|
الباب
الثاني
في تحقيق ما وقع في هذا المبحث من خلاف الشيعة
وهذا أهم من الباب الأول ، نظراً لغرضنا من هذه
الرسالة .
اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل الإمامة نصب الإمام+
، هل هو واجب على العباد أو على الله تعالى ؟ ، فأهل
السنة على الأول والشيعة على الثاني والفطرة شاهدة
بالأول ، إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيساً من بينهم ،
وكذا الشرع أيضاً ، إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام
وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور
الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلاً ، وأيضاً لا معنى
للوجوب عليه تعالى ، بل هو مناف للألوهية والربوبية
كما هو مقرر في محله.
وأيضاً كل ما يتعلق بوجود الرئيس العام من أمور
المكلفين من إقامة الحدود والجهاد ، وتجهيز الجيوش إلى
غير ذلك واجب عليهم ، فلا بد أن يكون النصب واجباً
عليهم لأن مقدمة ما يجب على أحد واجب عليه ، ألا ترى
الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجبة على المصلي
كالصلاة ، لا عليه تعالى وهذا ظاهر
وأيضاً إن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري
يتضمن مفاسد كثيرة ، لأن آراء العالم مختلفة ، وأهواء
نفوسهم متفاوتة ، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع
الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن ،
وجر لأمر الإمامة على التعطيل ، ودوام الخوف والمرام
الإختفاء ، كما وقع للجماعة الذين تعتقد الشيعة
إمامتهم ، فمع هذا قولهم نصب الإمام لطف([1])
في غاية السفاهة يضحك عليه ، إذ لو كان لطفاً لكان
بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار ،
فإذا لم يكن التأييد في البين ، لم يكن النصب لطفاً
كما يظهر لذي عينين([2])
.
وما أجاب عنه بعض الإمامية بأن وجود الإمام لطف ،
ونصرته وتمكينه لطف آخر ، وعدم تصرف الأئمة [ 19/أ ]
إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد ، فإنهم خوفوهم
ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الإمامة
، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم ، فلا يلزم
قباحة في كونه واجباً عليه تعالى .
والاستتار والخوف من سنن الأنبياء ، فقد اختفى صلى
الله تعالى عليه وسلم في الغار خوفاً من الكفار([3])
، ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض ، إذ
المعترض يقول الوجود بشرط التصرف ، والنصرة لطف وبدونه
متضمن لمفاسد ، فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم
المفاسد ، ولم يتعرض له كما لا يخفى ، وأيضاً يرد على
القائل بكونه لطفاً آخر ترك الواجب عليه تعالى ، وترك
هذا أقبح من ترك النصب ، وأيضاً يقال عليه هذا اللطف
الآخر([4])
.
أمّا من لوازم النصب أولاً : فعلى الأول لزم من تركه
ترك النصب ، لأن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم ، وعلى
الثاني لم يبق النصب لطفاً للزوم المفاسد الكثيرة ، بل
يكون سفهاً وعبثاً تعالى الله عن ذلك ، وأيضاً ما ذكره
من تخويف الناس للأئمة غير مسلم ، وهذه كتب التواريخ
المعتبرة في البين ، وأيضاً التخويف الموجب للاستتار
إنما هو إذا كان بالقتل ، وهذا لا يتصور في حق الأئمة
لأنهم يموتون باختيارهم ، كما أثبت ذلك الكليني([5])
في الكافي وبوب له([6])
، وأيضاً لا يفعل الأئمة أمر إلا بإذن ، فلو كان
الاختفاء بأمره تعالى ، وقد مضت مدة ، والخفاء هو
الخفاء ، فلا لطف بلا امتراء .
وأيضاً إن كان واجباً للتخويف لزم ترك الواجب في حق
الذين لم يكونوا كذلك ، كزكريا ويحيى والحسين ، وإن لم
يكن واجباً بأن كان مندوباً لزم على من اختفى ترك
الواجب ، الذي هو التبليغ لأجل مندوب وهو فحش ، وإن
كان أمر الله تعالى مختلفاً بأن كان في حق التاركين
بالندب مثلاً ، وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك
الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين وهو باطل ،
ولا يمكن أن يقال الاصلح في حق كل ما فعل ، لأنا نقول
إن الإمام بوصف الإمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة ،
لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات فيلزم أن
لا يكون [ 19/ب ] أحد الفريقين إماماً فلا يكون الأصلح
في حقهم إلا أحد الحالين ، وإلا لزم اجتماع النقيضين .
كما أن الموضوع إذا كان مأخوذاً بالوصف العنواني ،
فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازماً ،
ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى وأيضاً نقول
الإختفاء من القتل نفسه محال ، لأن موتهم باختيارهم ،
وإن كان من خوف الإيذاء البدني يلزم أن الأئمة فروا من
عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى ،
وهذا بعيد عنهم ، ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان
بخصوصه ، فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ،
ولا يقدر أحد على قتله وانه سيملك الأرض بحذافيرها ،
فبأي وجه يتخوف ويختفي ولم يظهر الدعوة ، ويتحمل
المشقة كما فعله سيد الشهداء ؟.
وما قاله المرتضى([7])
في كتابه ( تنزيه الأنبياء والأئمة )([8])
من أنه فرّق بين صاحب الزمان وبين آبائه الكرام ، فإنه
مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء ،
منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله مخافة لا تكون
لغيره ، فكلام لا لب فيه ، لأن خوف القتل نفسه قد
علمته ، ومع هذا معلوم له باليقين أن أحداً لن يقتله
أبداً ؛ [ لأن الإمام عندهم عالم بما كان ويكــون([9])
، كمـا هو مسطور عندهم ] ([10]).
وأيضاً ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى
المهدوية قبل ألف سنة ؟ ، وأن المهدي يظله السحاب ، لا
سقف السرداب ، وانه يظهر في مكة لا في سر من رأى ،
ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولية
ولا الشيخوخة .
على ان السيد محمد الجونفوري([11])
في الهند ادعى المهدوية ، ولم يقتل ولم يخوف ، وأيضاً
قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية ، أكثر من
رمل الصحارى والحصى فالاختفاء منافٍ لمنصب الإمامة ،
الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلاّ خرج وصبر ،
واستقام إلى أن ظفر ، وهلاّ كان كالقوم الذين قال
الله تعالى فيهم :
]
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
[
([12])
.
ثم ما حكى أولاً من قصة الغار ، واستتار سيد الأبرار
من خوف الكفار ، فكلام وقع في غير موقعه ، لأن استتاره
عليه الصلاة والسلام لم يكن لاخفاء دعوى النبوة ، بل
كان من جنس التورية في الحرب [ 20/أ ] حتى إن الكفار
لن يطلعوا على مقصده ، ولن يسدوا الطريق عليه ، وهذا
أيضاً كان ثلاثة أيام ، فقياس ما نحن فيه عليه غاية
حماقة ووقاحة ، ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل
بين الاختفاء ، الذي هو مقدمة لظهور الدين ، والغلبة
على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان ، وترك
الدعوى وانتشار الطغيان ، فالأول تقطر مياه الهمة من
أسرته ، وتبتلج أقمار النصرة من تحت طرّته ، بخلاف
الثاني فغبار الجبن على خده ، والفرار عن الدعوى مرسوم
على حدّه .
فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة ؟ ، وأي
ملك ملكه ؟ ، ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة
، مكان ثلاث ليال ، وعوض الغار سرداب سر من رأى ، وبدل
مدينته المنورة دار المؤمنين قم ، ودار الإيمان كاشان
، وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق ، قائلاً بأني في
هذه الصورة أجمع الأسباب ، وأتخذ الأصحاب ، ثم أخرج
لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة ، لتحمل أهل السنة وغيرهم
هذه الشرائط وأنى ذلك ، فليست هذه إمامة ، بل هي لعمرك
قيامة .
وقد ترك الشيخ مقداد([13])
صاحب ( كنز العرفان )([14])
من المتأخرين طريق القدماء ، وقال كان الاختفاء لحكمة
استأثرها الله تعالى في علم الغيب عنده ، ويرد عليه أن
هذا إدعاء مجرد يمكن أن يقال بمثله في كل أمر يكون
مناقضاً للطف ، فلا يثبت اللطف في شيء ، وبه يفسد كلام
الشيعة كله لأن مبنى أدلتهم عليه يقولون ان أمر كذا
لطف واللطف واجب عليه تعالى فليتأمل ، والله يحق الحق
وهو يهدي السبيل .
تتمة : قوله تعالى :
]
ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[
([15])
، وقوله تعالى :
]
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا
الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ
[
([16])
، وقوله تعـــالى :
]
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُوا
[
([17])
.. إلى غير ذلك من الآيات .
يدل على ان هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من
لوازم الإمامة ، وكذا الجهاد في سبيل الله والعقل يحكم
بذلك ، وقد قال أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه :
((
لابد للناس من أمير بر أو فاجر ، يعمل في أمرته المؤمن
ويستمتع فيها الكافر [ 20/ب ] ويبلغ فيها الأجل ويأمن
فيها السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر
ويستراح من فاجر
))
، كذا في ( نهج البلاغة )([18])
، من انه رضي الله تعالى عنه قاله لما سمع قول
الخوارج : لا إمارة فلا محل للتقية في مقابلتهم فتأمل
في هذا الكلام ، وتفكر في هذا المقام ، تر الفلاح ،
أوضح من الصباح وان الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة ،
والله تعالى أعلم .
+
إلى هنا وقف قلم الآلوسي الكبير رحمه الله ، وبدأ
حفيده بإتمام هذا الكتاب .
([1])
اللطف : بالضم لغة الرأفة والرفق ، وعبر عنه بما
يقع عنده صلاح العبد آخره ، و بالفتح قرب المنزلة
. المناوي ، التعاريف : ص 620 .
([2])
من ذلك ما قرره المجلسي ، وهو من كبار علمائهم
المتأخرين بقوله : (( إن العقل يحكم بأن اللطف على
الله تعالى واجب ، وإن وجود الإمام لطف باتفاق
جميع العقلاء ... )) !! . بحار الأنوار : 51/214 .
([3])
ويرد الآلوسي في ذلك على الإمامية الذين أدعو ذلك
، وهذا الكلام عينه هو قول شيخ الطائفة عندهم وهو
الطوسي حيث قال : (( أليس النبي صلى الله عليه
وآلـه اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليـه أحـد
، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على
ذلك أن يعدمـه الله تعالى تلك المدة مع بقاء
التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم . ومتى
قالـوا : إنما اختفى بعـدما دعا إلى نفسه وأظهر
نبوتـه فلما أخافـوه استتـر . قلنا : وكـذلك
الإمام لم يستتـر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته
، ودلو عليه ، ثم لما خاف عليه أبـوه الحسن بن
علي... )) . كتاب الغيبة : ص 15 ؛ وينظر أيضاً
بحار الأنوار : 51/191 .
([4])
ولشيخ الإسلام في هذه المسألة كلام نفيس فراجعه في
منهاج السنة النبوية : 6/389 وما بعدها .
([5])
هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ،
فقيه الإمامية ، ومن أكبر مصنفيهم ، مات سنة 329هـ
. لسان الميزان : 5/433 .
([6])
بعنوان : (( باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون ،
وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم )) . وأورد نصوص
عن بعض الأئمة تحت ذلك الباب ، ينظر الكافي :
1/258
.
([7])
هو علي بن الحسن بن موسى بن محمد العلوي الشريف
المرتضى ، المتكلم الشيعي المعتزلي ، صاحب
التصانيف ، عاش في بغداد ، وإليه ينسب كتابة نهج
البلاغة ، توفي سنة 436هـ . تاريخ بغداد : 11/402
؛ لسان الميزان : 4/223 .
([8]
) أسم الكتاب ( تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم
السلام ) كما ذكره صاحب الذريعة ، تأليف علي بن
الحسين بن موسى المعروف بالشريف المرتضى ( ت 436هـ
) ، وفيه بيان الآيات والأحاديث من كتب الشيعة في
إثبات عدم وقوع المعصية من الأئمة ، وإثبات العصمة
لهم . ينظر الذريعة : 4/457 .
([9])
زيادة من الهامش بخط الآلوسي الحفيد .
([10])
كما أخرج الكليني رواية تحت باب : ( إن الأئمة
u
يعلمون علم ما كان ويكون وانه لا يخفى عليهم الشيء
) ، فعن سيف التمار قال : (( كنا مع أبي عبد الله
u
جماعة من الشيعة في الحجر ، فقال : علينا عين !
فالتفتنا يمنة ويسره فلم نرَ أحداً ، فقلنا ليس
علينا عين ، فقال : ورب الكعبة ورب البنية ثلاث
مرات لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني اعلم
منهما ولتنبئتهما بما ليس في أيديهما ؛ لأن موسى
والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا
علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد
ورثناه من رسول الله
e
)) . الكافي : 1/260 .
([11])
هو محمود بن محمد الفاروقي الجونفوري ، ويقال له
الملا محمود ، ونسبته إلى أهل جنفور بالهند شرقي
دلهي ، توفي سنة 1062هـ . الكواكب السائرة : 2/70
؛ شذرات الذهب : 8/251 .
([12])
سورة
آل عمران ، آية 146.
([13])
هو أبو عبد الله مقداد بن جلال الدين عبد الله
السيوري الحلي ، من علماء الشيعة الإمامية ، مات
سنة 826هـ
. روضات الجنات : 6/216 ؛ لسان الميزان : 5/135 .
([14])
هو كتاب ( كنز العرفان في تفسير القران ) وهو في
تفسير آيات الأحكام ، وهو كتاب مطبوع أكثر من مرة
فقد طبع بإيران في حاشية تفسير الإمام الحسن
العسكري سنة 1315هـ ، وطبع مستقلاً في سنة 1313هـ
. الذريعة : 18/159 .
([15])
سورة البقرة ، آية 246
.
([16])
سورة الحج ، آية 41
.
([17])
سورة السجدة ، آية 24.
([18])
شرح نهج البلاغة ، لابن أبي حديد : 2/308
.
|