[ مشابهة علي لعيسى بن مريم : ]
وَالَحاصِل أن عَلياً لَهُ مُشابَهة بعِيسَى بن مَريَم
في هَذِهِ القضِية ، حَيثُ كفرَ اليَهُود بِسَبب
إفراطِهم في بغضِهِ وَنسَبته إلى مَا لاَ يَلِيق به
مَما يصَان عَنهُ اللسَان ، وَكفر النصَارى في
إفراطِهم في حبّه ونسبته إلى التثليث وَالاتحاد
وَالعِينية ، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصُوصِهَا
الطائفة الوجُودية ، وبطلاَن([1])
أقَوال هَذِهِ الطوَائف ظاهِر لأهِل الإسلام مِن
الخَوِاص وَالعَوام ، وَقد أوضَحنَا هَذِهِ([2])
الأدِلة العقلية النقلية في كتُبنا المتعَلقة
بالتفِسير والأحَادِيث وَأقوال الصوفية .
ثُمَّ مِن اللطائف مَا ذكرَه ُالمِرغيناني([3])
: أن الشيطانَ الطاق([4])
- وَهو شيخ الرافضَة عَلى الإطلاَقِ - كَان يتَعرض
للإمَامِ الأعظم كثيراً مِن الأيَام ، فَدخل الشيطان
يوماً في الحمّام ، وَكانَ فِيه الإمَام ، وَكَانَ
قَريب العَهد بموَتِ الأستَاذ حَماد([5])
، فَقالَ الشيطان : مَات أستاذكم فاسترضاه منه ، فقال
الإمَام : أستاذنَا مَاتَ وَأستاذكم مِن المنظِرينَ
إلى يومِ الوَقت المعلُوم([6])
، فتحَير الرافضِي وَكشفَ عَورته ، فغمضَ الإمَام
ناظره فَقالَ الشيطَان : يَا نعمَان مُذ([7])
كم أعمَى الله بصَرك ؟ [ 14/ب ] فقال : مُذ([8])
هتكَ الله ستركَ ، فبَادر الإمَام إلى الخرُوج مِن
الحمام([9])
، وانشَأ هَذَا الكلام [ يقول ] ([10]):
|
أقول وَفي قولي بلاغ وحكمة([11])
|
|
وَمَا قلت قولا حَيثُ فيه بِمُنكر |
|
ألا يـَا عِبَاد الله خافُوا إلهكم
|
|
وَلاَ تدخلوا الحمّام إلا بِمِـزر([12]) |
وَمنهَا مَا قَالَ أبُو الفَضل الكرمَاني([13])
:
((
إنه لما([14])
دخل الخَوارج الكُوفة ، وَرأيهم تكِفير كل مَن أذنَب،
وَتكفر كل تكفره ، قِيلَ لَهَم هَذَا شيخ هَؤلاء ،
فأخذُوا الإمَام وَقَالُوا : تب مِن الكفر فَقالَ :
أنا تائب مِن كلِّ كفر، فَقِيل لَهم : إنه قَالَ أنا
نائب مِن كفركَم فاخَذوهُ ، فَقَالَ لهُم : العلم([15])
قلتم أم نظن ، قالوا : نظنّ ، قال : إن بَعض الظن أثم
، وَالأثم ذَنب فتوبُوا مِن الكفر ، قالُوا : تبْ
أيضاً مِن الكفر ، فَقالَ : أنا تائبٌ مِن كلِّ كفر
))
. فهَذَا الذي قالَهُ الخصُوم :
((
إن الإمَام استتب مِن الكفر مرتين
))([16])
، وَلبسُوا عَلَى النَّاس ، انتَهى .
وَوَقعَ لي نظر هَذَا الحال مَع بَعضِ الجهال مِن قضاة
الأروَام([17])
، فإنه لما سَمعَ بي([18])
أني طعنت في كَلام ابن عَرِبي([19])
وَهوَ مُعتقد ، قال : تب إلى اللهِ ، فقلت : أتوب إلى
الله مِن جَميع مَا ذكرَهُ الله .
وَمنهَا ذَكرَهُ الغزنوي([20])
عَن شريك بن عَبد الله([21])
قال :
((
كَنا عِندَ الأعمَش([22])
في مَرَضهِ الذي توفي فيه ، فدَخلَ عَلَيه أبو
حَنِيفَة وَابن أبي ليَلَى([23])
وَابن شبرمَة([24])
، وَكان الإمَام أكبر فبدأ بالكلام ، وَقَالَ : اتقِ
الله فإنكَ في أولِ يوم من أيّام الآخِرَة ، وَقِد
كَنتَ تَحدثت عَن عَلَي
t
بأحَادِيث لَكانَ أمسَكتها لَكانَ خيراً لَكَ ، فقال
الأعمُش : اسندوني ألمثلي يُقال هَذَا ؟! حَدثني أبو
المتوكل الشامي([25])
عَن أبي سَعِيد الخُدري قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى
الله تعالى عليه وسلم إذَا كَانَ يَوم القِيامة قَالَ
اللهُ تعَالَى لي وَلعَلي بن أبي طَالب : أدخلا الجنة
مَنْ أحبكما وَأدِخل النَّار مَن أبغَضكما ، وَذلَكَ
قولـه تعَالَى : ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ
كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ [ قّ : 24 ] ([26])
فَقالَ الإمَام قومُوا حَتى لا يجيء بأكثر مِن هَذَا ،
قـال : فوالله مَا جزنا البَاب حَتى مَات
))
([27]).
وَمنها مَا ذكرَهُ الكردري أن للرافضَة [ 15/أ ]
أحَاديث مَوضُوعات وَتأوِيلات بَاطِلة في([28])
الآيَات، وزيادَات([29])
وَتصحيفَات كزيادَة : ( وَالعصر ونَوائب الدهر ) ([30])
، وَكقولَه تعَالى : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى
﴾ [ الليل :12 ] [ صحفوه بحذف النون فغيروا : ( إن
عليًا للهُدى ) ([31])
] ([32])
.
وَهم قومٌ بهت يزعمُون أن عُثمان أسقط خمسمائة كلمة
مِن القرآن([33])
، مِنها قَوله تعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ
اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ [ آل عمران : 123 ] وزادوا فيه
: ( بسَيف علي([34])
) .
قال علي([35])
: وَهـذَا وَأمثاله كفـر ، قَالَ الله([36])
تعَالَى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ الحجر : 9 ] فَمَن
أنكر حَرَفاً مما في مصَحف عثمَان أو زَادَ فيه أو
نقصَ فقد كفر ، انتهى .
وَقد صحَّفَ النَّصَارى قَوله سُبحانه [ وتعالى ] ([37])
في ( الإنجيل ) : وَلَّت([38])
عيسى ( بتشديد اللام ) فخففُوها وَخرجوا([39])
عَن الإسلام باعتِقاد هَذا الكلام.
ومِنهَا أنه كَانَ في الكوفة زمَن أبي حِنيفة رَافضِي
لَهُ بغلتان ، سمى أحدهما([40])
أبَا بكر وَالأخرى عُمر ، وَكانَ يضربهما في الخدمة
وَيُعَذبهما ، فانتشر الخبر : أن أحدهمَا([41])
رفصته([42])
حَتى قتلته ، فَقَالَ الإمَام انظروا فإن البَغلة التي
سَميّها بِعُمر([43])
هي التي قتلته ، فَفحصُوا عَن القضِية فرأوا أن الأمر
كما ذكر([44])
.
أقول : وَمَا ذاكَ إلاَّ لَكون عُمر مِن مَظِاهر
الجلاَل ، كَمَا أن الصّديق مِن مَظاهِر الجمال ،
وَلذِا كَانَ أشدَّ عَلَى الكفار وَالرافضَة الفجَّار
.
وَلقد قَالَ عَليه السَّلام حِينَ شاوَر أصحَابه([45])
الكرَام في أسَارى بَدر ، فأشارَ أبُو بكر بأخذ
الفَداء مِنهم بلاَ هلاك [ وعمر بالهلاك ] ([46])
فيهم ، فَقَالَ([47])
: إنَّ مثلك يَا أبا بَكر كمثل إبرَاهيم [ عليه السلام
] ([48])
حَيثُ قال : ﴿
وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
﴾ [ إبراهيم : 36 ] وَكعِيَسى [ عليه السلام ] ([49])
في قَولهِ : ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ المائدة : 118 ] وَمثلك
يَا عُمر كَمثل نوح [ عليه السلام ] ([50])
في قوله تعالى([51])
: ﴿
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ
دَيَّاراً
﴾ [ نوح : 26 ] وَكمُوسَى في قولـِهِ تعـالى([52])
: ﴿ رَبَّنَا
اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ
﴾ الآية [ يونس : 88 ] ([53])
.
وَبهَذَا ظهَرَ صِحة مَعنَى مَا اشتهر عنه عَلَيه
الصَّلاة وَالسَّلام :
((
علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل
))
([54])
وإن كَانَ مَبناهُ مِما لاَ أصـل لَهُ عندَ المحدّثين
، غفل عَن هَذا السيّد جـمال الدّين([55])
، حَيثُ ذَكَرهُ بِعنَوان الحدَيث في صدُور (
رَوضَة الأحباب ) ([56])
[ 15/ب ] وَالله اعلَم بالصّوَاب .
وَمنهَا مَا أخرِجَهُ ابن أبي الدنيَا([57])
عَن أبي إسحَاق([58])
قَالَ :
((
دعيت إلى مَيت لأغسله([59])
، فلما كشفت الثوب عَن وَجهه ، فإذا أنا بحَية قد
تطوقت عَلَى حَلقِهِ ، فذكُروا أنه كان يسب الصّحَابة
y
))
([60]).
وَأخرَجَ أيضاً عَن أبي إسحَاق الفزاري([61])
أنه أتَاهُ رَجلٌ فقال لهُ :
((
كنتُ أنبش([62])
القبور ، وكنتُ أجد قوماً وجوههم لِغَيرِ القِبلة ،
فَكتبَ إلى الأوزاعي يَسألهُ ، فقال : أولئك قومٌ
مَاتوا على غَيرِ السنّة
))
([63])
.
وقد سئل الأوزاعي :
((
أنهُ يمَوت اليهُودي وَالنصَراني وَسَائر الكفار ولا
ترى([64])
مثل هذا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ أولئك لا شك أنهم في النار
، وَيَريكم في أهل التوحيد لِتعتَبرُوا
))([65])
، ذَكرَه السيُوطي في ( شرح الصدُور في أحوَال
القبور ) ([66])
.
ثُمَّ يتَعلق بهَذَا المبَحَث مَسَائل مهمة ودلائل
متمة ، تركنَاهَا مَخِافة ملالة([67])
أربَاب الجهالة وَضلالَة العَامة، وَإن كَانَ الله
سُبحَانهُ أختار لنا الطريقة الملاَئمة([68])
، فطَائفَة الأزبكية وجهلَة مَا ورَاء النهرية ،
ينسبُونَ أهل خرَاسَان إلى الروافض وَهُمْ بَريئونَ
مِنهُم ، وَجماعَة القلزبَاشية([69])
وَالعراقية الاوبَاشية ينسبُونهم إلى الخوَارِج ، وهم
مُنـزهونَ عَنهم
من كمل من العلماء ابتلي بأربع :
وقد قيلَ مَن كَملَ مِن العُلمَاء ابتنى بأربَعةِ مِنْ
الأشيَاء :
((
شماتة الأعداء وملامة([70])
الأصدِقاء وطَعن الجُهَلاء وَحسدَ العُلماء
))
([71])
، لِكنني أقول كَمَا قَالَ وَكيع([72])
مِن قول بَديعِ([73])
الشعرِ :
|
إن يحسدُوني فإني غَير لائمهم |
|
قبلي مِنْ الناسِ أهل الفَضل قَد حسدوا |
|
فَدَامَ لي وَلهم مـَا بي وَمَا بهم
|
|
وَمـَات أكثرنا غيظاً لــما وجدُوا([74]) |
وَقَالَ الله تعَالَى : ﴿
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
﴾ [ آل عمران : 199 ] وَقالَ تعَالَى عَز وَجَل : ﴿
مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى
السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ
يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ [ الحج :15 ]
.
وَلقد أحسَن محمد بن الحسَن في قَول أبي([75])
الحَسَن شعر [ 16/أ ] :
لم([76])
يحسدُوا([77])
شر النَّاس مَنـزلة مَنْ عَاشَ في النَّاس يَومَاً
غَير مَحسود([78])
قال تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا
آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [ النساء :54 ]
.
وللهِ دَر قائله :
|
مَا يضر البَحرَ أمسَى زَاخِراً |
|
إن رَمى فيهِ غَلامٌ بِحَجَر([79])
|
وَقد عَرف فانصف([80])
أن مَن صنّفَ فَقد استهدف ، فأيُّ كلامٍ أفصح مِن كلام
رَبِّ العالمين وَقد قالوا : ﴿ أَسَاطِيرُ
الأَوَّلِينَ ﴾ [ الأنعام : 25 ] .
وَقد قَالَ زَين العَابِدين([81])
t
وَعن آبَائه أجمَعِين :
|
يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أبوحُ بـهِ |
|
لَقِيلَ لي أنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا |
|
وَلاسَتَحَلَّ رجالٌ مُسلمونَ دَمي
|
|
يَرونَ أقبَحَ مَا يَأتونَهُ حَسَنا([82]) |
ثُمَّ مَا يَجبُ عَلينا التنبيه مما ثبتَ لدينا ، وهو
أنه قَد علم مِمَّا([83])
قَدّمنا أنه لم يثبت الكفر إلا بالأدلة القطعية، وَإذا
جوزَ عُلماؤنا الحنفية قتلَ الرافضِي بالشُروطِ
الشرعية ، عَلى طريق السَياسَية العرفيّة([84])
، فَلاَ يجوز إحرَاقه([85])
بالنار وَنحوه مِن أنواع القتل الشنيعة([86])،
بَل يقتل بالسّيف وَنحَوه مِن آلات الموت([87])
السّريعَة ، بقولِ([88])
صَاحِب الشريعَة :
((
إذَا قتلتم فاحسنوا القتلة
))
([89])
وَلِقَولهِ عَليه أفضل([90])
الصّلاةِ وَالسّلامِ :
((
لاَ تعذبُوا عَذابَ([91])
اللهِ
))
([92])
.
ثُمَّ الرجم مختَصّ بالزاني المحصن لا سِواهُ ، فَقدَ
وَرَدَ :
((
من بدل دينه فاقتلوه
))
([93])
وَلم يقل فارجموه ، بل اللائق به أنه يستتاب ، وإن
ظهرَ شبهة يؤتى لهُ بِالجوَاب لِيظهر لِهُ وَجه
الصوَاب .
فعن ( الخلاصة ) ([94])
:
((
الجَاهِل إذَا تكلم بكلمة الكفر وَلم يدرِ أنها كفر ،
قَالَ بَعضُهم : لاَ يكُون كفراً وَيعذر بالجهل ،
وَقَالَ بَعضُهم : يَصير كافِراً ، ثُمَّ قَالَ :
وَإذَا كانَ في المسألة وَجُوه يوجبُ التكَفِير ،
وَوَجه وَاحد يمنع فعلى المفتي أن يمَيل إلى ذلك الوجه
))
([95] |