|
الثالثة والثلاثون الجعفرية : يرتبون الإمامة نحو
ترتيب الأثني عشرية بيد انهم يقولون ان الإمام بعد
الحسن العسكري أخوه جعفر ، وقد اتفقوا على ذلك
واختلفوا في انه هل ولدَ ولدٌ للعسكري أسمه محمد أم لا
؟ ، فقال بعضهم بأنه لم يولد له ، وقال آخرون ولد وعاش
بعد أبيه لكنه مات صغيراً ، أو قتله سراً من كان في
زمانه من خلفاء [ بني ] ([1])
العباس ، وقد علم بذلك عمه جعفر([2])
فادعى أرثه فلقبته الاثنا عشرية بالكذاب ، هذا ولعل ما
سمعت من اختلاف بعض الفرق يجعل كل طائفة من المختلفين
فرقة ، وبذلك تتم فرق الإمامية تسعاً وثلاثين ،
فليراجع وليتأمل .
ثم أعلم ان الأثني عشرية المعروفين اليوم على علاتهم
في الاعتقاديات أهون شراً بكثير [ 7/ب ] من كثير من
فرق الإمامية وسائر الشيعة ، فهم في معظم الاعتقادات
متطفلون على المعتزلة ، وقول الخواجة نصير الدين
الطوسي([3])
المتكلم على ما نقله عنه تلميذه ابن المطهر الحلي([4])
انهم مخالفون لجميع الفرق في ذلك ، مما يتعجب منه
المطلع على اعتقاداتهم ، وأعجب من ذلك جعله تلك
المخالفة دليلا على انهم الفرقة الناجية .
وانه قد ظهرت في هذه الاعصار من الأثني عشرية طائفة
يقال لهم الشيخية([5])
، وقد يقال لهم الأحمدية ، وهم أصحاب الشيخ أحمد
الأحسائي ترشح كلماتهم بأنهم يعتقدون في الأمير كرم
الله تعالى وجهه نحو ما يعتقد الفلاسفة في العقل الأول
بل أدهى وأمر([6])
.
وطائفة أخرى يقال لها الرشتية ، وكثيراً ما يقال لها
الكشفية ، وهو لقب لقبهم به بعض وزراء الزوراء([7])
أعلى الله تعالى درجته إلى أعلى عليين ، وهم أصحاب
السيد كاظم الحسيني الرشتي([8])
وهو تلميذ الأحسائي وخريجه لكن خالفه في بعض المسائل ،
وكلماته ترشح بما هو أدهى وأمر مما ترشح به كلمات شيخه
، حتى ان الاثني عشرية يعدونه من الغلاة ، وهو يبرأ
مما تشعر به ظواهر كلماته ، وقد عاشرته كثيراً فلم
أدرك منه ما يقوله فيه مكفروه من علماء الاثني عشرية ،
نعم عنده على التحقيق غير ما عندهم في الأئمة وغيرهم
مما يتعلق بالمبدأ والمعاد ، ولقد وجدت أكثر ما يقرره
ويحرره مما لا برهان له سوى سراب شبه يحسبه الظمآن ماء
، ولا أظن ان مخالفاته لشيخه تجعله وأصحابه القائلين
بقوله فرقة غير الشيخية .
وطائفة أخرى يقال لها البابية([9])
: وهم أصحاب ميرزا الملقب بالباب ، والباب واحد
الأبواب ، وهم أحد الأقسام السبعة لمن لا بد منه في
بناء المذهب ، الأول الإمام الذي يصل إليه علم الغيب
بلا واسطة ، والثاني([10])
الحجة الذي يقرر علم الإمام على وفق مذاق المخاطبين
وقدر عقولهم وفهومهم بالبرهان والخطابة ، الثالث ذو
المصة الذي يمتص العلم من ثدي الحجة ، الرابع الأبواب
، ويقال لهم الدعاة ، ولهم مراتب وأكبرهم من يرفع
درجات المؤمنين عند الإمام ، والحجة وهذا الأكبر هو
رابع السبعة ، الخامس الداعي المأذون الذي يأخذ العهود
والمواثيق من الناس ويفتح للطالب باب العلم والمعرفة ،
السادس المكلّب الذي شأنه البحث والاحتجاج والترغيب في
صحبة الداعي وليس له الأذن بالدعوة ، وسمي بذلك على
التشبيه بالمكلب([11])
المعلّم [ أ/8 ] السابع المؤمن المتبع الذي يؤمن
بالإمام بمساعي المكلّب والداعي .
وقد أظهر هذا الباب شنائع كثيرة ، منها زعم ارتفاع
فرضية الصلوات الخمس ، وان سترفع فرضية الحج ، وانه
يوحى إليه ، وألف كتاباً زعم انه تفسير سورة يوسف مع
انه ليس فيه تفسير شيء من آياتها ، وقد حشاه هذيانات
وحرّف فيه آيات وزعم التحدي به ، وذكر فيه انه تحرم
كتابته بالحبر الأسود المعروف ، وانه يحرم مسه لغير
متطهر ، إلى أمور أخرى شنيعة ، ينكرها عليه سائر
الشيعة ، وقد أرسل بعض دعاته بكتابه إلى قصبة كربلاء ،
فزمر فيها بنغم شنائع تودّ أذن المؤمن لو كانت عنها
صماء ، فرقص على زمره في المقام الحسيني جملة من جهلة
شيعة العراق ، وصبا إليه غير واحد من ذوي الشقاء
والشقاق .
فلما سمعت عرضت ذلك لوزير الزوراء ، فانتهض لإطفاء تلك
الثائرة بهمته الشمّاء ، وعَقدَ لحل ما عُقِدَ من
المحنة مجلساً عظيماً فيه علماء الأثني عشرية وعلماء
أهل السنة ، فكنت أنا والحمد لله تعالى المباحث ذلك
الداعي إلى مهاوي الحَيْن ، فلم يتفرق([12])
ذلك الجمع حتى أجمع على كفر تلك الفرقة علماء الفرقتين
، فكتبوا بذلك محضر للدولة العلية العثمانية ، فبعد
أيام حضر الأمر بنفي ذلك الداعي إلى الديار الرومية ،
فنفي واثبت محبوساً في تكرلي طاغ ، وأرغم بموته هناك
أنف كل طاغ .
وأما الباب ففتح باب البغي والخروج على شاه إيران ،
وأمر بعض مردته بقتله غيلة ليتم له ما أضمره من
الإضلال والعدوان ، فلم يتيسر له ما أراد ، وقتل في
تبريز مع جملة من اتباعه ذوي الفساد ، ولم يزل الشاه
يتتبع قتل أتباع الباب بعد تعذيبهم بأنواع العذاب ،
والعجب انهم يرون العذاب عذباً ، فترى أحدهم يضحك
والعذاب يصب على رأسه صباً ، والإنصاف ان الشاه كان
فيما([13])
فعل ناصر الدين ، وحافظاً له من فساد أولئك المفسدين ،
والله تعالى يجزي المحسنين
وطائفة أخرى يقال لها القرتية : أصحاب امرأة اسمها هند
، وكنيتها أم سلمة ، ولقبها قرة العين ، لقبها بذلك
السيد كاظم الرشتي في مراسلاته لها إذ كانت من أصحابه
، وهي [ 8/ب ] ممن قلدت الباب بعد موت الرشتي ، ثم
خالفته في عدة أشياء منها التكاليف ، فقيل أنها كانت
تقول بحل الفروج ورفع التكاليف بالكلية ، وأنا لم أحس
منها بشيء من ذلك مع أنها حبست في بيتي نحو شهرين ،
وكم بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين .
والذي تحقق عندي أن البابية والقرتية طائفة واحدة ،
يعتقدون في الأئمة نحو اعتقاد الكشفية فيهم ، ويزعمون
انتهاء زمن التكليف بالصلوات([14])
الخمس ، وان الوحي غير منقطع فقد يوحى للكامل لكن لا
وحي تشريع ، بل وحي تعليم لما شرع قبل ولنحو ذلك ، وهو
رأي لبعض المتصوفة .
وأخبرني بعض من خالطهم انهم يوجبون على من نظر أجنبية
من غير قصد التصدق بمثقال من الذهب ، وعلى من نظرها
بقصد التصدق بمثقالين منه ، وأن منهم من يحيي الليل
بكاءً وتضرعاً ، وأنهم يخالفون الأثني عشرية في كثير
من الفروع ، وأنا حققت أن الأثني عشرية يكفرونهم
ويبرؤن منهم ، ثم إني أرى أنهم شرارة من نيران الكشفية
والأحسائية ، وأعظم أسباب ضلالتهم النظر في كلام
الرشتي وشيخه الأحسائي مع عدم فهم مقاصدهما منه ،
وحمله على ما هو بعيد عن الدين المحمدي بمراحل ، ولذا
أكفرهم أصحاب هذين الرجلين أيضاً على ما سمعته بأذني
من كبارهم .
وقد قتلت هذه المرأة أيضاً بعد أن بغت وخرجت على الشاه
في طهران ، وتتبع أصحابها بالقتل ، فقتلوا إلا قليلا
منهم تحصّن بالتقية ، والإنسلاك ظاهراً في سلك الأثني
عشرية ، وفي قرى العراق بقية باقية منهم ، وكم وكم من
شنيعة تروى عنهم ؟ ثم انه لا يبعد أن تظهر فرق أخرى من
الإمامية بعد ، نسأل الله تعالى العافية في الدين
والدنيا والآخرة ، هذا والله تعالى أعلم .
([2])
هو جعفر بن موسى الكاظم ، أبو عبد الله ، لقبه
الشيعة بالكذاب ، لإدعائه الإمامة بعد أخيه الحسن
، ويدعى أبا البنين لأنه أولد مائة وعشرين ولداً ،
ويقال لولده الرضويون ، وأعقب منهم جماعة ( ت
271هـ ) . عمدة الطالب في أنساب أبي طالب : ص199 .
([3])
هو محمد بن محمد بن الحسن ، أبو جعفر نصير الدين
الطوسي ، كان عالماً بالعلوم العقلية والفلسفة ،
ومن غلاة الباطنية ، والمقربين لهولاكو ، فكان
يطيعه ويشاوره ، ونبه العلماء على لزوم نبذه ، وهو
الذي اقترح على هولاكو استباحة بغداد وإسقاط
الخلافة العباسية ، مات سنة 672هـ . شذرات الذهب :
5/339 ؛ مفتاح السعادة : 1/261 ؛ طبقات أعلام
الشيعة : ص 12 .
([4])
هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ، من
علماء الإمامية ، نسبته إلى مدينة الحلة في العراق
، وهو صاحب كتاب ( منهاج الكرامة ) الذي رد عليه
شيخ الإسلام ابن تيمية في ( منهاج السنة النبوية )
، مات ابن المطهر سنة 726هـ . الدرر الكامنة :
2/71 ؛ لسان الميزان : 2/317 .
([5])
في ( ع ) : ( المشيخية ) .
([6])
تنسب هذه الفرقة إلى أحمد الأحسائي وقد ولد سنة
1157هـ/ 1744م في الإحساء بالبحرين ، وانتقل في سن
مبكرة إلى إيران ، وزار كربلاء ومات سنة 1242هـ/
1827م ، كان يعد حلولياً ، ومن عبدة علي رضي الله
تعالى عنه ، وله تعاليم فلسفية . دائرة المعارف
الإسلامية : 1/338 .
([7])
هو والي بغداد علي رضا ، أشرنا له في المقدمة .
([8])
من تلاميذ أحمد الأحسائي ، وينسب إلى رشت بإيران ،
وكان قد سكن كربلاء ، ويعد مذهبه امتداد لمذهب
شيخه الأحسائي ، مات سنة 1259هـ/ 1843م ) دائرة
المعارف الإسلامية : 1/448 ؛ الأعلام : 5/216 .
([9])
اشتهرت
هذه الكلمة عندما أطلق علي الشيرازي انه باب العلم
بالحقيقة الإلهية وسمى نفسه بالباب في سنة
1260هـ/1844م ، وتعم البابية ان آخر مبشر بعد
الأنبياء والرسل رجلان عالمان وهما الشيخ أحمد
الأحسائي والسيد كاظم الرشتي . دائرة المعارف
الإسلامية : 3/227 ؛ تاريخ البابية : 115 .
([10])
في ( م ) : ( الثاني ) .
([11])
في نسخة ( م ) : ( الكلب ) .
([12])
في ( م ) : ( يفترق ) .
([13])
في نسخة ( م ) : ( في ما ) .
([14])
في نسخة ( م ) : ( الصلاة ) .
|