من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المحقق

    الحمد لله رب العالمين ، نحمده حمد الشاكرين ، ونستغفره استغفار المذنبين ، ونصلي ونسلم على خير الخلق نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد :

فهذه رسالة لطيفة في موضوع مهم من مواضيع العقيدة ، ألا وهو موضوع حكم سب السلف الصالح عند بعض طوائف الشيعة الإمامية ، وكان هذا الأمر قد انتشر في خراسان بين كثيرٍ من العوام أبان ظهور الدولة الصفوية في بداية القرن العاشر الهجري([1]) ، فقام الملا علي بن سلطان القاري بتأليف هذه الرسالة وسماها ( شم العوارض في ذم الروافض ) ، وكان السبب في ذلك هو النقاش الذي دار بينه وبين أحد علماء عصره حول الحكم الشرعي لمن سب صحابياً ، فكان القاري يعتقد أنه كافر بالدليل الظني – على طريقة الحنفية في الأصول – وكان صاحبه يعتقد بكفره بالدليل القطعي ، فكانت بين الرجلين جفوة أشار إليها القاري في صدر رسالته حيث قال : (( فترك صحبتنا واختار غيبتنا وعتبنا )) ([2]) .

والقاري وإن كان قد عرض هذا الموضوع على مذهب الحنفية الفقهي وطريقتهم في استنباط الحكم الشرعي ، إلا أن هذه الرسالة جاءت غنية بمادتها فريدة في بابها ، نظراً لما في مسألة التكفير من تردد بين العلماء ، فلا يقولون به إلا عند المسلمات والمهمات من أمور الدين .

ولابد في البدء أن نعرف بالمؤلف ثم نسبة وتوثيق المخطوط مع بيان ملاحظاتنا عليها ، وأخيراً المنهج الذي سنسير عليه في تحقيق هذه الرسالة .

الملا علي القاري :

 هو علي بن سلطان محمد القاري([3]) ، نور الدين الملا الهروي الحنفي ، ولد بهراة وتلقى العلم على يد عدد من علمائها وعلماء خراسان منهم : أبو الحسن البكري ، والأيجي الصفوي والحفيد التفتازاني وغيرهم([4]) .

نال الملا علي القاري ثناء عدد من العلماء نظراً لسعة مؤلفاته وتنوعها ما بين الفقه والحديث والأصول والعقائد ، قال العصامي : (( الجامع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النبوية ... )) ثم قال : (( لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لا سيما الشافعي وأصحابه ، واعترض على الإمام مالك في إرسال يديه )) ([5]) ، ولكن اعتراضه على بعض أصحاب الشافعي أو مالك لا يؤاخذ عليه إن كان يندرج تحت باب الفتوى والاجتهاد .

أما فيما يخص عقيدة الملا علي القاري ، فهو في عداد الماتريدية ، وإن كان كثيراً ما يثني على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، قال ... : (( لقد دافع القاري – جزاه الله خيراً – دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم ، ورد من رماهما بسوء الاعتقاد والتجسيم والتشبيه والضلال ، وأقر عقيدة السلف في الصفات ، وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد من يطعن عليهم بالتشبيه والحشو )) ([6]) ، ولكن مؤلفات القاري لم تكن لتخلو مما يعارض عقيدة السلف ، مثل قوله في الرسالة التي نحن بصددها - في معرض كلامه على عقيدته - : (( لا عَينَ ولا غَير في تحقيق صفَاتِ الذاتِ )) ([7]) ، ويبدو أن القاري لم يسلم من تأثيرات عصره ، خاصة وأنه قد عاش في عصر الدولة العثمانية ذات العقيدة الماتريدية ، وصاحبة الفروع الفقهية الحنفية([8]) .

من المرجح أن عدم الاستقرار الذي شهدته خراسان خلال الحروب التوسعية للدولة الصفوية ، قد دفع القاري إلى الخروج من هذه الديار وسكن الديار المقدسة في مكة المكرمة ، حيث ألف هذه الرسالة ، وقال في توثيق ذلك : (( وَالحمدُ لله عَلى مَا أعطاني مِنْ التوفيق وَالقدرَة عَلى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى خير ديار السّنة ، التي هِي مُهِبط الوحي وظهِور النبوة ... )) ([9]) ، حيث ألف هذه الرسالة قبيل وفاته ببضع سنوات([10]) ، حيث توفى سنة 1014هـ ([11]).

لقد ترك لنا الملا علي القاري عدداً كبيراً من المؤلفات في مختلف الفنون ، توزعت ما بين التفسير والإقراء والفقه والحديث والأصول ، وتجاوزت المائة والعشرين مصنفاً ما بين مجلدات كبيرة ، ورسائلٍ صغيرة([12]) .  

اسم الرسالة وتوثيقها : 

التسمية التي اختارها الملا علي القاري لرسالته هذه هي ( شم العوارض في ذم الروافض ) هكذا ذكرها المؤلف بخطه في النسخة التي اعتمدناها كأصل في التحقيق ، على ما سيأتي بيانه في الفقرة التالية ، وقد ذكرها بعده أكثر من مؤلف بهذه التسمية ، إذ ذكرها حاجي خليفة بهذا الاسم أيضاً([13])  وهي التسمية نفسها التي أثبتها إسماعيل باشا البغدادي في اثنين من مؤلفاته ([14]) ، فهذا يثبت صحة نسبة الرسالة للملا علي القاري ، كما يثبت في الوقت نفسه دقة تسميتها .

وقد ذكرت في نسخة دار الكتب المصرية بعنوان ( شيم العوارض في ذم الروافض ) وهو تصحيف نشأ عن عدم تحقيق التسمية ، إذ أن المعنى لا يتناسب مع السياق ، لأن العوارض تعني بلسان العرب الشبهة أو الآفة المعترضة في الفؤاد([15]) ، ويقال : (( العوارض من الإبل اللواتي يأكلن العضاة عرضاً أي تأكله حيث وجدته )) ([16]) ، وربما استعار المؤلف هذا المعنى كي يجعله عنواناً لرسالته، فجمع ما بين الشبهة المعترضة في القلب ، وما بين الإبل التي تشم الكلأ قبل أن تأكله ، والله تعالى اعلم .

موضوع الرسالة :

لا شك أن موضوع الرد على أهل الأهواء والضلال من الأمور التي شغلت العلماء من أهل السنة والجماعة على اختلاف مذاهبهم ، وقد اتخذت هذه الردود أشكالاً متنوعة تبعاً لظروف كتابتها أو مكانة مؤلفها ، والرسالة التي نحن بصددها الآن لا يمكن أن نفصلها عن الظروف السياسية لعصر المؤلف ، خاصة ظهور الدولة الصفوية في أرض إيران بعقيدتها الإمامية الغالية ، وإذا ما علمنا أن هذه الديار كانت حتى القرن العاشر الهجري ذات أغلبية سنية عظيمة ، تبين لنا عظم المصيبة التي ألمت بالمسلمين في إيران بظهور دولة الرافض فيها ، إذ بدأت أعمال وحشية تبناها رجال هذه الدولة ضد سكان إيران من أهل السنة لتحويلهم قسراً إلى مذهب الشيعة الإمامية ، وكان من أشد هؤلاء الشاه إسماعيل الصفوي الذي مارس ضد أهل السنة والجماعة أبشع أنواع القتل والتنكيل ، فقد نقل المؤرخون أنه قتل في مجزرة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص ، ولم يفرق فيها بين رجل أو امرأة وشيخ أو صبي([17]) .

وكان الملا علي القاري شاهد عيان على هذه الحقبة ، حيث كان يعيش في تلك الأثناء في مدينة هراة ، وينقل لنا في رسالته هذه كيف دخلت جيوش إسماعيل الصفوي إلى هذه المدينة ، وأعلنوا سب الصحابة على المنابر ، فامتنع علماء أهل السنة عن ذلك فقتلوا الشيخ معين الدين الأيجي خطيب الجامع الكبير في هراة ، ثم قتلوا بعد ذلك حفيد التفتازاني عند دخول الشاه إسماعيل الصفوي إلى هراة، وكلا الشيخين الشهيدين كانا من مشائخ القاري([18])

وهنا دار جدال بين العلماء من أهل السنة في حكم هذه الفرقة التي جاهرت بسب الصحابة على المنابر ، وعده من أفضل القربات والطاعات ، وهذه الرسالة تبين الحكم الشرعي في هذا الموضوع وفق ما يراه مؤلفها ، وقد كان متأثراً بطبيعة الحال بنشأته العلمية وخلفيته المذهبية ، إذ سار في طريق العرض والاستدلال في هذه المسألة وفق طريقة الحنفية في التفريق بين الدليل القطعي والظني عند النظر في الأحكام الشرعية ، ولم يتطرق إلى أقوال الأئمة الآخرين إلا في النادر ، وربما أن يكون السبب في تأليف هذه الرسالة - وقد تقدم ذكره -  قد انعكس على أسلوبها ومنهجها .

كما يمكن أن نلاحظ أن الرسالة – على قيمتها العلمية – عرجت إلى مواضيع أخرى بعيدة عن المضمون مثل تناولها لمسألة الاجتهاد وشروط والمفتي وغيرها من المواضيع ، كما يمكن أن نلاحظ أن المؤلف أكثر النقل من كتب الفقه الحنفي ، في حين كان يمكن له الاستعانة بأقوال الأئمة الواردة في كتب العقيدة .

بقي أن نشير إلى أن الرسالة تفتقر أيضاً إلى النقل عن كتب الشيعة الإمامية التي ورد فيها سب الصحابة منسوباً إلى بعض أئمتهم ، وهذا الأمر ليس بمستغرب خاصة إذا ما علمنا أن الشيعة الإمامية يخفون هذه المؤلفات عن أعين الناس لما فيها من فضائح ، ولذا افتقرت ردود أهل السنة المبكرة عليهم من النقل من مؤلفاتهم ، وكان لعلماء الهند فيما بعد دورٌ كبير في اختطاط هذا المنهج والسير عليه ونقد عقائد الإمامية من خلال كتبهم ، ثم انتقل هذا الأسلوب إلى العراق على يد الأسر العلمية التي ظهرت فيه ، خاصة الأسرة الحيدرية والآلوسية .

وصف المخطوط :

اعتمدت في تحقيق رسالة ( شم العوارض في ذم الروافض ) على نسختين :

الأولى : نسخة مكتبة الآثار العامة التابعة للمتحف العراقي ببغداد ، وهي نسخة بخط المؤلف ، وهي الرسالة الثانية في مجموع يحمل الرقم ( 35194 ) ويضم خمس رسائل ، وتحتـل الصفحـات ( 15 – 63 ) من هذا المجموع وتبلغ لوحاتها ( 25 ) لوحة من الحجم المتوسط ، ومسطرتها خمسة وعشرون سطراً ، في كل سطر حوالي عشر كلمات ، وقياساتها : ( 21 × 15 سم ) ، وكتبت هذه النسخة بخط واضح قـد شكلت معظم حروف كلماتـه ، ولذلك اعتمدتها أصلاً ورمزت لها بالحـرف ( م ) .

الثانية : نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة ، وتحمل الرقم ( 63 توحيد ) ، لا يعرف ناسخها ، ويبلغ عدد لوحاتها ( 31 ) لوحة من الحجم المتوسط ، ومسطرتها إحدى وعشرون سطراً ، في كل سطر تسع كلمات ، وقياساتها : ( 19 × 13 سم ) ، وكتبت هذه النسخة بخط واضح ، فيها بعض السقط استدركه الناسخ في حواشي المخطوط ، وفي حواشيها أيضاً بعض العناوين التي تشير إلى بعض المواضيع ، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف ( د ) .

وأخيراً نود أن نشير إلى أن صيغة الصلاة في ( د ) قد جاءت هكذا : ( صلى الله تعالى عليه وسلم ) في حين أن صيغة الصلاة في ( م ) قد جاءت هكذا ( صلى الله عليه وسلم ) فجعلنا الصلاة كما في نسخة ( د ) ، كما وردت كانت هناك صيغة أخرى للصلاة على النبي e ، جاءت في أغلب الأحيان في ( م ) هكذا ( عليه السلام ) في حين أنها كانت في ( د ) هكذا ( عليه الصلاة والسلام ) ، فأثبتنا الصيغة الأخيرة ، إلا في بعض الحالات التي جاءت الصيغة متوافقة ، ولم نشر إلى ذلك عند المقابلة كي لا نثقل الهامش . 

منهج التحقيق :

يمكن بيان المنهج الذي اعتمدناه في تحقيق هذه الرسالة بالنقاط الآتية :

1.  نسخ الرسالة بالاعتماد على النسخة ( م ) لما فيما من ميزات ، تمت الإشارة إليها سابقاً ، ثم مقابلتها بالنسخة ( د ) وإثبات الفروق في هامش الرسالة ، فاثبتنا في المتن ما اعتبرناه صحيحاً، كما قمنا بتصحيح بعض الألفاظ التي ترجحت لنا عند المقابلة .

2.  عزو الآيات القرآنية إلى مكانها من السور والآيات في المصحف ، ووضع الآية بالقوس المشكل ثم تخريج رقم الآية واسم السورة وإلحاقه بالآية بقوسين معقوفين في متن الرسالة .

3.  وضع عناوين جانبية للمخطوط بالاستعانة بما هو موجود في نسخة ( د ) ، أو بما رأيناه مناسباً من عندنا ، وقد ميزنا عناويننا بقوسين معقوفتين .

4.  تخريج الأحاديث والآثار بذكر المصدر الذي يذكره المؤلف بالجزء والصفحة والرقم ، واعتمدنا ذكر الكتاب والباب إذا خرج الحديث من الكتب الستة ، ثم اتبعنا ذلك بذكر صحة الحديث أو ضعفه حسب قول أئمة الشأن في ذلك ، خاصـة أحكام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ( رحمه الله ) على الأحاديث .

5.     تخريج الروايات الواردة عن السلف من الكتب المعتمدة التي خرجت هذه الآثار .

6.  ذكر الآراء الفقهية التي أشار إليها المؤلف من كتب الحنفية ، وبما أن المؤلف اكتفى في معظم الأحيان بذكر آراء الأحناف ، فقد أشرنا في الهامش إلى أراء الأئمة الثلاثة في المسألة التي يذكرها المؤلف من كتب الفقه المعتمدة .

7.  التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة بترجمة مختصرة مع ذكر مصدرين على الأقل من مصادر ترجمتهم ، كما تم التعريف بالكتب التي ذكرها المؤلف في متن الرسالة ، حيث ذكرنا اسم مؤلفه ووفاته ومذهبه .

8.  تحقيق بعض المسائل التي ذكرت في متن الرسالة مما خالف في المؤلف عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهي قليلة جداً ، ثم أثبتنا في الهامش القول الصائب من كتب أهل السنة والجماعة.

9.     إعداد قائمة بمصادر ومراجع التحقيق . 

في الختام لا بد من شكر أهل الفضل الذين ساعدونا في ضبط النص وتقويمه ، ونخص بالذكر منهم الأخ الفاضل الدكتور خيري جبير الجميلي رعاه الله ، فجزاه الله خيراً .

نسأله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يتجاوز عن سيئاتنا ، ويختم لنا بالحسنى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

 

المهرة 27 محرم 1425هـ

 


([1]) مؤسس هذه الدولة هو صفي الدين الأردبيلي ، بدأت دعوته صوفية ، فالتف حوله كثيرٌ من المريدين ، ثم خلفه ابنه صدر الدين موسى الذي تبنى عقيدة الشيعة الإمامية واتخذها سلماً للوصول إلى قلوب القبائل الإيرانية ، وقد ساعدت الظروف السيئة على نشوء هذه الدولة في إيران . د. أحمد خولي ، الدولة الصفوية : ص 4 وما بعدها .

([2]) شم العوارض : 1/ب .

([3]) كذا يذكره المؤلف في صدر هذه الرسالة ( وهي بخطه رحمه الله ) ، وقيل : علي بن سلطان بن محمد ، وعليه أكثر المصادر . أما نسبته فهي إلى ( قار ) قرية بالري . معجم البلدان : 4/295 .

([4]) شم العوارض : 6/أ .

([5]) الشوكاني ، البدر الطالع : 1/445 .

([6]) الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات : 1/494 نقلاً عن الموسوعة الميسرة : 2/1714 .

([7]) شم العوارض : 13/أ .

([8]) الموسوعة الميسرة : 2/1713 .

([9]) شم العوارض : 8/أ .

([10]) المصدر نفسه : 16/ب .

([11]) الشوكاني ، البدر الطالع : 1/445 ؛ المحبي ، خلاصة الأثر : 3/185 ؛ إسماعيل باشا ، هدية العارفين : 1/751 ؛ الزركلي ، الأعلام : 3/185 ؛ معجم المؤلفين : 7/100 .

([12]) يمكن الاطلاع على قائمة بهذه المؤلفات في هدية العارفين : 1/751 – 753 ؛ معجم المؤلفين : 7/100 – 101 .

([13]) كشف الظنون : 2/1972 .

([14]) هدية العارفين : 1/752 ؛ إيضاح المكنون : 2/55 .

([15]) لسان العرب : 7/169 .

([16]) المصدر نفسه : 7/175 .

([17]) الدولة الصفوية : ص 51 – 52 .

([18]) شم العوارض : 6/أ .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة: