|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ مقدمة المؤلف ]
الحمدُ لخالقِ البـَرايـَا ، وَالشكرُ لوَاهبِ
العَطايـَا ، وَالمـَدحُ لِدَافـعِ([1])
البَلايـَا ، والصَّلاةُ وَالسّلامُ على سَيدِ
الأنبيَاءِ وَسَند الأصفيَاءِ ، وعَلى آلهِ وأصحَابهِ
الأتقِيَاء ، رغماً للخَوارجِ والرّوَافِض مِنْ
الأغبيَاء .
أمَّا بعدُ :
فيَقولُ الرّاجي برَّ([2])
رَبِهِ البارِي عَلي بن سُلطان محمد القارِي : إنَّ
أول مَا يجَبُ على العِبَاد تحسِين الاعتِقاد بِطَريقِ
الاعتماد ؛ ليـَنفَعهُم حيَن المعَاد يومَ التنادِ ([3])
، وَمِنْ المعلُوم عند أربَابِ العُـلُوم وَأصحابِ
المفهوم أن مبنى العَقائدِ على الأدلةِ القَطِعية ، [
لاَ عَلى ] ([4])
الحجَج الظنِيّة المفيدَة في المسَائلِ الفقِهيةِ
الفَرعية، وَذلكَ لقولِهِ تَعالى في ذَمِّ الكفَّار :
﴿
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ
لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا
ً`
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى
عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا
`
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ
الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ
عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى
﴾
[ النجم : 28 – 30 ] وَالآيَاتُ في [ هذا ] ([5])
المـَعْنى كثيَرة ، والأحادِيثُ في المبنى كثيرة([6])
شِهيرة ، والإجماعُ منعقد عليَه [ عند ] ([7])
من يؤخذ مَعِرفة لدَيه .
وإنما الخلاف في أنَّ إيمانَ المقلدِ هَلْ هُوَ صحِيحٌ
أم لا ؟ [ 1/ب ] فالجمهُور على أنْهُ يَصِحّ إلا أنه
مُؤاخذ بتركِ ما يجَبُ علَيهِ ، والمحققونَ لا
يـَميلُونَ إليَهِ ، حَتى إمُامنَا الأعظم وَهمامَنا
الأفخم([8])
أوجَب الإيمان بمجردِ العـَقل ، وَلو لم يبعثِ الرسُل
، ولم يظهر النقل ، ويؤيّدُه قَوله تعَالى : ﴿
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلاَّ
لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذريات : 56 ] أي ليعرفون([9])
، كما فسَّرهُ حَبرُ الأمَّةِ ومقتدى الأئَمة([10])
.
وأما قوله تعالى([11])
: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً ﴾ [ الإسراء : 15 ] فالمرادُ بِهِ عَذاب
الدنيَا دُونَ عَذابِ الآخِرةِ([12])
، أو يجعَل العَـقل أيضاً رَسُولاً ؛ لأن بِهِ إلى
مَعرفةِ الحَقِّ وصُولاً وَبُدونَه ، حَتى معَ وجُودِ
الرسول لم يكنْ حصُولاً([13])
.
ثمَّ مِنْ الغِرَيبِ ما وَقعَ في القريب أنه صدر عَني
في بعضِ مَجالِسِ درسي وَمجامع أنسِي : أن سَبَّ
الصحَابة ليسَ كفراً([14])
بالدلِيلِ القطعي بَل بالظني ، وَإنـَّما يقتلُ السَاب
للأصحَاب في مَذهَبنا سَياسَة للِدوَاب عَن قلةِ
الآدابِ في هَذا البابِ ، فتوشوش خاطر بَعض الحاضِرينَ
مِنْ الرجَالِ ، مِمنْ يشبه الأعوَر الدَّجال، الذِي
لم يفرقْ بَينَ الحَقِّ مِنْ الأقوالِ ، وبَينَ
البَاطلِ الصادرِ عَنْ أهلِ الضلالِ ، وَاغـتَر بمنْ([15])
قرأ بَعض المقَدمَاتِ الرسميَّةِ مِنْ العلُومِ
الغريبةِ الوَهِمية ، ولم يُميزْ بَينَ العَقائدِ
القَطِعِية وَالفَوائدِ الظنيَّة ، حَيْثُ ألتقط
عَقيدَته من ألسِنةِ([16])
العَوامِ ، أو مِنْ آبائِهِ الذِينَ لم يكونُوا مِنْ
العُلمَاءِ الأعلامِ ، وَقَدْ قالَ تعَالى في ذمِّ
هَؤلاءِ الذِينَ كالأنْعَامِ، قالوا : ﴿ إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [ الزخـرف : 23] أي :
على أنوارِهِم مُهتَدونَ([17])
و : ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
﴾ [ المؤمنون : 53 ] وَمُعتَمدُونَ([18]).
فَتركَ صُحبتنا وحَضرتنا ، وَاختارَ غيبتنا وَعتبنا([19])
، وكانَ الوَاجبُ عليِهِ مِنْ الأدَبِ لدَيِهِ([20])
أنْ يُغْمضَ عينه مِنْ بَعضِ عيُوبنا ، لَو تحقق
شَيْءٌ مِنْ ذنُوبنِا رعايَة لِحفظِ قلوُبنا ، إذْ
غايَته أنَّه إذَا([21])
وقع خطأ مِنا والمجتهد قَدْ يخطئ في مَذهَبنِا ، أو
انفَردنا بهذا القَوْلِ عَنْ غيرنا أو تبعنا أحداً
مِنْ مَشائخِنَا [ 2/أ ] فتَعيَن عَلَيْهِ أنْ
يـَأتِينا بنقلٍ لدَيـه ، أو روَايةٍ وَصَلـتْ إليَهِ
، أو يبحَث معَنَا ، ليظهرَ مَا عِنْدَنا فيَقبلهُ
مِنا أو يَردهُ عَلينَا، فنَقبلهُ [ منه ] ([22])
أو نَدفعهُ عَنا ، كما هُو طِريقة العُلَماء وَالطلَبة
مِنْ الفُضَلاءِ.
هَذا الإمَام الأعظم وأصحَابه في مَقَامِهِ الأفخمِ ،
كانوا يتَباحثونَ في المسَائل ، ويتَناقشونَ في
الدلائلِ ، ويتَنافسونَ في الفضائلِ ، فإمّا أنْ
يَرِجْعَ الإمَامُ في أقِوالهِم ، أو يَرجعونَ([23])
إلى قولِهِ بتحسِين أحَوالهم ، وكذَا كَانَ حَالُ
السَّلفِ مِنْ الصَحابةِ والتَابعينَ في مجَالسِهم
الجامِعينَ ، يتَذاكرونَ في العِلمِ ويتبَاحثونَ
بالحِلمِ هنالكَ ، بخَلافِ الخلف حَيْثُ كانَ خلقُهُم
على خَلافِ ذلَكَ .
وكذَا لـمَّا منعَ الإمَامُ وَلدَه حَماد([24])
عَنْ البَحثِ في علمِ الكلامِ ، وأجَابَ عَنْه بأنَّي
رَأيتك تَبحَثُ في هَذا المرامِ ، فَقَالَ : نَعَمْ
إنـَّي كُنْتُ في الجنَّةِ مع صَاحِبي وأخَاف عَليِه
مِنْ أنْ يخطئ في ذلكَ المقامِ ، وأنتم في هذِه
الأيامِ تتَباحثونَ ، وكلٌّ([25])
منكِم يريدُ أنَّ صَاحبَه يقع في الكفرِ والملامِ ،
بَلْ أنتم بهذَا تَفرحونَ وتَتفاخرونَ ، ومِنْ أرَادَ
أنْ يذلَّ صَاحِبَه ، وَيكفر كَفر قَبْلَ أنْ يكفرَ
صَاحِبَه .
ثم أغرب مِنْ هَذَا أنَّه انتقل مِنا إلى بَعضِ
إخوانِنا مِمنْ([26])
يستعيض مِنْ عَدوِنا ، وَيفيض مِنْ مَدَدنا حَيثُ لم
يلقَ مِنْهُ مِنْ بَعدنا ، فحرم مِن شمة وردنا
وَسَابقة وَردنا بَعد اختِيار بُعدنا .
وَمِنْ اللطائفِ في مَراتبِ الظرائف ، أنْ بَعضَ طلبَة
العِلم الشريف بَحث مع شيخه في مَحفلٍ منيف([27])
، وكلما أتَاه الأستَاذ في دَفع مَا أورده عليه من
الإيراد نقضه ، وأجَابَ بما يُناسِبُهُ([28])
مِنْ الأسِتَاذ ، فلمَّا عَجزَ عَنه شيخه في الجوَابِ
، قالَ لهُ في مَقامِ العتاب :
((
مَا أحسَن دأبكم في مُرَاعَاة الآدَاب ، أنْه إذَا
وَقعَتْ [ زلة مِنْ معلمكم ] ([29])
في فصِلِ الخطابِ ، تَتعلقونَ بحلقه ولا تتَحملونَ
بَعضَ غلطِهِ وزيفِهِ ، فما أحسنَ آدابَ الصَّوفيّة
والمريدين ، حَيثُ يصَدقونَ [ 2/ب ] مَشائخهم ، ولو
تَكلمُوا بما يخَالف مِنْ أمُورِ الدينِ ، فقالَ([30])
التلميذ هكذا دَأبهم وآدابهم ، وعلى نَحو هَذَا
العُلمَاء وَأصحَابهم([31])
، ثُمَّ([32])
عَلم كلُّ أُناسٍ مَشربهم ، وعَرَف كلُّ طَائفةٍ
مذهَبهم .
([1])
في ( د ) : ( لرافع ) .
([2])
( برّ ) سقطت من ( د ) .
([3])
( يوم التناد ) سقطت من ( د ) .
([5])
وردت في ( د ) : ( هذه ) ولا توجد في ( م ) .
([6])
( كثيرة ) سقطت من ( د ) .
([8])
هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي ،
إمام أصحاب الرأي ، وفقيه العراق ، قال الشافعي :
الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة . وفاته سنة
150هـ . تاريخ بغداد : 13/323 ؛ سير أعلام النبلاء
: 6/309 .
([9])
لم أجد هذه الرواية عن ابن عباس ، وإنما هي تنسب
إلى ابن جريج كما في تفسير ابن كثير : 4/239 ؛ وقد
تمسك بعض الصوفية بهذا الحديث في ترجيح تفسير هذه
الآية كما في تفسير أبي السعود : 2/130 . وقد روى
الطبري عن ابن عبـاس في تفسير :
((
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون : إلا ليقروا
بالعبودية طوعا وكرها
))
، وقد رجح هذه الرواية وانتصر لها في تفسيره :
27/12 .
([10])
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب من مشاهير
علماء الصحابة في التفسير لدعوة النبي
e
، وفاته سنة 68هـ . ترجمته في تذكرة الحفاظ : 1/40
، تهذيب التهذيب : 5/242 .
([11])
في ( د ) : ( سبحانه ) .
([12])
في ( د ) : ( العقبى ) . وقول القاري هنا أن
العذاب مخصوص بالدنيا ذهب إليه بعض أهل العلم ،
وذهب آخرون إلى أن :
((
هذا عام في الدنيا والآخرة
))
. القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 10/231 .
([13])
لا يمكن للعقل أن يدرك مقام العبودية بدون رسالة ،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
((
وقد ذكر الآمدي ثلاثة أقوال في طرق العلم : قيل
بالعقل فقط والسمع لا يحصل به كقول الرازي ، وقيل
بالسمع فقط وهو الكتاب والسنة ، وقيل بكل منهما
ورجح هذا وهو الصحيح
))
. النبوات : ص 174 .
([14])
في كلا النسختين : ( كفر ) .
([15])
في كلا النسختين : ( بما ) .
([16])
في ( د ) : ( ألسن ) .
([17])
قال مجاهد في تفسير : ﴿ وإنا على آثارهم مقتدون ﴾
قال : بفعلهم ، وقال قتادة : فاتبعوهم على ذلك .
تفسير الطبري : 25/61 .
([18])
قال ابن كثير :
((
أي يفرحون بما هم فيه من الضلال ؛ لأنهم يحسبون
أنهم مهتدون
))
. التفسير : 3/248 .
([19])
( وعتبنا ) سقطت من ( د ) .
([20])
( لديه ) سقطت من ( د ).
([21])
في ( د ) : ( قد ) .
([23])
في ( د ) : ( يرجعوا ) .
([24])
هو حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ،
كان على مذهب والده ، كان صالحاً خيراً ، وضعفه
ابن عدي من قبل حفظه ، وفاته سنة 176هـ . سير
أعلام النبلاء : 6/403 ؛ لسان الميزان : 2/346 .
([25])
في ( د ) : ( فكل ) .
([26])
في ( د ) : ( مما ) .
([27])
في ( د ) : ( المنيف ) .
([28])
في ( د ) : ( يناسب ) .
([29])
ما بين المعقوفتين جاءت في ( د ) : ( ذلة مَن
يعلمكم ) .
([30])
في ( د ) : ( فقام ) .
([31])
في ( د ) : ( وأعصابهم ) .
([32])
في ( د ) : ( فقد ) .
|