|
المطاعن الثانية في حق الفاروق رضي الله تعالى عنه
منها ، وهو عمدة مطاعنهم ، ما روى البخاري عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما :
((
انه صلى الله تعالى عليه وسلم طلب في مرض موته دواةً
وقرطاساً ليكتب كتاباً لن يضلوا بعده ، فاختلف الحضار
في الإتيان بها وعدمه ، وقال عمر حسبنا كتاب الله الذي
عندنا وكثر اللغط فقال أحدهم : اهجر ، عرض له فاسألوه
عما يريد بهذا القول ، فسألوا النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم عن ذلك فقال : قوموا عني
))([1])
، إذ لا ينبغي التنازع ورفع الصوت عند الأنبياء فترك
تحرير الكتاب بسبب ما وقع من النزاع .
فرد عمر قوله عليه الصلاة والسلام وهي وحي لقوله
تعالى :
]
وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى
[
([2])
ورد الوحي كفر لقوله تعالــى :
]
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ
[
([3])
، وانه قال : أهجر عرض له مع ان الأنبياء معصومون عن
مثل ذلك ، وأقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال معتبرة ،
وانه رفع الصوت وتنازع في حضرته عليه الصلاة والسلام ،
وقد قال تعالــى :
]
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
[([4])
، وانه اتلف حق الأمة إذ لو كتب ذلك الكتاب لحفظت
الأمة من الضلال ، ولم ترهم في كل وادٍ يهيمون ووبال
جميع ذلك على عمر .
والجواب عن الأول ، على فرض تسليم ان هذا القول صدر من
الفاروق [ 44/ب ] فقط ، ان الأمر منه عليه الصلاة
والسلام لم يكن إلا من باب الاستحباب ، وهو أمر إرشاد
وإصلاح ولم يكن لأمر ضروري ، وأن عمر قصد راحته عليه
الصلاة والسلام في حال شدة المرض ، ومثل هذه المخالفة
لا تعد فسقاً([5])
، وقد وقع للأمير كرم الله تعالى وجهه بخصوصه مثل هذه
المخالفة عام الحديبية ، فانه كتب في كتاب الصلح :
((
هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله ...
))
، فلم يرض المشركون بهذا العنوان ، وقالوا :
((
لو كنا نعلم انه رسول الله ما حاربناه
))
، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يمحو ذلك ، وبالغ فيه
، فلم يفعل حتى محاه عليه الصلاة والسلام بيده
الشريفة([6])
.
بل وقع منه كرم الله تعالى وجهه ما يرى أشد من ذلك ،
فقد صح من طرق متعددة ان النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم ذهب إلى بيت البتول رضي الله تعالى عنهما ليلة ،
وأيقضهما لصلاة التهجد ، وأمرهما بها فقال الأمير :
((
والله لا نصلي إلا ما كتب الله لنا ، وإنما أنفسنا بيد
الله لو وفقنا لصلينا فرجع عليه الصلاة والسلام وهو
يضرب فخذيه ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا
))([7])
. ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه
المخالفات ، فكيف يطعنون على بما هو أخف منها ؟!.
ثم ان قولهم أقوال الرسول كلها وحي مردود ؛ لأنها لو
كانت كذلك فلِمَ قال الله تعالى :
]
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ
[
([8])
، وقال تعالى :
]
وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا
[([9])
، وقال تعالى :
]
وَلاَ تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ
أَنفُسَهُمْ
[
([10])
، وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر
:
]
لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
[
([11])
.
وأيضاً يلزم ان الأمير أيضاً قد رد الوحي حين أمره
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالتهجد ومحو اللفظ مع
انهم لا يقولون بذلك ، والجواب عن الثاني ان قائل هذا
القول ليس عمر ، وقد ورد في أكثر الروايات قالوا :
بصيغة الجمع استفهموا على طريق الإنكار ، فإن النبي
عليه الصلاة والسلام لا يتكلم بالهذيان البتة ، وكانوا
يعلمون انه عليه الصلاة والسلام ما خط قط ، بل كـان
يمتنع صدور هذه الصنعة منه صلى الله تعالى عليه وسلم
لقوله تعالى :
]
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ
وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
[
([12])
ولذا قالوا : فأسلوه.
وتحقيق ذلك إن الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوحه
غير مفهم ، وهو على قسمين لا نزاع لأحد في عروضه
للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبين الكلام لجة الصوت
وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان ، كما في الحميات
الحارة [ 45/أ ] وقد ثبت بإجماع أهل السير ان النبي
عليه الصلاة والسلام ، قد عرضت له بحة الصوت في مرض
موته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقسم هو جريان الكلام
الغير المنتظم المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي
العارض بسبب الحميّات المحرقة في الأكثر وهذا القسم
وأن كان ناشئاً من العوارض البدنية ، ولكن قد اختلف
العلماء في جواز عروضه على الأنبياء فجوزه بعضهم
قياساً على النوم ، ومنعه آخرون قياساً على الجنون
فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول .
والجواب عن الثالث على فرض التسليم ان رفع صوته إنما
كان صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم ، وقوله عليه السلام :
((
قوموا عني
))
من قبيل قلة الصبر للمريض فانه يضيق صدره إذا وقعت
منازعة في حضوره ، وما يصدر من المريض في حق أحد لا
يكون محلاً للطعن عليه ، مع ان هذا الخطاب كان لجميع
الحاضرين ومنهم الأمير كرم الله تعالى وجهه .
والجواب عن الرابع ان الإتلاف إنما يتحقق لو حدث حكم
من الله تعالى نافع للأمة ، وقد منعه عمر وقوله تعالى
:
]
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[
([13])
.. الآية يدل على عدم الحدوث ، بل لم يكن الكتاب إلا
لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه ، وإلا فلا يتصور منه
عليه الصلاة والسلام أن يقول أو يكتب في هذا الوقت
الضيق ما لم يقله مع ان زمن نبوته عليه الصلاة والسلام
أمتد ثلاثاً وعشرين سنة ، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع
عمر ، ولم يقله لأحد بعد ذلك من خاصة أهل بيته كالأمير
كرم الله تعالى وجهه ، فانه عليه الصلاة والسلام [ بقي
] ([14])
بعد هذه الوقعة حيّاً خمسة أيام بالاتفاق ، فإن قيل لو
لم يكن ما يكتب أمراً دينياً فلِمَ قال : لن تضلوا
بعدي .. الخ .
قلنا للضلال معانٍ والمراد هاهنا الخطأ أي في سلوك
طريق تدبير الــملك ، كما في قوله تعالـى :
]
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
[
([15])
لا الضلالة والغواية عن الدين لما سبق ، فقد تبين
بطلان ما طعنوا به ، وظهر فساده وقبيح كذبه .
ومنها انه أنكر موت الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم
، وحلف على موته حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى :
]
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[
([16])
، والجواب إن ذلك من شدة دهشته بموت قرة عينه وعيون
المؤمنين أبي القاسم عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام ،
حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشيء ، إذ كثيراً ما
يحصل الذهول وتدهش العقول بتفاقم الأحزان والمصائب ،
وتراكم الشدائد والنوائب [ 45/ب ] وذلك من لوازم
البشرية والأمور الطبيعية ، ألا ترى ان يوشع عليه
السلام مع كونه نبياً معصوماً عن الآثام ، نسى أن يخبر
موسى بما حصل من فقد الحوت عن المكتل ، بل موسى عليه
السلام مع كونه من أولي العزم الهداة ، قد نسى معاهدته
مع الخضر على السؤال ثلاث مرات .
وقال تعالى في حق آدم عليه السلام :
]
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا
[
([17])
، وقد روى أبو جعفر الطوسي عن أبي عبد الله الجلي ان
الإمام أبا عبد الله عليه السلام كان يسهو في صلاته
ويقول في سجدتي السهو :
((
باسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآله وسلم
))([18])
، فأي ذنب لأبن الخطاب في دهشته من هذا الخطاب العظيم
لدى أولي الألباب ؟ وأي طعن عليه بسبب ما حصل له في
هذا الأمر الوخيم من فقد محبوبه عليه أفضل الصلاة
وأكمل التسليم؟ . فتباً لكم أيها الفرقة الضالة فقد
بال الشيطان في نفوسكم الخبيثة حتى صرتم شياطين أمثاله
.
ومنها ان عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع
ثبوته بالبينة وهي أربعة رجال ولقّن الرابع كلمة تدرأ
الحد ، فقال له لما جاء للشهادة :
((
أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلاً من المسلمين
))([19])
، والجواب ان درأ الحد إنما يكون بعد ثبوته ، ولم يثبت
لعدم شهادة الرابع كما ينبغي وتليقنه الشاهد كذب
وبهتان من أولئك البهتان من أولئك العدوان([20])
.
إذ قد ثبت في التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن
الأثير وغيرهما انه لما جاء الرابع وهو زياد بن أبيه
قالوا له أتشهد كأصحابك قال :
((
أعلم هذا القدر اني رأيت مجلساً ونفساً حثيثاً
وانتهازاً ، ورأيته مستبطنها أي مخفيها تحت بطنه ،
ورجلين كأنهما أذني حمار ، فقال عمر هل رأيت كالميل في
المكحلة ، قال : لا
))
([21])
. وقد وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة فأين
التلقين يا أرباب الزور المفترين .
ولفظ أرى وجه .. الخ ، إنما قال المغيرة بن شعبة في
ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود ، ولا سيما إذا
كان يترتب عليه حكم موجب لهلاكه ، على ان عمر لو درأ
الحد لكان فعله موافقاً لفعل المعصوم ، فقد روى محمد
بن بابويه :
((
ان رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأقر
بالسرقة إقراراً موجباً للقطع فلم يقطع يده
))([22])
. والله تعالى سبحانه وتعالى الهادي وعليه اعتمادي .
ومنها ان عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت
بقوله تعالى :
]
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[
([23])
فقد خالف [ 46/أ ] حكم الله تعالى .
والجواب ان فعل عمر موافق لفعل النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم ، وتحقيقه ان أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم
ذوي القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ومساكينهم ،
كما كان ذلك في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ،
وعليه الحنفية وجمع كثير من الإمامية ، وذهب الشافعية
ان لهم خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقسم بينهم
للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويكون بين بني هاشم والمطلب
دون غيرهم .
والأمير أيضاً عمل كعمر عمر فقد روى الطحاوي
والدارقطني عن محمد بن إسحاق انه قال :
((
سألت أبا جعفر محمد بن الحسن ان أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب لما ولي أمر الناس كيف يصنع في سهم ذوي
القربى ؟ فقال : سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر
))([24])
. إلى غير ذلك من رواياتهم ، فإذا كان فعل عمر موافقاً
لفعل النبي والأمير كيف يكون محلاّ للطعن ؟!.
ومنها ان عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة
التراويح وإقامتها بالجماعة ، فإنها بدعة كما اعترف هو
بذلك وكل بدعة ضلالة([25])
، وقد روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم :
((
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه
))([26])
.
والجواب انه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة
متواترة انه عليه الصلاة والسلام صلى التراويح
بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ولم
يخرج في الليلة الرابعة وقال :
((
إني خشيت أن تفرض عليكم
))([27])
، فلما زال هذا المحذور وبعد وفاته عليه الصلاة
والسلام أحيى عمر السنة السنيّة ، وقد ثبت في أصول
الفريقين ان الحكم إذا كان معللاً بعلة في نص الشارع
يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة .
واعترافه بكونها بدعة حيث قال : نعمت البدعة هي ،
فمراده ان المواظبة عليها بالجماعة شيء حديث لم يكن في
عهده عليه الصلاة والسلام ، وما ثبت في زمن الخلفاء
الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه عليه
الصلاة والسلام لا يسمى بدعة ، ولو سمي فمحمول على
البدعة الحسنة ، والحديث مخصوص بإحداث ما لم يكن له
أصل في الشرع .
وأيضاً كما ان الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم
قتل عمر رضي الله تعالى عنه وهو يوم التاسع من ربيع
الأول وتعظيم النيروز ، وتحليل فروج الجواري ، وحرمان
بعض الأولاد من بعض التركة إلى غير ذلك من الأمور التي
لم تكن في زمنه عليه الصلاة والسلام بناء على زعمهم ان
الأئمة أحدثوها.
كذلك لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر إذ هو
عندهم [ 46/ب ] كالأئمة عند الشيعة لقوله عليه الصلاة
والسلام :
((
ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً فعليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ
))([28])
، والله سبحانه وتعالى الهادي .
ومنها ان عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج ،
مع ان كلتا المتعتين كانتا في زمن النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم ، فنسخ حكم الله وحرم ما أحل الله حيث
قال :
((
متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم وأنا أنهى عنهما
))
([29])
.
والجواب عن تحريم متعة النساء ان أصح الكتب عند أهل
السنة الصحاح الست المشهورة ، وأصحها البخاري ومسلم ،
وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن
معبد الجهني انه عليه الصلاة والسلام حرم هو المتعة
بعد ما كان احلّها ورخصها لهم ثلاثة أيام وجعل تحريمها
إذ حرمها مؤبداً إلى يوم القيامة([30])
، ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر ، وقد ثبت في
الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن
الأمير بتحريمها([31])
.
فان ادعت الشيعة ان ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في
غزوة الاوطاس ، فمردود لأن غزوة خيبر كانت مبدأ تحريم
لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء ، فقد روى جمع من
أهل السنة عن عبد الله والحسن أبني محمد بن الحنفية عن
أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه انه قال :
أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أنادي
بتحريم المتعة ، فقد علم ان تحريم المتعة كان في عهد
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرة أو مرتين ،
فالذي بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا([32])
.
لما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعتها
وهدد من كان يرتكبها ، وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها
، وقد سبق في ذلك في المسائل الفقهية ، فتذكر فما في
العهد من قدم([33])
.
والجواب عن متعة الحج ، أعني تأدية أركان العمرة مع
الحج في سفر واحد في اشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته ،
ان عمر لم يمنعها قط ، ورواية التحريم عنه افتراء صريح
، نعم انه كان يرى أفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما
في إحرام واحد وهو القران ، أو في سفر واحد وهو التمتع
، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري([34])
وإسحاق بن راهوية([35])
وغيرهم([36])
، لقوله تعالى :
]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ
أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ
[
([37])
الآية ، فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع لا على المفرد
جبراً لما فيه من النقصان ، كما أوجبه تعالى في الحج
إذا حصل فيه فصور ونقص ؛ ولأنه صلى الله تعالى عليه
وسلم حج في حجة الوداع مفِرداً ، واعتمر في عمرة
القضاء وعمرة [ 47/أ ] جِعِرانة كذلك ، ولم يحج فيهما
بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة([38])
.
وأما ما رووا من قول عمر رضي الله تعالى عنه وأنا انهى
عنهما ، فمعناه ان الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي
الكتاب ، وهو قوله تعالى :
]
فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ
الْعَادُونَ
[
([39])
، وقوله تعالى :
]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[
إلا ان يحكم عليهم الحاكم والسلطان ويجبرهم على مراعاة
ما أمروا به وما نهوا عنه ؛ فلذلك أضاف النهي إلى نفسه
.
فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك
تجاوزهم الحد في ضلالهم ، والحق يعلو ، وكلمة الحق
تسمو .
([1])
البخاري ، الصحيح ، كتاب المغازي ، باب مرض النبي
e
: 3/1111 ، رقم 2888 ، مسلم ، الصحيح ، كتاب
الوصية ، باب ترك الوصية : 3/1259 ، رقم 1637 .
([2])
سورة النجم ، الآيتان 3 ، 4 .
([3])
سورة المائدة ، آية 44 .
([4])
سورة الحجرات ، آية 2 .
([5])
وللحافظ ابن حجر بحث نفيس يمكن الرجوع إليه
للتفاصيل في هذه المسألة ، والذي يمكن أن ننقله
عنه هنا هو تفسيره لكلمة ( هجر ) مع احتمال كون
قائلها غير عمر رضي الله تعالى عنه قال الحافظ :
(( قال ذلك لإرادة سكوت |