|
وأما البحث الثاني
ففي بيان حكم أهل القبلة من حيث إكفار
من خالف منهم أهل السنة والجماعة وعدمه
اعلم أنه لا ينبغي إطلاق القول بكفر كل فرقة خالفت أهل
السنة من الفرق التي حدثت في أمة الدعوة على ما أخبر
به الصادق المصدوق([1])
صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويشهد لما ذكرنا كلام كثير
من الأجلة قال [ 9/أ ] الإمام حجة الإسلام الغزالي([2])
في كتابه ( فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
) ([3])
:
((
الوصية أن تكف عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين
لا إله إلا الله محمـد رسول الله غير مناقضين لها
))
([4])
، قال :
((
المناقضة هي تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم بعذر أو بغير عذر
))
([5])
، انتهى .
وقال المحقق السيد السند([6])
قدس سره في ( شرح المواقف )([7])
عند قول الماتن : جمهور المتكلمين والفقهاء انه لا
يكفر أحداً من أهل القبلة انتهى ما لفظه :
((
فإن الشيخ أبا الحسن([8])
قال في أول كتاب ( مقالات الإسلاميين ) :
واختلف المسلمون بعد نبيهم صلى الله تعالى عليه وسلم
في أشياء ضلل بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض ، فصاروا
فرقاً متباينين ، إلا أن الإسلام يجمعهم ويعمهم فهذا
مذهبه
))([9])
، ونُقل عن اكثر أصحابنا .
وقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال :
((
لا أرد شهادة أحد من أهل البدع والأهواء إلا الخطابيّة
، فإنهم يعتقدون حل الكذب
))([10])
.
وحكى الحاكم([11])
صاحب ( المختصر من كتاب المنتقى )([12])
عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه : أنه لم يكفّر من
أهل القبلة ، وحكى أبو بكر الرازي([13])
مثل ذلك عن الكرخي([14])
وغيره ، انتهى([15])
.
وقال في موضع آخر منه : وأعلم ان عدم تكفير أهل القبلة
موافق لكلام الشيخ الأشعري والفقهاء كما مر ، وما نقله
عن الإمام الشافعي حكاه غير واحد عن الحنفية ، وحكى
الإمام النووي([16])
في الروضة على ما قال الشهاب الخفاجي([17])
عن الإمام الشافعي انه قال :
((
لا أكفر أحـداً من أهل القبلة إلا الخطابية
))([18])
، وما نقل أولاً أبلغ .
وكان سحنون([19])
من المالكية يذهب إلى عدم تكفير أهل البدع والأهواء من
أهل القبلة ، ويرى انه لا إعادة للصلاة على من صلى خلف
أحدهم في وقت أو أكثر ، وهو رأي المغيرة([20])
وابن كنانة([21])
واشهب([22])
منهم ، بل قول جميع أصحاب مالك ، كما في شفاء القاضي
عياض([23])
.
واختلفت الرواية عن الإمام مالك ، ففي رواية عبد الله
بن مسهر الغساني([24])
، ومروان بن محمد الطاطري([25])
، إطلاق القول بكفر أهل الأهواء جميعاً ، وفي رواية
ابن نافع([26])
خلاف ذلك ، لكن إذا ظفر بأحدهم يجلد ويحبس حتى يتوب ،
وهذا كما قال الشهاب هو الصحيح ، واتفقت الرواية عنه [
9/ب ] وعن جميع أصحابه أنهم يقاتلون إذا تخيروا ،
وانفردوا بمكان مختص بهم .
وقال العلامة العضد([27])
في آخر كتاب ( المواقف ) :
((
ولا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع
القادر العليم أو شرك ، أو إنكار للنبوة أو إنكار ما
علم مجيئه صلى الله تعالى عليه وسلم به ضرورة ، أو
إنكار مجمع عليه ، كاستحلال المحرمات
))
([28])
، انتهى .
قال المحقق الشريف([29])
قدس سره ، أي المحرمات التي أجمع على حرمتها ، فإن كان
المجمع عليه مما علم ضرورة من الدين فذاك ظاهر داخل في
ما ذكره ، وإلا فان كان إجماعاً ظنياً فلا كفر
بمخالفته ، وان كان قطعياً ففيه خلاف ، انتهى .
وقال العلامة الثاني المحقق التفتازاني([30])
في ( التلويح )([31])
:
((
الحكم الشرعي المجمع عليه ان كان إجماعه ظنياً فلا كفر
بمخالفته ، وان كان قطيعاً ففيه خلاف
))
([32])
، انتهى .
وما ذكراه من ان الإجماع الظني لا كفر بمخالفته هو محل
الاتفاق بين العلماء ، وقد حكى إجماعهم على ذلك غير
واحد من المحققين ، فمن الشافعية السيف الآمدي([33])
والصفي الهندي([34])
، وصاحب المواقف في ( شرح المختصر )([35])
وغيرهم ، ومن الحنفية المحقق الكمال ابن الهمام([36])
، والسيد الشريف الجرجاني كما مر آنفا وغيرهما .
ومن المالكية أبو العباس القرطبي([37])
وغيره ، وما ذكراه من أن إنكار المجمع عليه القطعي فيه
خلاف فهو كذلك ، والخلاف فيه مشهور([38])
.
وممن حكاه الآمدي وابن الحاجب([39])
في أصولهما ، قال الأول :
((
اختلفوا في تكفير المجمع عليه فأثبته بعض الفقهاء ،
وأنكره الباقون مع اتفاقهم على ان إنكار حكم الإجماع
الظني غير موجب
))([40])
، وقال الثـاني :
((
إنكار حكم الإجماع القطعي ، ثالثها المختار أن نحو
العبادات الخمس يكفر
))
([41])
، انتهى .
وما أشار إليه بالمختار من التفصيل تبع فيه الآمدي حيث
قال :
((
والمختار إنما هو التفصيل بين أن يكون داخلا في مفهوم
اسم الإيمان كالعبادات الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد
والرسالة ، فيكون جاحده كافراً كحل البيع وصحة الإجازة
، فلا يكون كافراً
))
([42])
، انتهى .
ولعل مراده بمفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام ، أما
مجازاً أو بناء على اتحادهما ، وإلا فالعبادات الخمس
ليست داخلة في مفهوم الإيمان إذ الإيمان هو التصديق
عند المحققين كما حقق في محله([43])
.
وقال العلامة الزين المرحل([44])
: لا يكفر منكر إجماع [ 10/أ ] أي مجمع عليه بإجماع
سكوتي أو أكثري أو ظني بالآحاد ، قيل وكذا ما لم يبلغ
المجمعون فيه عدد التواتر ، ولا يكفر منكر إجماع قطعي
إلا إذا كان الحكم ضرورياً ، لأن العلم بحجية الإجماع
ليس داخلاً في الإيمان لأنه نظري ، انتهى([45])
.
وما ذكره من أن الأصح عدم التكفير بالقطعي إلا إذا كان
ضرورياً هو الذي عليه المحققون ، فإنهم لا يكفرون
بإنكار المجمع عليه من حيث انه مجمع عليه ، ولا يعدونه
من أسباب الردة ، وإنما يكفرون بجحد نحو الصلاة من حيث
كونه معلوماً من الدين بالضرورة .
قال الإمام الرافعي([46])
( عليه الرحمة ) في باب حد الشرب : لم يستحسن إمام
الحرمين([47])
إطلاق القول بكفر المستحل أي للحرام المجمع عليه ، قال
: وكيف يكفر من خالف حكم الإجماع ، ولا يكفر من رد أصل
الإجماع ، وإنما نبدعه ونضلله ، ثم أوّل ما ذكره
أصحابه الشافعية بحمله على ما إذا صدق المجمعين ، على
ان التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فانه يكون راداً
للشرع .
وقال الزنجاني([48])
:
((
إنه لا يكفر من حيث أنه خالف الإجماع ؛ بل لأنه خالف
ما ثبت ضرورة أنه من دين محمد صلى الله تعالى عليه
وسلم
))([49])
.
وقال ابن دقيق العيد([50])
:
((
الحق ان المسائل الإجماعية ان صحبها التواتر كالصلاة
كفر منكرها لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع ،
وإلا فلا يكفر
))([51])
، انتهى . ونقلـه ابن شهبة([52])
في ( شرح المنهاج )([53])
وأقره .
وقال المحقق ابن الهمام في كتابه ( المسايرة )([54])
: ما ينفي جحده الإستسلام ، ويوجب التكذيب فجحده
المكلف كفر وإلا فسق ، قال وما يوجب التكذيب هو جحد ما
ثبت ادعائه بالضرورة ، فما كان ثبوته ضرورة عن نقل
اشتهر وتواتر ، فاستوى في معرفته الخاص والعام كفر
بجحده ومالا ، بل نقل آحاداً يكفر مشاهده دون الغائب ،
انتهى حاصله .
ثم إذا زاد قيداً آخر وهو علم الجاحد بالإجماع فقال :
أما ما ثبت فيه الإجماع قطعاً ولم يبلغ حد الضرورة ،
كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب بإجماع
المسلمين ، فظاهر كلام الحنفية الإكفار بجحده ، فانهم
لم يشترطوا سوى القطع بالثبوت ، ويجب حمله على ما إذا
علم المنكر ثبوته قطعاً ؛ لأنّ مناط التكفير وهو
التكذيب والاستحقاق ، لا يكون إلا عند العلم بذلك فلا
يكفر إلا ان يذكر له ذلك [ 10/ب ]
فيلج([55])
.
قال شارحه المحقق الكمال ابن أبي شريف([56])
: وهذا الحمل وقع لإمام الحرمين ، وأول إطلاق من أطلق
من الشافعية القول بتكفير جاحد المجمع عليه أي وقد حد
آنفاً ، نقله عن الرافعي .
أقول : وقيد العلم أخذه من كلام الغزالي في (
الفيصل ) حيث قال :
((
إن الحكم بالتكفير بمخالفة الإجماع من أغمض الأشياء ،
إذ شرطه أن يجمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد ،
فيتفقون على أمر واحد اتفاقاً صريحاً ، ثم يستمرون
عليه مدة عند قوم أو إلى تمام([57])
انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم الإمام في أقطار
الأرض ، فيأخذ فتاويهم في زمان واحد ، بحيث تتفق
أقوالهم اتفاقاً صريحاً حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف
بعده ، ثم النظر بعد ذلك في صاحب المقالة هل بلغه
الإجماع إذ كل من يوجد لا تكون الأقوال عنده متواترة ،
ولا مواضع الإجماع عنده متمايزة عن مواضع الخلاف إنما
يدرك ذلك شيئاً فشيئاً ، وإنما يعرف من مطالعة الكتب
المصنفة([58])
في الاختلاف وإجماع السلف ، فإذاً كلّ من خالف الإجماع
ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل ، وليس بمكذب ولا يمكن
تكفيره والاستقلال([59])
بمرتبة التحقيق في هذا ليس باليسير ، فإذا رأيت الفقيه
الذي بضاعته الفقه يخوض في التكفير والتضليل فاعرض عنه
))
([60])
، انتهى .
وقيدّ أيضاً إطلاقهم بذلك الإمام النووي في (
الروضة ) فقال :
((
ليس تكفير جاحد المجمع عليه أي بالإجماع القطعي على
إطلاقه ، بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص وهو من الأمور
الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخاص والعام ، كالصلاة
وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر ، ومن جحد مجمعاً عليه
لا يعرفه إلا الخواص([61])
، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس
بكافر ، ومن جحد مجمعاً عليه ظاهراً لا نص فيه ففي
الحكم بتكفيره خلاف يأتي في باب الردة
))([62])
، انتهى .
وكلامه هناك :
((
هذا ان جحد مجمعاً عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة [
كفر إن كان فيه نص ، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح ،
وإن لم يعلم من دين الإسلام ضرورة ] ([63])
بحيث لا يعرفه كل المسلمين لا يكفر
))([64])
انتهى .
([1])
في نسخة ( ع ) : ( الصدوق ) .
([2])
هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، حجة الإسلام
من مشاهير الفقهاء العارفين بعلم الكلام ، كان
مفرد الذكاء واسع التصانيف ، ( ت 505هـ ) . وفيات
الأعيان : 4/216 ؛ سير أعلام النبلاء : 19/322 ؛
طبقات الشافعية الكبرى : 6/191 .
([3])
طبع أكثر من مرة ، منها طبعة ، ضمن رسائل الغزالي
التي نشرت باعتناء دار الكتب العلمية في بيروت .
([4])
فيصل التفرقة ضمن رسائل الغزالي : 3/89 .
([5])
المصدر نفسه : 3/89 .
([6])
هو علي بن محمد بن علي ، المعروف بالسيد والشريف
الجرجاني ، من كبار العلماء بالكلام بالعربية ،
درس في شيراز وفيها توفي سنة 816هـ . الضوء اللامع
: 6/21 .
([7])
أصل كتاب ( المواقف ) في علم الكلام ، لعضد الدين
عبد الرحمن بن أحمد الأيجي القاضي ( ت 756هـ ) ،
وله عدة شروح أشهرها وأفضلها الشرح الذي أشار إليه
الآلوسي ، وهو من تصنيف السيد الشريف الجرجاني .
كشف الظنون : 2/1891 .
([8])
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ،
إمام المتكلمين ، كان في بداية حياته معتزلياً ،
ثم كرهه وتبرأ منه ، وأخذ يرد على المعتزلة ، ترك
عدة مؤلفات قال الذهبي عنها :
((
يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات
))
، توفي سنة 324هـ . تاريخ بغداد : 11/346 ؛ سير
أعلام النبلاء : 15/85 ؛ طبقات الشافعية الكبرى :
2/113 .
([9])
ينظر مقالات الإسلاميين : ص 1 - 2 .
([10])
نقله عن الإمام الشافعي أكثر من واحد منهم المروزي
، اختلاف العلماء : ص 286 ، الخطيب البغدادي ،
الكفاية في علم الرواية : ص 120 .
([11])
هو أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد بن الحاكم
المروزي البلخي الشهيد ، أخذ عن كبار العلماء في
عصره منهم الإمام أحمد ، وله مصنفات كثيرة ، قتل
سنة 334هـ
.
طبقات الحنفية : ص 113 .
([12])
اسم اصل الكتاب ( الزيادات في فروع الحنفية )
لمحمد بن الحسن الشيباني ( ت 189هـ ) ، ثم اختصره
الحاكم الشهيد ، قال ابن نجيم كما ان له شرحاً على
هذه الزيادات . كشف الظنون : 2/962 .
([13])
هو
أبو بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص ، سكن
بغداد وعنه أخذ فقهاؤها ، وإليه انتهت
رئاسة الحنفية ، توفي سنة 370هـ . طبقات الحنفية
: 1/85 ؛ شذرات الذهب : 3/71 .
([14])
هو
أبو الحسن عبد الله بن الحسن الكرخي ، من مشاهير
فقهاء الحنفية ، وإليه انتهت رئاسة العلم ، كان
ورعاً تقياً ، توفي340هـ . طبقات الفقهاء : ص148 .
([15])
هذا
الكلام نقله الآلوسي عن البحر الرائق : 1/371 .
([16])
هو
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي ، علامة
بالفقه والحديث ، له مصنفات كثيرة ، توفي سنة
676هـ . الضوء اللامع : 10/226 ؛ طبقات الشافعية
الكبرى : 8/395 .
([17])
هو
أحمد بن محمد المصري ، المعروف بالشهاب الخفاجي ،
قاضي القضاة وصاحب التصانيف في الأدب واللغة ،
توفي سنة 1069هـ . خلاصة الأثر : 1/331 .
([18])
ينظر : روضة الطالبين : 11/239 .
([19])
هو
عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي ، الملقب
بسحنون ، فقيه مالكي وقاضٍ ، وكان رفيع القدر
عفيفاً أبي النفس ، روى المدونة عن الإمام مالك ،
توفي سنة 240هـ . وفيات الأعيان : 3/180 ؛ سير
أعلام النبلاء : 12/69 .
|