|
إن قتل الأنبياء وطعنهم في الأنساب([1])
كفر :
ثُمَّ اعلم()
أنْ مِنْ القَواعِدِ القطعِيَّة في العَقائدِ
الشرعيّةِ ، أن قتل الأنبياء وَطعنهم في الأنْساب([2])
كفر بإجماعِ العُلماء ، فمَنْ قتلَ نبياً أو قتَله
نبيٌّ فهو مِنْ أشقى الأشقياء([3])
، وأمَّا قتل العُلماءِ والأوليَاءِ وسبُّهم على
ألسنَةِ الأغبياءِ ، فلَيْسَ بكفرٍ إلاَّ إذَا كَانَ [
عَلى ] ([4])
وَجه الاستحلالِ أَوْ الاستخفافِ ، كما هُوَ ظَاهر
عندَ أربـَابِ الإنصاَفِ دُونَ أهلِّ التعَصبِ
وَالاعتسَافِ([5])
.
قذف عائشة رضي الله عنها :
فَقاتلُ عثمَان بن عَفَّان وعَلي بن أبي طالب رَضي
اللهُ عَنهِما ، لم يَقل بكُفْرهِ([6])
أحَدٌ مِنْ العُلماء إلاَّ الرّوَافِض في الثاني
وَالخَوارج في الأول ، وَأما مَنْ قذَفَ عَائشة
فكَافرٌ بالإجماعِ ؛ لمِخالفَته نص الآياتِ المبرئة([7])
لَها مِنْ غَيْرِ النـزاع ، وكَذا مَنْ أنكر صُحبَة
أبي بكرٍ الصديق [
t
] ([8])
كفر ؛ لإنكاره مَا أثَبتَ اللهُ بإخبَارِهِ في كتابه
حَيثُ قالَ تعالى : ﴿
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا
﴾ [ التوبة : 40 ] ([9])
بخلافِ مَنْ أنكر صُحَبة عُمر أو عَلي لعَدَمِ تضَمنه
مُخَالفة الكتاب ، وَإنْ كاَنَ صِحَّة صُحبتهما
بِطريقِ التوَاتر في هَذا البَابِ ، لأن إنكار كل
مُتوَاتِر لا يكُون كفراً في معرض الكتاب([10])
.
ألا ترى أن مَنْ أنكرَ [ جود حاتم([11])
بل ] ([12])
وجُوده ، أو عَدالة نوشروَان([13])
وَشهوده لا يصَير كافِراً في هذا الصّورَة ؛ لأن إنكار
مثل هذا ونحوه ليسَ مِما عُلِمَ مِنْ الدينِ
بالضرورَةِ
مسألة من اعتقد أن سب الصحابة مباح فهو كافر :
وَأمَّا مِنْ سبَّ أحَداً مِنْ الصِحَابة ، فهوَ فاسِق
وَمبتَدع بالإجماع إذَا اعتقد أنه مُبَاح ، كَمَا
عَليه بَعض الشيعَة وَأصحَابهم ، أو يترتب عَلَيه
ثَواب كَمَا هوَ دَأبُ كِلامِهم ، أو اعتقد كفر
الصّحابة وأهل السنةِ في فصلِ خِطابهم فإنه كافر
بالإجمَاع ، ولا يلتفت إلى خِلاَفِ مخالفتهم في مقَامِ
النـِزاعِ ، فإذَا عَرفت ذلك فلا بدَّ مِنْ تفصِيل
هُنالك .
[ قول ]
([14])
علماؤنا يقتل بالسياسة :
فإذا سَبَّ أحَدٌ([15])
أحَداً مِنهُم ، فينَظر هَل مَعَهُ قرائن حَالِية أو
قالِية([16])
[ 3/أ ] عَلى مَا تقدمَ مِن الكفريات أم لا ؟ فِفي
الأولِ كافر وفي الثاني فَاسِق ، وَإِنما يقتلُ عَندَ
عُلمائنا بالسيَاسَة لدفعِ فَسَادِهم وَشر عنادهم([17])()
لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث :
وَإلا فَقد قالَ عَلَيه الصلاةُ وَالسّلام في حَديثٍ
صَحَّت([18])
طرقه عَندَ الُمحدثيَن الأعلام :
((
لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ
إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَن محمداً رَسُولُ اللَّهِ
إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ : الثَّيِّبُ الزَّانِي
وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ
الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ
)) رَوُاه
البخاري وَمْسلم وأبوُ دَاود وَالترمذِي وَالنسَائي
عَن ابن مَسعُود([19])
.
وَقَد أخرجَهُ الإمَام أحمد في ( مسندِهِ )
أيضاً لكن عن أبي إمَامَة بن سَهْل قال :
((
كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ
، فَقَالَ : إِنَّهُمْ يَتَوَعَّدُونِني بِالْقَتْلِ ،
قُلْنَا : يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : وَلِمَ يَقْتُلُونَنِي ؟!
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ
مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ : رَجُلٌ كَفَرَ
بَعْدَ إِسْلاَمِهِ أَوْ زَنَى بَعـْدَ إِحْصَانِهِ
أَوْ قَتَلَ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا ، فَوَاللَّهِ
مَا أَحْبَبْتُ [ أَنَّ لِـي ] بِدِينِي [ بَدَلاً ] ([20])
مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ ، وَلاَ زَنَيْتُ فِي
جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ قَطُّ وَلاَ قَتَلْتُ
نَفْسًا ، فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي ؟!
))
([21])
.
تارك الصلاة يقتل خلافاً للشافعي :
فِفي الحَديثِ جَاءَ بصِيغةِ الحَصرِ في العبَارةِ
دلاَلة بطريقِ الإشَارةِ : لا يقتل أهل البدعَة مِنْ
الرّوَافِض والخوَارجِ إلاَّ إذَا صَارُوا مِنْ أهِلِ
البِغي ، وكَذا تارك الصلاةِ لا يقتل خِلافاً
للشافِعي([22])
، ولا رأيت سَنَداً عَليه يعول([23])
.
وأما الحديث فليس على ظاهره :
وَأمَّا قوله عَليه الصَّلاة وَالسَّلاَم :
((
مَنْ ترك الصَّلاةَ متعَمداً فقد كفر
))
([24])
فليسَ على ظَاهرِهِ عِندَ أهِل السَّنة مِمن اعتبر ،
بَل هو([25])
مؤول بأن مَعناهُ قرب الكفر ، فإن المَعَاصي([26])
بريد([27])
الكفر ، أو جَره إلى كفره في عَاقبةِ أمرِهِ إنْ لم
يتدَاركهُ الله بلطفهِ ، أو شابه كفر الكافرِ في
تركهِ([28])
، أو محَمُول على مستحلِهِ فيَدخلُ في حَدِّ المرتد
وَنَحوه .
وَأمَّا تفسِير الشافعي للِحَدِيثِ بأنه أستحق عقوبةَ
الكفرِ ، فلَيْسَ ظاهِراً في المدعى ؛ لأنهُ يحتمل
استحقَاقَ([29])
عُقوبته في الدنيا والآخرة ، مع أنه لا يتأول [ 3/ب ]
بكفره في العُقبَى ولاَ يقتلهُ بناءً عَلى كفرِهِ في
الدنيَا .
وَأمَّا مَا ذكر بَعضهم من أنْ المراد بالمرتد في
الحَدِيثِ الأول :
((
مَنْ بدل دينه
))
([30])
، وَبالمفارق مَنْ غيّر بَعض دينه فَيدخل([31])
في الحَدِيث أهل البَغي وَالخَوارج وَالرَوافِض ،
فيَجبُ المعَاملَة مَعهُم حَتى يَرجعوا إلى الحَقِّ ،
فِفيه مِنْ المـُعَارضَة وَالمقابلَة أن الكلام في
القتل لا في المعَاملة ، أمَا ترى أن الإجماع عَلى
عَدَم جواز قتِل بَاغٍ بانفِراده خَارجي أو رَافضي
وَحِده مِنْ غير ظهُور كفر منهُ غَير بدعتِهِ .
وكذَا مَانعُو الزكاةِ يقاتلون ، بِخلاف مَنْ تركهَا
بغَير قِتالٍ فَإنه لا يقتل([32])
، فكَذَا تارك الصَّلاة لا يقتل بَل يحبس وَيُعَزر ،
وإذَا كَانَ أهل قريَةٍ تركوُهَا ، بَل تركُوا الأذان
الذي هُوَ سُنة مِنْ شِعَارها([33])
لَقوتلُوا ، كما صَرحَ بهِ الإمَامُ محمد([34])
مِنْ أئمتِنا ، فحَصَلت المـَوافقة وَالُمطابقة مِنْ
هذا الحَدِيث الشريف .
وحديث :
((
أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشهَدُوا : أنْ لاَ
إلَه إلاَّ الله ، وأنْ محمداً رَسُول الله ، ويقيمُوا
الصَّلاةَ وَيُؤتوا الزكَاةَ ، فِإذَا فعَلوُا ذلك
عَصَمُوا مِنّي دمَائهم وَأموَالهم إلاَّ بِحَقِّ
الإسلاَمِ وَحِسَابهم على الله
))
رَوَاهُ أصحاب الكتب الستة عَن أبي هُرِيَرة([35]).
وَروَاهُ ابن جرير([36])
وَالطبَراني في ( الأوسَط ) عَن أنَس ، وَلفظه
:
((
أمرتُ أنْ أقاتِل الناس حَتى يشهدوا أنْ لاَ إلَه
إلاَّ الله ، فإذَا قالُوها عَصَمُوا مِنّي دِمَائهم
وَأموَالهم إلاَّ بحقها ، قيلَ : وَمَا حَقها ؟ قالَ :
زَنا بَعْدَ إحصَان أو كفرٌ بَعدَ إسلام أو قتلُ نفسٍ
فتقتلُ بِها
))
([37])
.
وَأخرجَهُ مُسْلم عَن أنس ، وَلَفظهُ([38])
:
((
أُمرتُ أنْ أقاتِلَ المشركِين حَتى يَشهَدُوا أنْ لاَ
إلَه إلاَّ اللهَ ، وأنْ محمداً عبدُهُ ورَسُوله ،
وأنْ يَسِتقبلُوا قِبلتنَا ، وأنْ يَأكلوا ذَبيحتنَا
وَأن يُصَلوا صَلاتنا ، فإذَا فعَلُوا ذلكَ حرمت
عَلْينَا دمَائهم وَأموَالهم إلاَّ بِحقهَا ، لَهُم
مَا للمُسلِميَن وعلَيهم مَا عَلى المُسلِمينَ
))
([39])
.
([1])
في ( د ) : ( الأشياء ) .
(
) النص من هنا نقله ابن عابدين في حاشيته : 7/162
.
([2])
في ( د ) : ( الأشياء ) ، وكذا في حاشية ابن
عابدين .
([3])
من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال :
((
أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل
نبياً
))
. المسند : 1/407 ، رقم 3868 ؛ كذلك أخرجه البزار
في مسنده : 5/138 ، رقم 1728 .
([4])
زيادة من ( د ) . وكذا في حاشية ابن عابدين .
([5])
في ( د ) : ( الاسعاف ) .
([6])
كذا في ( د ) وحاشية ابن عابدين . وفي ( م ) : (
بكفر ) .
([7])
في ( د ) : ( المعبرة ) .
([9])
( إن الله معنا ) لم ترد في ( م ) .
([10])
هذا الكلام ليس على إطلاقه ، وسيأتي تفصيل الأمر
إن شاء الله في متن هذه الرسالة .
([11])
هو حاتم بن عبد الله بن سعد الحشرج الطائي
القحطاني ، أبو عدي ، شاعر وفارس عاش في الجاهلية
، يضرب المثل بكرمه ، أدرك ابنه عدي الإسلام فاسم
، وله قصة مع النبي صلى الله عليه وسلم . الشعر
والشعراء : ص 70 ؛ تاريخ دمشق : 11/369.
([12])
زيادة من ( د ) . وكذا في حاشية ابن عابدين .
([13])
كذا في الأصل والأصح أنو شروان : بن قباذ بن فيروز
بن يزدجرد ، من مشاهير ملوك الفرس قبل الإسلام ،
تولى الملك سنة 523م ، ومات في عام الفيل سنة 570م
. تاريخ الطبري : 1/529 ؛ تاريخ ابن خلدون : 2/176
.
([14])
زيادة من المحقق كي يستقيم العنوان .
([15])
( أحدٌ ) سقطت من ( د ) . وكذا من حاشية ابن
عابدين .
([16])
في ( د ) : ( قابلية ) .
([17])
في ( م ) : ( عنائهم ) .
(
) انتهى نقل ابن عابدين : 7/162 .
([18])
في ( م ) : ( صح ) وفي ( د ) : ( صحيح ) ، وما
أثبتناه أنسب للسياق .
([19])
صحيح البخاري ، كتاب الديات ، باب قوله تعالى : أن
النفس بالنفس : 6/2521 ، رقم 6484 ؛ صحيح مسلم ،
كتاب القسامة ، باب ما يباح به دم المسلم : 3/1303
، رقم 1676 ؛ سنن الترمذي ، كتاب الديات ، باب لا
يحل دم أمرؤ مسلم إلا بإحدى ثلاث : 4/19 ، رقم
1402 ؛ سنن أبي داود ، كتاب الحدود ، باب الحكم
فيمن أرتد : 4/126 ، رقم 4352 ؛ سنن النسائي ،
كتاب القسامة ، باب القود : 8/13 ، رقم 4721 .
([20])
ما بين المعقوفتين زيادة من المسند .
([21])
المسند : 1/61 ، رقم 437 ؛ ومن الطريق نفسها أخرجه
أبو داود ، السنن ، كتاب الديات ، باب الإمام يأمر
بالعفو عن الدم : 4/170 ، رقم 4502 ؛ البيهقي ،
السنن الكبرى : 8/18 .
([22])
هذا على رأي الحنفية ، قال الشافعي :
((
يقال لتارك الصلاة : الصلاة عليك شيء لا يعمله عنك
غيرك ولا تكون إلا بعملك فإن صليت وإلا استتبناك
فإن تبت وإلا قتلناك
))
. الأم : 1/255
. وينظر رأي الحنابلة في المغني : 9/21 ؛ ورأي
المالكية في التاج والإكليل : 1/420 .
([23])
في ( د ) : ( بقول ) .
([24])
رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس : 3/343 ؛
وهو ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير
: 2/148 ؛ والألباني في ضعيف الجامع : رقم 5521 .
([25])
( بل هو ) سقطت من ( د ) .
([26])
( فإن المعاصي ) سقطت من ( د ) .
([27])
في ( د ) : ( يريد ) .
([28])
في ( د ) جاءت العبارة هكذا : ( شابه الكفر في
تركه ) .
([29])
في ( د ) : ( استخفاف ) .
([30])
الحديث أخرجه البخاري عن عكرمة أن عليا رضي الله
عنه حرق قوماً فبلغ ابن عباس فقال :
((
لو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم ، كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه
فاقتلوه
))
. الصحيح ، كتاب استتابة المرتدين ، باب حكم
المرتد : 6/2537 ، رقم 6524 ؛ وأخرجه الترمذي
أيضاً في سننه ، كتاب الحدود ، باب المرتد : 4/59
، رقم 1458 ؛ النسائي ، السنن ، كتاب تحريم الدم ،
باب الحكم في المرتد : 7/104 ، رقم 4059 ؛ أبو
داود ، السنن ، كتاب الحدود ، باب الحكم فيمن ارتد
: 4/126 ، رقم 4351 ؛ ابن ماجة ، السنن ، كتاب
الحدود ، باب المرتد عن دينه : 2/848 ، رقم 2535 ؛
الإمام أحمد ، المسند : 1/217 ، رقم 1874.
([31])
في ( د ) : ( فدخل ) .
([32])
احتج الفقهاء هنا بفعل أبي بكر الصديق
t
عندما قاتل من منع الزكاة فإنه يقاتل إن رفع السيف
وإلا أخذت منه الزكاة عنوةً من قبل الإمام . ينظر
تفاصيل هذه المسألة عند ابن قدامة ، المغني :
2/228 ؛ الكاساني ، بدائع الصنائع : 2/31 ؛ الخطيب
الشربيني ، مغني المحتاج : 1/381 ؛ شرح الزرقاني
على الموطأ : 2/170 .
([33])
في ( د ) : ( شعائرها ) .
([34])
محمد بن الحسن بن فرقد ، أبو ع |