سب الصحابة الكرام من أكبر الكبائر
وَحَاصِل الكلام وتحقيق المرام أن سَبَّ الصحَابة
الكرَام مِنْ أكَبَرِ الكبَائرِ ، بَل متضَمن أكثرهَا
عِندَ أهل السَّرائرِ ؛ لأنه أجتمعَ فِيه حَق الله
وَحَق العَبد وَحَق رَسُوله [صَلَّى
اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، فإنه لا يهون عليه إهانة مَن يَكُون مقرباً لديه ] ([1])
وَمنسُوباً إلَيه .
وأيضاً مِنْ المقرر إجماعاً أن قتل النفس أكبرُ
الكبَائر بَعدَ الشِركِ باللهِ تعَالى ، وَقتل المؤمن
متعَمداً إنما يَقع المؤمن حَال كمَال غضَبه وذهَاب
عقله وَأدَبه حَتى يكاد أن يكُون مجنوناً([2])
، ثُمَّ لاَ شَك أنْ يكُون بَعد ذلَك نَادماً
وَمحزوناً ، وَيتَوبُ إلى اللهِ وَيتضَرع إلى مَولاه ،
بخلاَفِ الرّفضَة([3])
حَيثُ يسبونَ في حَالِ اختِيارهم وَوَقت اقتِدارهم
وَيُصَمّمُونَ على ذلَكَ ولا يَرجعُونَ عَمّا صَدر
عَنهم هُنالك إذ لم يعتقدوا قبحه ، بَل يتوَهّمُونَ([4])
رجحه .
وَكَذَا قيل ليسَ [ تقبل ] ([5])
توبة لأهِل البدعَة ؛ لأن بدَعتهم عندهم قَربَة
وَطاعَة ، وَأمَّا مَا ذكر بَعض المـَشائخ أنهم لم
يسبّوا أصحَابَ النبي
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، وَإنما سبّوا جميعاً زعِموا فيهم أنهُم ظلمُوا
عَلياً كرّمَ اللهُ وَجهَهُ ، وَأخذوا حَقه مَعَ جَعله
عَليه الصلاة وَالسلام وصيّه ، وَليسَ هَؤلاء بهَذا
الوَصف مَوجُودينَ ، وَلا بهذا النعت مشهورينَ ، فلا
يفيدُ ذلَك وَلاَ يكُون عُذراً هنالك ، كَمَا قالَ
بَعض جَهَلة الصوفية أن عَبدَة الأصنام إنما عَبدُوا
الملك العَلام ، سَوَاءٌ عَلمُوا هَذا المعنى أو
عقلُوا عَن هَذَا المبَنى ، فإن الشريعَة الغراء
تُبطل([6])
مثل هَذِه الأشيَاء ، فنحنْ نحكم بالظاهر وَالله اعلم
بالسَرائرِ .
ولا يخفى أن طائفة الشيعة تغاير([7])
طَوائف المبتَدعَة الشنيعَة ، لـمَّا لم يتبعُوا([8])
الأحَادِيثَ وَالأخبار [ 7/ب ] وَحرمُوا حَقائق
الأسرار وَدقائق الأنوار التي حَملَته العُلماء
الأبرار وَنقلَته الفضَلاء الكبَار عَن النبي
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بروَاية الأصحَاب وَالتابعِينَ ، وَأتبَاعهم مِنْ
العُلماءِ العَامِلين وَالمشائخ الكامِلين بأسَانيد
عدُول ضابِطين وَثقة حَافظِين ، وَقعُوا فيما وقعُوا
مِنْ الخطأ والخطل وافسدوا ما عندهم مِنْ العِلم
وَالعَمل ، وَاعتَقدُوا مَا بَنوُه على ما طاحَوا فيه
مِنْ الزلل ، وَإلا فكيفَ يبغض مَنْ كَانَ صَاحِب
النّبي صلى
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
في الغَار ، ورَفيقه في سَائر الأسفار ، وَأول مَن
آمَنَ بِهِ مِنْ الرجَالِ الكبَارِ .
وَقد جَعله الصَّلاة والسَّلام خليفةً في مَدِينةِ
الإسلام بمنصّب الإمَامة لعَامة الأنام ، كَمَا أجمعَ
عَلَيه العُلماء الأعلاَم ، حَتى قال عَلي كَرّمَ الله
وجهه في هَذا المقَام :
((
قَد رضيهُ
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لديننا أفَلا نَرضاهُ لدُنيانا
))
([9])
فإن لم يكن هَذا الأمر منه الصَّلاة والسَّلام صَريحاً
في الوَصِية ، فأقل مَا يكون جَعله إشارَةً إلى
القضِيةِ ، مَع أن المعَقول المقرر عِندَ أربَابِ
العَقل المُعتبر أن الصحَابة الذينَ فدوا أنفسهم
وَأموَالهم في الإيمان بالله وَمحبةِ رَسُول الله
e
،لم يكونُوا مُجتمعين([10])
على الضَّلالةِ بتركِ الحَق الوَاضِح لعلي رعَايةً
لأبي بكر الصدَّيق
t
، مَع عُلو نسَبِ عَلي وَكثرةِ قَومه وَقبيلته
وشجاعَته وَشوكته ، وَقلة قومِ أبي بكر وَأهل حمية .
إجماع المفسرين :
وَأيضاً فقد ورَدَ النصّ القطعِي- وَلو كان مجملا –
في [ أبي بكر ]([11])
رضي الله تعالى عنهُ وَعَن([12])
الصحَابةِ مجملاً([13])
بقَولِهِ : ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [ التوبة : 100 ] وَأجمعَ
المفسُرونَ على أنَّ أبَا بكر [ رضي اللهُ تعالى عَنِه
] ([14])
مِنْ السابقِين الأولينَ ، وَكَذا عَلي وَخَديجةَ
وَزَيد وَبلال
y
أجمَعِين .
فبأيِّ دليلٍ مِنْ الكِتابِ أو السّنة أو إجماع الأمة
يَستحق أبَا([15])
بكر الصدّيق [ 8/أ ] شيئاً مِنْ الِملامَةِ وَالمذمةِ
، وَإنما الحِكمة في ذلَكَ أن لَعنَ([16])
لاعِنيه يرجع إلَيْهم ، وَيَكون سَبباً بغَضَبِ الله
عليهم ، وَمُوجباً لهُ في زيَادةِ الدرجَاتِ
العَالِيَّة وَالمقامَات الغَاليَّة ، كَمَا أن
مُسَابقته في الإيمَانِ صَارت بَاعثاً لمشارَكتِهِ في
ثوابِ إسلام أهل الإيمَانِ([17])
.
[ خراسان ليست بدار حرب ]
وَبَهذَا الذي قررناهُ وفي هَذا المَقَام حررناه ،
تبَين أن خراسان ليست بدارِ الحَرب ، كَمَا تَوهم([18])
بَعض الفقهاءِ ، بَل دار بدعَة([19])
كَمَا هُوَ ظاهِرٌ عندَ العُلماء ، وَتوضِيحه أن أكثر
سُكانه على مَذهَبِ أهل السنة والجماعَة ، وَغِالبهم
الحنَفِية وَفيهِم بَعض الشافِعية ، وإنما العَسكرية
جماعَة مَعِدُودَة وشَرذمة قليلة ، يَدعون أنهم
الشيعَة [ ولا يتحاشون عن الشنيعة ] ([20]).
وَقد صَرحَ علماء الكلامية بأن الشيعة من الطوَائف
الإسلامِية ، نَعَمْ فيهم طوائف ، فَمنهِم مَن يُحبّ
وَلاَ يسَبّ ، وإنما يفضل عَلياً عَلى البقِية ،
وَمنهم مَنْ لاَ يُحب وَلاَ يسَبّ [ زعماً منهُ أنهُ
عَلى الطريقة النقِية، وَمنهم مَنْ يسَبّ ] ([21])
وَلاَ يَستَحل السَبّ ، وإنما يشتم عِندَ الغضب ،
وَمنهم مَنْ يستَحل وَيستبيح([22])
وَلاَ يُبَالي مِنْ العتَبِ ، وَمنهم مَنْ يَعد السَبّ
قربة وَطاعَة وَيجعَلهُ وَظِيفة وَصنَاعة .
وَلقد سمَعت عَن سَيدي وسَندي في عِلم التفِسير ،
الشيخ عَطيّة المكي السّلمي([23])
: أن خارِجياً مِمن يزعم أنه مِنْ الفضلاءِ العُلماءِ([24])
، كَانَ ورده سَبّ علي كرم الله وَجهه ألفَ مَرة ،
بَين صَلاة الصّبح وصَلاة العشاء ، فسُبحانَ مَنْ
خَلقَ في ملكه مَا يشاء .
وَقد وَرد :
((
لا تسبَوا الشيطان وَتعَوذوا بالله مِنْ شرِهِ
))
([25])
وَفيه تنبيه نبيه عَلى الترقي مِنْ حَال التفرقة
المعَبر عَنها بالأبنية إلى مَقامِ التوحيد الصّرف
وَالجمعية ، وَالحمدُ لله عَلى مَا أعطاني مِنْ
التوفيق وَالقدرَة عَلى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى
خير ديار السّنة ، التي هِي مُهِبط الوحي وظهِور
النبوة ، وَأثبتِني عَلى الإقامَة مِنْ غَير حَول
مِنّي ولا قوة .
وَمع هَذا أكَره رُؤية هَذِهِ الطائفة الرديئة خصُوصاً
عندَ طوافِ([26])
الكعبَة [ 8/ب ] الشريفة العَلية ، مَع أنهم
كالمنَافقِينَ في مَقام التقيّة ، وَالتسَتر فيمَا
بَينَ الجمَاعَة الشافعِية التقيّة حتى يسمعُوا
الشافعية ، وَبهذَا المُوجب اشتبَه ، قالَ بَعض
الشافعِية [ عند السادة الحنفية لكن الفرق الشافعية ]([27])
يقبضونَ أصابعهم وَيشرون بالمسَبحة([28])
عندَ التشهّد([29])
، كَمَا هُوَ المعتمد في مَذَهبَنا([30])
، بخلاف الشيعَة([31])
، فإنهم تركُوا هذِه السنة مِن سُنن الشريعَة مخالف
لمِذَاهِب أهل السنة وَالجماعَة البديعَة المنيفة([32])
.
وَمِنْ عَلاماتهم في الطواف أنهم يوسوسُونَ([33])
في ابتدائِهِ ، ويحرفونَ([34])
عَن الكعبَة حَالَ إنشائه ، ثم في الشوط السابع قبل
انتهائه يقفُونَ منحرفين في المستجار ، نعوذ بالله من
حال أهل النار .
هذا وَإذَا تبَين لَكَ([35])
أن خرَاسَان مِنْ دَارِ البدعة لاَ مِنْ دَار الحَرب ،
ظهر بُطلاَن مَا يفعَله الأزبك في حقِهم مِنْ قتِلِ
العَام وَعدم التمييز بَين الأنَامِ ، وَسَبي نسَائهم
وَذرَاريهم في تِلكَ الأيام ، إلى أن وَقع النَّاسُ في
كفر ظاهِر مِنْ استحلاَل فروُجهن وَاستخدَام أولادهن .
وَأغرب من هذا أنهم فعلوا مثلَ هَذَا في بلاد أهِلِ
السّنة ، مثلَ تاشكنة([36])
وَغَيره مقام العلماء وَالسّادَةِ ، حَتى بَاعُوا في
سُوق بخارى بنت الأمير سَيف الدين([37])
، كانَ سَيداً وَمُفتياً وَصَالحاً مِتقياً بَعدَ حُكم
سُلطانهم بقتل([38])
عَامة البلَد ، حَتى النسَاء وَالأطفَال وَالعُلمَاء
وَالمَشائخ والسَّادَات وَأربَاب الأحَوال ، لذَنب
وقعَ مِن([39])
بَعضِ العَسَاكر الجهالِ فإنا لله وإنا إليه رَاجعُونَ
، كيفَ يدعونَ الإَسلام وَيفعَلونَ هَذِهِ الذنوب
العِظاَم .
وَقد ذَكر ابن الهمام([40])
: أن مَن فتح قَلعَة مِنْ بلاد أهل الكفر وَكَانوا
ألُوفاً مُجتَمَعة ، وَيقال إن فيهم وَاحِداً مِنْ أهل
الذمة لاَ يَجُوز قتلهم على العُموم .
مسألة سلطان الزمان :
وَأغرب مِنْ هَذَا أن بَعْضَ العَوام يسمّونَ
سُلطاَنهم عَادلاً ، وَقد صَرح عُلماؤنا مِنْ قبل هَذا
الزمَان أن مِنْ قالَ سلطان زمَاننِا عادلاً فهو كافر
، نَعَمْ هُو عَادِل عَن الخلِق [ 9/أ ] كَمَا قَالَ
تعَالى : ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
يَعْدِلُونَ ﴾ وَقد ظهرَ الفسَاد في البر وَالبَحر
بما يَعملونَ ، ولكن([41])
قَد وَردَ :
((
لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ
حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ
))
روَاهُ الشيخان عَن المغيرة([42])
.
ثُمَّ إنَّي لم أقلْ بكفر الطائفة الأزبكية ، كَمَا
قالَ بعض العُلماء الحنفية ، فإنهم - وَإن فَعلوا مَا
فَعَلوا - لم يعرف مِنْ بوَاطِنهم أنهم مِنْ
المستبيحِينَ لِذلَكَ ، أو مِنْ المستقبحِينَ لما
هنالك ، فالسكَوت عَنهم أيضاً أسَلم ، والله سُبحانه
اعلم .
مسألة : هل معك دليل ظني على كفر الرفضة ؟
فإن قلت : هَل مَعَك دَليل ظني عَلى كفر([43])
الرفضـة ؟ قلتُ : نَعَمْ أمَّا الكتاب فَمنه قوله
تَعَالَـى : ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
رُحَمَاءُ
[
الآية [ الفتح : 29 ] فإنه يشير إلى تكِفيرهم([44])
مِنْ وَجهَينَ :
أحَدُهما
: أنَّ الله سُبِحانه وتعالى بيّنَ أن النبي
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأصحَابه وَأتباعه وَأحبَابه ، مَذكورونَ([45])
في الكتب السالفِة مِنْ التوراة وَالإنجيل بما بينه
مِنْ طَريقِ التمثيل ، ثُمَّ ذكرَ وَعدهم بأن لهم
مَغفرة وَأجراً عَظيمًا في العُقبَى لما أصَابهم مِن
المَحن والبَلوى في مَحبة المَولى وَطريق المُصطفى في
الدنيا ، فمَنْ أبغضَهم يكون شراً مِنْ اليَهودِ
والنصَارى ؛ لأنهم قائلونَ بأن أفضلَ الخلق أصحاب
مُوسى وَعيسَى ، ولا شك أن الخلفاء الأربَعة هُم
السّابقونَ الأولوُن مِنْ المهاجرينَ ، وَقد قالَ الله
تعَالى في حَقهم : ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [ التوبة : 100 ] ثُمَّ قوله
سُبحانَه في الآيةِ السابقةِ : ﴿
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
﴾ [ الفتح : 29 ] ([46])
بلَفظ ليسَ لإخراج بَعضهم - كَمَا زَعَم الرفضة - فإن
( مِنْ ) لِلبيَانِ لا لِلتبعِيض المنافي لمقام
المنَّة([47])
.
وثانيهما
: أنه فسّر قوله : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
﴾ [ التحريم : 8 ] ([48])
بأبي بكر الصّديق
t
([49])،
الذي رزق التوفيق بكوَنِه مَعَه في الدار وَالغار ،
وَفي سائر الأسفار إلى أن دُفن مَعه في بَرزَخِ داَر
القرار ، وَقد قالَ سَيد الأبرار :
((
إنه يحشر أبو بَكر في اليَمين وَعُمر في اليسارِ [ 9/ب
] رَضِي اللهُ عَنهِمَا
))
([50])
وَهكذا يَدخل مَعَهُما في الجنَّة بإذن الملك الغفار .
وَفسّر : ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾
بعمر بن الخطاب([51])
الفاروق ، المبَالغ في الـفَرق بَينَ الخَطأ
وَالصّوَاب([52])
المبين لقبه في الكتاب ، حَيثُ قتل المنافق الذِي ما
رَضي لحكم النبي
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لليهَودي في فَصْلِ الخِطاب([53])
.
وَفسّر : ﴿
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
﴾ بعثمان بن عَفّان ، الذي استحى مِنْهُ مَلائكة
الرحمَن ، وَالذِي رزق الحَظ بالسرورَين([54])
في تلقِيبه بذِي النورين ، حَتى مِنْ كَمال رَحمه عَلى
رَحمه له مَا جَرى في أنواع البلوى([55])
.
وَفسّر : ﴿
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
﴾ يِعَني([56])
المرتضى ، وَابن([57])
عَمِّ المصطفى ، وَزَوج البتول الزّهراء([58])
؛ لكثرة ركوعه وَخشوعه ، ولإطَالِة سُجودِهِ مَع كمال
كرَمه وَجُوده([59])
، حَتى جَادَ في حَالِ ركوُعهِ ، وَفي مقام([60])
شُهوده كَمَا يشير إليه قوله تعَالى : ﴿ إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [ المائدة : 55 ]
([61])
وَالتعبير بصِيغةِ الجمع : أمَّا تَعظيماً لشأنِه
وَحَالـه([62])
، أو تنبيهاً عَلى أن المراد هُوَ مَع أمثاله في
تحسِين أقواله وَتزيين أفعَاله وَأحَوالِهِ([63])
.
تفسير قوله أشداء :
وَالمقصُود أن قوله سبحانه : ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ ﴾ [ إشعاراً بأنه كان شديد على الكفار
الأولين فكذا على الكفار ] ([64])
الآخرين ، فإن شِدة الرّفضة في حَقِهِ مِنْ الأمر
الظاهِر الذي لا ينكرهُ إلا المعَاند المكابر ، حَتى
يقولَ أحَدهم مَا حب عمري([65])
لتجنِيسه بعمري ، وَيقوي هَذَا المَعنَى مَا رَتبهُ
سُبحانَهُ عَلى وَجِهةِ التَمثِيل مِنْ تعِليل المبنى
بقِولِهِ : ﴿
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
﴾ وَمَنْ في مَعناهُم مِنْ الفجّار .
وَيؤكد هَذَا التحقيق مَا وَرَد في حَقِّ الصديق :
((
أبى الله وَالمسُلمُون إلاَّ أبا بكر
))
([66])
، وَذلَك عِندَ منصبِ الإمَامة المشير إلى صحة
الخلاَفة([67])
، فمن أباه بعد أن النبي صلى الله [ تعالى ] ([68])
عليه وسلم أجتبَاه ، لا يكونُ دَاخِلاً في أهل الإسلام
، [ وَيكون خارجاً ] ([69])
عَن مقامِ الإكرام ، وَهذا كَانَ سَبَب إجماع الصحَابة
عَلى خلاَفِته ، وَعدَم الالتفات إلى مَنْ توقفَ في
إطَاعَته [ 10/أ ] حَيثُ قالوا :
((
رَضيَهُ عَلَيه الصَّلاة والسَّلام لِديننا ، أفَلا
نَرضَاهُ لِدُنيَانا ؟
))
([70])
وقد صح أيضاً [ عن ] ([71])
علي([72])
هذِهِ المقَالة في تلك الحَالة .
|