من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

 

فصل

    [ شروط الإمامة ]

ذكر كثير من الفقهاء والمحدثين والمفسرين من أهل السنة للإمامة شروطاً كثيرة ، الأول أن يكون من تعقد له مسلماً وهذا مما لم يختلف فيه اثنان ولم ينتطح فيه عنزان .

 الثاني : أن يكون من قريش لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام : (( الأئمة من قريش ))([1]) ، وقد رد به الصديق رضي الله تعالى عنه على الأنصار القائلين للمهاجرين : (( منا أمير ومنكم أمير ))([2]) ، فلم يبضوا ببنت شفة .

وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : (( قدموا قريشاً ولا تقدموها ))([3]) ، وقوله عليه الصلاة والسلام :  (( الناس تبع لقريش ))([4]) ، إلى غير ذلك ومواليهم في الإمامة ليسوا منهم على الصحيح .

 والمراد بقريش أولاد النضر بن كنانة أو أولاد فهر للخلاف في جماع قريش ، والأولى أن يكون فاطمياً إن وجد متوفر الشروط الأخر ، وإلا فعلوي غير فاطمي كذلك ، وإلا فعباسي كذلك وإلا فمن سائر قريش كذلك ، وإلا فصالح من سائر المؤمنين ، وفي ( شرح المقاصد )([5]) : (( إن لم يوجد من قريش من يستجمع الصفات المعتبرة فكناني ، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل u يعني العرب ، وإلا فرجل من غيرهم )) ([6]) .

وشذ من قال من أهل السنة بعد اشتراط القرشية في الإمامة ، الثالث أن يكون مجتهداً لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث الشرعية .

 الرابع : أن يكون ذا خبرة ورأي خصيف بأمر الحروب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة والانتقام من الظالم([7]) والأخذ منه للمظلوم ، الخامس أن يكون قوي القلب على إقامة الحدود لا تأخذه بحدود رأفة في دين الله تعالى .

السادس : أن يكون حراً خالصاً وحديث : (( اسمع وأطع وإن كان عبداً مجدع الأطراف )) ([8]) ، محمول على من قهر الناس بشوكة ، أو على نائب فوض له الإمام أمرا من الأمور ، أو ندبه لاستيفاء بعض الحقوق .

السابع([9]) : [ 15/ب ] أن يكون ذكراً لا امرأة ولا خنثى مشكلاً لاحتمال انه أنثى .

الثامن : أن يكون سليم الأعضاء ناطقاً سميعاً بصيراً ، والبدانة تحسن في الإمام كما يشير إليه قوله تعالى : ] وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [ ([10]) ، التاسع أن يكون بالغاً .

العاشر : أن يكون عاقلاً ، الحادي عشر أن يكون شجاعاً ، الثاني عشر : أن يكون عدلاً اعتقاداً وفعلاً . انتهى .

ولا يخفى أن في بعض الشروط إغناء عن بعض ، وبعض أهل السنة لم يشترط الاجتهاد ولا الشجاعة وقوة الرأي ، فإن الغرض يحصل بالاستعانة من المعين بأن يفوض أمر الحروب ، ومباشرة الخطوب إلى الشجعان ، ويستفتى المجتهدين أو العلماء المتقنين([11]) في أمور الدين ، ويستشير ذوي الآراء الصائبة في أمور الملك ، نعم ان وجد ذلك فهو خير ، وبهذا القول أقول .

ثم ان هذه الشروط والأوصاف إنما يحافظ عليها عند القدرة والإنصاف ، وإلا تعطلت الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ، لعزّة وجود ذلك بل فقده في أكثر الأيام ، فلا كلام عند العجز عن نصب من اتصف بما سمعت ، أما لفقده أو لوجود المانع من نصبه في جواز تقليد القضاة وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام ، من كل ذي شوكة قادر على ذلك والضرورات تبيح المحظورات :

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبٌ     فما حيطة المضطر إلا ركوبها .

وقد سئل سهل بن عبد الله التستري([12]) : (( ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا ، وليس له أهلية الإمامة ، فقال تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك به من حقه وتنكر أفعاله ، ولا تنفر منه ، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لا تفشه )) ([13]) .

ويفهم من كلام بعض الأجلّة انه إذا لم يوجد إمام على الوجه المشروع بحيث يستجمع الشرائط ، وبايعت طائفة من أهل الحل والعقد قرشياً فيه بعض الشرائط من غير نفاذ لأحكامه ، وطاعة من العامة لأوامره ، وشركة بها يتصرف في مصالح العباد ، من غير([14]) عزل ونصب لمن أراد ، يكون ذلك إتياناً بالواجب.

ويجب على ذي الشوكة العظيمة من ملوك الأطراف [ 16/أ ] المتصفين بحسن السياسة والأنصاف ، أن يفوضوا الأمر إليه بالكلية ويكونوا لديه بمنزلة الرعية ، ويشدوا أزره ، وينفذوا نهيه وأمره ، ففي الحديث : (( قدموا قريشاً ))([15]) ، و : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) ([16]) ، انتهى .

والظاهر أنه إذا تعذر نصب قريش مطلقاً مع وجوده فنصب غيره ، لزم أيضاً طاعته([17]) بالمعروف ، فتأمل والله تعالى أعلم .

واعلم أن المستوفى للشرائط لا يكون إماماً بمجرد الاستيفاء والصلاحية ، بل لا بد من النصب من أهل الحل والعقد أو نص السابق عليه وتعيينه إياه ، بناء على ما هو الحق من أن نص السابق ، كنصب أهل الحل والعقد ، وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بهذه الشروط من الخلاف وبيان ما هو الحق من الأقوال ، وعلى الله تعالى الاعتماد في كل حال .

فصل

     [ طاعة الإمام ]

نقل المازري([18]) عن ابن عرفة([19]) ما حاصله من ثبتت إمامته ، وجبت طاعته فيما ليس بمعصية ، لقوله عليه الصلاة والسلام : (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) ([20]) ، فإن تغيرت حالته بكفر واضح خلع ، وببدعة كالاعتزال فان دعا إليها كالمأمون([21]) الداعي إلى القول بخلق القران ، لم يطع فإن قاتل قوتل ، وإن لم يدع إليها ، فإن كانت مكفرّة يخلع ، وإن كانت مفسقة ففي خلعه إن أمكن بلا إراقة دم أو هتك حرم مذهبان أرجحهما الخلع ، وإن تغيرت بفسق كالزنا وشرب الخمر ، فإن قدر على خلعه بدون ما سمعت ، ففي وجوب الخلع قولان ، وكثير من أهل السنة على عدم الوجوب ، وهو مقتضى قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بعدم الخـروج من ولاية يزيد الطريد([22]) في جيش الحرّة([23]) حسبما ذكره مسلم في صحيحه([24]) .

ومنهم من ذهب إلى الوجوب ، وهو مقتضى قول عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما في قصة الحرة المشار إليها على ما ذكره المؤرخون ، انتهى .

والتمثيل مبني على القول بانعقاد بيعة يزيد ، وهو القول المشهور ، وفي ( شرح المقاصد ) : (( ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردة ، والعياذ بالله تعالى ، والجنون المطبق ، وصيرورة الإمام أسيراً لا يرجى [ 16/ب ] خلاصه ، وكذا بالمرض الذي ينسيه المعلوم ، وبالعمى والصمم والخرس ، وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن مصالح المسلمين ، وإن لم يكن ظاهراً بل استشعره من نفسه ، وعليه يحمل خلع الحسن رضي الله تعالى عنه نفسه ، وأما خلعه نفسه بلا سبب ففيه كلام ، وكذا في انعزاله بالفسق ، والأكثرون على انه لا ينعزل ، وهو المختار من مذهب أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما ، وعن محمد([25]) روايتان وإسحاق([26]) العزل بالاتفاق )) ([27]) ، انتهى .

وفي ( الإكمال )([28]) : (( جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام إنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ))([29]) ، وزاد أبو حامـد فــي ( إحيائه ) : وتضييق صدره([30]) . انتهى .

ويعارض قوله : جمهور ... الخ قول القرطبي إذا نصّب الإمام غدراً ثم فسق بعد إنبرام العقد ، فقال : (( الجمهور انه تنفسخ إمامته وينخلع بالفسق الظاهر المعلوم لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود ، واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك ، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بتلك الأمور والنهوض فيها ، فلو جوزنا أن يكون فاسقاً أدّى إلى إبطال ما أقيم له ، وقال آخرون لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو ترك الدعاء إليها ، أو ترك شيء من أركان الشريعة لعدة أحاديث تدل على ذلك وما نقل عن شرح المقاصد في أمر خلع الإمام نفسه إذا وجد في نفسه نقصاً يؤثر في الإمامة .

فأما إذا لم يجد ذلك فهل له أن يعزل نفسه ويقلدها غيره ؟ اختلف فيه الناس فمنهم من قال ليس له ان يفعل ذلك وان فعل لم ينخلع عن إمامته ، ومنهم من قال له أن يفعل ذلك ، واستدل بقول الصديق رضي الله تعالى عنه : (( اقيلوني اقيلوني ، وقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا نقيلك [ أبداً ] دون ليس لك ذلك ))([31]) ، وبأنه ناظر للغير فحكمه حكم الوكيل بل هو معنىً وكيل الأمة ))([32]) انتهى باختصار ، وظاهره اختيار القول الأخير .

وذكر اللقاني المالكي([33]) : أن المذهب إنه ليس له خلع نفسه لغير عذر وبه أقول ، ثم إنه ينبغي أن يعلم أنه على القول بعدم جواز الخلع [ 17/أ ] بالفسق لو خلع لم تنعقد إمامة غيره كما نص علــى ذلك في ( شرح المقاصد ) ، وإنه إذا خرج على الإمام الفاسق خارج مظهر العدل لا ينبغي للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارج حتى يتبين أمره فيما يظهره من العدل ، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول ، وذلك لأن كل من طلب هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح ، حتى تمكن رجع إلى عادته التي كان عليها من قبل ، ولله تعالى در القائل :

فلا تحكم بأول ما تراه    فأول طالع فجر كذوب

وإذا أمر الإمام بأمر من الأمور فإن جائزاً وجبت طاعته فيه ، وإن [ كان ] ([34]) قد زجر الشارع عنه زجر تحريم حرمت طاعته فيه ، وإن زجر عنه زجر تنزيه فإن متفقاً عليه ، فاستظهر القرطبي جواز المخالفة تمسكـاً بحديث : (( إنما الطاعة في المعروف ))([35]) ، وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه ، فله أن يمتثل وإن مختلفاً فيه ، فالعبرة بمذهب الإمام قياساً على الحكم ، قاله اللقاني .

وقال أيضاً لو أجبر الإمام أحداً على ما لا يحل مما أجمع على حرمته أو كراهة ، ففعله لا يوصف بشيء من الأحكام الخمسة ، ومتى كانت مفسدة ما أكره عليه دون مفسدة القيام والخروج امتنع الخروج .

ومذهب طائفة من المعتزلة جواز منازعة الجائر ، والكثير على أن الصبر على الطاعة أولى من المنازعة والخلاف ، فشجرة الخلاف لا تثمر ، وربما تفضي المنازعة إلى ما هو أدهى وأمر ، نعم يجب نهي الجائر ونصحه وإرشاده إلى الحسن بلطف على من تمكن من ذلك عند ظن أو توهم افادته لكن أين الناصحون ، وقد ملأ العالم المنافقون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون  .

ثم اعلم إنه لا يجوز الدعاء على الأمراء ، وكذا العمال جهراً لما يجلب من الفتن ويجوز سراً لكن الأولى الدعاء لهم بالصلاح ، والتوفيق للفلاح ، وعن الإمام الشافعي : (( لو أُعْلِمتُ أن لي دعوة مستجابة لجعلتها في ولي الأمر ))([36]) ، لما أن في صلاحه نفع العامة ، نسأل الله تعالى أن يوفق الأمراء للعمل بأحكام الشريعة الغراء ، فقد كادت تطوى على عزها ، ولا يسأل أحد عن نهيها وأمرها ، ولا أرى الأمر إلا يتدرج بالنقصان ، حتى يأتي صاحب الزمان([37]) ، وأظن ذلك قريباً يكون [ 17/ب ] على رغم أنف ابن خلدون([38]) ، والله تعالى أعلم([39]) .

فصل

  [ الخلافة والإمامة ]

قد تسمى الإمامة بالخلافة لأنها خلافة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فيما كان عليه من السعي فيما فيه صلاح الأمة ، وحماية البيضة ، فيقال للإمام خليفة من غير إضافة ، وخليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، حتى إذا توفى وقام مقامه الفاروق رضي الله تعالى عنه ، قيل إنه خليفة خليفة رسول الله بتكرار لفظة خليفة ، فرأى رضي الله تعالى عنه طول ذلك ، فقال : (( أيها الناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم )) ([40]) فكان يدعى بعد ذلك أمير المؤمنين .

ولا شبهة عندنا في صحة إطلاق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، كما أطلق على الصديق رضي الله تعالى عنه ، ولا يضر في ذلك وقوع الواسطة ، ومثله في ذلك سائر الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وكذا غيرهم من ملوك بني أمية وبني العباس ، وإن كانت خلافتهم غير كاملة ، بل خلافة بعضهم بنت أخت خالة الباطلة .

ففي الحديث : (( الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ))([41]) ، وقد تمت الثلاثون بخلافة الحسن رضي الله تعالى عنه ستة أشهر ، فعلى هذا معاوية رضي الله تعالى عنه أول الملوك ، وقد يقول ذلك عن [ نفسه ]([42]) كما في الإصابة([43]) ، وفي بعض الروايات : (( ثم تكون ملكاً عضوضاً )) ([44]) ولما كان ، ثم الظاهر في التراخي الزماني عن مضي الثلاثين يكون مظهر الملك العضوض يزيد الطريد([45]) ، ومن حذا حذوه من الأمويين عليهم ما يستحقون([46]) .

 وأنا اتحرّج من إطلاق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على نحو مروان بن الحكم([47]) ، الذي هو على ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها : (( فضضٌ من لعنة الله تعالى ))([48]) ، وعلى نحو يزيد من باب أولى ، بل أتحرج أيضاً من إطلاق ذلك على كل ملك فاسق جائر .

وفي جواز إطلاق خليفة الله تعالى على الإمام مطلقاً كلام ، فمن الناس من قال به ومنهم من منعه ، وحيث أن الإضافة لتعظيم المضاف كما في بيت الله وناقة الله ، لا يحسن من غير خوف فتنة إطلاقه على فاسق إذ هو غير حري بالتعظيم ، والأسلم أن يطلق على الخلفاء الراشدين ملوك وسلاطين [ 18/أ ] بل لا بأس في تسمية الرئاسة العامة ممن كانت غير نبينا عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين ملكاً.

 وقال اللقاني الذي اختاره الأئمة كراهة إطلاق الملك على استحقاقه صلى الله تعالى عليه وسلم  التصرف العام في الأمة ، وكذلك على استحقاق ذلك الخلفاء بعده ، ولا يكره إطلاق الملك على استحقاق غيره عليه الصلاة والسلام التصرف العام من الأنبياء عليهم السلام ، لقوله تعالى في داود عليه السلام : ] وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ [ ([49]) ، وقال سليمان عليه السلام : ] قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ([50]) ، انتهى .

وتمام البحث في شرحه الكبير لجوهرة التوحيد ، وفي النفس من سلامة إطلاق الملك على استحقاق نبي من الأنبياء عليهم السلام التصرف العام اليوم من كدر شيء ، فتأمل .

ثم اعلم أن السلطنة في ملوك بني العباس كانت تطلق على ما دون الخلافة ، فكان السلطان ينصبه الملك الذي يسمونه خليفة على قطر ، ويفوض أمره إليه فينصب هو الولاة والقضاة في أطرافه ، وكان في مبدأ ما ظهرت السلطنة متى أراد الملك عزله عزله ، ثم ضعف أمر الملوك ، وقوى أمر السلاطين حتى صار الملك المسمى بالخليفة كالأسير للسلطان ، ولم يبقَ له مما يتغذى به ويميّزه على غيره إلا انه يخطب باسمه ، بل عاد ككلمة يراد لفظها .

وأمّا اليوم فالسلطنة هي التي كانت تسمى من قبل بالخلافة وبالإمامة الكبرى وبالإمارة العظمى وبنحو ذلك ، والخليفة والسلطان متحدان صدقاً ، فاستعمل أيهما تراه أحرى ، وأبْعِد عن عتابك في الأخرى ، وإياك أن تستعمل وتطلق ملك الملوك وشهنشاه ، وكذا ما في معناه على أحد من الملوك ، ولو استوى على من في البسيطة من غني وصعلوك ، ولعمري لقد كثر في توصيف الملوك اليوم ألفاظ ينبغي أن يجتنبها من يعرف ربه عز وجل إنه سبحانه الضار النافع ، والمعطي المانع ، وأنا استغفر الله تعالى من ذلك إن كان قد نطق به فمي ، أو جرى به قلمي .

 ومن العجيب([51]) أني سمعت بعض الجهلة يفرق بين السلطان والخليفة ، بأن الخليفة من له التحليل والتحريم لما شاء ، فمتى أمر بمحرم حل أو نهي عن محلل حرم ، وله العدول عن حدود الله تعالى من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن ونحوهما إلى حدود يستحسنها ، والسلطان [ 18/ب ] من ليس له ذلك ، وهذا والعياذ بالله تعالى كفر صريح ، وهذيان قبيح ، وإنما نبهت عليه مع ظهور فساده ، ووضوح كساده ، ليتعجب منه المتعجبون ، ويقول المؤمنون ، إنا لله وإنا إليه راجعون .

 


 

([1]) الحديث أخرجه أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : (( إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قام على باب البيت ونحن فيه فقال : الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقا ولكم عليهم حقا ، مثل ذلك ما ان استرحموا فرحموا ، وإن عاهدوا وفوا ، وإن حكموا عدلوا ، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) . المسند : 3/129 ؛ الطيالسي ، مسند الطيالسي : 1/284 ، رقم 2133 ؛ الطبراني ، المعجـم الكبير : 1/25 ، رقم 725.

([2]) الرواية عند الطبري ، التاريخ : 2/233 ؛ ابن كثير ، البداية والنهاية : 5/246 .    

([3]) الحديث عن علي رضي الله عنه ، أخرجه الشافعي في مسنده : ص 278 ؛ البزار ؛ المسند : 2/112 ؛ وضعفه العجلوني كما في كشف الخفاء : 2/122 ؛ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة : ص 62.    

([4]) الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه )) . أخرجه البخاري ، الصحيح ، كتاب المناقب ، باب قوله تعالى : يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى : 3/1288 ، رقم 3303 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش : 3/1451 ، رقم 1818    

([5]) هو كتاب ( المقاصد ) في علم الكلام لسعد الدين التفتازاني ( 791هـ ) وله شرح عليه . كشف الظنون : 2/1780 .   

([6])  شرح المقاصد : 5/245 .  

([7]) في نسخة ( ع ) : ( المظالم ).   

([8]) الحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر قال : (( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ قال قلت : فما تأمرني ؟ ، قال : صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة ولم يذكر خلف عن وقتها )) . الصحيح ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب كراهية تأخير الصلاة : 1/448 ، رقم 648 ؛ أخرجه أيضاً الإمام أحمد ، المسند : 5/161 ، رقم 21465 .

([9])  كررت هذه الكلمة في ( م ) .

([10])  سورة البقرة ، آية 247 .    

([11])  في نسخة ( ع ) : ( المفسرين ) .   

([12]) هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري ، أحد أئمة الصوفية ، وعلمائهم والمتكلمين ، توفي سنة 283هـ . طبقات الصوفية : ص 167 . صفة الصفوة : 4/64 .    

([13]) أورد هذه الرواية القرطبي في تفسيره ، الجامع لأحكام القران : 1/269 .    

([14]) في نسخة ( م ) : ( نحو ) .   

([15]) تخريجه ص 37 من هذا الكتاب .    

([16]) الحديث عن أبي هريرة t ، أخرجه البخاري ، الصحيح ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب الاقتداء بسنن رسول الله e : 6/2658 ، رقم 6858 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الحج ، باب فرض الحج : 2/975 ، رقم 1337 .    

([17]) في نسخة ( م ) : ( إطاعته ) .   

([18]) هو أبو عبد محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري الفقيه المالكي ، وأحد المحدثين له شرح على صحيح مسلم ، توفي سنة 536هـ . وفيات الأعيان : 4/285 ؛ سير أعلام النبلاء : 20/104 .  

([19]) هو أبو علي الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي البغدادي ، من مشاهير العلماء والمحدثين ، توفي سنة 257هـ . تاريخ بغداد : 7/394 ؛ سير أعلام النبلاء : 11/547 ؛ شذرات الذهب : 2/136 .

([20]) الحديث أخرجه أحمد عن علي t بلفظ : (( لا طاعة  لمخلوق في معصية الله عز وجل )) . المسند : 1/131 ؛ الحاكم ، المستدرك : 3/501 ، رقم 5870 ؛ وأخرج البخاري في صحيحه عن علي رضي الله عنه : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشا ، وأمر عليهم رجلا فأوقد نارا وقال : ادخلوها فأرادوا أن يدخلوها ، وقال آخرون : إنما فررنا منها فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : للذين أرادوا أن يدخلوها ، لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة ، وقال للآخرين : لا طاعة في المعصية إنما الطاعة في المعروف )) . الصحيح ، كتاب أخبار الآحاد ، باب إجازة خبر الواحد : 6/2649 ، رقم 6830 ؛ وهو عند مسلم أيضاً في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب وجوب طاعة الأمراء في غير المعصية : 3/1469 ، رقم 1839 .    

([21]) هو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد الخليفة العباسي ، ولي الخلافة سنة 195هـ ، قال الذهبي : كان من رجال بني العباس حزماً ورأياً وعقلاً وهيبة وحلماً ، ومحاسنه كثيرة في الجملة ، توفي سنة 218هـ . تاريخ بغداد : 10/183 ؛ سير أعلام النبلاء : 10/272 ؛ البداية والنهاية : 10/244  

([22]) هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ، ثاني خلفاء بني أمية ، ولي الخلافة بعد موت أبيه سنة 60هـ ، وفي أيامه كانت فاجعة المسلمين بالسبط الشهيد الحسين بن علي في سنة 61هـ ، وتوفي سنة 36هـ بحوران من أرض حمص . تاريخ الطبري : 3/269 وما بعدها ؛  سير أعلام النبلاء : 4/35 .    

([23]) هي وقعة الحرة التي حدثت بين أهل المدينة بعد أن خلوا البيعة ليزيد بن معاوية ، فبعث الأخير إليهم مسلم بن عقبة المزني على رأس عشرة الآلف فارس ، وقد هزم جيش المدينة واستباح مسلم بن عقبة المدينة لثلاثة أيام ، وكان ذلك في سنة 63هـ . تاريخ الطبري : 3/355 ؛ البداية والنهاية : 8/217 .    

([24]) يشير الآلوسي ( رحمه الله ) إلى حديث زيد بن محمد عن نافع قال : (( جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية ، فقال : اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة ، فقال :  إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ، سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) . مسلم ، الصحيح ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين : 3/1478 ، رقم 1851 .  

([25]) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني ، تلميذ أبي حنيفة ، والفقيه المشهور ، توفي سنة 189هـ . تاريخ بغداد : 2/172 ؛ لسان الميزان : 5/121 .  

([26]) هو أبو يعقوب إسحاق بن محمد الحنظلي المروزي ، المعروف بابن راهوية ، جمع بين الحديث والفقه والورع ، توفي سنة 238هـ . طبقات الفقهاء : ص108 ؛ سير أعلام النبلاء : 11/358 .   

([27]) شرح المقاصد : 5/257 .  

([28]) هو كتاب ( الإكمال في شرح مسلم ) للقاضي عياض ، أكمل به شرح أبي عبد الله محمد بن علي المـازري ( ت  536هـ ) المسمى ( المعلم بفوائد كتاب مسلم ) . كشف الظنون : 1/557 .

([29]) ومن المناسب أن نكمل النص ليتم المعنى حيث قال القاضي عياض : (( ... بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة )) . إكمال المعلم : 6/247 .

([30]) إحياء علوم الدين : 2/160.

([31])عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف قال : (( لما بويع أبو بكر اغلق بابه ثلاثا يقول : أيها الناس أقيلوني بيعتكم ، كل ذلك يقول له علي : لا نقيلك ولا نستقيلك ، قدمك رسول الله  صلى الله عليه وسلم )) . فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل : 1/151 .  

([32]) ينظر : الجامع لأحكام القران : 1/271  

([33]) هو أبو الإمداد إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المالكي ، فقيه ومصنف مصري ، توفي سنة 1041هـ . كشف الظنون : 1/620 .   

([34]) سقطت من نسخة ( م ).

([35]) القرطبي ، الجامع لأحكام القران : 1/272 ؛ والحديث تقدم تخريجه.

([36]) ويروى ذلك أيضاً عن الفضيل بن عياض : حلية الأولياء : 8/91 .

([37]) أي ظهور المهدي الذي حكت الأحاديث النبوية الشريفة ظهوره بصورة طبيعية لا غيبة فيها ، كما تدعيه الشيعة الإمامية .  

([38]) هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المالكي ، المتكلم والعلم المشهور له أكثر من تأليف أشهرها مقدمته ، توفي سنة 808هـ . البدر الطالع : 1/337 ؛ شذرات الذهب : 8/76 .  

([39]) لابن خلدون في مقدمته بحث طويل بخصوص أحاديث المهدي وأقوال العلماء فيه ، إذ يذهب ابن خلدون إلى ضعف هذه الأحاديث التي : (( لم يخلص منها من النقد إلا القليل )) حسب قوله في المقدمة : ص316 ، ولذلك فهو يقول : (( فإن صح ظهور هذا المهدي ، فلا وجه لظهور دعوته ، إلا بأن يكون منهم [ أي من البيت العلوي ] ، ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه ، حتى تتم له شوكه وعصية وافيه )) . المقدمة : ص 327 . وفي هذا مجازفة كبيرة ، فقد صحح المحدثون معظم الأحاديث الواردة في حقه ، مما لا مجال لذكرها هنا .

([40]) الرواية أخرجها الطبري ، التاريخ : 2/569 .  

([41]) أخرجه الإمام أحمد عن سفينة ، المسند : 5/221 ، رقم 21973 ؛ الترمذي ، السنن ، كتاب الفتن ، باب ما جاء في الخلافة : 4/503 ، رقم 2226 ؛  الطبراني ، المعجم الكبير : 1/89 .   

([42]) سقطت من نسخة ( م ) .   

([43]) لم أجد هذه الرواية في الإصابة ، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن أبي غنية عن شيخ من أهل المدينة قال : (( قال معاوية أنا أول الملوك )) . مصنف ابن أبي شيبة : 7/261 ؛ وأخرجها ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب : 3/1420 .  

([44]) أخرجه أبو يعلى في مسنده : 2/177 ، رقم 873 ؛ الطبراني ، المعجم الكبير : 1/156 ، رقم 367 ؛ البيهقي ، السنن الكبرى : 8/159 ؛ قال الهيثمي : (( وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ، لكنه مدلس )) ، مجمع الزوائد : 5/189 ؛ وحكم عليه الشيخ الألباني بالضعف في الجامع الصغير : 1/62 .  

([45]) هو يزيد بن معاوية ، ولا أدري لم يسميه الآلوسي الطريد ؟! .  

([46]) باعتقادنا إن الآلوسي قد جازف هنا عندما أطلق لسانه ببني أمية ، وفيهم من الصحابة معاوية بن أبي سفيان الذي دعا له النبي e بقوله : (( اللهم أجعله هادياً مهدياً وهدِ به )) كما أخرجه الترمذي في سننه في كتاب المناقب ، باب مناقب معاوية بن أبي سفيان : 5/687 ، رقم 3842 ، فنحن لا نوافق الآلوسي على نظرته هذه غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين .

([47]) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ، ولد بمكة ، ونشأ بالطائف ، تولى الخلافة سنة 64هـ ، ومات بعد تسعة أشهر في الطاعون  . تاريخ دمشق : 57/224 ؛ أسد الغابة : 4/348 ؛ الإصابة : 6/257 .

([48]) هذا الأثر أخرجه النسائي ، قال أخبرنا علي بن الحسين قال حدثنا أمية بن خالد عن شعبة عن محمد بن زياد قال : (( لما بايع معاوية لابنه قال مروان : سنة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : سنة هرقل وقيصر ، فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما الآية ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب والله ما هو به ، ولو شئت ان أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ، ولكن رسول الله  صلى الله عليه وسلم لعن مروان ومروان في صلبه فمروان  فضض من  لعنة الله )) . السنن الكبرى : 6/458 ، رقم 11491 . وهذا الحديث لا يصح من حيث السند وعلته محمد بن زياد وهو اليشكري الكوفي ، صاحب ميمون بن مهران ، قال عنه البخاري في الضعفاء ( ص 100 ) : متروك الحديث ؛ وقال عنه النسائي : (( متروك الحديث )) ، الضعفاء والمتروكين : ص 95 ؛ وقال ابن حبان : (( كان ممن يضع الحديث على الثقات ، ويأتي عن الأثبات بالأشياء المعضلات ، لا يحل ذكره في الكتب إلا على جهة القدح ... )) . المجروحين : 2/250 ؛ ونقل ابن الجوزي أقوال العلماء في حقه : ((  قال يحيى : كذاب خبيث ، وقال أحمد : كذاب خبيث يضع الحديث ، وقال عمرو بن علي : كان كذابا متروك الحديث ، وقال السعدي والدارقطني : كذاب ... )) ، ثم نقل كلام البخاري والنسائي وابن حبان . ديوان الضعفاء والمتروكين : 3/60 . من هذا يتضح إن هذه الرواية هي رواية موضوعة لا تصح عن رسول الله e  ولا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .

([49]) سورة ص ، آية 20  

([50]) سورة ص ، آية 35  

([51]) في نسخة ( م ) : ( العجب ) .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter