من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

إثبات كفر من سب الصحابة عموماً أو الشيخين خصوصاً

فلنَرجع إلى مَا نَحن بصِددِهِ [ 4/أ ] مِنْ إثباتِ كفر مَنْ سَب الصّحابة عمُوماً أو سَب الشيخَين خصُوصاً ، فَلا شك في أنَّ أصول الأدِلةِ ثلاثة هَي : الكِتاب وَالسُنة وَإجمَاع الأمةِ ، فأمَّا الكتاب فَهوَ خالٍ عَن هَذا الخطَاب ، وكَذَا الإجماع مَفقود في هَذَا الباب ، فبَقي الأحَاديث وَهَي آحَاد الإسناد ، ظني الدَلالَة في مِقَام الأستِناد ، وَلهَذا لم يذكرها الفقهاء كفر الرافضي في كلماتِ([1]) الكفر وَلا في بَابِ الارتدَاد ، فإنْ كانَ عِندَ أحدٍ([2]) نقلَ قائلٍ([3]) للاعتِماد ، فعَليَه بالبيَان في معرض مِيدَان الاعتِقاد .

وإمَّا ما اشتهرَ عَلى ألسنة العَوَام من أنْ سبَّ الشيخَين كفر، فلم أرَ نقَلهُ صَريحاً ولا روَايته ضعيِفاً وَلا حَسَناً وَلا صحيحاً ، وعلى تقدير ثبُوتـِهِ وَتَسليم صِحتِهِ ، فَلاَ ينبَغي أن يحمل عَلى ظاهرِهِ ؛ لاحِتمالِ مَا تقدمَ مِنْ التأويلاَتِ في كفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ ، إذ لو حملَ الأحَادِيث كلهَا على الظَواهِر ، لأشكل ضبط القواعِد وَحِفظ النوادر ، وَحَيثُ يَدخل مِنهُ الاحتمال لاَ يَصلح الاستدلاَل ، لاَ سيما في قتل المُسلم وَتكفِيره ، وَقد قِيل : لو كان تسعَة وتسعَونَ دَليلاً عَلى كفر أحَد ، وَدليل وَاحد عَلى إسلاَمه ، ينبَغي للِمفتي أنْ يَعمل بذلكَ الدليل الوَاحِد ؛ لأن خطأه في خلاَصِه خيرٌ مِنْ خَطئه في حَدّهِ وَقصَاصِهِ .

لا يقال كيف نسبت قول سَبّ الشيخين كفر إلى العَوام ، مَع أنهُ مُذكوُر في بَعض كتب الفتَاوى لبَعض الأعلام ، فإنِّا نقول :لم أرَ نقله إلاَّ مِنْ المجهُولينَ الذينَ هم في طريق التحقيق غَير مَقبُوليَن ، فلاَ يعتبر في بَابِ الاعِتقاد الذي مَدَاره عَلى مَا يَصِح بِهِ الاعتماد .

[ حكم سب الصحابة عند الحنفية : ]

والحاصل : أنه ليس([4]) بمنقولٍ عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين كأبي حَنِيفة وأصحابه ، وَأمَّا غَيرهم فَهم رجَال وَنحنُ رجَال ، فلاَ نُقلد قَولهم مِنْ غَير دَليل عقلي وَنقلي ، يؤتى به مِنْ طَرِيق ظنّي أو قطعي ، مَع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب وَالسنة المروية [ 4/ب ] التي تفيد في العَقائد الدينية أو تفيد([5]) في القَواعدِ الفقهية ، فإن ما وَردَ فيها إمَّا ضَعِيف في سندِهِ أو مُؤول في مسَتندِهِ ، لئلا يعَارض القَواعِد الشرعية ، فإن القولَ بالتكفير مُعارض لمـَّا نص عليه أبُو حَنِيفة في ( الفِقه الأكبَر ) ، مُوافقٌ لـمَّا عَليه جَمع المتكلِميَن مِنْ أهل القبِلة لا يكفر ، وعليه الأئمة الثلاثة مِنْ مَالِك وَالشافِعي وَأحمد ، وَسَائر أهل العِلم المعتَمد في المعتقد .

وَقد صرحَ العلامة([6]) التفتازَاني([7]) في ( شرح العَقائد ) ([8]) بأن سَب الصَحابة بدعَة وفسق([9]) ، وكـذا صَرح أبُو الشكور السالمي([10]) في ( تمهيده ) ([11]) : أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليسَ بكفر ، وَقد وَردَ عَنهُ e : (( أن مَنْ سَب الأنبيَاء قتل ، ومَنْ سَب أصحَابي جلد )) رَواهُ الطبَراني عن علي كرمَ الله وَجهَهُ([12]) ، رَواه أيضاً عَن ابن عَباس : (( مَنْ سَبّ أصحَابي فعَلَيه لعَنةُ اللهِ وَالملائكة وَالنَّاسِ أجَمعِينَ )) ([13]) .

ثم لا وَجه لتخصِيص الشيخَين فيما ذكر ، فإن حكم الحسَنين كذلك ، بَل سائر الصحَابة هنالك ، كما يُستفَاد مِنْ([14]) عُموم الأحَاديثِ وَخُصوصها ، فَقد ورَدَ عَنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلاَم : (( مَنْ سَبّ عَليَّاً فَقَد سَبني ، وَمَنْ سَبني فَقَد سَبَّ الله )) رَواهُ أحَمد وَالحاكم عَن أمِّ سَلَمة([15]) .

بَل وَقد بالغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقال : (( مَنْ سَب العَرب فأولئكَ هُم المشركونَ )) روَاهُ البيهَقي عَن عُمر t([16]) .

إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه أراد باللام الاستغراق ، أو الجنس الشامِل للنبي الصَّلاة وَالسَّلام بالاتفاق ، فَهذا تحقيق هذِهِ المَسألةَ المشكلة عَلى مَا ذكرَ في ( الموَاقف ) ([17]) .

وأمَّا مَا في كتب([18]) العَقائد ، فمَنْ اعتقد غَير هذاَ فليَحذر([19]) عقيَدته ، وَليَتب عَن تعَصّبه وَحمَاقتِهِ ، وَيترك حمية جاهليته ، وإلاَّ فيلهث([20]) غِيَظاً على حقدِهِ وحسَدِهِ وَطغيتهِ ، وَيُدفن في تربة خباثته وَنجاسُته ظنيته إلى أن يتَبينَ بُطلان مَظنته في سَاعَة قيامتهِ [ 5/أ ] ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [ الطارق : 9 ]  ، فَيظهر ضمائر وَيتمَيز الكفر مِنْ الإسلام وَالكبائر مِنْ الصغَائر .

 ثم [ مَنْ ] ([21]) ادعى بطلان هَذا البيان ، فعَليَه أن يظهر في ميدان البَرهان ، إمَّا بتقرير اللسَان هو ، وَإمَّا بتحرير البَيان والله المستعان ، وَالحِق يَعلو ولا يعلى إلا([22]) البطلان ، وَقد ثبـت عنه عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلام : (( أن الله يَبِعَث لِهَذِهِ الأمة على رأس مائة سَنة مَنْ يجدد لها دِينها )) وَرَوَاه أبو دَاود وَالحـاكم وَالبيهَقي فـي ( المَعرفة ) عَن أبي هريرة([23]) .

فوالله العَظيم ، وربَّ النبي الكَريم ، أني لَو عَرفت أحَداً أعلم مِنّي بالكِتَاب وَالسّنة ، مِنْ جهة مَبناها أو مِنْ طريق مَعناها([24]) ، لَقصَدت إلَيه ولو حبواً بالوقوف لَدَيه ، وهذا لا أقوله([25]) فَخراً ، بَل تَحدّثاً بنعِمةِ الله وَشكراً ، وَاستزيد مِنْ ربي مَا يَكون لي ذِخراً . 

حديث : من سب أصحابي فعليه لعنة الله :

نَعَمْ ورَد : (( حبُّ أبي بكر وَعُمَر رَضي اللهُ عَنهما مِنْ الإيمان وَبغضهَما كفر ، وَحبُّ الأنصَار مِنْ الإيمان وَبغضهَم كفر ، وَحبُّ العَرب مِنْ الإيمان وَبغضهم كفر ، وَمِنْ سبّ أصحَابي فعَلَيه لَعنة الله، ومـَنْ حَفظني فيهم فأنا أحفظ يَوم القيامة )) رواه ابن عَسَاكر عَن جَابر([26]) .

المراد بالكفر كفران النعمة :

وَالـمُراد بالكفرِ كفران النعمة أو كفر دونَ كفرٍ ، أو أريد به التغلِيظ وَالوعيد والتهديد الشدِيد مُبَالغة في الزجر وَالنهي ، كَمَا هو مَعروف في الكتابِ وَالسّنة .

سباب المسلم :

وجاءَ في حَدِيثٍ كادَ([27]) أنْ يكُونَ مُتَواتراً : (( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ )) رَواهُ أحَمد وَالبخارِي وَالترمذِي وَالنسَائي وَابن مَاجَة عَن ابن مَسْعُود([28]) .

وَابن مَاجَة أيضاً عَن أبي هريَرة([29]) وعَن سَعد([30]) ، وَالطبَراني عَن عَبد الله بن مغفل([31]) ، وَعن عمَرو بن([32]) النعمان بن مقرن([33]) ، والدّارقطني في ( الأفراد ) عن جابر ، وَالطبَراني أيضـاً عـَن ابن مـسعود ، وَزادَ : (( وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ )) ([34]) .

فَهِذا الحَديثِ صَريح في أنَّ سَبَّ المُسْلِمِ فسق غاية أنَّ الفسق لَهُ المراتب ، كَمَا أن المُسلمينَ([35]) لهم تفَاوُت باختِلافِ المناقِبِ ، كَمَا رَوى ابن عسَاكر [ 5/ب ] عن البَراء موَقوفاً : (( لا تسبّوا أصحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوَالذِي نفسِي بيدِهِ لمقامُ أحَدهم مَع رَسُولِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضَل مِنْ عَمل أحَدكم عُمره )) ([36]) فكأنه أشارَ إلى قوله تعَالى : ﴿ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مـِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ ًوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [ الحديد : 10 ] .

[ ذم التعصب في دين الله ] :

ثُمَّ اعلم أنَّ التعَصب في دِينِ اللهِ [ تعَالَى ] ([37]) على وَجه التشدد وَالتصَلب ممنوع وَمَحظور ؛ لأنه يترتب عَلَيه أمُور في كلِّ مِنها ضَرر ومحذور ، قَالَ الله تَعَالَى : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ﴾ [ النساء : 171 ] ، و ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [ المائدة : 77 ] ، وقالَ عَز وَجل : ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 46 ] .

وَقالَ سُبحانه : ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [ الأنعام : 108 ] وَاستدَل بهذِهِ الآية شيخِنَا المبرور([38]) المغفُور محمد بن أبي الحسَن البكري([39]) ، في منع معرف كان بمكةَ في مقام الحنفي ، ويقولُ بالصوتِ الَجلي : (( لعَن الله الرافضَة من الأوبَاشِ وَطائفَة القزلباش([40]) )) ، وقالَ هَذا يكون تسبيباً سَبهم([41]) طائفة أهل السّنة وَالجماعة ، كَمَا عَلَيْه أهل العِناد في الصناعةِ .

وَلقد صَدقَ الصديقي([42]) في مَقامِه الحقيقي ، وَوَافق كلام أستاذي المرحُوم في عِلم القراءة ، مَولانا معين الدين بن الحافظ زين([43]) الدين([44]) من أهل زيارتكاه ، وهوَ أول مِنْ استشهد أيام الرافضَة في سَبيلِ الله ، وَذلك أنه لما ظهَر سُلطانهم المسَمى بشاه إسمِاعيل([45]) ، وَفتحَ مَلك العِراق بَعدَ القالَ والقيل([46]) ، وَفشوّا القِتال وَالقتِيل ، أرسَلَ إلى خراسان مكتوباً فيه إظهار غلبَته في هَذا الشأن ، وكَتبَ [ 6/أ ] في آخِرهِ ِسَبّ بَعض الصحَابة مِنْ الأكابر والأعيان .

وكانَ الحِافظ المذكور خَطيباً في جامع بَلد هراة المشهُور ، فأمرَ بقراءتهِ فوَقَ المنبر بالاملاء عندَ حضُور العلماء والمشَائخ وَالأمَراء ، ومِنْ جُملِتهم العَلامَة الوَلي شيخ الإسلام الهروي([47]) سبط المحقق الرباني مَولانا سعد الدين التفتازاني ، فلما وَصَل الخطيب إلى مَحِل السَبِّ انتقل مِنه([48]) عَلى طَريق الأدب ، فتعصّب كلاَب([49]) الأرفاض لهَذَا السبب ، وقالوا : تركت المقصُود الأعظم وَالمطلوب الأفخم ، فأعد الكلام لتكُون على وجه التمَام ، وَتوقف الَخطيبُ في ذلك المقام ، فأشارَ شيخ الإسلام إليه أن يقرأ ما هو المسطور لَدَيه ، لأن عَندَ الإكراه([50]) لا جناحَ عَليه ، فأبى عَن السبِّ وصمم عَلى اختيار العزيمة على الرخصة([51]) الذميمة ، فنـزلوُه وقتلوه وحَرقوه .

ثُمَّ لمَا جاءَ السلطَان إلى خراسَان ، وطلبَ شيخ الإسلام وسائر أكابر الزمان ، وأمرَ الشيخَ بالسبِّ في ذلك المكان ، أمتنعَ عَنه رضاء للرحمةِ ، فاعترضَ عَليه بأنَّك أمرتَ بِهِ الخطيب سَابقاً ، فكيَفَ تخالف الأمر لاحقاً ، فقالَ : (( ذاكَ فتوى ، وَهَذا كَمَا ترى تقوى ، وَأيضاً ذلكَ الوُقت كانَ أيامَ الفتنة التامة ، وَهجُوم الخلائق وَالعَامة ، وَرأيت اليَوم في تَخت السّلطنة التي تجبُ عليك فيه العَدَالة ، وَسماعَ مَا يتعَلق بِهَذِهِ المقَالَة ، وَتَصحِيح مَا يكُون العَمل بِهِ أولى في هَذِهِ الحَالَة )) .

 فسَألَهُ عَن كيفِيته وَتحقِيق مَاهِيته وكميته ؟ .

فقالَ له : (( أفعلْ أحَد [ هذين ] ([52]) الشيئين مِنْ الأمرَين الحسنين :

أولهما : أني اثبت لك أنَّ مذهب أهل السنة وَالجماعَة هو الحق وغيره هُوَ البَاطِل المطلق ، وذلك بأني أظهر لكَ تصَانيفَ آبائكَ وَأجدَادكَ مِنْ المَشائخ الذين سَلَفوا في بلادكَ بخطُوطهم ، وَتعمل بما في سُطوُرهم  وفق مَا في صدوُرهم ، وإنْ كانُوا الآن في قبورهم .

 وَثانِيهما : أنَّكَ تنادي عُلماء مذهَبك [ 6/ب ] وفضلاء مشربك فتبَاحثت في مَجلسكَ ، فمَنْ غَلب في الحجة نَقلاً وَعقلاً ، فَيُتِبع فرعاً وأصلاً )) .

 فشاور وزرائه وأمرَائه وعلمائه وفقهائه([53]) ، فقالُوا لهُ : (( هَذَا عَالمٌ كبَيرٌ وفضله كثير لا يغلبه أحَدٌ منا في الكلاَمِ ، و آبائكَ وَأجدَادكَ صَنفوا([54]) في زمَان السنة ، وَكانَ يجبُ عَليهم التقيَّة في هَذِهِ القضِية )) فتبعهم وَصَارَ مِنْ أهل الطغيان وَالكفران ، كفرعَونَ حَيثُ شاورَ هَامَانَ ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداً .

والحاصل : أن ولدَ الخطيب([55]) الذي هوَ أستاذي الأديب ، كانَ يقولُ : إنَّ زيادة التعَصب وَالعناد فـي هَذِهِ الطائفة اللعِينة ، إنما وقعَت مِنْ تعَصبَاتِ([56]) الطبقة الأزبكية([57]) ، حَيثُ إذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مَرقٍ أو مسَحَ عَلى رجلهِ([58]) ، أو وَضعَ حَجراً في مَسجدِهِ قتلوُه ، فعَارضَهم بأن مَنْ غسَل رجله أو مسَحَ رقبتِهِ وَأذنِهِ قَتلوُه ، وكلُّ مَنْ صَلى مُرسِلاً يدَيه قتلهُ هؤلاء ، فعارضُوهم بأن مَنْ صلى وَاضِعاً يَديه قتَلوُه ، إلى([59]) أن زدَادَ التعَصب بَينَ الطائفتين .

فَمَنْ سَبَّ الصحَابة وَلو مَكرهاً قتلوهُ ، فَزادُوا عَلَيهم في القبَاحَةِ وَالوقاحَةِ ، بأن أمرُوا أهلَ السّنة بسَبِّ الصحَابة فَمَنْ امتنعَ عَنه([60]) قتلوُه ، وأشتد الأمرُ عَلى القبيلَتَين حَتى كان مَدَار العقيدَة عَلى هَذا بَينَ([61]) المـَسْألتين ، وَكفَّر كل وَاحِد غيره مِنْ الطائفَتين([62]) .

[ أصل الفساد بسبب ترك السنة وفعل البدعة : ]

وَأصل هَذا الفساد ، وَإنما وقعَ بَينَ العِبادِ وَشايَة ترك السّنة وَفعل البدعَة ، حَيثُ اختارَ بَعض السلاَطين وَالأمَراء أنْ يذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ عَلى ألسَنةِ الخطبَاءِ ، فقِيل لهمُ لم يتصَور ذَلكَ بأن يذكر الخلفاء الأربَعة أولاً هنالك .

ثم أحدثَ بنو أمية سَبَّ علي وَاتباعه في الخطبة مُدة مَعُينة([63]) ، إلى أنْ أظهرَ الله سُبحانه عُمَر بن عبد العزيز([64]) [ وأعز الله الإسلام به انتهاء ، كما أعزَّ الله الإسلام بعمر بن الخطاب ] ([65]) ابتداءً ، فاظهر غاية العَدَالة وَنهاية الرعَاية في الرغبَة وَالجمَالة ، فأول مـَا خطـبَ([66]) عُمَر هـذا عـلى المنبر ، حَمدَ اللهَ سبُحانه([67]) وأثنى وَشكر وَوعظ وَنصح لمن اعتبَرَ [ 7/أ ] ثم لـمَّا وَصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخطباء لخاتم الخلفاء وخاتم الحنَفاء قَرأ هَذِهِ الآية : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ النحل :90 ] أوصيكم عِبادَ اللهِ بتقوى الله ، وَنزلَ عَن المنبَرِ ، فصَارَ قراءة هَذِهِ الآيَة المقررَة المعتبرة([68]) .

 


 

([1]) في ( م ) : ( وكلمات ) .

([2]) في ( د ) : ( واحد ) .

([3]) في ( د ) : ( قابل بل ) .

([4]) ( أنه ليس ) سقطت من ( د ) .

([5]) في ( د ) : ( تعتبر ) .

([6]) في الأصل ( علامة ) ولا تصح ، وقد سقطت هذه الكلمة من ( د ) .

([7]) هو سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني ، من أئمة العربية والفقه والمنطق والبيان ، له مؤلفات عديدة ، وفاته سنة 793هـ . الدرر الكامنة : 6/112 ؛ شذرات الذهب : 6/391 .

([8]) المسماة ( شرح العقائد النسفية ) . هدية العارفين : 2/430 .

([9]) كذا ذكر المؤلف ، وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء ، قال القاضي أبو يعلى : (( الذي عليه الفقهاء في سبِّ الصحابة ، إن كان مستحلاً لذلك كفر ، وإن لم يكن مستحلاً فسق ، ولم يكفر سواء كفرّهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم ، وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة )) . الصارم المسلول : 3/1061 .

([10]) هو أبو شكور محمد بن عبد السيد بن شعيب الكشي السالمي الحنفي . كشف الظنون : 1/484 .

([11]) هو ( التمهيد في بيان التوحيد ) ، قال حاجي خليفة : (( وهو مختصر في أصول المعرفة والتوحيد )) . كشف الظنون : 1/484 .

([12]) المعجم الصغير : 1/393 ؛ ابن عساكر ، تاريخ دمشق : 38/103 . قال الهيثمي : (( وفيه عبيد الله بن محمد العمري ، رماه النسائي بالكذب )) . ( مجمع الزوائد : 6/260 ، والحديث ( موضوع ) كما حكم عليه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع : رقم 5616 .

([13]) المعجم الكبير : 12/142 ، رقم 12709 ؛ الخلال ، السنة : 3/515 ؛ ابن عدي ، الكامل : 5/212 ؛ الجرجاني ، تاريخ جرجان : ص 274 . قال الشيخ الألباني ( حديث حسن ) . الجامع الصحيح : رقم 6285 .

([14]) في ( د ) : ( عن ) .

([15]) مسند الإمام أحمد : 6/323 ، رقم 26791 ؛ المستدرك : 3/130 ، رقم 4615 ؛ ابن عساكر ، تاريخ دمشق : 42/266 . والحديث في إسناده أبو عبد الله الجدلي واسمه : عبد بن عبد ، وثقه ابن حبان ( تهذيب التهذيب : 12/165 ) ، ورماه ابن سعد بالتشيع حيث قال : (( يستضعف في حديثه ، وكان شديد التشيع )) . ( الطبقات : 6/228 ) . ولهذا السبب قال الشيخ الألباني عن الحديث ( ضعيف ) ، كما في ضعيف الجامع : رقم 5681 .  

([16]) الحديث أخرجه ابن عدي ، الكامل : 6/379 ؛ العقيلي ، الضعفاء : 4/217 ؛ البيهقي ، شعب الإيمان : 2/231 ؛ الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد : 10/294 . والحديث ( موضوع ) كما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة مطرف بن معقل ( لسان الميزان : 6/48 ) . وهو الحكم نفسه الذي أطلقه الألباني على الحديث . ضعيف الجامع : 5617 .

([17]) كتاب ( المواقف في علم الكلام ) تصنيف عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الأيجي القاضي ( ت 756هـ ) . حيث يشير القاري إلى قول الإيجي في آخر كتابه : (( ولا نكفر أحداً من أهل القبلة ، إلا بما فيه نفي للصانع والأفضلية القادر العليم أو شرك أو إنكار للنبوة ، أو ما علم مجيئه ضرورة ، أو لمجمع عليه كاستحلال المحرمات ، وأما ما عداه فالقائل به مبتدع غير كافر )) . الموقف : ص 717 .   

([18]) في ( د ) وردت العبارة : ( وفي كتب العقائد ) .

([19]) في ( د ) : ( فليجدد ) .

([20]) في ( د ) : ( فليمت ) .

([21]) زيادة من : ( د ) .

([22]) كذا في النسختين .

([23]) سنن أبي داود ، كتاب الملاحم ، باب ما يذكر في قرن المائة : 4/109 ، رقم 4291 ؛ المستدرك : 4/567 ، رقم 8592 ؛ الطبراني ، المعجم الأوسط : 6/324 ؛ تاريخ بغداد : 2/61 ؛ الداني ، السنن الواردة في الفتن : 3/743 . الحديث صححه الحاكم ، قال العجلوني : ورجاله ثقات : ( كشف الخفاء : 1/282 ) . قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) . صحيح الجامع : رقم 1874 .

([24]) في ( د ) : ( معناهما ) .

([25]) كذا في النسختين ( أقول ) .

([26]) تاريخ دمشق : 44/222 . وأخرجه ابن عساكر من طريق علي بن الحسن وهو : بن يعمر الشامي المصري ، قال ابن عدي : (( أحاديثه بواطل لا أصل لها )) ، وقال ابن حبان : (( يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم ، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب )) . ( ابن الجوزي ، الضعفاء والمتروكين : 2/192 ) . وأخذه الشامي عن خليد بن دعلج ، وهذا الأخير وإن كان أحاله أفضل من حال تلميذه ، إلا أنه ضعيف أيضاً كما ذكر الحافظ ابن حجر ( تقريب التقريب : ص 195 ) ، وقال عنه ابن المديني : (( روى المناكير )) . ( المغني في الضعفاء : 1/129 ) . فالحديث أقل ما يقال عنه أنه ( ضعيف جداً ) .

([27]) في ( د ) : ( كان ) .

([28]) مسند الإمام أحمد : 1/385 ، رقم 3639 ؛ صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله : 1/27 ، رقم 48 ؛ صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب قول النبي e باب المسلم فسوق : 1/81 ، رقم 64 ؛ سنن الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في الشتم : 5/21 ، رقم 1983 ؛ سنن النسائي ، كتاب تحريم الدم ، باب قتال المسلم : 7/121 ، رقم 4105 ؛ سنن ابن ماجة ، باب في الإيمان : 1/27 ، رقم 69 .

([29]) سنن ابن ماجة ، كتاب الفتن ، باب سباب المسلم فسوق : 2/3000 ، رقم 3940 .

([30]) سنن ابن ماجة ، كتاب الفتن ، باب سباب المسلم فسوق : 2/1300 ، رقم 3941 .

([31]) في ( م ) : ( مفضل ) . والحديث في المعجم الأوسط : 1/223 . وعبد الله بن مغفل بن غنم المازني ، صاحبي شهد بيعة الشجرة ، ووفاته بالبصرة سنة 59هـ . الاستيعاب : 3/996 ؛ الإصابة : 4/242 .

([32]) ( عمرو بن ) سقطت من ( د ) .

([33]) المعجم الكبير : 17/39 ، رقم 80 . عمرو بن النعمان بن مقرن المازني ، والده من مشاهير الصحابة ، واختلف في رفع روايته ، ورجح الحافظ ابن حجر كونها مرسلة ، ثم أورد هذا الحديث . الإصابة : 4/693 .

([34]) المعجم الكبير : 10/159 ، رقم 10316 ؛ وأخرجه الإمام أحمد في مسنده : 1/446 ، رقم 4262 ؛ أبو يعلى، المسند : 9/55 ، رقم 5119 . قال الشيخ الألباني ( حسن ) . الجامع الصحيح : رقم 3596 .

([35]) في ( د ) : ( للمسلمين ) .

([36]) ابن عساكر ، تاريخ دمشق : 18/398 ؛ وأخرجه أيضاً ابن عدي ، الكامل : 7/190.

([37]) زيادة من ( د ) .

([38]) في ( م ) : ( المبرد ) .

([39]) هو قطب الدين محمد بن الشيخ أبي الحسن محمد بن محمد الشافعي الأشعري المصري الصديقي البكري ، يعود نسبه إلى أبي بكر الصديق ، برع في الكلام والتفسير والأصول ، وفاته سنة 993هـ . النور السافر : ص 369 ؛ شذرات الذهب : 4/431 .

([40]) القزلباش : من أشد القبائل في إيران وأصلهم تركي يتكون من تسع قبائل ، وقد كان أفراد كثيرون قد أسرهم تيمور لنك بعد انتصاره العثمانيين ثم توسط ( خواجة علي سياهمبوش ) في فك أسرهم ، ومنذ ذلك الوقت التفوا حول الأسرة الصفوية وقدموا لها فروض الطاعة ، وكانوا من أشد المناصرين لها ، وكان دعمهم العسكري من أبرز وسائل القوة التي مكنت الصفويين من السيطرة على إيران . الدولة الصفوية : ص 41 .

([41]) في ( د ) : ( بسبهم ) .

([42]) يعني به شيخه محمد بن أبي الحسن البكري الذي مر ذكره قبل قليل .

([43]) في ( م ) : ( بن ) .

([44]) هو معين الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسني الأيجي الشافعي الصفوي ، مفسر له أكثر من مؤلف ، وفاته سنة 905هـ . الضوء اللامع : 8/37 ؛ كشف الظنون : 1/610 ؛ الموسوعة الميسرة : ص 2148 .

([45]) هو إسماعيل بن حيدر بن جنيد الصفوي ، يعيد الشيعة نسبه إلى موسى الكاظم ، ولم يكن أهله من الملوك وإنما كانوا من مشائخ الصوفية ، ولكن عندما تغلب على الأمور في تبريز وقوي أمره أظهر عقيدة الإمامية في إيران، وتعصب لذلك وقتل كل من يعترض أمر عقيدته ، فقتل العلماء والعامة على السواء ، قـال الشوكاني : (( كاد أن يدعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره )) مات في سنة 931هـ/ 1620م . البدر الطالع : 1/271 ؛ أعيان الشيعة : 3/321 .

([46]) في ( د ) : ( القيل والقال ) .

([47]) هو سيف الدين أحمد بن محمد بن سعد الدين مسعود التفتازاني الحنفي ، يعرف بحفيد التفتازاني ، رئيس العلماء بهراة ، قتل سنة 916هـ . هدية العارفين : 1/138 .

([48]) في ( د ) : ( عنه ) .

([49]) في ( د ) : ( كلام ) .

([50]) في ( م ) : ( الإكرام ) .

([51]) في ( د ) : ( الرفضة ) .

([52]) زيادة من ( د ) .

([53]) في كلا النسختين : ( وزرائه وأمرائه وعلمائه وفقهائه ) .

([54]) في ( م ) : ( صنعوا ) .

([55]) هو علاء الدين أبو الحسن علي بن جلال الدين محمد البكري الصديقي الشافعي ، كان بارعاً في الفقه والتفسير والتصوف ، وفاته سنة 952هـ .النور السافر : ص 369 ؛  شذرات الذهب : 8/292 .

([56]) في ( م ) : ( التعصبات ) .

([57]) نسبة إلى أزبك خان ، وهي قبائل وفدت إلى إيران من هضاب آسيا ، وكان هؤلاء على مذهب أهل السنة والجماعة ، ودخلوا في صراع عنيف مع الصفويين ، ولكن الإمكانيات المتواضعة للأزبك جعلت كفة الصفويين هي الراجحة في معظم المعارك . الدولة الصفوية : ص 55 .

([58]) في ( د ) : ( رجليه ) .

([59]) في ( م ) : ( إلا ) .

([60]) (عنه ) سقطت من ( د ) .

([61]) في ( د ) : ( هذين ) .

([62]) يتضح من كلام القاري هنا أنه كان شاهد عيان على هذه الأحداث التي كان معاصراً لها ، خاصة ما قام به الصفويون من مجازر في حق أهل السنة في إيران .

([63]) لم يثبت بسند معتبر أن بني أمية سبوا علياً أو أهل بيته ، وهي من الأخطاء الشائعة تاريخياً التي نبه عليها العلماء ، وبينوا عدم صحتها .

([64]) في ( م ) ( الخطاب ) .

([65])  زيادة من ( د ) .

([66]) في ( م ) : ( ظهر ) .

([67]) في ( د ) : ( تعالى ) .

([68]) لم ترد هذه الرواية أيضاً بسند معتبر ، بل وردت في كتب التاريخ على سبيل الحكاية . ينظر : الكامل في التاريخ : 4/315 .

 

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter