

وهو كلام الوقاحة تفور منه ، والجهالة تروى عنه ، إذ مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعي ؟ ، وإذا تعذر العام كيف يتعين الأمير وهو المتنازع فيه ، واستنتاج المتعين من المطلق وقاحة وجهل محض كما لا يخفى ؛ ثم نقول لا يخفى على من له أدنى تأمل ان مولاة المؤمنين من جهة الإيمان عام بلا قيد ولا جهة وهي موالاة إيمانهم في الحقيقة والعـداوة بسبب غير ضار في الموالاة من جهة الإيمان .

ثم ماذا يقول في قوله تعالى : ] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ [ ([17]) ، ولو كانت الموالاة الإيمانية عامة لجميع المؤمنين ، فأية استحالة تلزمها والملاحظة الإجمالية للكثرة بعنوان الوحدة لا شك في إمكانها ، ألا ترى أنهم يقولون كل عدد فهو نصف مجموع حاشيتيه ، وكذا يقولون كل حيوان حساس ، والكثرة فيهما ظاهرة ، وليت شعري ما جوابه عن معادات الكفار ، وكيف [ 29/أ ] الأمر فيها ؟ وهي هي كما لا يخفى .

نعم المحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة كافياً وليس فليس ، إذ الأول أصل ، والثاني تبع والثالث تبع له ، فالمحمول مختلف والموضوع كذلك ، لأن الولاية من الأمور العامة ، وكالعوارض المشككة والعطف موجب للتشكيك في الحكم لا في جهته ، فالباري تعالى وما سواه موجود في الخارج والوجوب والإمكان ملاحظ ، وهذا قوله تعالى : ] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [([18]) مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم  مندوبة في غيره وعليه الأصوليون ، وإن نزلنا عن هذا أيضاً فالأظهر أن اتحاد نفس الوجوب ليس محذوراً ، بل المحذور الاتحاد في المرتبة والأصالة وهو غير لازم ، فتدبر .

ومن جملة ما قال([19]) : إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الاستخلاف ، كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة : (( قالوا : يا رسول الله لو استخلفت ، قال : لو استخلفت عليكم فغصبتموه عذبتم ، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه ، وما أقرأكم عبد الله فأقرؤه ))([20]) ، رواه الترمذي ، وهكذا استفسروا منه صلى الله تعالى عليه وسلم من يكون حرياً بالإمامة أيضاً .

وعن علي رضي الله تعالى عنه قال : (( قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك ، قال إنْ تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً في الدنيا زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة ، وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن تؤمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم ))([21]) ، رواه أحمد ، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله تعالى عليه وسلم  عند نزول الآية ، فلم يبطل مدلول ( إنما ) انتهى .

وفيه محض الاستفسار لا يقتضي وقوع التردد ، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر وخالفوا ونازع بعضهم بعضاً بعد ما سمعوا من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لتحقيق المدلول وليس فليس ، ومجرد السؤال غير مقتضٍ لـ ( إنما ) على ما في كتب المعاني ، وأيضاً سلمنا التردد لكن لم يعلم أنه بعد الآية أو قبلها متصلاً أو منفصلاً سبباً للنزول ، أو اتفاقا ، فلا بد من إثبات القبلية [ 29/ب ] والاتصال والسببية ، وأين ذلك ؟ والاحتمال غير كاف في الاستدلال فلا تغفل .

وليعلم أن الحديث الثاني ينافي الحصر ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين ، فكيف الحصر فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول القران أو بالعكس لزم التكذيب ، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما تقرر ، ومع هذا تقدم كل مجهول فسقط العمل ، وإن قيل الحديث خبر الواحد غير مقبول في الإمامة ، قلنا وكذلك لا يصح في مقام إثبات التردد والاستدلال به ، وأيضاً الاستدلال بالآية موقوف عليه فافهم ، وأيضاً الحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركه كما يفهم من الآية تركه ، فتأمل .

ومنها قوله تعالى : ] إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [([22]) ، تقرير الاستدلال أن المفسرين اجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم ، وهي تدل على عصمتهم دلالة مؤكدة وغير المعصوم لا يكون إماماً ، ولا يخفى أن المقدمات كلها مخدوشة ، أما الأولى فلكون الإجماع ممنوعاً .

 روى ابن أبي حاتم([23]) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه : (( أنها نزلت في نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ))([24]) ، وروى ابن جرير([25]) عن عكرمة([26]) : (( أنه كان ينادي في الأسواق أن قوله تعالى : إنما يريد الله ... الآية ، نزلت في نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ))([27]) ، والسياق والسبـاق يشهدان له .

على أن ذكر حال الغير في أثناء خطاب الأزواج بهذه الصورة مناف للبلاغة ، وأيضاً إضافة البيوت إلى الأزواج ، أعني قوله ( في بيوتكن ) تدل على ان المراد بأهل البيت ، إنما هو الأزواج المطهرات إذ بيته صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون غير ما سكن فيه أزواجه .

وقال عبد الله المشهدي : إن كون البيوت جمعاً في ( بيوتكن ) ، وإفراد البيت في ( أهل البيت ) يدل على الغيرية ، وفساد هذا ظاهر لأن بيت اسم جنس يطلق على القليل والكثير والإفراد باعتبار الإضافة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فالبيوت بهذا الاعتبار بيت ، والجمع في بيوتكن باعتبار الإضافة إلى الأزواج ، ثم قال لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، فاصل وإن طال كما في قولـه تعالـى : ] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ[ 30/أ ] مَا حُمِّلَ [([28]) ، ثم قال بعد تمام الآية : وأقيموا الصلاة وأتوا الزكــاة ) ، قال المفسرون ( وأقيموا الزكاة ) عطـف على ( أطيعوا ) ، انتهى .

وفيه غفلة عن محل النزاع إذ الكلام في الفصل بالأجنبي باعتبار المواد ، وهو المنافي للبلاغة لا الأجنبي من حيث الإعراب على أن في عطف ( وأقيموا ) على ( وأطيعوا ) بحثاً ؛ لأنه وقع واطيعوا أيضاً بعــد ( أقيموا ) فيلزم التكرار ، وعطف الشيء على نفسه ولا احتمال للتوكيد لوجود حرف العطف ، ثم قال كلاماً لا ينبغي لنا ذكره هنا .

وأما إيراد ضمير جمع المذكر في ( عنكم ) فبملاحظة لفظ ( الأهل ) كقوله تعالى خطاباً لسارة امرأة الخليل : ] أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ )[29]( ، وكذا قال لأهله امكثوا .. الآية خطاباً من موسى لامرأته .

وما روى في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (( دعا هؤلاء الأربعة ودعا لهم اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وقالت أم سلمة : أشركني فيهم أيضاً ، قال : أنت على خير وأنت على مكانك ))([30]) ، فهو دليل صريح ، وناطق فصيح على أن نزولها في حق الأزواج فقط .

وقد أدخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم  هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أيضاً بدعائه المبارك في تلك الكرامة ، ولو كان نزولها في حقهم لكان تحصيلاً للحاصل كذا قالوا ، ولكن ذهب محققوا أهل السنة إلى هذه الآية لو كانت واقعة في حق الأزواج ، ولكن بحكم العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب دخل في البشارة الجميع ، واختيار الأربعة هرباً من توهم الاختصاص بالأزواج بمعونة القرائن كالسباق واللحاق)[31]( .

وما قال عبد الله المشهدي : أن المراد بالبيت بيت النبوة ، ولا شك في أن أهل البيت لغة شامل للخدام من الإماء اللاتي يسكن في البيت ، وليس المراد هذا بالاتفاق ، فالمراد أهل العبا الذين خصصهم حديث الكساء ، ففيه ان هذه التوسعة لا تضر أهل السنة ؛ لأن العصمة بالمعنى الذي يقول بها الشيعة لا يثبتونها ، والغير غير ضار ، وأيضاً عدم كون هذا مراداً من أجل أن القرائن تعين المراد ، وأيضاً يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة يمكن يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال ، ولم يكن التحول والتبدل جاريين عادة فيهم كالأزواج والأولاد دون العبيد والخدام الذين هم [ 30/ب ] في معرض من التبدل والتحول من ملك إلى ملك بالهبة والبيع وغير ذلك ثَمَّ ، وإنما يدل التخصيص بالكساء على كون هؤلاء المذكورين مخصصين لو لم يكن للتخصيص فائدة أخرى وهي ظاهرة فتدبر .

وأمّا الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على أبحاث أحدها كون كلمة ( ليذهب عنكم الرجس ) ، أي محل لها مفعول له ليريد أدبه ، الثاني معنى أهل البيت ، الثالث أي مراد من الرجس ، وفي هذا المباحث كلام كثير ، يطلب من الكتب المبسوطة في التفسير ، وبعد اللتيا والتي لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما البدريين قاطبة معصومين ، لأن الله تعالى في حقهم تارة : ولكن يريد ] لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [([32]) ، وتارة ] لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ [ ([33]) ، وظاهر أن تمام النعمة في حق الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظتين ، ووقوع هذا الإتمام أدل على عصمتهم لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان فتأمل فيه تأملاً صادقاً ، فيظهر حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدّم .

وأما الثالثة فلأن غير المعصوم لا يكون إماماً مقدمة باطلة ، وكلمة عاطلة ، يدرئها الكتاب ، وكلام رب العزة المستطاب ، فتذكر ولا تغفل وتبصر .

ومنها قوله تعالى : ]  قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [([34]) ، فانها