من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين

   ملخص الكتاب

إن هذا الكتاب يعد مرجعاً مهماً من مراجع العقائد والفرق الإسلامية ، وقد طبع أكثر من مرة خلال الأربعين سنة الماضية ، إلا أن هذه الطبعات كان الغالب عليها الاعتماد على نسخة خطية واحدة لإخراج الكتاب ، مما جعل هناك خلالاً كبيراً بين ثناياه ، وارتباكاً واضحاً بين فقراته ، كما أنه شهد عزوفاً من قبل طلبة العلم ، خاصة طلبة الدراسات العليا ، فلم ينل تحقيقاً أو دراسة ، مع أن معظم كتب الفرق قد نالت مثل هذه الحضوة ، فتوكلنا على الله تعالى ، وعزمنا على دراسته وتحقيقه لتعم به الفائدة ، وينهل طلبة العلم منه ، ويأخذوا الدروس والعبر لحاضر ومستقبل الأمة ، وقد قسمنا كتابنا هذا إلى قسمين : قسم الدراسة ، وقسم التحقيق ، القسم الأول منه فيشتمل على الآتي :

-   الفصل الأول : وقد ضمَّ مبحثين ، تناول المبحث الأول الأوضاع السياسية في عصر المؤلف ، حيث عاش الأسفراييني في حقبة سياسية مضطربة ، خاصة في إقليم خراسان ، مما ألقى بظلاله على مصنفه هذا . أما المبحث الثاني فهو يدرس الناحية الدينية والفكرية لذلك العصر ، الذي تميز بظهور واضح للفرق الإسلامية ، وكان ذلك بسبب دعم بعض الولاة لها ، فانتشرت فرق الرافضة والباطنية والقرامطة والكرامية والمعتزلة وغيرها ، كما انتشرت الفلسفة وعلوم المنطق ، وبرزت في هذا العصر عدد من المناهج الفكرية ، منها منهج الأشاعرة والماتردية ، كما كان لأهل الحديث مدرستهم الخاصة للرد على أهل الأهواء والبدع .

-   الفصل الثاني : وفيه تناولنا سيرة الأسفراييني ، وقد ضم مبحثين أيضاً ، تناولنا في الأول منه : اسمه ونسبه ، وطلبه للعلم ، وأبرز شيوخه وتلاميذه ، ثم بينا مكانته العلمية ومؤلفاته ، أما المبحث الثاني منه ، فقد درسنا فيه مذهب هذا المفكر المذهبي والعقدي ، وقد نشأ في بيئة كلامية تعتنق المعتقد الأشعري ، فنشأ على هذا المعتقد ، ودافع عنه ، على أن هذه العقيدة شكلت منهجاً خاصاً في الرد على أهل الأهواء والبدع ، خاصة في القرن الخامس والسادس الهجري ، فالأسفراييني في كتابه هذا قد سار على نهج من سبقه من الأشاعرة في اعتماد الأسس الكلامية في استعراض هذه الفرق الإسلامية والرد على شبهاتها التي ظهرت ، وإن كان هذا المنهج يتفاوت من فرقة إلى أخرى ، وقد ذكر الأشاعرة ومدحهم في شعره .

-   الفصل الثالث : وقد ضم مبحثين أيضاً ، بحثنا في الأول منه : تسمية الكتاب ، والدوافع المباشرة وغير المباشرة لتأليفه ، وفيه أثبتنا لأول مرة أن هذا الكتاب صنف وقدم للوزير السلجوقي نظام الملك ، وهو أمر لم يكن معروفاً قبل هذا اليوم لأي احد من الدارسين ، والمهتمين بالكتاب أو بسيرة الوزير السلجوقي ، أما المبحث الثاني فدرسنا فيه مصادر كتاب ( التبصير في الدين ) ومنهج الأسفراييني فيه ، وقد تميز منهجه بالاعتناء بالقرآن الكريم وتفسيره ، ولا غرابه في ذلك ، فهو من علماء علم التفسير ، وله مصنف في ذلك .

-   الفصل الرابع : وفيه درسنا مفهوم الفرقة عند كتاب الملل والنحل ، وانتقينا فيه ثلاثة علماء هم : الأشعري وكتابه ( مقالات الإسلاميين ) ، وعبد القاهر البغدادي وكتابه ( الفرق بين الفرق ) وابن حزم الظاهري وكتابه ( الفصل في الملل والأهواء النحل ) ويعد كتاب ( التبصير في الدين ) امتداداً لمدرسة الأشاعرة في دراسة وعرض الفرق الإسلامية ، أما كتاب ابن حزم فهو يشكل مدرسة مستقلة ، وإن كان يجتمع مع كتب الشاعرة في أصول الفرق الإسلامية ، أما المبحث الثاني فهو يتناول مفهوم الفرقة عند شيخ الإسلام ابن تيمية ، والذي له منهج خاص في تناول الفرق الإسلامية وتصنيفها .

-   الفصل الخامس : ويضم ثلاثة مباحث ، الأول : مفهوم الفرقة عند الأسفراييني ، والتي لا تختلف كثيراً عن مفهومها عند الأشاعرة ، بل نلاحظ الأثر الكبير الذي تركه عبد القاهر البغدادي على كتاب ( التبصير في الدين ) من حيث الأسلوب وتقسيم الفرق ، أما المبحث الثاني من هذا الفصل فدرسنا فيه الفرقة الناجية عند الأسفراييني ، والذي يقرر فيها أن عقيدة الأشاعرة هي عقيدة الفرقة الناجية ، وقد وضحنا سبب قوله هذا ، ورددنا على ما فيه من إشكالات عقدية ، وكون الأشاعرة مصطلح لا يتطابق مع مصطلح الأشاعرة ، أما المبحث الثالث والأخير من هذا الفصل فقد عرفنا بالمخطوطات المعتمدة في تحقيق هذا الكتاب ، ومنهج التحقيق ، مع صفحات من نسخ المخطوطات المعتمدة .

ويمتاز كتاب ( التبصير في الدين ) بكون التسمية تجمع بين الدلالة على صحة الاعتقاد ، مع استعراض الفرق الإسلامية التي ظهرت حتى وفاة المؤلف ، والملاحظ أن التسمية التي أختارها المؤلف للكتاب تتناسب مع قصد المؤلف منها ، ذلك أنه أراد أن يجعل كتابه هذا مرجعاً يرجع الآيه أيضاً في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة .

والتسمية المشهورة للكتاب هي ( التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين ) كذا ذكرها له العلماء([1]) ، ويبدو أن هذه التسمية هي الأصح للكتاب ، رغم أن المؤلف ( رحمه الله ) لم يصرح بالتسمية في كتابه هذا ، إلا أننا نستطيع أن نرجح ذلك لأسباب عديدة :

1. إن سبب تأليف الكتاب – على ما يأتي ذكره – هو أن المؤلف قصد منه بيان صفات الله تعالى ، ومعرفتها حسب ما ورد الدليل من الكتاب والسنة في تقريرها ، ولا يتم ذلك إلا بنفي النقائص عنه ، مع استعراض الأهواء التي تلبست بهذا الدين ، وبيان بطلانها .

2. كان قصد الإسفراييني أن يربط بين صحة الاعتقاد ، مع بيان الفرق التي ظهرت في تاريخ المسلمين ، وهو يدخر في باب تبصير المسلم بأمور دينه ، وتحذيره من الفرق الهالكة .

3. يذكر الإسفراييني أنه ألف الكتاب خاصة للوزير نظام الملك ، ووضعه بين يديه ليكون : (( كتاباً فراقاً بين الفريقين ، جامعاً بين وصف الحق وخاصته ولإشارة إلى حجته ... جامعاً عقائد أهل الدين وفضائح أهل الزيغ والملحدين )) .

4. أخيراً فإن الإسفراييني سار على خطى شيخه البغدادي ، الذي شبقه في التأليف في الموضوع نفسه ، فسمى كتابه ( الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم ) كذا كانت تسمية الكتاب ، ولابد أن يكون الإسفراييني قد تأثر بكتاب شيخه ، فألف على منواله ، ونسج تسميته وفق تسمية شيخه .

أما إن أردنا أن نحلل تسمية الكتاب فإن التبصير في اللغة يشير إلى : (( التعريف والإيضاح ، ورجلٌ بصيرٌ بالعلم : عالم به )) ([2]) ، لكن لماذا جعل التبصير هنا بالدين عامة ؟ ومعلوم أن هذه المفردة تشمل الدين كله ، ومنه قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ آل عمران : 19 ] ، فجعل الإسفراييني تسميته عامة لكل ما يدان به ، وإن كان الكتاب يبدو موجهاً للمسلمين خاصة ، إلا أنه لا يخلوا من ذكر غير المسلمين ، ويبدو أن قصد المؤلف من ذلك التنبيه على أن الافتراق الذي حصل في هذه الأمة ، هو موافق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الافتراق المشهور ، الذي سنأتي على ذكره بعد حين .

على أن قصد المؤلف من عنوان كتابه لم يكن الاقتصار على استعراض أراء الفرق الإسلامية وغير الإسلامية ، ولكن كان القصد منها بيان وتمييز الفرقة الناجية ، وفقاً لما يراه ويعتقده ، وقد كان موفقاً من هذه الناحية عندما جعل عنوان الكتاب موافقاً لتصميمه ، فالكتاب يتدرج في ذكر الفرق الإسلامية وفقاً لتصميم منتقى من قبل المؤلف ، وكذلك عنوان الكتاب نفسه فإنه يتدرج في بيان محتوى الكتاب ومقاصده .

وقد نأخذ على عنوان الكتاب أن المطلع على الجزء الأول منه ( التبصير في الدين ) قد يشعر أن هذا الكتاب هو في أصول الدين ، وليس في علم الملل والنحل ، خاصة وأن شيخه عبد القاهر البغدادي ، الذي سبقه في التصنيف في هذا الكتاب كان موفقاً في اختيار عنوان منتقى لكتابه يتطابق تماماً مع المضمون ، وهو ( الفرق بين الفرق ) ، ولكن قد يكون قصد الإسفراييني من عنوان كتابه هو المزاوجة بين علم أصول الدين وعلم الملل والنحل ، فإن كتابه مشترك في هذين المعنيين ، وهذا يمكن أن يفهم منه أن موضوع الكتاب يندرج فعلاً تحت هذا المسمى .

الدوافع لتأليف الكتاب :

من المهم أن بين الأسباب التي دفعت الإسفراييني إلى تصنيف كتابه ( التبصير في الدين ) ومادة ما يفسر الكتاب والمؤلفون مثل هذه الدوافع في مقدمة الكتاب ، أو من خلال ثناياه ، ونحن لا نستطيع أن نهمل هذه الدوافع سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ، ويمكن بيانها وفق الآتي :

 

أولاً : الدوافع المباشرة :

إن طبعات الكتاب المتداولة بين يدي الباحثين ، قد أهملت التحقق من سبب تأليف الكتاب ، ويعود السبب في ذلك – بتقديرنا – إلى اعتمادها على نسخة خطية واحدة ، كمل أهملت دراسة الكتاب بصورة علمية ، وقد صرحت أحدى المخطوطات التي تم اعتمادها أثناء التحقيق بأن الدافع المباشر لتصنيف هذا الكتاب ، كان بتوجيه من الوزير المشهور نظام الملك ، يقول الإسفراييني في مقدمة كتابه : (( ولما كان الشيخ الأجل الوزير أبو الحسن علي بن علي بن إسحاق قد أكرمه الله بجلال نعمه ، وفضائل قسمه ، قائماً بنصرة أهل الدين ، سيفاً مصلتاً على جميع أهل الزيغ والمبتدعين ، وكان مخصوصاً من عند الله تعالى بفواضل سماوية ، وكرامات علوية ، جامعاً بين رأي رشيد وعزم شديد وحزم أكيد ، ناظراً لأهل الدين ومناجحهم ، وأهل الدنيا ومصالهم ، ليكون إن شاء الله كما قال تعالى : ﴿ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران : 45] ، ولما كان بابه الرفيع مصطفق الرفاق ، وملتقى الرجال من كل أوبٍ من الآفاق ، وكان فيهم الأصناف المختلفة والأخياف المتباينة في طرقهم وأديانهم ، وكان بلطيف نظره يتأمل عقولهم وأحوالهم ، ليرفع من كان في دينه رفيعاً ، ويضع من كان في طريقته وضيعاً ، جمعت لشريف خزانته ، كتاباً فارقاً بين الفريقين، جامعاً بين وصف الحق وخاصته، والإشارة إلى حجته ، ووصف الباطل، وحل شبهه ؛ ليزداد المطلع عليه استيقاناً في دينه ، وتحقيقاً في يقينه، فلا ينفذ عليه تلبيس المبطلين ، ولا تدليس المخالفين للدين )).

ومن المعروف أن الوزير نظام الملك كان مهتماً بالعلم والعلماء ، فكان له الفضل في تأسيس المدارس النظامية في عدد ممن حواضر العالم الإسلامي يومئذ قال الذهبي : (( كان عامر المجلس بالقراء والفقهاء ، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد ، وأخرى بنيسابور ، وأخرى بطوس ، ورغب في العلم ، وأدرَّ على الطلبة الصلات ، وأملى الحديث ، وبَعُدَ صيته ... )) ([3]) .  

ثانياً الدوافع غير المباشرة :

 هناك أسباب كثيرة دفعت أبو المظفر الأسفراييني لتأليف هذا الكتاب ، ذكرها أو اشار إليها بصورة غير مباشرة ، توضحت لنا من خلال مطلعتنا لكتابه :

1.   بيان زيف المقالات التي انتحلها البعض ، وغروا بها العوام من خلال تزيينها للماس في المجتمع الإسلامي بصورة عامة ، خاصة في بلاد خراسان وما وراء النهر التي انتشرت فيها الأفكار والمعتقدات المنحرفة والغالية ، من باب بيان الشر خشية للوقع فيه ، قال الأسفراييني : (( وقد كان أصحاب رسول الله e يسألونه عن الحق لصحة الإعتقاد والمعرفة، وعن الباطل والشر للتمكن من المجانبة ، حتى قال حذيفة بن اليمان : (( كَانَ النَّاس يَسألونَ رَسُولَ الله e عَنْ الخَيرِ ، وَكُنتُ أسْألُهُ عَنْ الشَّرِّ )) ([4]) ، وإنما كان يفعله لتصح له مجانبته ، لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه .

2.   الوقوف بوجه بعض الفرق من الكرامية والباطنية التي انتشرت بصورة واسعة في خراسان في القرن الرابع والخامس الهجريين ، وقد شهد القرن الرابع الهجري ظهور بارز لفرق الشيعة بمختلف فرقها ، خاصة الروافض والباطنية ، قال أبو المظفـر الأسفراييني عن الفرقـة الأخيرة : (( وفتنتهم على المسلمين شرٌّ من فتنة الدجال ، فإن فتنة الدجال إنما تدوم أربعين يوماً ، وفتنة هؤلاء ظهرت أيام المأمون ، وهي قائمة بعد )) .

3.   بيان تأثر أفكار المم السابقة على الفرق التي ظهرت في خراسان بصورة خاصة ، وقد شبه الأسفراييني الكرامية بالمجوس ، فقال : (( ولم يجد هؤلاء في الأمم من يكون قدوة لهم القول بحدوث الحوادث في ذات الصانع غير المجوس ، فرتبوا مذهبهم على قولهم ، وذلك أن المجوس قالوا : تفكر يزدان في نفسه أنه يجوز أن يظهر له منازع ينازعه في مملكته ، فاهتم لذلك فحدثت في ذاته عفونة بسبب هذه الفكرة ، فخلق منها الشيطان ، فلما سمعت الكرامية هذه المقالة بنوا عليها قولهم بحدوث الحوادث في ذاته سبحانه تعالى الله عن قولهم ، فلزمهم أن يجوزوا حلول الألم واللذة والشهوة والموت والعجز والمرض عليه ، فإن ما كان محلا للحوادث لم يستحل عليه هذه الحوادث كالأجسام )) .

4.   تمييز الفرقة الناجية التي ذكرت في حيث الافتراق المشهور عن فرق ، بل إن العنوان الذي حمله الكتاب يدل على ذلك ، قال بعد أن انتهى من استعراض الفرق الإسلامية : (( وقد نـزههم الله تعالى عن جميع هذه الفضائح والرذائل التي سردناه ، وجروا في اعتقادهم على ظاهر الكتاب والسنة وإجماع الأئمة ، والخلاف بينهم رجع إلى فروع الدين ، وإلى أمور يسيرة الخطب ، لا توجب تكفيراً ولا ابتداعاً )) .

5.   رغم أن الكتاب كان مخصصاً لفرق المسلمين ، فقد بين أبو المظفر الأسفراييني عقائد غير المسلمين بصورة مختصرة ، فقال في باب خصصه لذلك : (( في بيان مقالات قوم كانوا قبل دولة الإسلام والله اعلم بعددهم ونذكر منهم ما اشتهر من جملتهم عند أرباب التواريخ وأصحاب المقالات )) .

6.   بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة ، بموازاة الفرق التي ظهرت في الإسلام ، وقد تضمت ذلك ثلاثة أمور :

-       أحدها في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة.

-       الثاني في بيان تحقيق النجاة لهم بالطرق التي ننبه عليها.

-       الثالث في بيان فضائلهم  .

وأهل السنة الذين يعنيهم المؤلف هنا هم الأشاعرة ، وقد بينا سبب معتقده هذا في الفصل الذي تقدم .

 

تاريخ تأليف الكتاب :

لا نعرف بالضبط التاريخ الذي ألف فيه أبو المظفر الأسفراييني كتابه ( التبصير في الدين ) ، ولكن هناك أشارات فيد أن الكتاب ألف بعد سنة ربما تقودنا إلى تحديد تاريخ تقريبي لتأليف الكتاب ، من ذلك على سبيل المثال منها أنه يترحم على أبي إسحاق الأسفراييني ( ت 418هـ ) عندما يذكره في كتابه هذا ، كما يترحم أيضاً على محمود بن سبكتكين ( ت 421هـ ) ، كما يترحم على شيخه عبد القادر البغدادي ( ت 329هـ ) عندما يشير إليه في كتابه ، وهذا يدل أنه صنف الكتاب بعد هذا التاريخ ، ولكن لا نستطيع تحديد التاريخ بالضبط ، ويمكن القول أن الكتاب ألف بعد سنة 430هـ ، وربما يكون تأليف الكتاب بمدينة طوس ، عندما انتدب أبو المظفر الأسفراييني للتدريس فيها ، وهذا هو المرجح لدينا ، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن التأليف كان بتوجيه من الوزير نظام الملك ، وهذا يعني أن التأليف ربما تأخر فكان في أواخر حياة المؤلف رحمه الله ، خاصة إشاراته المتكررة لبعض مؤلفاته في كتابه هذا . 

طبعات الكتاب :

إن الاهتمام بكتاب ( التبصير في الدين ) قد بدأ منذ وقت مبكر على يد الشيخ محمد زاهد الكوثري ، حيث طبع الكتاب لأول مرة سنة 1359هـ على نسخة خطية واحدة ، وقد أعيد طبع الكتاب عدة مرات على هذه الطبعة ، وكان د. محمود محمد الخضري قد كلمة في مبدأ الكتاب عن الصلة بين علم الفرق وغيره من العلوم ، وهذه الطبعة قد ترجم لمعظم أعلامها ، وخرجت الآيات القرآنية ، وخرج الحديث بالعزو في معظم الأحيان إلى مضانه ، دون الإشارة إلى الجزء والصفحة ، كما وضعت فهارس في آخر الكتاب للأعلام وموضوعات الكتاب ، وقد بلغت عدد صفحات الكتاب مع مقدمته وفهارسه ( 183 ) صفحة .

أما الطبعة الثانية للكتاب فقد كانت بعناية الأستاذ كمال الحوت سنة 1983م ، وقد اعتمد على نسخة خطية واحدة أيضاً ، قدم له بمقدمة موجزة ، شملت التعريف بالمؤلف والكتاب ، وقد كانت عناية الأستاذ كمال الحوت بتخريج الفرق والأعلام أكثر من عناية الشيخ الكوثري ، إلا أن هذه الطبعة أيضاً بحاجة إلى تصحيح وضبط ، بسبب اعتماد الكتاب على نسخة خطية واحدة ، وقد بلغ عدد صفحات الكتاب مع فهارسه ( 227 ) صفحة ، كما أعيد طباعة الكتاب عدة مرات على هذه الطبعة أيضاً .

 

تقسيم الكتاب :

إن المطلع على خطة كتاب ( التبصير في الدين ) يلاحظ تأثر المؤلف الشديد بتقسيم شيخه عبد القادر البغدادي لكتابه ( الفرق بين الفرق ) ، ولكن هناك اختلاف في أبواب الكتاب التي اعتمدها كل واحد منهما ، فالبغدادي قسم كتابه إلى خمسة أبواب ، هذه ترجمتها([5]) :

-       باب في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة .

-       باب في بيان فرق الأمة على الجملة ، ومن ليس منها على الجملة .

-       باب في بيان فضائح كل فرقة من فرق الضالة .

-       باب في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها .

-       باب في بيان الفرقة الناجية ، وتحقيق نجاتها وبيان محاسن دينه .

أما تقسيم الأسفراييني فكان إلى خمسة عشر باباً ، هذه ترجمتها :

-       الباب الأول : في بيان أول خلاف ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ظهر من الخلاف في أيام الصحابة رضي الله عنهم أو قريباً منهم .  

-       الباب الثاني : في بيان فرق الأمة على الجملة .

-       والباب الثالث : في تفصيل مقالات الروافض وبيان فضائحهم .   

-       والباب الرابع : في بيان مقالات الخوارج وبيان فضائحهم  .  

-       والباب الخامس : في تفصيل مقالات القدرية الملقبة بالمعتزلة وبيان فضائحهم .  

-       والباب السادس : في تفصيل مقالات المرجئة وبيان فضائحهم .     

-       [ الباب السابع : في تفصيل مقالات النجارية وبيان فضائحهم .    

-       والباب الثامن : في تفصيل مقالات الضرارية وبيان فضائحهم .     

-       والباب التاسع : في تفصيل مقالات البكرية وبيان فضائحهم .    

-       والباب العاشر : في تفصيل مقالات الجهمية وبيان فضائحهم .    

-       والباب الحادي عشر : في تفصيل مقالات الكرامية وبيان فضائحهم .    

-       والباب الثاني عشر : في تفصيل مقالات المشبهة وبيان فضائحهم .    

-       والباب الثالث عشر : في بيان فرق ينتسبون إلى دين الإسلام ، ولا يعدون في جملة المسلمين ، ولا يكونون من جملة الاثنتين والسبعين ، وهم أكثر من عشرين فرقة .

والملاحظ على تقسيم الأسفراييني أنه فصل في ذكر تفاصيل الأبواب أكثر من شيخه البغدادي ، وإن كان الغالب على كتاب الأسفراييني الاختصار ، إذ أن أصول الفرق كما هو معروف عند أكثر كتّب الملل والنحل أربعة هم ( الشيعة ، والخوارج ، والمعتزلة ، والمرجئة ) ، لكن تقسيم الأسفراييني قد أفرد فرق المعتزلة والمرجئة بأبواب مستقلة ، على عكس شيخه البغدادي الذي التزم بالتقسيم التقليدي لكتابه ، ويعود السبب بتقديرنا للتفاصيل المذكورة في تقسيم الأسفراييني إلى أمور منها :

-       أن الأسفراييني أراد أن يبرز الفرق التي كانت سائدة في بيئته يومئذ ، فأفرد على سبيل المثال الكرامية بباب مستقل وهي من فرق المرجئة ، كما أفرد المشبهة بباب مستقل وهي من فرق المعتزلة .

-       أن الأسفراييني قد أفرد الفرق غير الإسلامية بباب مستقل ، بعيداً عن تقسيم شيخه البغدادي ، وإن كانت عناية الأخير بالتفاصيل أكثر من عناية الأسفراييني نفسه .

ولكن مع ذلك ، فإن البغدادي كان قد سبق الأسفراييني في تقسيمه هذا ، إذ جعل تحت كل باب من الأبواب الخمسة من كتابه فصولاً مستقلة ، وبذلك كانت طريقة البغدادي اسلم برأينا من طريقة الأسفراييني على اعتبار أنه جعل الأصول خمسة ، ثم فصل في فصول الأبواب ، في حين أن التفصيل في كتاب الأسفراييني كان من الأصول ، وربما يكون عذر الأخير أنه أراد أن يكون كتابه مختصراً لكتاب البغدادي ، ولهذا لم يفصل التفصيل الذي فصله شيخه فيه وسبقه إليه .

 

تحليل مقدمة الكتاب :

لقد كتب الأسفراييني مقدمة طويلة نسبياً لكتابه ( التبصير في الدين ) مقارنة بمقدمة كتاب شيخه عبد القادر البغدادي ( الفرق بين الفرق ) ، وقد ابتدأ المقدمة بالحمد والصلاة على رسول الله ، ثم قال : (( أعلموا أسعدكم الله ... )) ويبدو من خلال هذه العبارة أن الأسفراييني قد وجه كتابه هذا لمجموعة خاصة من الناس ، كأن يكونوا من طلبة العلم ، أو أن يكون وجه خطابه هذا إلى الوزير نظام الملك الذي قدم له الكتاب بعد تأليفه ، وبه يمكن القول أن الكتاب كان موجه لفئة متعلمة مثقفة من أهل خراسان .

ثم بيّن الأسفراييني في مقدمة كتابه هذا الحكمة من توحيد الله تعالى في اسماءه وصفاته ، ولا تتكامل تلك المعرفة – باعتقاده – إلا بنفي النقائص عنه ، لأن أمر الله تعالى لرسله قد تضمن أمرين :

الأول : المعرفة بما أوجب الله معرفته .

والثاني : الاحاطة بما أوجب عليه مجانبته .

ثم بين الأسفراييني أن هذا هو طريق الأنبياء الذي سلكوه ، وفيه النجاة والعصمة لمن سار خلفهم، وكذا قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام : 161] ، فالأمر بذلك من عن الله تعالى ، ومن سار على هذا النهج هدي إلى صراط مستقيم .

أما العنصر الثالث في المقدمة ، ففيه بيان لضرورة معرفة الشر ، ليتمكن المرئ من مجانبته ، لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه ، ويستشهد بحديث حذيفة بن اليمان الذي يقول فيه : (( كَانَ النَّاس يَسألونَ رَسُولَ الله e عَنْ الخَيرِ ، وَكُنتُ أسْألُهُ عَنْ الشَّرِّ )) ([6])، ثم يربط كلام حذيفة هذا بحديث الافتراق المشهور ، ويبين بالآثار عن الصحابة أن أهل الأهواء يفارقون هذه الأمة في حقيقة الإيمان ، وإن كان هؤلاء يختلطون بأهل الحق ، فلا بد أن يتبين منهم المسلم حتى يتميز عنهم ويصون عقيدته عما هم عليه من البدع .

ثم يذكر الأسفراييني بعد ذلك اختلاف العلماء وأهل التحقيق منهم حول عدد هذه الفرق التي ذكرت في حديث الافتراق ، والملاحظ أنه لا يرجح أياً من الآراء المذكورة التي يستعرضها ، بل لا يرجح عدد معين في ذلك ، مثلما هو الحال عند البغدادي وغيره ، وإن كنا نراه يسير على العدد المذكور في ثنايا كتابه ؛ لأن غرضه من هذا ليس تعداد الفرق ، بقدر ما هو أن يكون الكتاب الذي يصنفه كتاباً فارقاً بين الفريقين ، جامعاً بين وصفي الحق وخاصته والإشارة إلى حججه ن ووصف الباطل وحد الشبه ؛ ليزاد المطع عليه استيقاناً في دينه وتحقيقاً في يقينه .

ومن الواضح من خلال مقدمة كتاب الأسفراييني أنه يصرح بأنه ألف هذا الكتاب للوزير نظام الملك ، وجعله بين يديه ، نظراً لعلو مكانته ، خاصة اهتمام الوزير المعروف برد أهل الأهواء والبدع ، يقول في هذا الباب في وصف الوزير نظام الملك بأنه كان : (( سيفاً مصلتاً على جميع أهل الزيغ والمبتدعين ، وكان مخصوصاً من عند الله تعالى بفواضل سماوية ، وكرامات علوية ، جامعاً بين رأي رشيد وعزم شديد وحزم أكيد ، ناظراً لأهل الدين ومناجحهم ، وأهل الدنيا ومصالهم ، ليكون إن شاء الله كما قال تعالى : ﴿ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران : 45] ، ولما كان بابه الرفيع مصطفق الرفاق ، وملتقى الرجال من كل أوبٍ من الآفاق وكان فيهم الأصناف المختلفة والأخياف المتباينة في طرقهم وأديانهم ، وكان بلطيف نظره يتأمل عقولهم وأحوالهم ، ليرفع من كان في دينه رفيعاً ، ويضع من كان في طريقته وضيعاً ، جمعت لشريف خزانته ... )) .

ثم ذكر في مقدمة كتابه خطة الكتاب ، والأسس التي يسير عليها ، فبدأ بتعدادها باباً باباً ، ثم قال في أخرها : (( وذكرت في كل باب منه ما يقتضيه شرطه على حد الاقتصار والاعتدال ، مصوناً من الإكثار والإملال ، بفضل الله وتوفيقه )) .

 


 

([1]) كشف الظنون : 1/340 .

([2])  لسان العرب : 4/65 .

([3]) سير أعلام النبلاء : 19/94 .

([4]) البخاري ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام : رقم 3411 ؛ مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين : رقم 1847 ؛ أبو داود ، السنن ، كتاب الفتن والملاحم ، باب ذكر الفتن ودلائلها : رقم 4244 .

([5]) الفرق بين الفرق : ص 3 .

([6]) البخاري ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام : رقم 3411 ؛ مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين : رقم 1847 ؛ أبو داود ، السنن ، كتاب الفتن والملاحم ، باب ذكر الفتن ودلائلها : رقم 4244 ؛ .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter