|
المبحث الأول
الآيات القرآنية
لا شك أن الشيعة الإمامية غالباً ما
يحاولوا أن يبينوا للمسلمين كافة بأنهم متبعون لأدلة
الشريعة الإسلامية مما جاء في الكتاب الكريم والسنة
النبوية الشريفة ، وقد ينطوي ذلك على بعض المسلمين ممن
لم يطلع على الأصول التي يعتمد عليها الإمامية في
تقرير عقائدهم ، إذ أنهم لا يعتبرون بما يرويه أهل
السنة من روايات بغض النظر عن تواترها أو شهرتها
المستفيضة ، ومع ذلك فهم يعمدون في مؤلفاتهم الحديثة
الاحتجاج على أهل السنة بما ورد في كتبهم من أحاديث
نبوية وآثار مروية عن الصحابة وغيرهم من أئمة السلف ،
ومعلوم أن الإمامية يعدون الصحابة أهل ردة لا يجوز أخذ
الرواية عنهم أو الاستشهاد بما يفعلونه ، فكيف
بالاحتجاج به ؟!.
ومن بين تلك الأمور التي حاول علماء
الإمامية المحدثين بوجه خاص تناولها بالبحث والعرض
مسألة التقية في أدلة أهل السنة الشرعية ، الأمر الذي
أدى إلى خروجهم عن المألوف في تناولهم لقضايا بحثية
جوهرية ، فحين نتكلم بما ثبت عندنا عن النبي
e
وصحابته الكرام وسلف الأمة ، يعترضون على ذلك بقولهم :
وما أدرانا أن هذا صحيح ؟ أما حين يحتجون به هم في
كتبهم ويردونه كأدلة ضد أهل السنة فهو حلال عليهم محرم
على غيرهم ، وما أشبه حالهم بحال من قال الله تعالى
فيهـم : ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ
قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى
شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا
نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [ البقرة : 14 ] .
وكما قدمنا في الفصل الأول من هذا
الكتاب ، فإن عدم تفريقهم بين الإكراه والتقية وجعلهما
في حكم واحد أدى إلى أن يقعوا في تخبطات عظيمة تناولنا
قسماً منها ، وسنحاول خلال هذا الفصل بيان وهن أدلتهم
ضد أهل السنة وتناقضهم في طرحها وتناولها ، مع التنبيه
بأننا سوف نبقى على منهجنا في إلزام الإمامية بما في
كتبهم من روايات منسوبة إلى الأئمة أو من كلام قاله
علمائهم في مقام التوضيح والبيان .
الآية الأولى :
هي قوله تعالى : ﴿ وَكَذلِكَ
بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ
مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبثْنَا يَوماً أو
بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا
لَبِثْتُمْ فَابعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هذِهِ
إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزكى طَعَاماً
فلْيأتِكُمْ بِرِزقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا
يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً * إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا
عَلَيكُمْ يِرْجُمُوكُمْ أوْ يُعِيدُوكُمْ في
مَلَّتِهم وَلَن تُفلِحُوا إذاً أبداً ﴾ .
وهذه من أولى الآيات التي استدل بها
الإمامية على التقية في القرآن الكريم ، ونحن نبسط
القصة هنا أمام القارئ كما وردت في كتب الفريقين
ليتبين له حال هؤلاء الفتية الذين ألهمهم الله تعالى
التوحيد فآمنوا بربهم وشهدوا أنه لا إله إلا الله ، ثم
أتم الله تعالى نعمته عليهم فقال : ﴿ إِنَّهُمْ
فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
﴾ [ الكهف : 13 ] أي زادهم إيماناً ويقيناً بما هم
عليه من حق ، وكفرهم بالطاغوت والباطل ، وقد أستدل
العلماء بهذه الآية على أن الإيمان يزيد وينقص .
ويذكر غير واحد من المفسرين أنهم كانوا
من أبناء الملوك ، وكانت لهم أصنام يعبدونها من دون
الله ، يذبحون ويسجدون لها ، وكان يحكمهم ملك جبار
عنيد يقال له ( دقيانوس ) ، ولهم مواسم وأعياد يخرجون
لهذه الأصنام ويقدمون لها الذبائح والقرابين ، وخرج
هؤلاء الفتية مع قومهم في عيدهم ونظروا إلى ما يصنع
قومهم بعين بصيرته ، وعرفوا أن ما يفعله قومهم باطل
ولا ينبغي أن يكون إلا لله رب السماوات والأرض ،
فاعتزلوا عيدهم وتفكروا فيما بينهم وتدبروا فهداهم
الله تعالى إلى الإيمان وتوافقوا على الكفر بهذه
الأصنام وعبادة الله تعالى وحده ، قال تعالى : ﴿
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا
رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن
نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً
شَطَطاً ﴾ [ الكهف : 14 ] فتناقل الناس إيمانهم
لأنهم جهروا بإيمانهم وأظهروا الكفر بأصنام قومهم ،
وسرعان ما وصل خبرهم إلى الملك ، فتوعدهم وامهلهم
للعودة إلى عبادة الأصنام وتهددهم وتوعدهم، فما كان
منهم إلا أن استغلوا هذه الفرصة للهرب بدينهم واعتزال
قومهم : ﴿ هَؤُلَاء
قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا
يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً _
وَإِذِ
اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم
مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم
مِّرْفَقاً
﴾ [ الكهف : 15 – 16 ] هذا هو ملخص القصة كما أورده
أهل السنة .
أما قصة أصحاب الكهف كما أوردها
الإمامية ، فهي لا تختلف كثيراً في الخطوط العامة لما
تقدم من كتب أهل السنة ، ولكن فيها تفاصيل أكثر عن
هؤلاء القوم ، إذ حسب رواية الإمامية فإن القوم كانوا
يعبدون دقيانوس من دون الله تعالى ، والفتية الذين
آمنوا هم من المقربين إليه ومن مستشاره الخاصين ،
آمنوا بالله تعالى بعد ما تفكروا بصفات ملكم الذي يأكل
ويشرب ويتغوط ويفرح ويحزن وغيرها من الصفات التي يتنزه
عنها الإله ، والأمر المهم في القصة التي أوردها
الإمامية لأهل الكهف – وهي مروية عن أمير المؤمنين علي
t
- على تفاصيلها الكثيرة ، لم تذكر لنا مواجهة بين
الفتية والملك ، بل إنها تذكر أنهم بمجرد إعلان
إيمانهم هربوا من الملك دون أن يطلع على شيء من أمرهم
، وكان أميرهم رجل يدعى تلميخا الذي : (( وثب فباع
تمراً من حائط له بثلاثة آلاف درهم وصرها في كمه
وركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة )) ([1])
، ثم ساروا على أرجهم والتقوا براعي له كلب فآمن معهم
وتبعهم ودلهم على كهف فآووا إليه ، وعندما عاد دقانيوس
من عيده : (( فسأل عن الفتية فأخبر أنهم خرجوا هرباً
فركب في ثمانين ألف حصان ، فلم يزل يقفوا على آثارهم
حتى علا الجبل وانحط إلى الكهف فلما نظر إليهم فإذا هم
نيام ، فقال الملك : لو أردت أن أعاقبهم بشيء لما
عاقبوا بأكثر مما عاقبوا ه أنفسهم ، ولكن ائتوني
بالبناءين وسد باب الكهف بالكلس والحجارة ، ثم قال
لأصحابه قولوا لهم يقولوا لألههم الذي في السماء
لينجيهم مما بهم إن كانوا صادقين وأن يخرجهم من هذا
الموضع )) ([2])
.
وعند المقارنة نجد أن الرواية التي
أوردها الإمامية عن أمير المؤمنين علي
t
أبعد ما تكون عن التقية ، فليس هناك ذكر بأن هؤلاء
الفتية قد اعتزلوا قومهم ، بل إنهم قد هربوا بدينهم
قبل أن يشعر بهم الملك وقد فسر الأمير
t
- وفق رواية الأمير – الاعتزال المذكور في الآية : ﴿
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ ﴾ [ الكهف : 16 ] بالخروج إلى
الكهف ، وليس بالتقية كما هو ظاهر من الرواية ، ولا
يمكن إنكار ذلك بالدليل العقلي ، وما قاله الإمامية
بأنهم كانوا يكتمون إيمانهم عن الملك ليس له دليل نقلي
أو عقلي ، أما النقلي فقوله تعالى حكاية عن هؤلاء
الفتية : ﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِم إذْ قَامُوا
فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ والاَرضِ لَنْ
نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنَا إذاً
شَطَطاً ﴾ [ الكهف : 14 ] وكذلك الرواية الثابتة في
كتبهم عن الأمير بأنهم خرجوا قبل أن يعرف أحد
بإيمانهم، والربط هنا هو مصابرتهم على مخالفة قومهم
ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من عيش رغيد وترف
وسعادة ، فهذا دالٌ على عدم تقيتهم ، وقد قرر هذا
الرأي من الإمامية ( شيخ الطائفة ) الطوسي وانتصر له
عندما قال : (( إذ قاموا فقالوا : معناه حين قاموا
بحضرة الملك الجبار فقالوا له هذا القول الذي أفصحوا
عنه فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية ،
فقالوا : ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السماوات والأرض
لن ندعوا من دونه إلهاً فنوجه العبادة إليه ، ومتى
قلنا غير ذلك ودعونا معه إلهاً آخر ( لقد قلنا إذن
شططا ) والشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه )) ([3])
، وسياق الآية شاهد على ما قاله الطوسي ، لذا رجح أكثر
مفسري الإمامية ما ذهب إليه الطوسي بأن وقوف الفتية
بوجه الملك لم يكن تقية بل كان أصالة عن أنفسهم
وتحدياً للملك ، وكان ذلك لبرط الله تعالى على قلوبهم([4])
.
ثم خروج هؤلاء الفتية من مدينتهم
ومفارقتهم لقومهم فأووا إلى الكهف كما قال الله تعالـى
: ﴿ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم
مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم
مِّرْفَقاً ﴾ [ الكهف : 16
] لأنهم كانوا يطلبون السلامة بدينهم والمكان الآمن
لأبدانهم لعبادة الله تعالى وحده ، وهذا الأمر دفعهم
إلى الاعتزال ، وما أشبه فعلهم هذا بفعل النبي
e
وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور أثناء هجرته من مكة
إلى المدينة ، ووصل المشركين إلى الغار إلا أن الله
تعالى أعمى بصائرهم فلم يروا النبي
e
وصاحبيه ، قال أبو بكر الصديق قلت للنبي صلى الله عليه
وسلم ونحن في الغار : (( لو أن أحدهم نظر إلى قدميه
لأبصرنا تحت قدميه ، قال فقال : يا أبا بكر ما ظنك
باثنين الله ثالثهما )) ([5])
، قال ابن كثير : (( فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم
وأعجب من قصة أصحاب الكهف )) ([6])
، ولم يقل أحد من المسلمين بأن هجرة النبي
e
من مكة إلى المدينة كانت تقية ، بل كانت بعد أن أذن له
تعالى له بالهجرة بسبب إيذاء المشركين له ، والذي يدل
على ذلك قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
﴾ [ التوبة : 40 ] قال في تفسير هذه الآية الطبرسي
: (( أسند الإخراج إلى الكفار كما في قوله : ﴿ من
قريتك التي أخرجتك ﴾ لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله
له في الخروج عنهم فكأنهم أخرجوه )) ([7])
، فالنبي
e
لم يخرج من تلقاء نفسه بل خرج بأمر إلهي ، في حين أن
أصحاب الكهف خرجوا من تلقاء أنفسهم هرباً بدينهم كما
يدل عليه قوله تعالى : ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى
الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ﴾
[ الكهف : 16 ] .
ويدل على هذا أيضاً ما رواه الإمامية
من دعاءٍ منسوب للنبي
e
أنه كان يدعو قائلاً : (( وكما ربطت على قلوب أهل
الكهف إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن
ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذن شططا ، ونحن نقول
كذلك فاربط على قلوبنا )) ([8])
، ففي هذا الدعاء منه عليه الصلاة والسلام دليل قاطع
على أن أهل الكهف كانوا أبعد الناس عن التقية في زمنهم
وبين قومهم ، وإلا لما دعى النبي
e
أن يكون قلبه مثل قلوبهم ، مع تسليمنا بأن قلب النبي
e
أتقى وأشرف القلوب .
ثم إن الإمامية يقرون بأن إمامهم
الثاني عشر كان قد اختفى وغاب خوفاً من الأعداء في
السرداب واحتجوا بمكث النبي
e
ثلاثة أيام في الغار لدلالة على صحة غياب إمامهم([9])
، وهذا كلام لا يمكن أن يقبله عاقل ؛ لأن النبي
e
مكث في الغار ثلاثة أيام ، أما إمامهم فهو في السرداب
منذ أكثر من ألف ومائتي عام ولا ندري هل يظهر أم لا
..؟! فالنصرة حاصلة في هجرة النبي المختار
e
كما يشهد بذلك القرآن : ﴿
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ
﴾ [ التوبة : 40 ] أما الاختفاء في الغار فلم يحصل في
نصر ولا تمكين ، بل هو خذلان للمؤمنين من لطف الإمام
الذي تزعمه الإمامية .
أما ما ذكره بعض الإمامية بأن هذه
القصة فيها دلالة على عموم التقية لقوله تعالى : ﴿
فابعثُوا أحدَكُم بِوَرِقِكُم هذهِ إِلى المدِينَةِ
فلينظُر أيُّها أزكى طعاماً فليأتِكُم برِزقٍ مِنهُ
وليتلطَّف ولا يُشعِرنَّ بكُم أحداً ﴾ [ الكهف :
19 ] فليس فيه تقية كما توهموا ، إنما هو من باب الأخذ
بالأسباب والحذر من الأعداء ، وفعلهم هذا شبيه بفعل
النبي
e
مع سراقة بن مالك عندما اتفق معه وهو لازال على شركه
أن يبعد عنهم عيون الأعداء ، وإلا لقيل أن النبي أوصى
كافراً بالتقية ، وهذا ممتنع عقلاً .
واعلم أن الإمامية روت في كتبهم بأن
أهل الكهف كانوا في زمن النبي
e
وأنه عليه الصلاة والسلام أرسل إليهم علياً على بساطٍ
من الريح فأحياهم الله تعالى له([10])
، فهذه الرواية – على فرض صحتها – تفيد أن هؤلاء
الفتية ما غابوا في كهفهم وماتوا بعد مكثهم وكل ذلك
تقية ، فإن في ذلك طعناً بإيمانهم وازدراء لحالهم ،
وروت الإمامية أيضاً عن المفضل عن أبي عبد الله أنه
قال : (( يخرج القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً
خمسة عشر من قوم موسى
u
الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل
الكهف ويوشع بن نون وسلمان وأبا دجانة الأنصاري
والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصاراً
وحكاماً )) ([11])
، وأنت خبير بأن المذكورين - إذا استثنينا الأشتر منهم
- يضرب المثل بصبرهم وقوتهم وبأسهم وتحديهم للباطل
وصدعهم بالحق ، فإن كان فتية الكهف قد هجروا قومهم ولم
يتحملوا المشاق تقية – على قول الإمامية – فكيف
يستطيعون إعانة المهدي عند خروجه ؟! وينصرونه عند
ظهوره ؟! .
مما تقدم من بيان يتضح أن أهل الكهف
كانوا أبعد الناس عن التقية ، وما قصه الله تعالى من
حالهم يدل دلالة على أصالة إيمانهم وأن هجرهم لقومهم
كان من باب الهجر الجميل والإعراض عن أذى المشركين ،
وهو أشبه ما يكون بحال الأنبياء ، وما ذكره الإمامية
من تقيتهم هو تعسف ظاهر لا يستند إلى أي دليل نقلي أو
عقلي يمكن التعويل عليه .
الآية الثانية :
﴿ وقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ
فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً
أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم
بالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُم وإنْ يَكُ كاذِباً
فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصبكُمْ
بَعْضُ الّذي يَعِدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ
هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ [
غافر : 28 ] .
لا خلاف في أن هذه الآية فيها دلالة
على التقية المشروعة عند غلبة الكفار وتسلطهم وسطوتهم
على المؤمنين ؛ وقد روى أكثر المفسرين من الفريقين قصة
هذا المؤمن الذي كان من المقربين من فرعون ويقال أنه
كان ابن عمه([12])
، وذكر القرطبي أنه هو المقصود في قوله تعالى : ﴿
وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى
قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوكَ ﴾ [ القصص : 20 ] ونسب القول لمقاتل([13])
، وروي عن ابن عباس أنه قال :
(( لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير
امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى ))
([14])
، وهذا يدل على أن منذر موسى
u
هو غير مؤمن فرعون ، وأياً كانوا فإن هذا المؤمن أو
كلاهما كانا خائفين من إظهار الإيمان ؛ لأن فرعون كان
قد توعد بني إسرائيل ومن أمن معهم بسوء العذاب كما في
قوله تعالى : ﴿
وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ
فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ
فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ
سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ
﴾ [ الأعراف : 127 ] فكان لا بد من إخفاء الإيمان عند
سطوة الكفار وطغيانهم .
والأمر الآخر الجدير بالذكر هنا هو أن
هذا الرجل كان قد أظهر إيمانه عندما أحس بأن رسول الله
موسى
u
في خطر عظيم يتهدد حياته ، إذ لا قيمة لإيمانه حين
يقتل النبي دون أن يمنع ذلك ، والسكوت عن المنكر منكر
، ولذا تكلم هذا الرجل عندما سمع قول فرعون : ﴿
ذروني اقتل موسى وليدعوا ربه ﴾ وهذا ما ذكره أكثر
من واحد منهم المفسرين ، قال الرازي : (( إنّه كان
يكتم إيمانه ، ولما علم بقول فرعون المذكور أزال
الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق ))
([15])؛
لأن الإيمان إن لم ينفع صاحبه في مثل هذه المواقف فلا
خير فيه ، وهذا الموقف مشابهة لما قام به أبي بكر
الصديق ، فقد روى البخاري عن عروة بن الزبير قال :
(( قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص :
أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه
به خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ﴿ أتقتلون رجلا
أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ ))([16])
، وأخرجه الحكيم الترمذي عن علي
t
وفيه قال علي بعد أن ذكر لفظ البخاري : (( والله أبي
بكر خير من مؤمن آل فرعون إن ذلك رجل كتم إيمانه ،
فأثنى الله عليه في كتابه ، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه
وبذل ماله ودمه لله عز وجل )) ([17])
، قال القرطبي في تعليقه على هذه الرواية : (( قول علي
t
- إن ذلك رجل كتم إيمانه - يريد أول أمره ، بخلاف
الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه ، وإلا فالقرآن
مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل
موسى
u
)) ([18])
وما قاله القرطبي يدل عليه سياق الآية فإن هذا الرجل
أظهر إيمانه كما ذكرنا ولم يكتمه مطلقاً ، وفيه دلالة
على الأخذ بالعزيمة إذ أن التقية في مثل ذلك الموطن
تعد نفاقاً وتخاذلاً عن نصرة رسول الله .
وعند العودة إلى روايات الإمامية وما
أوردوه في كتبهم عن أئمة أهل البيت يتضح لنا بشكل جلي
ثبات مؤمن آل فرعون على مبادئه وعقيدته ، كما في
الرواية التي أخرجها القمي عن زرارة - في رواية طويلة
- عن أبي عبد الله أنه قال عن هذا الرجل : (( كتم
إيمانه ستمائة عام ، وكان مجذوماً مقفعاً ( وهو الذي
وقعت أصابعه ) وكان يشير إلى قومه بيده المقفوعة ويقول
: ﴿ يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ﴾ وقوله : ﴿
فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ يعني مؤمن آل فرعون ، قال
أبو عبد الله
u
: ولقد قطعوه إرباً إرباً ولكن وقاه الله أن يفتنوه في
دينه )) ([19])
، فمن نظر لحال هذا الرجل علم أن الله تعالى قد عذره
أن لا يقول شيئاً : ﴿ ليس على المريض حرج وعلى ... ﴾
ولكنه أبى إلا أن يقول الحق لأكثر الناس طغياناً على
وجه الأرض رغم بؤس حاله وإعاقته ضارباً بالتقية عرض
الحائط ، فلا يبقى حينئذ حجة للذين يدعون أن هذا الرجل
قد قال ما قال تقية ، وما قاله الصادق شاهد لنا على
أخذ هذا الرجل بالعزيمة دون الرخصة حتى قطعوه إرباً
إرباً ولكنه بقي على ثباته وإيمانه ، فأين التقية هنا
؟! .
أما ما قاله بعض الإمامية بأنه ظل على
تقيته في قوله ، وأن قوله هذا كان لنصح فرعون وقومه
تقية لا دفاعاً عن موسى([20])
، ففيه طعن واضح بإيمان هذا الرجل ؛ لأن إيمانه حينئذ
يكون لا قيمة له ، وقد ثبت عند الفريقين أن النبي
e
قال : (( خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )) ([21])
، فلماذا لا يقول هذا المؤمن كلمة الحق ويصدع بما يأمر
، وسياق الآية شهد لذلك : ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ
هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾
وقد أورد ابن الجوزي في تفسير هذه الآية احتمالين :
((
أحدهما : مسرف على نفسه، كذّاب على ربّه، إشارة إلى
موسى، ويكون هذا من قول المؤمن ، الثاني : مسرف في
عناده، كذّاب في ادّعائه، إشارة إلى فرعون ، ويكون هذا
من قوله تعالى )) ([22])
، والثاني أرجح لأنه لا يعقل أن يذم المؤمن نبيه الذي
يؤمن به تقية ، وعليه تدل الرواية المتقدمة عن الصادق
، ويدل عليه أيضاً إخلاص هذا المؤمن في إظهار إيمانه
ومدافعته عن رسول الله ، وقوله كلمة حق عند فرعون ، إذ
ليس من المعقول - على كل حال - أن يقدم المؤمن ما
الطاغوت على الإيمان لأنهما لا يجتمعان في قلب مؤمن
كما قال تعالى : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىَ ﴾ [ البقرة : 256 ] ، ونحن قد اثبتنا
أن كلام المؤمن هنا لا تقيه فيه ، إذ لو كان كذلك لما
ذكره الله تعالى في كتابه ، ولما مدح قوله وشجاعته في
آية تتلى إلى يوم القيامة .
تنبيه مهم :
لا بد من الإشارة هنا إلى قضية مهمة
نساها أو تناسها الإمامية في معرض احتجاجهم بهاتين
الآيتين ، نجد من المناسب إيرادها هنا لكي يتضح للقارئ
التناقض العجيب الذي وقعوا فيه بسبب أخذهم المسائل
العقدية والفقهية بمعزل عن الأصول العامة للشريعة
الإسلامية ، وسنبحث هنا حجية الاحتجاج بشرع من قبلنا .
أما فيما يخص شرع من قلبنا فهو يخص
الشرائع التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه عليهم
السلام وثبوت العمل بها عند الأمم السابقة ، فإذا قص
القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة حكماً من هذه
الأحكام ، ثم قال الدليل على نسخه فلا خلاف بين
الأصوليين من أهل السنة في ترك العمل به ، ولا يمكن
بأي حال من الأحوال أن يكون شرعاً لنا ، مثل قوله
تعالى على لسان موسى : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ
أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ
إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ البقرة
: 54 ] .
أما ما وقع الخلاف فيه ، فما ما ذكره
الله تعالى في الكتاب والسنة من أحكام الشرائع السابقة
، ولم يرد في شرعنا ما يدل على أنه مكتوب علينا أو أنه
منسوخ أو مرفوع عنا ، كقولـه تعالـى : ﴿
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ
بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ
بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [ المائدة : 45
] قال جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية : (( إنه
يكون شرع لنا وعلينا اتباعه وتطبيقه ما دام قد قص
علينا ولم يرد في شرعنا ما ينسخه لأنه من الأحكام
الإلهية ... وقال بعض العلماء : إنه لا يكون شرعاً لنا
لأن شريعتنا ناسخة للشرائع السابقة ، إلا إذا ورد في
شرعنا ما يقرره ))([23])
، وقد ذكر أهل الأصول أدلة الفريقين واستعرضوها
باستيفاء في كتبهم مما لا مجال لذكره هنا([24])
.
والشيعة الإمامية قد رجحوا الرأي
الثاني الوارد عند أهل السنة وتشددوا في عدم الاحتجاج
بشرع من قبلنا ، وتسمك الإمامية بعدم حجية هذه الشرائع
بالنسبة لنا بالآتي :
1.
إن شريعتنا تامة لا نقص فيها كما ذكر
الله تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ [ المائدة
: 3 ] فهذه الشريعة لم تدع حكماً من الأحكام التي
يحتاجها الناس إلا وجاءت به ، ولذا روى الإمامية عن
أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر يرفعه إلى النبي
e
قوله في حجة الوداع : (( ما من شيء يقربكم من الجنة
ويبعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به ، وما من شيء
يبعدكم عن الجنة ويقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه
)) ([25]).
2.
قال محمد تقي الحكيم :
(( إن هذه الشرائع المتداولة ليست هي
الشرائع بكامل خصوصياتها؛ لتناقض مضامين كل شريعة على
نفسها وانتشار السخف في قسم من محتوياتها وابتعاد
أكثرها من كونها نظاماً للحياة ، وهو الأساس لكل رسالة
سماوية مما يدل إجمالا على طرو التحريف فيها )) ([26])
.
3.
إن الشك يمكن أن يقع على هذه الشرائع ،
فيكون محلاً لعدم الثبوت القطعي خاصة في الأحكام التي
تعم البلوى بها ، ولذا فإن القاعدة الشرعية الواردة عن
الأئمة :
(( لا تنقض اليقين بالشك )) ([27])
، ترد شرع من قبلنا ؛ لأنه غير ثابت الدلالة لحصول
الشك فيه ، ولذا يجب أن لا يعول عليه([28])
.
وفق هذا الاعتبار فإن الإمامية لا
يعتدون بشرع من قبلنا على أي حال من الأحوال نظراً
لتحريف هذه الشرائع ونسخها بشريعة الإسلام ، وقد قدمنا
كل هذه المقدمات واستعرضنا هذه المفردات لإقامة الدليل
على تناقض الحجج عند الإمامية ، فهم من جهة احتجاجهم
بالآيات المتقدمة على جواز التقية ، وهي تدخل تحت باب
شرع من قبلنا ، ومن جهة أخرى يرفضون الشرائع المتقدمة
ولا يثبتون لها حكما ، وبهذا يمكن القول إن ما أوردوه
في قصة أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون كدليل على جواز
التقية لا يمكن أن يكون حجة بأي حال من الأحوال ،
لأنهم لا يقرون بحجيتها ، فكيف يلزمون أهل السنة بها
؟!.
الآية الثالثة :
﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ
الكافِرينَ أوليَاءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن
يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاَّ أنْ
تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ
نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصيرُ ﴾ [ آل عمران : 28 ] .
وهذه الآية هي عمدة ما يحتج به الفقهاء
من الفريقين – خاصة من الشيعة الإمامية – على جواز
التقية ، وهي كذلك كما مر بيانه بصورة مجملة في الفصل
الأول من هذا الكتاب ، لكننا سنتناولها بالتفصيل هنا
باعتبارها دليلاً قائماً على جواز التقية عند غلبة
الكفار ، لا بين المسلمين كما يقرر ذلك الإمامية .
وأول شيء نحب أن ننبه عليه أن هذه
الآية كانت قد نزلت في رهط من الأنصار كما روى ذلك ابن
إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( كان
الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق
وقيس بن زيد ، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن
دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر بن زبير وعبد الله بن
جبير وسعد بن خثيمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء
اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم
، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ولزومهم ، فأنزل الله
عز وجل هذه الآية ))
([29])
.
وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية
نزلت في عبادة بن الصامت ، وكان بدرياً تقياً ، وكان
له حلفاء من اليهود ، فلما خرج النبي
e
يوم الأحزاب قال عبادة : (( يا نبي الله إن معي
خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي
فاستظهر به على العدو )) فأنزل الله تعالى هذه الآية([30])
، ولا إشكال في أن يكون سبب النزول في الآية مشتركاً
بين الحجاج بن عمرو وأصحابه وبين عبادة بن الصامت ؛
لأن هذه الآية تدل على عدم موالاة اليهود ، والنهي
الواقع فيها هو عبارة عن خطاب عام موجه للمؤمنين عامة
، لذلك قال الطبري ممهداً لقصة الحجاج بن عمرو :
(( نهى الله سبحانه المؤمنين أن
يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا
أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم اللطف
ويخالفونهم في الدين ))
([31])
.
والآيات في النهي عن موالاة الكافرين
كثيرة منها قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا
تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ﴾ وقوله تعالى
: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى
أولياء ﴾ وقوله تعالى : ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله
واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ وقوله تعالى
: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
﴾ ، ولذا لا خلاف بين العلماء من ترك موالاة الكفار
على كل حال .
وهذا ثابت عند الإمامية أيضاً قال
العياشي في تفسير آية المائدة المتقدمة : (( لا
تعتمدوا على الانتصار بهم متوددين إليهم ، ولا
تعاشرونهم معشارة الأحباب بعضهم أولياء بعض في العون
والنصرة ويدهم واحدة وهم المتفقون في مضادتكم ، ومن
يتولهم منكم فإنه منهم من استنصر بهم فهو كافر مثلهم
))
([32])
، وسياق الآية يشهد بأن مقام الذكر هنا مقام ولاء
المؤمنين والبراء من الكافرين ، ولذلك أكدت الآية على
المؤمنين خاصة في قوله تعالى : ﴿ من دون المؤمنين ﴾
فذكر المؤمنون مرتين الأولى لدلالة على برائتهم من
الكفار ، والثانية التأكيد على موالاتهم للمؤمنين ،
وفسر الرازي ذلك بقوله :
(( أي من غير المؤمنين كقوله تعالى ﴿
وادعوا شهدائكم من دون الله ﴾ أي من غير الله وذلك لفظ
مختص بالمكان ))
([33])
، وهذا الكلام هو أنسب بمعنى الآية الكريمة لأن الضدان
لا يجتمعان كما قال الشاعر :
تود عدوي ثم تزعم
أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب
ويقوي هذا التفسير ما ورد بعده في
الآية نفسها وهو قوله تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من
الله في شيء ﴾ ، وهذه الجملة معترضة كما ذكر الآلوسي :
(( والتعبير بالفعل هنا للاختصار أو لإيهام الاستهجان
بذره ، ولذا جاء لفظ ( شيء ) وفيه دلالة على التحقير :
أي ليس في شيء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية أو الدين
)) ([34])
، وقد جاءت هذه الجملة المعترضة ، في جواب الشرط
للتنبيه على سوء العاقبة وفساد الاعتقاد لمن يوالي
الكفار على حساب المؤمنين([35])
.
مما مر من كلام يمكن القول إن هذه
الآية جاءت لتقرير عقيدة الولاء والبراء ، وفق شروط
محددة في كتاب الله وسنة رسوله
e
، ولا يمكن الخروج عليها إلا بقيد معتبر ، أما ما يقال
أن هذه الآية عامة للدلالة على التقية مطلقاً خاصة بين
المسلمين ، والإمامية لا يتحدثون في رواياتهم عن تقية
الكفار ، بل يركزون رواياتهم على التقية من المسلمين ،
ويذكرون روايات كثيرة في تفاسيرهم عند هذه الآية ليس
في واحدة منها إشارة إلى التقية من الكفار الأصليين ،
ولم ترد روايات تدل عليها مطلقاً مثل ما رواه الكليني
عن أبي جعفر أنه قال : (( التقية في كل شيء يضطر إليه
ابن آدم فقد أحله الله له )) ([36])
.
وهذا يفرغ الآية من مدلولها الحقيقي
الذي ذكره الله تعالى في كتابه ؛ لأنه جل جلاله جعل
التقية استثناء في الآية وليس إطلاقاً ، إذ قال : ﴿
إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ فهنا على ما ذكر علماء
التفسير استثناء مفرغ جاء على صيغة الخطاب : (( بطريق
الغيبة .. والعامل فيه فعل النهي معتبراً فيه الخطاب :
أي لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال
اتقائكم ، وقيل استثناء مفرغ من المعول لأجله أي لا
يتخذ المؤمن الكافر ولياً لشيء من الأشياء إلا للتقية
)) ([37])
، ونظير هذا قوله تعالى : ﴿ من كفرَ بِاللّهِ مِن
بعدِ إِيمانِهِ إِلا من أُكرِه وقلبُهُ مُطمئِن
بِالإِيمانِ ولكِن مَن شرحَ بالكُفرِ صدراً ﴾ أي
لا يكون نطق كلمة الكفر إلا باطمئنان القلب ، كما
سيأتي بيانه بعد قليل إن شاء الله .
وقد برع الإمامية في نسبة الروايات إلى
أئمة أهل السنة من أجل إثبات التقية - وفق معتقدهم –
لا وفق ما ورد في هذه الروايات من سياق ، إذ ذكر
العلماء أن هذه الآية خاصة عند معاشرة المسلم للكافرين
في بلادهم كما قال الرازي وغيره عندما قال : (( إن
التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف
منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا
يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أن يظهر الكلام الموهم
للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض
في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في
أحوال القلوب )) ([38])
، ولا نريد هنا استعراض ما قدمناه في الفصل الأول من
أدلة بأن التقية جاءت للتخفيف على المسلمين المستضعفين
الذين يعيشون في دار الكفر ، ولكن نريد أن نبين أن هذه
الآية هي في مقام تقرير العلاقة بين المسلمين
والكافرين ، ولا يمكن أن تتعدى إلى أن تكون صفة للمؤمن
كما هو حالها عند الشيعة الإمامية ، إذ تعد هذه
العقيدة وسيلة للتقرب إلى الله تعالى عندهم .
فقد روى الإمامية عن الرضا أنه قال :
(( لا دين لمن لا ورع لـه ، ولا أيمان لمن لا تقية له
، وإن أكرمكم عند الله أعلمكم بالتقية )) ([39])
، وروى الطوسي رواية قريبة منها عن أبي عبد الله([40])
، فليس هناك تأكيد في هذه الروايات على معاشرة الكفار
بالتقية ، بل الأمر على عمومه ، وقد وضع الإمامية
عقيدة التقية في دينهم من أجل التقية من أهل السنة لا
للتقية من الكفار ، وهذا ما يقرون به ويعترفون
باعتقاده دون خجل أو مجاملة ، مع أن الوارد عن أهل
البيت خلافه ، وأشتهر عليهم صدعهم بالحق ، قال أمير
المؤمنين علي
t
فيما رواه عن الإمامية : (( علامة الإيمان إيثارك
الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك )) ([41])
، فأين هم من هذا الكلام الذي يدل على إخلاص قائله مع
الناس كافة ؟.
ولا نريد هنا إلا أن نذكر القارئ
الكريم بما أوردناه سلفاً في الفصل الأول عند تعريف
التقية عند الإمامية بأنها عبارة عن مكاتمة المخالفين
، وتفسير هذا المصطلح عند الإمامية أنفسهم، إذ يعنون
بهم أهل السنة ، ولا نريد أن نعيد تلك الروايات التي
ذكرناها هنا ، ولكننا نوضح هنا بأن تحول التقية من فرع
من فروع الدين إلى أصل من أصوله عند الإمامية كان سببه
النفور الذي ظهر في نفوس المسلمين من معتقدات الإمامية
خاصة فيما يتعلق بعقيدة تحريف القرآن الكريم ، والطعن
بصحابة النبي
e
، والقول بعصمة الأئمة وغيرها من المعتقدات التي جعلت
الإمامية يخفون كتبهم عن الآخرين خاصة فيما يتعلق بكتب
الأخبار والعقائد .
وإذا عدنا إلى الآية الكريمة التي نحن
بصدد تفسيرها علمنا أن المراد بها هنا التقية عند غلبة
الكافرين ، كما هو ثابت من الأخبار الكثيرة المروية عن
سلف هذه الأمة ، منها ما روي عن ابن عباس أنه قال : ((
نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذونهم وليجة
من دون المؤمنين ، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين
أولياء ، فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين )) ([42])
، وأكد هذا المعنى قتادة عندما قال : (( إذا كان
الكفار غالبين أو يكون المؤمنون في قوم كفار فيخافونهم
، فلهم أن يحالفوهم ويداروهم دفعاً للشر وقلبهم مطمئن
بالإيمان )) وغيرها من الآثار الكثيرة المذكورة في كتب
التفسير ([43])
.
ولكننا نحب أن ننبه هنا إلى ما أورده
بعض كتّاب الإمامية في كتبهم من الاحتجاج بهذه الآثار
على جواز التقية ، وهي لا تدل بأي حال من الأحوال على
ما يعتقدونه من عقيدة التقية ، إذ أن سلف الأمة كانوا
يعرفون بأن التقية تكون بوجود فئة قليلة من المسلمين
بين ظهراني الكفار ، أو عند غلبة الكفار على المسلمين
، وغالباً ما كانت في بداية الدعوة كما في قصة عمار بن
ياسر ، وهذا الرأي مروي عن معاذ بن جبل ومجاهد الذين
قالا : (( كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة
المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا
من عدوهم )) ([44])
، وهذا هو الراجح في تقديرنا ، وما ذكره الإمامية هو
من باب التلاعب بالأدلة ومحاولة خلط الألفاظ ، وهذا ما
لا يمكنهم الاعتماد عليه بأي حال من الأحوال .
آيات أخرى :
بقي أن نذكر أن الإمامية يذكرون أيضاً
آيات أخرى في الاحتجاج بالتقية ، منها قولـه تعالى : ﴿
مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاَّ مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌ بالاِيمانِ وَلكِن مَنْ
شَرَحَ بالكُفرِ صَدْرَاً فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مَنَ
اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ النحل : 106 ]
وقد بحثنا هذه الآية في
المبحث الأول من الفصل الأول ، ومعلوم أن هذه الآية هي
مكية نزلت في مبدأ الإسلام عندما كان المسلمون قلة
قليلة ينال منهم المشركون بمختلف أنواع الإيذاء ، وهذا
الأمر دفع بعمار بن ياسر
t
بالأخذ بالرخصة على العزيمة ، بينما أخذ والداه
بالعزيمة فمدحهم النبي
e
بقوله : (( صبراً آل ياسر فإن مصيركم الجنة ))
([45])
، ولكن الذي قرره أهل السنة هنا أن التقية يجب أن تكون
بين الكفار ولا تقية بين المسلمين ، وإنما تجري
الأعمال بين المسلمين على نحو الإكراه إن وقع ظلم على
أحدهم ، وهذا واضح بين كما تقدم .
ولا بد أن نشير إلى أن هذه الآية
الكريمة أدرجها أهل السنة في مباحث الإكراه لا في مبحث
التقية كما توهم الإمامية ، أو أوهموا أنفسهم بذلك ،
على اعتبار أن التقية والإكراه لا فرق بينهما عندهم ،
وهذا الأمر يخصهم ولا يخصنا ، ولا يمكن إلزام أهل
السنة بما بمعتقد الإمامية عن طريق التلاعب بالألفاظ
والتدليس بين المصطلحات .
([1])
ابن طاوس ، إرشاد القلوب : 2/362 .
([2])
ابن طاوس ، إرشاد القلوب : 2/363 .
([4])
جوامع الجامع : 2/355 ؛ كنز الدقائق : 8/45 ؛
مقتنيات الدرر : 6/285 ؛ الأمثل : 9/187.
([5])
البخاري الصحيح : 3/1337 ، رقم 3453 ؛ مسلم ،
الصحيح : 4/1854 ، رقم2381 .
([6])
تفسير ابن كثير : 3/76.
([7])
جوامع الجامع : 2/55 .
([8])
الفكعمي ، البلد الأمين : ص350 ؛ النوري ، مستدرك
الوسائل : 2/235 .
([9])
الطوسي ، الغيبة : ص15 .
([10])
المفيد ، الإرشاد : 2/386 ؛ الفتال ، روضة
الواعظين : 2/226 ؛ الأربلي ، كشف الغمة : 2/466.
([11])
جوامع الجامع : 2/55 .
([12])
تفسير الطبري : 20/51 ؛ القرطبي ، الجامع لأحكام
القرآن : 13/108 . وينظر رأي الإمامية في تفسير
القمي : 2/275 ؛ الجزائري ، قصص القرآن : ص 260.
([13])
الطبري ، التفسير : 20/51 ؛ ابن كثير ، التفسير :
3/569 .
([14])
القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 15/306 .
([15])
التفسير الكبير : 8/194 .
([16])
صحيح البخاري ، كتاب المناقب ، باب ما لقي النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين في مكة :
3/1345 ، رقم 3567 .
([17])
المناوي ، فتح القدير : 2/315 .
([18])
الجامع لأحكام القرآن : 15/309.
([19])
تفسير القمي : 2/257 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار :
13/162 .
([20])
ينظر ما قاله ثامر هاشم العميدي ، واقع التقية : ص
66 .
([21])
أخرجه من أهل السنة النسائي ، السنن : 7/161 ، رقم
4209 ؛ ابن ماجة ، السنن : 2/1330 ، رقم 4012 .
أخرجه من الإمامية ابن أبي جهور ، عوالي الألي :
1/432 ؛ مجموعة أورام : 2/200 .
([22])
زاد المسير : 7/219 .
([23])
عبد الوهاب خلاف ، أصول الفقه : ص 99 .
([24])
ينظر ما قاله الغزالي في المستصفى : 1/134 .
([25])
الكليني ، الكافي : 2/74 ؛ العاملي ، وسائل الشيعة
: 17/45 ؛ ابن حيوان ، دائم الإسلام : 2/14.
([26])
الأصول العامة : ص 417 .
([27])
الكليني ، الكافي : 3/351 ؛ ابن بابويه ، من لا
يحضره الفقيه : 1/60.
([28])
الحكيم ، الأصول العامة : ص 419 .
([29])
تفسير الطبري : 3/228 ؛ السيوطي ، الدر المنثور :
2/176 .
([30])
القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 4/57 ؛ الرازي
، التفسير الكبير : 8/192.
([31])
تفسير الطبري : 3/228 .
([32])
تفسير العياشي : 2/41 . وينظر أيضاً : الطوسي ،
التبيان : 3/550 ؛ كنز الدقائق : 4/136 .
([33])
التفسير الكبير : 8/193 .
([34])
روح المعاني : 3/194 .
([35])
التفسير الكبير : 8/192.
([36])
الكليني ، الكافي : 2/217 ؛ ابن بابويه ، من لا
يحضره الفقيه : 3/363 ؛ العاملي ، وسائل الشيعة :
16/214 .
([37])
روح المعاني : 3/195 .
([38])
التفسير الكبير : 8/194 .
([39])
ابن بابويه ، كمال الدين : 2/371 ؛ الطبرسي ،
مشكاة الأنوار : ص 42 ؛ الحويزي ، نور الثقلين :
5/97.
([40])
الأمالي : ص 611 ؛ النوري ، مستدرك الوسائل :
12/253 .
([41])
نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ) : 20/175 .
([42])
تفسير الطبري : 3/227 ؛ السيوطي ، الدر المنثور :
2/176.
([43])
ينظر تفسير الطبري : 3/228 وما بعدها ؛ السيوطي ،
الدر المنثور : 2/176.
([44])
القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 4/57 .
([45])
ابن هشام ، السيرة : 2/162.
|