المقصد
في بيان أن الشيعة غير متمسكين بالثقلين
وبيان ذلك : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ،
احالنا في قوله : إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم
بهما لن تضلوا من بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب
الله وعترتي أهل بيتي " ؛ على هذين الثقلين العظيمي
القدر في المقدمات الدينية والأحكام الشرعية ، فما
خالفهما من العقائد والأعمال باطل ، وكل من أنكرهما
خرج عن الدين وتاه في أودية الحيرة .
فالذي يجب علينا الآن أن نعرف أي الفريقين من
الشيعة والسنة هو المتمسك بهذين الحبلين ، وأيهما
المستخف بهما والمهين لهما وغير عامل بهما وإنهما
ساقطان لديه عن درجة الاعتبار مطعونان عنده .
فينبغي
أن ينظر إلى هذا البحث بنظر الاعتبار والأنصاف فإنه
ميزان بين الفريقين ومحك للطائفتين ، ولا ننقل في هذا
المقام لاثبات مقصودنا إلا من كتب الشيعة المعتبرة
عندهم ليكون انجح في الحجاج .. فنقول :
أما
الكتاب ، وهو القران فإنه ساقط الاعتبار عند الشيعة
بالكلية ، لا يصلح المتمسك به كالتوراة والإنجيل لكثرة
وقوع التحريف فيه بزعمهم ، وكثير من أحكامه منسوخه ،
وكثير من الآيات والسور الناسخة للأحكام والمخصصة
للعمومات أسقطت ، والذي بقي منه بعضه مبدل الألفاظ ،
وبعضه زائد ، والبعض نقص منه .
روى
الكليني([1])
عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله([2])
إن القران الذي جاء به جبرائيل إلى محمد صلى الله
تعالى عليه وسلم سبعة عشرة ألف آية([3])
.
وروى محمد بن [ أبي ] ([4])
نصر عنه إنه قال كان في :" لم يكن " أسم سبعين رجلاً
من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم([5]).
وروى عن سالم بن سليمة([6])
قال : قرأ رجل على أبي عبد الله ، وأنا أسمع حروفاً من
القران ليس ما يقرؤه الناس [ 6/ب ] فقال أبو عبد الله
: مه أكفف عن هذه القراءة ، وأقرأ كما يقرأ لناس حتى
يقوم القائم ، فإذا قام القائم قرئ كتاب الله على كتاب
الله على حدة([7])
.
وروى الكليني وغيره عن الحاكم بن عتبة إنه قال :
قرأ على الحسين بن علي : وما أرسلنا من قبلك من رسول
ولا نبي ولا محدث ، قال وكان علي بن أبي طالب محدثاً
"([8])
.
وروى محمد بن الجهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله
: إن أمة هي أربى من أمة " ، ليس من كلام الله ، بل
هو محرف عن موضعه ، والمنزل : " أئمة أزكى من أئمتكم
"([9])
.
وأيضاً من الثابت عندهم ، والمقرر لديهم ، والمشهور
فيما بينهم إن بعض السور ساقط بتمامها ، مثل سورة
الولاية ، وبعضها قد سقط أكثرها مثل سورة الأحزاب ،
فإنها كانت مثل سورة الأنعام ، فقد سقط من هذه السورة
فضل أهل البيت وأحكام إمامتهم .
وسقط أيضاً لفظ ( ويلك ) قبل قوله تعالى : " لا
تحزن إن الله معنا ". ولفظ ( ولاية علي ) بعد قوله : "
وقفوهم إنهم مسئولون "([10])
. ولفظ ( تملكه بنو أمية ) بعد قوله :" خير من ألف شهر
"([11])
. ولفظ ( بعلي بن أبي طالب ) بعد قوله :" وكفى الله
المؤمنين القتال "([12])
. ولفظ ( آل محمد ) من قوله :" وسيعلم الذين ظلموا (
آل محمد ) أي منقلب ينقلبون "([13])
. ولفظ ( علي ) بعد قوله : " ولكل قوم هاد " . ذكر كل
ذلك ابن شهرأشوب المازندراني([14])
في كتاب المثالب له([15])
.
ومثل ذلك كثير من الكلمات والآيات ، فلم يبق فرق
عندهم بين ما بقي من القران ، وبين التوراة والإنجيل
في عدم التمسك بكل من هذه الثلاثة [ 7/أ ] لأنه محرف
أو مبدل أو منسوخ بناسخ مجهول .
أقول : وقد رأيت كتاباً ألفه الشيخ حسين بن محمد
تقي النوري([16])
الطبرسي ، أحد مجتهديهم من المعاصرين سماه : ( فصل
الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب )([17])
، وقد طبع في إيران وأنتشر في الأقطار والبلدان ، أوله
: الحمد لله الذي انزل على عبده كتاباً شفاء لما في
الصدور ، ومهيمناً على التوراة والإنجيل والزبور ،
والصلاة والسلام على حامله نور النور ، والبيت الرفيع
المعمور .. وأطال الكلام .. إلى أن قال :
المقدمة الأولى : في ذكر لأخبار التي وردت في جمع
القران وجامعه وسبب جمعه وكونه في معرض النقص بالنظر
إلى كيفية الجمع ، وإن تأليفه يخالف تأليف المؤلفين .
المقدمة الثانية : في بيان أقسام التغيير المكن
حصوله في القران ، والممتنع دخوله فيه .
المقدمة الثالثة : في ذكر أقوال علمائنا في تغيير
القران وعدمه .
الباب الأول : في ذكر ما يدل على وقوع التغيير
والنقصان في القران [7/ب] .
الدليل الأول : مركب من أمور :
الأول : وقوع التحريف في التوراة والإنجيل بطراز
حسن لطيف.
الثاني : في إن كل ما وقع في الأمم السالفة يقع في هذه
الأمة.
الثالث : في ذكر موارد الشبه فيها بعض هذه الأمة
بنظيره من الأمم السابقة قدحاً ومدحاً .
الرابع : في أخبار خاصة فيها دلائل على كون القران
كالتوراة والأنجيل في وقوع التغيير فيه.
الدليل الثاني : إن كيفية جمع القران مستلزمة عادة
لوقوع التغيير والتحريف فيه ، وفيه إجمال حال كتّاب
الوحي .
الدليل الثالث : في إبطال وجود منسوخ التلاوة وإن
ما ذكروه مثالاً له لا بد وأن يكون مما نقص من القران
.
الدليل الرابع : في إنه كان لأمير المؤمنين قران
مخصوص يخالف الموجود في الترتيب وفيه زيادة ليست من
الأحاديث القدسية ولا من التفسير والتأويل .
الدليل لخامس : إنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف
معتبر فيه ما ليس في القران موجود .
الدليل السادس : إن الموجود غير مشتمل على ما في
مصحف أُبي المعتبر عندنا [ 8/أ ] .
الدليل السابع : إن ابن عفان لما جمع القران ثانياً
اسقط بعض الكلمات والآيات ، وفيه كيفية جمعه ، وبعض ما
أسقطه ، واختلاف مصاحفه ، وما أخطأ في الكتّاب .
الدليل الثامن : في إخبار كثيرة دالة صريحاً على
وقوع النقصان زيادة على ما مر رواها المخالفون .
الدليل التاسع : إنه تعالى ذكر أسماء أوصيائه
وشمائلهم في كتبه المباركة السالفة ، فلا بد أن يذكرها
في كتابه المهيمن عليها وفيه ما وصل إلينا من ذكرهم في
المصحف الأولي مما لم يجمع في كتاب .
الدليل العاشر : إثبات اختلاف القران في الحروف
والكلمات وغيرها وإبطال نزوله على غير وجه واحد ، وفيه
شرح أحوال القراء وإثبات وجود التدليس في أسانيدهم .
الدليل الحادي عشر : في أخبار كثيرة دالة صريحاً على
وقوع النقصان في القران عموماً .
الدليل الثاني عشر : في أخبار خارجة كذلك رتبناها على
ترتيب سور القران ، وفيه ذكر الجواب عن الشبهات التي
أوردها على الاستدلال بها المخالف .
الباب الثاني في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير
مطلقاً من الآيات [8/ب ] والأخبار والاعتبار والجواب
عنها مفصلاً وفيه ذكر وقوع التحريف في التوراة ،
ثانياً في عهد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ،
انتهى .
فمن وقف على هذا الكتاب ، تحقق لديه إن القران
العظيم لا يصلح للاستدلال ، وما أحسن ما في ( فتح
الباري شرح صحيح البخاري ) ، عند الكلام على قول
المصنف : باب من قال لم يترك النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم إلا ما بين الدفتين ما نصه :" هذه الترجمة
للرد من زعم إن كثيراً من القران ذهب لذهاب حملته ،
وهو شيء أختلقه الروافض لتصحيح دعواهم إن التنصيص على
إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم كان ثابتاً في القران ، وإن الصحابة
كتموه ، وهي دعوى باطلة ، لأنهم لم يكتموا : أنت مني
بمنزلة هارون من موسى .. وغيره من الظواهر التي قد
يتمسك بها من يدعي إمامته ، كمالم يكتموا ما يعارض ذلك
أو يخصص عمومه أو يقيد مطلقه .
وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما
أخرجه عن أحد أئمتهم ، الذي يدعون إمامته ، وهو محمد
بن الحنفية ، وهو ابن علي بن أبي طالب ، فلو كان هناك
شيء ما يتعلق بابيه ، لكان أحق الناس بالاطلاع عليه ،
وكذلك ابن عباس [ 9/أ ] فإنه ابن عم علي رضي الله
تعالى عنهما ، وأشد الناس له لزوماً وإطلاعاً على حاله
.. انتهى([18])
.
([1])
هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ،
فقيه الإمامية ، ومن أكابر رواتهم ، وإليه المرجع
في الأخبار عندهم ، عاش في بغداد ، وبها توفي سنة
329هـ له كتاب الكافي الذي اشتهر به في أحاديث
الإمامية . لسان الميزان : 5/433 .
([2])
هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب ، الملقب بالصادق ، ولد بالمدينة
سنة 80هـ ، هو ابن بنت القاسم بن محمد ، وأم أمه
هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، كان
من إجلاء التابعين أخذ عنه جماعة منهم أبو حنيفة
ومالك ، قال أبو حاتم : ثقة لا يسأل عن مثله ،
توفى سنة 148 هـ . حلية الأولياء : 3/192 ؛ وفيات
الأعيان : 1/327 ؛ التذكرة : 1/166.
([4])
ما بين [ ] من الكافي .
([6])
هو سالم بن سلمة الرواجني الكوفي مولاهم ، أبو
خديجة ، من رجال الإمامية . مجمع الرجال : 3/93 .
([10])
ينظر
: تفسير الصافي : 4/266 ؛ البحراني ، البرهان في
تفسير القران : 5/16 .
([11])
تفسير القمي : 2/431 .
([12])
تفسير القمي : 2/189 ؛ الطبرسي ، جوامع الجامع :
3/309 .
([13])
تفسير
القمي : 2/125 ؛ الطبرسي ، جوامع الجامع : 3/175 .
([14])
هو محمد بن علي بن شهر آشوب الطبرسي المازندراني ،
أبو محمد الشيعي ، وعظ على المنبر أيام المقتفي
ببغداد فاعجبه وخلع عليه ، من مؤلفاته أعلام
الطرائق في الحدود والحدائق ، والمثالب والنواصب (
ت558هـ ) السيوطي : بغية الوعاة : ص77 ؛ معجم
المؤلفين : 11/16 .
([15])
ينظر : إحسان إلهي ظهير ، الشيعة والقران : ص 232.
([16])
هو حسين بن محمد تقي الدين بن محمد بن علي النوري
الطبرسي ، ولد في قرية بالو سنة 1254هـ/1838م ، من
كور طبرستان وهاجر إلى العراق ، فبقي في النجف إلى
أن مات سنة 1320هـ/1902م ، له عدة مؤلفات منها هذا
الكتاب ، ومستدرك الوسائل . العاملي : أعيان
الشيعة : 27/139 ؛ إيضاح المكنون : 1/369 ، 379 ،
441 ؛ معجم المؤلفين .
([17])
وقد طبع في طهران سنة 1298هـ ، ثم أعيد طبعه أيضاً
سنة 1333هـ . ينظر الذريعة : 5/159 . ومن الجدير
بالذكر إن الشيخ إحسان ألهي ظهير قد نشر القسم
الكبير من هذا الكتاب ملحقاً بكتابه ( الشيعة
والقران ) ، ينظر : ص136 .
([18])
كلام الحافظ في الفتح : 9/65 .
|