وأما المقصد ففيه
أبواب وفصول
الباب الأول
في مباحث الإمامة
اعلم أن الإمامة لغة التقدم ، وتنقسم إلى إمامة وحي
كالنبوة ، وإمامة وراثة كالعلم ، وإمامة عبادة كالصلاة
، وإمامة مصلحة خاصة كتدبير المنزل ، وإمامة مصلحة
عامة وهي الخلافة العظمى كمصلحة جميع الأمة ، وحيث
أطلقت في لسان أهل الشرع انصرفت لهذا القسم الأخير ،
وهي باعتبار ذلك رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا
نيابة عنه عليه الصلاة والسلام .
واختلف في أن مباحثها هل هي من الفقه ، أو من الكلام ؟
فذهبت الشيعة والخوارج إلى الثاني ، حتى عرّف بعضهم
الكلام : بأنه العلم الباحث عن الصانع عز وجل والنبوة
والإمامة والمعاد وما يتصل بذلك على قانون الإسلام ،
لما أنهم يقولون ان نصب الإمام إنما يجب عليه تعالى .
وذهب أهل السنة والجماعة إلى الأول ، لما انهم يقولون
أن النصب إنما يجب على العباد ، أي عند عدم النص من
الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم على
التولية لمعين ، وعند عدم العهد والوصية من السابق
لغيره المعين ، وإنما ذكروها في الكلام مع أنها ليست
من مباحثه عندهم لما تعلق بالإمامة من التعصبات وفاسد
الاعتقادات ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب
الثاني بيان ما هو الحق من القولين .
فإن قلت لو وجب النصب على العباد لزم إطباق الأمة في
أكثر الأعصار على ترك الواجب ؛ لانتفاء المتصف بما يجب
من الصفات ، لكن اللازم منتفٍ ، لأن ترك الواجب ضلالة
، والأمة كما صح لا تجتمع عليها .
قلت أجاب السعد([1])
:
((
بأنه إنما يلزم ذلك لو تركوا ما كلفوا به عن قدرة
واختيار ، وهم عند الانتفاء المذكور إنما تركوه عن عجز
واضطرار ، وكأنه لهذه الشبهة ونحوها ذهب النجـدات([2])
من الخوارج إلى عدم الوجوب أصلاً
))
([3])
، فتدبر .
فصل
[ في نصب الإمام ]
القائلون بوجوب نصب الإمام على العباد اختلفوا ، فقال
أهل السنة وجمهور المعتزلة ان وجوبه بالشرع لوجوه ،
أحدها : إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تسارعوا [
13/ب ] إلى نصب الإمام حتى قدّموه على تجهيزه ودفنه
عليه الصلاة والسلام ، وتبعهم عليه سائر الأمة في كل
زمان ، عقيب موت السلطان ، ثانيها : أن الشارع أمر
بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش ، وكثير من
الأمور المتعلقة بحفظ النظام ، وحماية بيضة الإسلام
مما لا يتم إلا بالإمام ، وما لا يتم الواجب المطلق
إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب ، كما قرر في
محله .
ثالثها إن نصب الإمام دفع ضرر عام مظنون ، وكل ضرر عام
مظنون يجب على العباد دفعه إن قدروا عليه إجماعاً ،
ولا يخفى ان بعض هذه الأوجه لا يثبت أكثر من الوجوب ،
فتأمل .
وقال الجاحظ([4])
والخياط([5])
والكعبي([6])
وأبو الحسين البصري([7])
من المعتزلة ان وجوب نصب الإمام على العباد بحكم العقل
، مجتمعين بأن أصل دفع المضرة الثابتة واجب بحكم العقل
قطعاً ، فكذلك المضرة المظنونة ، وأنت تعلم أن الوجوب
الذي قضى به العقل في دفع المضرة إنما هو كونه من
مقتضيات العقول والعادات وملائماتها ، والنزاع في
الوجوب العقلي بمعنى استحقاق التارك الذم في العاجل ،
والعقاب في الآجل وهو ههنا ممنوع ، بل قد قضت كتب
الأصول الوطر من إقامة الأدلة على نفيه([8])
.
فصل
[ في وجوب الإمامة ]
اختلف القائلون بالوجوب أيضاً في أن ذلك هل هو على
الإطلاق أم لا ؟ فقال أهل السنة وأكثر المعتزلة بأنه
على الإطلاق أي في زمن الفتنة وغيره ، وقال أبو بكر
الأصم([9])
من المعتزلة : إنه يجب في زمن الفتنة ، ولا يجب عند
ظهور العدل والإنصاف لعدم الاحتياج إلى الإمام حينئذ .
وقال هشام الفوطي([10])
منهم أيضاً : أنه إنما يجب عند ظهور العدل لإظهار
الشرائع ولا يجب عند ظهور الظلم ، لأن الظلمة ربما
يطيعون الإمام فيما لا يرضي الملك العلاّم ، فيصير ذلك
لزيادة الفتن ووفور المحن ، وفي كل من القولين ما فيه
، على أن حديـث من :
((
مـات ولم يعرف إمام زمانه ، فقد مات ميتة جاهلية
))([11])
، ظاهر في أن الإمام لا يختص بوقت دون وقت ، فليفهم .
فصل
[ عدد من تنعقد ببيعتهم الإمامة ]
اختلفوا أيضاً في اشتراط العدد في المبايعين الناصبين
الإمام ، فذهب الإمام الأشعري إلى أنه لا يشترط عدد ،
بل تنعقد الإمامة بمبايعة واحد من أهل الحل والعقد [
14/أ ] كما يدل عليه ما وقع يوم السقيفة ، فان بيعة
أبي بكر رضي الله تعالى عنه انعقدت ولزمت ببيعة عمر
رضي الله تعالى عنه إياه ، ويكفي بيعة الواحد في خروج
الأمة عن عهدة وجوب النصب .
وحكى أبو المعالي الإجماع على ذلك ، فقال :
((
من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت إمامته ، [
إذ لا ]([12])
يجوز خلعه من غير حدث وتغيير أمر ، وهذا مجمع عليه
))([13])
، انتهى .
والحق مع ناقل الخلاف ، فقد ذهب أكثر المعتزلة إلى
اشتراط خمسة ممن يصلح للإمامة ، أخذاً مما صنع الفاروق
رضي الله تعالى عنه في قصة الشورى ، ويشبه أن يكون ذلك
واقعة حال ، واختلفوا أيضاً في اشتراط العلانية ،
فقضية كلام بعضهم عدم اشتراطها ، واستصوب اشتراطها
إظهاراً للإشهاد على بيعة الواحد لئلا يدعي أحد انه
عقد له الإمامة سراً ، فيثير ذلك شراً وعليه فيكفي في
ذلك شاهدان ، خلافاً للجبائي([14])
حيث قال : لا بد من أربعة شهود وعاقد ومعقود له ، وهذا
في الإمامة العظمى ، وإلا فمذهب كثير من الفقهاء إلى
ثبوت الولايات والعزل بالسماع الفاشي .
وعلى عدم اشتراط العلانية لو أدعى كل واحد من جماعة
ان البيعة عقدت له وجب الفحص عن الأسبق فيقدم ، ويكون
غيره باغياً يستفاء ، فإذا لم يفئ قوتل حتى يفيء ، فإن
لم يعلم الأسبق قيل يجب إبطال الجميع واستئناف العقد
لمن وقع عليه الاختيار ، وقيل يقدم من فيه شرائط
الإمامة أتم ، فإن استووا وجب إبطال الجميع والاستئناف
، وقال بعض الأجلّة القياس يقتضي الاقتراع والله تعالى
أعلم .
ثم انه ينبغي على قول بكفاية الواحد في انعقاد الإمامة
أن يكون ذلك الواحد موثقاً بعقله ودينه وإلا فكيف
ينعقد مثل هذا الأمر العظيم بيد منحّل عرى العقل
والدين ، وتسري بيعته على جميع الإسلام والمسلمين ،
وربما يقال ان بيعة الواحد كافية في صحة إمامة المبايع
دون لزومها ، وان لزومها يحتاج إلى بيعة معظم أهل الحل
والعقد ورضاهم ينوب مناب بيعتهم ، لكني لم أعلم أن
أحداً ذهب إلى ذلك فتأمله والله تعالى الهادي([15])
.
فصل
[ البيعة لإمامين ]
لا يجوز إقامة إمامين في عصر واحد إجماعاً ممن يعتد به
لما روى مسلم([16])
من حديث :
((
من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن
استطاع فإن جاء [ 14/ب ] آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر
))([17])
، وفي حديث عرفجة([18])
:
((
فاضربوه بالسيف كائناً من كان
))([19])
، وجاء :
((
إذا بويع لخليفتين فاقتلوا أحدهما
))([20])
، وفسر القتل بالخذلان والخلع ، ولعل هذا الحديث فيما
إذا كانت المبايعة للاثنين بلفظ واحد فتدبر([21])
.
وكأن الحكمة في المنع من ذلك خوف فتح باب المخالفة
والشقاق ، فأن العادة قاضية في مثل ذلك بالتمانع وعدم
الاتفاق ، وقال الإمام أبو المعالي :
((
الذي عندي في هذه المسألة أن عند الإمامة لشخصين في
صقيعٍ واحد غير جائز ، وقد حصل الإجماع عليه ، فأما
إذا بَعُد المدى وتخلل بين الإمامين وشسوع([22])
النوى ، فلاحتمال الجواز مجال لضعف احتمال النزاع
والجدال
))([23])
.
وكان الأستاذ أبو إسحاق([24])
: يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية البعد كالأندلس
وخراسان ، لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم ومذهب
الكرامية التجويز من غير تفصيل ، ويلزمهم إجازة ذلك في
بلد واحد ، وذهبوا إلى إن علياً كرم الله تعالى وجهه
ومعاوية رضي الله تعالى عنه كانا إمامين غافلين عن
قوله عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر تقتلك الفئة
الباغية ([25])
، فقتله أصحاب معاوية ، أو مؤولين له بأحد التأويلين
والذي([26])
يضحك منهما ابن يومين([27])
.
قالوا وإذا كان اثنان في بلدين أو ناحيتين ، كان كل
منهما أقوم وأضبط فيما يراد من الإمامة ، وانه لما جاز
بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة
، كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطالها ، وما
ذكروه على ما فيه ، يرده الأحاديث المانعة عن ذلك مع
الإجماع على مقتضاها المنعقد قبل ظهور المخالف.
ويا للعجب من زعمهم إمامة معاوية رضي الله تعالى عنه
في عهد الأمير كرم الله تعالى وجهه ، مع أنه نفسه لم
يدعّها بلسانه ، وإنما أدّعى ولاية الشام بتولية من
قبل الخليفتين عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما ، وإن
من ولاه خليفة على بلد لا ينفذ عزل خليفة بعده له من
غير جنحة ، وأنه لا جنحة له إلى أشياء أخر لا يقوم له
بها حجة على باب مدينة العلم الذي يدور معه الحق حيثما
دار([28])
، ولا تنفي عنه البغي على ذلك الأمير كرم الله تعالى
وجهه .
وأعجب من زعمهم هذا زعمهم معه إنه إذا كان اثنان في
بلدين أو ناحيتين ، كان كل منهما أقوم وأضبط فيما يراد
من الإمامة ، فإن دون صحة قولهم هذا حرب صفين ، حيث
أنه [ 15/أ ] في تلك الأيام ترك الجهاد وتعطل أمر كثير
من العباد ، وشغل من زعموه خليفة الخليفة الحق عن فصد
أخادع الكفرة بأسنته ، وقصد رمي قلاع كفرهم بمناجيق
سطوته ، وذلك من أهم ما يراد بالإمامة ، يطلب بالإمارة
والزعامة ، نعم ذكر بعض الحنابلة : إن قتال البغاة
أفضل من الجهاد ، احتجاجاً بفعل الأمير كرم الله تعالى
وجهه([29])
، وشفعه فينا يوم المعاد ، فتأمل .
([1])
هو التفتازاني وقد تقدمت ترجمته .
([2])
هم فرقة من الخوارج تنسب إلى نجدة بن عامر الحنفي
، الذي خرج باليمامة في عهد الخليفة الأموي مروان
بن الحكم ، وكانوا يستحلون دماء المسلمين وأموالهم
. مقالات الإسلاميين : ص 86 ؛ الفرق بين الفرق : ص
66 ؛ الملل والنحل : 1/124 .
([3])
شرح المقاصد : 5/236 .
([4])
هو أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الليثي المعروف
بالجاحظ ، العلم المشهور صاحب التصانيف ، وله
مقالات ، وإليه تنسب الجاحظية من فرق المعتزلة ،
توفي سنة 255هـ
. وفيات الأعيان : 3/470 ؛ سير أعلام النبلاء :
11/530 .
([5])
هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان ، المعروف بابن
الخياط ، شيخ المعتزلة ببغداد ، وهو أستاذ الكعبي
، توفي نحو 300هـ . تاريخ بغداد : 11/87 ؛ سير
أعلام النبلاء : 14/220 .
([6])
هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي
الكعبي ، شيخ من شيوخ المعتزلة ، وإليه تنسب فرقة
الكعبية ، توفي سنة 327هـ
. وفيات الأعيان : 3/25 ؛ سير أعلام النبلاء :
15/255 .
([7])
هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري ، من
شيوخ المعتزلة ، توفي سنة 436هـ . وفيات الأعيان :
4/271 ؛ سير أعلام النبلاء : 17/587
.
([8])
ينظر تفصيل ذلك عند شيخ الإسلام : منهاج السنة
النبوية : 6/443 .
([9])
هو أبو بكر ثمامة بن أشرس ، من شيوخ المعتزلة ، له
عدة مصنفات ، توفي سنة 201هـ
. سير أعلام النبلاء : 9/402 .
([10])
هو أبو محمد هشام بن عمرو الكوفي المعتزلي ، قال
الذهبي : صاحب ذكاء وجدال وبدعة ، لم أقف على
وفاته . سير أعلام النبلاء : 10/547 ؛ لسان
الميزان : 6/195
.
([11])
لم أجده بهذا اللفظ في كتب السنة ، وهو لفظ روته
الإمامية في كتبهم ، كما في الكافي : 1/377 .
وسيأتي حديث مسلم بعد قليل إن شاء الله .
([12])
في نسخة ( م ) : ( ولا ) .
([14])
هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي ،
من أئمة المعتزلة ، وإليه نسبة فرقة الجبائية ،
توفي سنة 303هـ
. وفيات الأعيان : 3/183 ؛ سير أعلام النبلاء :
15/63 .
([15])
في نسخة ( م ) : ( والله تعالى اعلم ) .
([16])
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري
، صاحب الصحيح ، وله عدة مؤلفات غيره في الحديث
والرجال ، توفي سنة 261هـ
. تاريخ بغداد : 13/100 ؛ تذكرة الحفاظ : 2/588 ؛
طبقـات الحفاظ : ص 264.
([17])
الحديث أخرجه مسلم من حديث طويل عن عبد الله بن
عمرو رضي الله عنه في كتاب الإمارة ، باب وجوب
الوفاء ببيعة الخلفاء : 3/1472 ، رقم 1844 ؛
وأخرجه أيضاً أبو داود في سننه ، كتاب الإمارة ،
باب ذكر الفتن : 4/96 ، رقم 4248
؛ والنسائي في سننه ، كتاب البيعة ، باب من بايع
الإمام : 7/152 ، رقم 4191
([18])
هو عرفجة بن شريح الأشجعي ، صحابي نزل الكوفة ، لم
أقف على وفاته
. الاستيعاب : 3/1063 ؛ الإصابة : 4/485 .
([19])
الحديث عن عرفجة قال : (( رأيت النبي صلى الله
عليه وسلم على المنبر يخطب الناس ، فقال : إنه
سيكون بعدي هنات وهنات فمن رأيتموه فارق الجماعة ،
أو يريد يفرق أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم
كائنا من كان اقتلوه ، فإن يد الله على الجماعة ،
فإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض
)) . أخرجه أحمد ، المسند : 4/261 ؛ النسائي ،
كتـاب تحريم الدم ، باب قتل من فارق الجماعة السنن
: 7/92 ، رقم 4020 .
([20])
الحديث عن أبي سعيد الخدري ، أخرجه مسلم ، الصحيح
، كتاب الإمارة ، باب إذا بويع لخليفتين : 3/1480
، رقم 1853
.
([21])
ينظر : شرح النووي لصحيح مسلم : 12/242
.
([22])
هو من شسوع النعل التي تشد إلى زمامها ، والشسوع :
بالفتح البعيد . لسان العرب ، مادة شسع : 8/180 .
([24])
هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران
الإسفراييني المتكلم الأصولي ، الفقيه الشافعي ،
له مصنفات كثيرة ، توفي سنة 418هـ
. سير أعلام النبلاء : 17/353 ؛ طبقات الشافعية :
2/171 .
([25])
الحديث عن أبي سعيد في قصة بناء المسجد النبوي
فقال : (( كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين
، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه
ويقول : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى
الجنة ويدعونه إلى النار قال يقول عمار أعوذ بالله
من الفتن )) . البخاري ، الصحيح ، كتاب الصلاة ،
باب التعاون على بناء المسجد : 1/172 ، رقم 436 ؛
مسلم ، الصحيح ، كتاب ال |