فصل
[ رجعة الإمام ]
لا رجعة في الدنيا بعد الموت ، وقالت الإمامية بها
للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ووصيه وسبطيه وأعدائهم
من الخلفاء والأمراء وكذا الأئمة الآخرون وقاتليهم
يحيون بعد ظهور المهدي ويعذبون ويقتصون منهم ، ثم
يموتون ويحيون يوم القيامة([1])
، وهذا مخالف لصريح آيات منها :]
وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[
([2])
، ومنها :
]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[
([3])
إلى غير ذلك .
وقال المرتضى في ( المسائل الناصرية ) ([4])
:
((
ان أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي ، قيل
خضراء فتيبس ، ويرتد كثيرون ، وقيل بالعكس فيهتدي
كثيرون
))
([5])
، وقال جابر الجعفي([6])
:
((
إن الأمير سيرجع والدابة في القرآن رمز إليه
))
([7])
، نستغفر الله من سوء الأدب .
والدليل العقلي على أصولهم يبطل هذا الاعتقاد لأنهم أن
عذبوا بسوء أعمالهم في الدنيا ، ثم عذبوا في الآخرة
كان ظلماً أو لم يعذبوا حصل التخفيف الأبدي وهو مناف
لعظم الجناية ، وأيضاً لو كان المقصود من أحيائهم
تعذيبهم في الدنيا فقط فذاك حاصل في عالم القبر فيكون
عبثاً [ 41/أ ] وننزه الله تعالى عنه أو إظهار جنايتهم
، فالأولى بذلك الإظهار من كانوا معتقدين بحقية
خلافتهم وممدين لهم وناصرين ، وأيضاً في هذا التأخير
ترك الأصلح إذ قد مضى أكثر الأمة على الضلالة ، وأيضاً
يلزم على هذا التقدير ان النبي والوصي والأئمة لا بد
لهم أن يذوقوا موتاً زائداً على سائر الناس ، وظاهر ان
الموت شديد فلا ينبغي إذاقته للمحبوب .
وأيضاً يلزم مذلة الأمير والسبطين حيث لم يأخذوا الثأر
بعد مضي هذه المدة إلا بواسطة المهدي ، ولم ينتقم الله
تعالى من أعدائهم إلا حينئذ ، وبالجملة المفاسد في هذا
كثيرة والاعتراضات غزيرة ، والذي ألجأهم تخيلات باطلة
، وتسلّيات عاطلة .
فصل
[ الإمامة تكفر الذنوب ! ]
إن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ، قالت
الإمامية كلهم أن أحدنا لا يعذب بصغير ولا كبير لا في
القيامة ولا في القبر ، وحب علي كاف في الخلاص إذ لات
حين مناص ، تباً لهم أولا يفقهون ان حب الله تعالى
ورسوله بلا إيمان ولا عمل غير كاف ، وهذا غير خاف ،
وهذا في الأصل مأخوذ من اليهود حيث قالوا :
]
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
إِلاّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي
دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ، فَكَيْفَ إِذَا
جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ
كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
[
([8])
، وعمدة ما يتمسكون به مفتريات وضعها الضالون المضالون
، وتلقتها الحمقاء الجاهلون .
منها ما روى بن بابويه القمي في ( علل الشرائع
) ([9])
عن المفضل بن عمر([10])
قال قلـت لأبي عبد الله([11])
:
((
لم صار عليّ قسيم الجنة والنار ، قال : لأن حبه إيمان
وبغضه كفر ، لا يدخل الجنة إلا محبوه ، ولا يدخل
النـار إلا باغضوه
))([12])
، ويدل على الوضع المخالف للكتاب ، وأيضاً إن حب
الأمير ليس الإيمان وإلا بطلت التكاليف ولإتمام
المشترك ، لأن التوحيد والنبوة أصل قوي وأهم ، فهو جزء
من أجزاء الإيمان ، فلا يكفي وحده لدخول الجنة ،
وأيضاً لا يدخل النار إلا مبغضوه يدل على أن لا يدخل
أحد من الكافرين الغير الباغضين كفرعون وهامان لأنهم
لم يعرفوا ، فلم يبغضوا سبحانك هذا بهتان عظيم .
سلمنا ما يريدون لكن لا يثبت المطلوب أيضاً ؛ لأن حاصل
لا يدخل الجنة إلا محبوه ، ان لا يدخل الجنة من لا يحب
[ 41/ب ] علياً ، لا ان كل من يحبه يدخلها والمدعى هذا
لا ذاك ، والفرق واضح ، فلهذا روى ابن بابويه القمي
رواية أخرى عن ابن عباس انه قال : قال رسـول الله صلى
الله تعالى عليه وسلم :
((
جاءني جبريل وهو مستبشر فقال : يا محمد إن الله الأعلى
يقرئك السلام وقال : محمد نبيي وعلي حجتي لا أعذب من
والاه وان عصاني ، ولا أرحم من عاداه وان أطاعني
))([13])
.
ويدل على وضعهما لزوم التفصيل كيف ولا خوف على العاصي
، ولو منكر للرسول بحب علي ، ولا منفعة للمطيع ولو
مؤمناً ببغضه ، وهي مخالفة أيضاً لنصوص قاطعة كقوله
تعالى :
]
وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
فَوْزًا عَظِيمًا
[
([14])
، وقوله تعالى :
]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلاَلاً مُبِينًا
[([15])
إلى غير ذلك .
على ان التكاليف تكون عبثاً لم يبق إلا الحب والبغض
وفيه الإغراء للنفوس وإمداد الشيطان ومفاسد شتى على
انه لم يذكر ذلك في القران ، وأنظر إلى مرويات لهم أخر
تناقض ما سبق وتعارضه لكن الكذاب كما قيل لا حافظة له
منها ما روى سيدهم وسندهم حسن بن كبش([16])
عن أبي ذر قال :
((
نظر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى علي فقال :
هذا خير الأولين والآخرين من أهل السموات وأهل الأرض ،
هذا سيد الصدّيقين ، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين
وقائد الغر المحجلين ، إذا كان يوم القيامة كان على
ناقة من نوق الجنة ، قد أضاءت عرصة القيامة من ضوئها ،
على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت ، فتقول
الملائكة : هذا ملك مقرب ، ويقول النبيون : هذا نبي
مرسل ، فينادي المنادي من تحت بطلان العرش : هذا
الصديق الأكبر ، هذا وصي حبيب الله تعالى علي بن أبي
طالب ، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحب ، ويدخل
فيها يبغض ، فيأتي أبواب الجنة ، فيدخل فيها من يشاء
بغير حساب
))
([17])
.
ولا يخفى ان هذه ناصة على ان بعض العصاة ممن يحب
الأمير يدخلون النار ، ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة
، فإن كانوا محبيه فلِمَ دخلوا ؟ وان لم يكونوا فلِمَ
خرجوا ؟ وأيضاً تدل على كذب الحصر السابق في قوله :
((
لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا يدخل النار إلا باغضوه
))
، فالرواية باطلة ([18])
.
ومنها ما روى ابن بابويه القمي عن جابر بن عبد الله
رضي الله تعالى عنه انه قال : قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم :
((
إن عبداً مكث في النار سبعين خريفاً كل خريف [ 42/أ ]
سبعون سنة ، ثم انه سئل الله تعالى بحق محمد وآله أن
يرحمه ، فأخرجه من النار وغفر له
))([19])
، انتهى . فإن كان هذا محباً فلم يعذب وإلا فلم يدخل
الجنة ، فلينظر في كلامهم وليتأمل .
([1])
من
ذلك ما رواه البحراني في تفسير قوله تعالى : (( إن
فرعون علا في الأرض ... الآية )) [ القصص : آية 4
] قال : (( ليكون تعزية له فيما يصيبه أهل بيته من
أمته ، ثم بشره بعد تعزيته انه يتفضل عليهم بعد
ذلك ويجعلهم خلفاء في الأرض وأئمة على أمته ويردهم
إلى الدنيا مع أعدائهم حتى ينتصفوا منهم )) .
البرهان : 4/220 .
([2])
سورة
المؤمنون ، آية 100 .
([3])
سورة البقرة ، آية 28 ، وقد وردت الآية محرفة في
النص .
([4])
سماها صاحب الذريعة بـ ( المسائل الناصريات ) ،
صنفها علي بن الحسين بن موسى الموسوي ( ت 436هـ )
، وهي عبارة عن سبعة ومائتا مسألة منتزعة من (
الفقه الناصرية ) تصنيف الناصر الكبير جد المرتضى
. الذريعة : 20/370 .
([5])
ونقله
الآلوسي بالمعنى ، وهو حديث طويل أورده ( علامتهم
) المجلسي ناسباً الكلام إلى المهدي المنتظر حيث
يقـول : (( ... وأجئ إلى يثرب فأهدم الحجرة [ يعني
التي دفن فيها النبي
e
وصاحبيه ] ، وأخرج من بها وهما طريان [ يعني
الصديق والفاروق رضي الله عنهما ] فأمر بهما تجاه
البقيع ، وآمر بخشبتين يصلبان عليها ، فتورقان من
تحتهما فيفتتن الناس بهما أشد من الأولى ... )) .
بحار الأنوار : 53/104 .
([6])
هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي ، قال
ابن حجر : ضعيف رافضي ، مات سنة 127هـ . ضعفاء
العقيلي : 1/191 ؛ الجرح والتعديل : 2/497 ؛ تهذيب
التهذيب : 2/41 .
([7])
وهذه
الرواية ثابتة في كتبهم فقد أخرج القمي عن أبي عبد
الله قال : (( انتهى رسول الله
e
إلى أمير المؤمنين
u
وهو نائم في المسجد ، قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه
، فحركه برجله ثم قال : قم يا دابة الله ، فقال
رجل من أصحابه يا رسول الله : أيسمي بعضنا بعضاً
بهذا الاسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ،
وهو دابة الأرض الذي ذكر الله تعالى في كتابه :
]
وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الأرض
...
[
فذكر الآية )) . تفسير القمي : 2/130 ؛ وأخرج هذه
الرواية أيضاً الصافي في تفسيره : 4/74 ؛ والمجلسي
في بحار الأنوار : 39/59 .
([8])
سورة
آل عمران ، آية 24 – 25 .
([9])
هو كتاب ( علل الشرائع والأحكام ) لأبي جعفر محمد
بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفي سنة
381هـ ، والكتاب مطبوع بإيران سنة 1301هـ .
الذريعة : 15/313 .
([10])
في
الأصل ( المفضل بن عمرو ) ، والتصحيح من كتب
الإمامية ، وهو أبو عبد الله الجعفي الكوفي ،
ويقال أبو محمد ، من شيوخ أصحاب الصادق ، وقد وردت
أخبار عن الأئمة في ذمه ، ومع ذلك عدّهُ الأمامية
من الثقات ، وله أخبار كثيرة . رجال الكشي : ص 210
؛ بحار الأنوار : 13/208 .
([11])
هو الإمام جعفر الصادق .
([12])
الكليني ،
الكافي : 1/196 ؛ ابن بابويه القمي ، من لا يحضره
الفقيه : 3/150 .
([13])
المجلسي ،
بحار الأنوار : 8/2 .
([14])
سورة الأحزاب ، آية 71 .
([15])
سورة
الأحزاب ، آية 36 .
([16])
هو حسن بن كبش الحسيني له كتاب في الحديث ، من
مصنفي الإمامية ، لم أقف على وفاته ، الذريعة :
6/322.
([17])
المجلسي ، بحار الأنوار : 27/315 .
([18])
والروايات في هذا الباب عندهم كثيرة لا حصر لها ،
من ذلك ما رواه الكليني عن علي
t
انه قال : (( أنا قسيم الله بين الجنة والنار ،
وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا صاحب العصا والميسم ،
ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما
أقروا به لمحمد صلى الله عليه وسلم ... )) .
الكافي : 1/196 .
([19])
المجلسي ، بحار الأنوار : 8/282 .
|