من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

إثبات كفر من سب الصحابة عموماً أو الشيخين خصوصاً

فلنَرجع إلى مَا نَحن بصِددِهِ [ 4/أ ] مِنْ إثباتِ كفر مَنْ سَب الصّحابة عمُوماً أو سَب الشيخَين خصُوصاً ، فَلا شك في أنَّ أصول الأدِلةِ ثلاثة هَي : الكِتاب وَالسُنة وَإجمَاع الأمةِ ، فأمَّا الكتاب فَهوَ خالٍ عَن هَذا الخطَاب ، وكَذَا الإجماع مَفقود في هَذَا الباب ، فبَقي الأحَاديث وَهَي آحَاد الإسناد ، ظني الدَلالَة في مِقَام الأستِناد ، وَلهَذا لم يذكرها الفقهاء كفر الرافضي في كلماتِ([1]) الكفر وَلا في بَابِ الارتدَاد ، فإنْ كانَ عِندَ أحدٍ([2]) نقلَ قائلٍ([3]) للاعتِماد ، فعَليَه بالبيَان في معرض مِيدَان الاعتِقاد .

وإمَّا ما اشتهرَ عَلى ألسنة العَوَام من أنْ سبَّ الشيخَين كفر، فلم أرَ نقَلهُ صَريحاً ولا روَايته ضعيِفاً وَلا حَسَناً وَلا صحيحاً ، وعلى تقدير ثبُوتـِهِ وَتَسليم صِحتِهِ ، فَلاَ ينبَغي أن يحمل عَلى ظاهرِهِ ؛ لاحِتمالِ مَا تقدمَ مِنْ التأويلاَتِ في كفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ ، إذ لو حملَ الأحَادِيث كلهَا على الظَواهِر ، لأشكل ضبط القواعِد وَحِفظ النوادر ، وَحَيثُ يَدخل مِنهُ الاحتمال لاَ يَصلح الاستدلاَل ، لاَ سيما في قتل المُسلم وَتكفِيره ، وَقد قِيل : لو كان تسعَة وتسعَونَ دَليلاً عَلى كفر أحَد ، وَدليل وَاحد عَلى إسلاَمه ، ينبَغي للِمفتي أنْ يَعمل بذلكَ الدليل الوَاحِد ؛ لأن خطأه في خلاَصِه خيرٌ مِنْ خَطئه في حَدّهِ وَقصَاصِهِ .

لا يقال كيف نسبت قول سَبّ الشيخين كفر إلى العَوام ، مَع أنهُ مُذكوُر في بَعض كتب الفتَاوى لبَعض الأعلام ، فإنِّا نقول :لم أرَ نقله إلاَّ مِنْ المجهُولينَ الذينَ هم في طريق التحقيق غَير مَقبُوليَن ، فلاَ يعتبر في بَابِ الاعِتقاد الذي مَدَاره عَلى مَا يَصِح بِهِ الاعتماد .

[ حكم سب الصحابة عند الحنفية : ]

والحاصل : أنه ليس([4]) بمنقولٍ عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين كأبي حَنِيفة وأصحابه ، وَأمَّا غَيرهم فَهم رجَال وَنحنُ رجَال ، فلاَ نُقلد قَولهم مِنْ غَير دَليل عقلي وَنقلي ، يؤتى به مِنْ طَرِيق ظنّي أو قطعي ، مَع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب وَالسنة المروية [ 4/ب ] التي تفيد في العَقائد الدينية أو تفيد([5]) في القَواعدِ الفقهية ، فإن ما وَردَ فيها إمَّا ضَعِيف في سندِهِ أو مُؤول في مسَتندِهِ ، لئلا يعَارض القَواعِد الشرعية ، فإن القولَ بالتكفير مُعارض لمـَّا نص عليه أبُو حَنِيفة في ( الفِقه الأكبَر ) ، مُوافقٌ لـمَّا عَليه جَمع المتكلِميَن مِنْ أهل القبِلة لا يكفر ، وعليه الأئمة الثلاثة مِنْ مَالِك وَالشافِعي وَأحمد ، وَسَائر أهل العِلم المعتَمد في المعتقد .

وَقد صرحَ العلامة([6]) التفتازَاني([7]) في ( شرح العَقائد ) ([8]) بأن سَب الصَحابة بدعَة وفسق([9]) ، وكـذا صَرح أبُو الشكور السالمي([10]) في ( تمهيده ) ([11]) : أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليسَ بكفر ، وَقد وَردَ عَنهُ e : (( أن مَنْ سَب الأنبيَاء قتل ، ومَنْ سَب أصحَابي جلد )) رَواهُ الطبَراني عن علي كرمَ الله وَجهَهُ([12]) ، رَواه أيضاً عَن ابن عَباس : (( مَنْ سَبّ أصحَابي فعَلَيه لعَنةُ اللهِ وَالملائكة وَالنَّاسِ أجَمعِينَ )) ([13]) .

ثم لا وَجه لتخصِيص الشيخَين فيما ذكر ، فإن حكم الحسَنين كذلك ، بَل سائر الصحَابة هنالك ، كما يُستفَاد مِنْ([14]) عُموم الأحَاديثِ وَخُصوصها ، فَقد ورَدَ عَنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلاَم : (( مَنْ سَبّ عَليَّاً فَقَد سَبني ، وَمَنْ سَبني فَقَد سَبَّ الله )) رَواهُ أحَمد وَالحاكم عَن أمِّ سَلَمة([15]) .

بَل وَقد بالغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقال : (( مَنْ سَب العَرب فأولئكَ هُم المشركونَ )) روَاهُ البيهَقي عَن عُمر t([16]) .

إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه أراد باللام الاستغراق ، أو الجنس الشامِل للنبي الصَّلاة وَالسَّلام بالاتفاق ، فَهذا تحقيق هذِهِ المَسألةَ المشكلة عَلى مَا ذكرَ في ( الموَاقف ) ([17]) .

وأمَّا مَا في كتب([18]) العَقائد ، فمَنْ اعتقد غَير هذاَ فليَحذر([19]) عقيَدته ، وَليَتب عَن تعَصّبه وَحمَاقتِهِ ، وَيترك حمية جاهليته ، وإلاَّ فيلهث([20]) غِيَظاً على حقدِهِ وحسَدِهِ وَطغيتهِ ، وَيُدفن في تربة خباثته وَنجاسُته ظنيته إلى أن يتَبينَ بُطلان مَظنته في سَاعَة قيامتهِ [ 5/أ ] ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [ الطارق : 9 ]  ، فَيظهر ضمائر وَيتمَيز الكفر مِنْ الإسلام وَالكبائر مِنْ الصغَائر .

 ثم [ مَنْ ] ([21]) ادعى بطلان هَذا البيان ، فعَليَه أن يظهر في ميدان البَرهان ، إمَّا بتقرير اللسَان هو ، وَإمَّا بتحرير البَيان والله المستعان ، وَالحِق يَعلو ولا يعلى إلا([22]) البطلان ، وَقد ثبـت عنه عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلام : (( أن الله يَبِعَث لِهَذِهِ الأمة على رأس مائة سَنة مَنْ يجدد لها دِينها )) وَرَوَاه أبو دَاود وَالحـاكم وَالبيهَقي فـي ( المَعرفة ) عَن أبي هريرة([23]) .

فوالله العَظيم ، وربَّ النبي الكَريم ، أني لَو عَرفت أحَداً أعلم مِنّي بالكِتَاب وَالسّنة ، مِنْ جهة مَبناها أو مِنْ طريق مَعناها([24]) ، لَقصَدت إلَيه ولو حبواً بالوقوف لَدَيه ، وهذا لا أقوله([25]) فَخراً ، بَل تَحدّثاً بنعِمةِ الله وَشكراً ، وَاستزيد مِنْ ربي مَا يَكون لي ذِخراً . 

حديث : من سب أصحابي فعليه لعنة الله :

نَعَمْ ورَد : (( حبُّ أبي بكر وَعُمَر رَضي اللهُ عَنهما مِنْ الإيمان وَبغضهَما كفر ، وَحبُّ الأنصَار مِنْ الإيمان وَبغضهَم كفر ، وَحبُّ العَرب مِنْ الإيمان وَبغضهم كفر ، وَمِنْ سبّ أصحَابي فعَلَيه لَعنة الله، ومـَنْ حَفظني فيهم فأنا أحفظ يَوم القيامة )) رواه ابن عَسَاكر عَن جَابر([26]) .

المراد بالكفر كفران النعمة :

وَالـمُراد بالكفرِ كفران النعمة أو كفر دونَ كفرٍ ، أو أريد به التغلِيظ وَالوعيد والتهديد الشدِيد مُبَالغة في الزجر وَالنهي ، كَمَا هو مَعروف في الكتابِ وَالسّنة .

سباب المسلم :

وجاءَ في حَدِيثٍ كادَ([27]) أنْ يكُونَ مُتَواتراً : (( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ )) رَواهُ أحَمد وَالبخارِي وَالترمذِي وَالنسَائي وَابن مَاجَة عَن ابن مَسْعُود([28]) .

وَابن مَاجَة أيضاً عَن أبي هريَرة([29]) وعَن سَعد([30]) ، وَالطبَراني عَن عَبد الله بن مغفل([31]) ، وَعن عمَرو بن([32]) النعمان بن مقرن([33]) ، والدّارقطني في ( الأفراد ) عن جابر ، وَالطبَراني أيضـاً عـَن ابن مـسعود ، وَزادَ : (( وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ )) ([34]) .

فَهِذا الحَديثِ صَريح في أنَّ سَبَّ المُسْلِمِ فسق غاية أنَّ الفسق لَهُ المراتب ، كَمَا أن المُسلمينَ([35]) لهم تفَاوُت باختِلافِ المناقِبِ ، كَمَا رَوى ابن عسَاكر [ 5/ب ] عن البَراء موَقوفاً : (( لا تسبّوا أصحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوَالذِي نفسِي بيدِهِ لمقامُ أحَدهم مَع رَسُولِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضَل مِنْ عَمل أحَدكم عُمره )) ([36]) فكأنه أشارَ إلى قوله تعَالى : ﴿ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مـِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ ًوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [ الحديد : 10 ] .

[ ذم التعصب في دين الله ] :

ثُمَّ اعلم أنَّ التعَصب في دِينِ اللهِ [ تعَالَى ] ([37]) على وَجه التشدد وَالتصَلب ممنوع وَمَحظور ؛ لأنه يترتب عَلَيه أمُور في كلِّ مِنها ضَرر ومحذور ، قَالَ الله تَعَالَى : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ﴾ [ النساء : 171 ] ، و ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [ المائدة : 77 ] ، وقالَ عَز وَجل : ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 46 ] .

وَقالَ سُبحانه : ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [ الأنعام : 108 ] وَاستدَل بهذِهِ الآية شيخِنَا المبرور([38]) المغفُور محمد بن أبي الحسَن البكري([39]) ، في منع معرف كان بمكةَ في مقام الحنفي ، ويقولُ بالصوتِ الَجلي : (( لعَن الله الرافضَة من الأوبَاشِ وَطائفَة القزلباش([40]) )) ، وقالَ هَذا يكون تسبيباً سَبهم([41]) طائفة أهل السّنة وَالجماعة ، كَمَا عَلَيْه أهل العِناد في الصناعةِ .

وَلقد صَدقَ الصديقي([42]) في مَقامِه الحقيقي ، وَوَافق كلام أستاذي المرحُوم في عِلم القراءة ، مَولانا معين الدين بن الحافظ زين([43]) الدين([44]) من أهل زيارتكاه ، وهوَ أول مِنْ استشهد أيام الرافضَة في سَبيلِ الله ، وَذلك أنه لما ظهَر سُلطانهم المسَمى بشاه إسمِاعيل([45]) ، وَفتحَ مَلك العِراق بَعدَ القالَ والقيل([46]) ، وَفشوّا القِتال وَالقتِيل ، أرسَلَ إلى خراسان مكتوباً فيه إظهار غلبَته في هَذا الشأن ، وكَتبَ [ 6/أ ] في آخِرهِ ِسَبّ بَعض الصحَابة مِنْ الأكابر والأعيان .

وكانَ الحِافظ المذكور خَطيباً في جامع بَلد هراة المشهُور ، فأمرَ بقراءتهِ فوَقَ المنبر بالاملاء عندَ حضُور العلماء والمشَائخ وَالأمَراء ، ومِنْ جُملِتهم العَلامَة الوَلي شيخ الإسلام الهروي([47]) سبط المحقق الرباني مَولانا سعد الدين التفتازاني ، فلما وَصَل الخطيب إلى مَحِل السَبِّ انتقل مِنه([48]) عَلى طَريق الأدب ، فتعصّب كلاَب([49]) الأرفاض لهَذَا السبب ، وقالوا : تركت المقصُود الأعظم وَالمطلوب الأفخم ، فأعد الكلام لتكُون على وجه التمَام ، وَتوقف الَخطيبُ في ذلك المقام ، فأشارَ شيخ الإسلام إليه أن يقرأ ما هو المسطور لَدَيه ، لأن عَندَ الإكراه([50]) لا جناحَ عَليه ، فأبى عَن السبِّ وصمم عَلى اختيار العزيمة على الرخصة([51]) الذميمة ، فنـزلوُه وقتلوه وحَرقوه .

ثُمَّ لمَا جاءَ السلطَان إلى خراسَان ، وطلبَ شيخ الإسلام وسائر أكابر الزمان ، وأمرَ الشيخَ بالسبِّ في ذلك المكان ، أمتنعَ عَنه رضاء للرحمةِ ، فاعترضَ عَليه بأنَّك أمرتَ بِهِ الخطيب سَابقاً ، فكيَفَ تخالف الأمر لاحقاً ، فقالَ : (( ذاكَ فتوى ، وَهَذا كَمَا ترى تقوى ، وَأيضاً ذلكَ الوُقت كانَ أيامَ الفتنة التامة ، وَهجُوم الخلائق وَالعَامة ، وَرأيت اليَوم في تَخت السّلطنة التي تجبُ عليك فيه العَدَالة ، وَسماعَ مَا يتعَلق بِهَذِهِ المقَالَة ، وَتَصحِيح مَا يكُون العَمل بِهِ أولى في هَذِهِ الحَالَة )) .

 فسَألَهُ عَن كيفِيته وَتحقِيق مَاهِيته وكميته ؟ .

فقالَ له : (( أفعلْ أحَد [ هذين ] ([52]) الشيئين مِنْ الأمرَين الحسنين :

أولهما : أني اثبت لك أنَّ مذهب أهل السنة وَالجماعَة هو الحق وغيره هُوَ البَاطِل المطلق ، وذلك بأني أظهر لكَ تصَانيفَ آبائكَ وَأجدَادكَ مِنْ المَشائخ الذين سَلَفوا في بلادكَ بخطُوطهم ، وَتعمل بما في سُطوُرهم  وفق مَا في صدوُرهم ، وإنْ كانُوا الآن في قبورهم .

 وَثانِيهما : أنَّكَ تنادي عُلماء مذهَبك [ 6/ب ] وفضلاء مشربك فتبَاحثت في مَجلسكَ ، فمَنْ غَلب في الحجة نَقلاً وَعقلاً ، فَيُتِبع فرعاً وأصلاً )) .

 فشاور وزرائه وأمرَائه وعلمائه وفقهائه([53]) ، فقالُوا لهُ : (( هَذَا عَالمٌ كبَيرٌ وفضله كثير لا يغلبه أحَدٌ منا في الكلاَمِ ، و آبائكَ وَأجدَادكَ صَنفوا([54]) في زمَان السنة ، وَكانَ يجبُ عَليهم التقيَّة في هَذِهِ القضِية )) فتبعهم وَصَارَ مِنْ أهل الطغيان وَالكفران ، كفرعَونَ حَيثُ شاورَ هَامَانَ ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداً .

والحاصل : أن ولدَ الخطيب([55]) الذي هوَ أستاذي الأديب ، كانَ يقولُ : إنَّ زيادة التعَصب وَالعناد فـي هَذِهِ الطائفة اللعِينة ، إنما وقعَت مِنْ تعَصبَاتِ([56]) الطبقة الأزبكية([57]) ، حَيثُ إذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مَرقٍ أو مسَحَ عَلى رجلهِ([58]) ، أو وَضعَ حَجراً في مَسجدِهِ قتلوُه ، فعَارضَهم بأن مَنْ غسَل رجله أو مسَحَ رقبتِهِ وَأذنِهِ قَتلوُه ، وكلُّ مَنْ صَلى مُرسِلاً يدَيه قتلهُ هؤلاء ، فعارضُوهم بأن مَنْ صلى وَاضِعاً يَديه قتَلوُه ، إلى([59]) أن زدَادَ التعَصب بَينَ الطائفتين .

فَمَنْ سَبَّ الصحَابة وَلو مَكرهاً قتلوهُ ، فَزادُوا عَلَيهم في القبَاحَةِ وَالوقاحَةِ ، بأن أمرُوا أهلَ السّنة بسَبِّ الصحَابة فَمَنْ امتنعَ عَنه([60]) قتلوُه ، وأشتد الأمرُ عَلى القبيلَتَين حَتى كان مَدَار العقيدَة عَلى هَذا بَينَ([61]) المـَسْألتين ، وَكفَّر كل وَاحِد غيره مِنْ الطائفَتين([62]) .

[ أصل الفساد بسبب ترك السنة وفعل البدعة : ]

وَأصل هَذا الفساد ، وَإنما وقعَ بَينَ العِبادِ وَشايَة ترك السّنة وَفعل البدعَة ، حَيثُ اختارَ بَعض السلاَطين وَالأمَراء أنْ يذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ عَلى ألسَنةِ الخطبَاءِ ، فقِيل لهمُ لم يتصَور ذَلكَ بأن يذكر الخلفاء الأربَعة أولاً هنالك .

ثم أحدثَ بنو أمية سَبَّ علي وَاتباعه في الخطبة مُدة مَعُينة([63]) ، إلى أنْ أظهرَ الله سُبحانه عُمَر بن عبد العزيز([64]) [ وأعز الله الإسلام به انتهاء ، كما أعزَّ الله الإسلام بعمر بن الخطاب ] ([65]) ابتداءً ، فاظهر غاية العَدَالة وَنهاية الرعَاية في الرغبَة وَالجمَالة ، فأول مـَا خطـبَ([66]) عُمَر هـذا عـلى المنبر ، حَمدَ اللهَ سبُحانه([67]) وأثنى وَشكر وَوعظ وَنصح لمن اعتبَرَ [ 7/أ ] ثم لـمَّا وَصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخطباء لخاتم الخلفاء وخاتم الحنَفاء قَرأ هَذِهِ الآية : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ النحل :90 ] أوصيكم عِبادَ اللهِ بتقوى الله ، وَنزلَ عَن المنبَرِ ، فصَارَ قراءة هَذِهِ الآيَة المقررَة المعتبرة(