من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

المبحث الأول

التقية في بعض العبادات عند الإمامية

دراسة مقارنة

توطئة :

لقد اثبتنا في الفصلين السابقين أن التقية عند الإمامية تعني مخالفة أهل السنة وعدم التشبه بهم على كل حال ، وبذلك تكون التقية قد ظهرت على يد علمائهم الذي كتبوا الكتب ، ونقلوا الروايات عن الأئمة ، ثم فسروا هذه الروايات الموافقة لأهل السنة بالتقية ، بل نسبوا الروايات إلى أهل البيت في مخالفة أهل السنة في كل شيء حتى لو لم ترد رواية عن الأئمة تفيد ذلك ، فقد روى الطوسي وغيره عن عمر بن حنظلة في رواية طويلة أنه سأل أبا عبد الله : (( ...فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ، قال : ينظر فيهما ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة ، فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة ، قلت : جعلت فداك أرأيت أن المفتين غبي عليهما معرفة حكمه من كتاب الله وسنة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة ، والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين نأخذ ؟ قال : بما خالف العامة ، فإن فيه الرشاد ، قلت : جعلت فداك فإن وافقهما ؟ الخبران جميعاً ، قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم ، فيترك ويؤخذ بالآخر ، قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً ؟ قال : إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات )) ([1])  ، وفي رواية أخرى عنه أيضاً : أنه قال : (( ما سمعت مني شيء يشبه قول الناس فيه التقية ، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه )) ([2]) .

 ولا شك أن هذه الرواية وغيرها هي من وضع علماء الإمامية من أجل إبعاد اتباعهم عن موافقة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذ أن أهل السنة هم المتبعون لهذين الأصلين العظيمين، ولذلك فإن جميع الروايات الواردة في كتب الإمامية الموافقة لأهل السنة ، قد تعسف القوم في ردها وترك العمل بها ، ونحن في هذا الفصل سنورد هذه الروايات ، وما يوازيها عند أهل السنة والجماعة ، ثم نبين كيف ترك علماء الإمامية العمل بها ، ليس لعلة فيها ، وإنما لوافقتها لروايات وعمل ( العامة ) أي أهل السنة والجماعة .

وقد قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين ، جعلنا المبحث الأول دراسة مقارنة بين هذه الروايات في كتب الفريقين ، ثم جعلنا المبحث الثاني عبارة عن سرد لروايات الأئمة الموافقة لعمل أهل السنة والتي فسرها الإمامية بالتقية .

الطهارة :

لقد حكم فقهاء الإمامية بطهارة الماء المستنجى به ، قال الحلي : (( إن طهارة ماء الاستنجاء وجواز استعماله مرة أخرى من إجماعيات الفرقة )) ([3]) ، ولا شك في أن هذا الماء الذي يخالطه البول أو العذرة نجس باتفاق جميع العقلاء ، وكذلك بالروايات الواردة عن الأئمة كما ورد في كتب الإمامية عن علي بن جعفر قال : (( سألت أخي موسى بن جعفر : عن جرة فيها ألف رطل من ماء وقع فيه أوقية بول ، هل يصلح شربه أو الوضوء منه ؟ قال : لا يصلح )) ([4]) ، ومعلوم أن مذهب الإمامية أن الماء إذا كان كرّاً ينجس بوقوع النجاسة فيه ، والكر هو : (( إذا كان الماء ثلاثة أشبار في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عقمه في الأرض )) ، أي ما يعادل في عصرنا الحالي نصف متر مكعب من الماء ، ومعلوم أن هذا ماء قليل لا يمكن أن يبقى بعيداً عن النجاسة فكيف بماء الاستنجاء .

أما الرواية الصحيحة الواردة عن أهل البيت ، والموافقة للأحاديث النبوية ، فلم يأخذ بها فقهاء الإمامية ، وحملوها على التقية ، وهي ما رواه عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه : (( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء )) ([5]) ، وهذه الرواية الواردة عن جعفر الصادق ثابتة في كتب أهل السنة والجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث )) ([6]) ، وهذا هو مذهب الشافعية ، والحنابلة في ظاهر المذهب على أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، وإن نقص عن القلتين بقليل فهو بحكمهما ، وقد رد الإمامية هذه الرواية الواردة عند الفريقين بالتقية، فقال الطوسي : ((  ويحتمل أن يكون ورد مورد التقية لأنه مذهب أكثر من العامة  )) ([7]) ، وحاول الخوانساري أن يوفق بين المقدارين فقال : (( ويحتمل أن تكون القلتان إنما تسع المقدار المذكور )) ([8]) ويعني بالمقدار المذكور عند الإمامية هو الكر .

المسألة الثانية التي يمكن أن نتطرق إليها هي مسألة الاستبراء بعد البول ، إذ حكم فقهاء الإمامية  بطهارة ما خرج من السبيلين بعد البول ، رغم أن هذا مخالف للروايات الواردة عن الأئمة بنجاسة ما خرج بعد الاستبراء ، فقد روى الصفار وغيره عن محمد بن عيسى عن أبي عبد الله قال : (( كتب إليه رجل : هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء ؟ فكتب : نعم )) ([9]) ، وقد رد ( شيخ الطائفة ) هذه الرواية بقوله : (( فالوجه فيه أن نحمله على ضرب من الاستحباب دون الوجوب أو نحمله على ضرب من التقية ؛ لأنه موافق لمذهب أكثر العامة )) ([10]) ، أي أهل السنة والجماعة ، والرواية كما ترى صحيحة الإسناد عند القوم ولا يستطيعون ردها أو تأويلها إلا بالتقية ، ومع ذلك تنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى .

قال الحلي : (( والأصل عدم الوجوب لما رواه في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله في الرجل يبول قال : ينته ثلاثاً ثم إن سال حتى إذا بلغ الساق فلا يبالي )) ([11]) ، والرواية الأخيرة فيها طعن كبير بأهل البيت الذين طهرهم الله من كل رجس ، والعجيب من فقهائهم ترك هذه الرواية والأخذ بما يخالفها لا لسبب ، وإنما لمجرد موافقتها مع روايات أهل السنة والجماعة ، قال ابن بابويه : (( ومن استنجى على ما وصفناه ثم رأى بعد ذلك بللاً فلا شيء عليه ، وإن بلغ الساق فلا ينتقض الوضوء ولا يغسل منه الثوب ، فإن ذلك من الحبائل )) ([12]) ، ولا ضير عند فقهاء الإمامية من سقوط البول بعد الاستبراء ، وإن سال على الثياب ، ويعلم كل عاقل أن هذا منافي للطبائع السليمة فضلاً عن الأدلة النبوية الشريفة ، فقد روى الفريقان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على قبرين فقال: (( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة )) ([13])، قال ابن منظور (( لا يستنـزه : من البول أي لا يستبرىء ولا يتطهر ولا يستبعد منه )) ([14]) ، فهذا الكلام النبوي الوارد في كتب الفريقين ، يضاف إليه تفسير أهل اللغة والبيان دليل على أن التقية قد أخذت بأصحابها كل مأخذ ، فهم لا يتطهرون من البول ولا يتنـزهون عنه ، وينسبون ذلك إلى أهل البيت ، حاشاهم من ذلك .

كما حكم فقهاء الإمامية بطهارة المذي والودي ، أما الأول هو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الشهوة لا بشهوة ، وأما الودي : فهو ماء أبيض كدر ثخين يشبه المني في الثخانة ويخرج عقب البول غالباً ([15]) ، مع أن ذلك مخالف لروايات الأئمة الواردة عندهم ، فقد روي عن علي ( رضي الله عنه ) مرفوعـاً قال : (( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي ؟ فقال: يغسل طرف ذكره )) ([16])، وروى الطوسي عن علي بن يقطين عن أبي الحســن قــال : (( المذي منه الوضوء )) ([17]) ، وروى الراوندي عن علي قال : (( قلت لأبي ذر : سل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي ، فسأله فقال : يتوضأ منه وضوءه للصلاة )) ([18]) ، وروى الطوســي أيضاً عن محمد بن إسماعيــل قال : (( سألت الرضا u عن المذي فأمرني بالوضوء منه ، ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء )) ([19]) ، وقد وردت روايات أخرى عن الأئمة في الأمر بالوضوء من الـودي ، فروى الراوندي عن علي قـال : (( الودي منه الوضوء )) ([20]) ، وروى الطوسي عن أبي عبد الله قال : (( والودي فمنه الوضوء ؛ لأنه يخرج من دريره البول )) ([21]) ، وفي رواية أخرى عن الحسين بن أبي العلاء قال : (( سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن المذي يصيب الثوب ؟ قال : إن عرفت مكانه فاغسله ، وإن خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله )) ([22]) .

وإذ تبين لك تواتر الروايات في كتب الإمامية في الأمر بالوضوء من المذي والودي فلا حاجة لأخذ رأي ( شيخ الطائفة ) الذي فسر هذه الأخبار بالتقية ، في حين وجدناه يأخذ برواية مقطوعة مرسلة عن حريز  عمن أخبره عن الصادق قال : (( الودي لا ينقض الوضوء إنما هو بمنـزلة المخاط والبزاق )) ([23]) ، وهي رواية مقطوعة لا تصح على وفق أصول القوم ؛ لأن حريز لم يصرح باسم الراوي عن الصادق .

الأمر الآخر الذي تجب الإشارة إليه بأن هؤلاء الأئمة ما كانوا ليأمروا بالوضوء من المذي والودي لولا نجاستهما ، ولذا كان ابن الجنيد ( وهو من فقهائهم المعتبرين ) يذهب إلى وجوب الوضوء منهما فقال : (( ما كان من المذي ناقضاً طهارة الإنسان غسل منه الثوب والجسد ، ولو غسل جميعه كان أحوط )) ([24]) .

 وفي الروايات التي قدمناها كفاية على أن مذهب أهل البيت هو نجاسة المذي والودي ووجوب الوضوء منه ، ولم ينل هذا قبول علماء الإمامية خاصة الطوسي الذي حمل الروايات المذكورة جميعها على التقية لموافقتها لأهل السنة ، القائلين بنجاسة المذي والودي ودليلهم في ذلك الرواية نفسها التي أوردها الإمامية في كتبهم عن علي رضي الله عنه قال : (( كنت رجلاً مذاء فأمرت رجلاً أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فسأل فقال : توضأ منه وأغسل ذكرك )) ([25]) ، قال الإمام النووي : (( أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي )) ([26]) ، ومن كلام النووي هذا يتضح أن إجماع الأمة كان في نجاسة هذه الأشياء ، فلماذا حاول الإمامية أن يشذوا عن هذا الإجماع الذي دخل فيه أئمة أهل البيت بروايات الشيعة ومن كتبهم ؟ ولا يمكن أن تكون ( التقية ) مخرجاً للتوفيق بين الروايات ، حسب ما يراه فقهاء الإمامية ، بعيداً عن التعصب الأعمى الذي أعمى بصيرتهم وبصائرهم .

كما عد الإمامية ذرق الدجاج غير نجس وتجوز الصلاة في الثوب الذي يصيبه ، وردوا الروايات الواردة عن الأئمة في هذا الباب ، فعن فارس قال : كتب إليه [ أي الصادق ] رجل يسأله عن ذرق الدجاج ، تجوز الصلاة فيه ؟ فكتب : لا )) ([27]) . قال الطوسي : (( هذا محمول على الاستحباب ، أو على كون الدجاج جلالا ، أو على التقية ، لأنه مذهب كثير من العامة )) ، وأنت بصير بأن الكثير من فضلات الدجاج التي تصيب الثوب لا يمكن أن يحكم بطهارتها ، كما هو مذهب أبي حنفية([28]) .

الوضوء والغسل :

لقد أجهد علماء الإمامية أنفسهم كثيراً في تأويل الروايات الواردة عن الأئمة في باب الوضوء والغسل نظراً لأن هذه الروايات تكاد تكون متقاربة اللفظ في بعض الأحيان مع روايات أهل السنة أو متطابقة المعنى في أحيان كثيرة ؛ وما الضير عند الإمامية لو وافقوا أهل السنة في هذه المسائل حفاظاً على وحدة المسلمين كما يتشدقون دائماً بها ويجعلون التقية عذراً للتقاعس عنها ؟.

ومن هذه الروايات التي وردت عن الأئمة وردها علمائهم بالتقية ما رواه الطوسي عن معمر بن خلاد قال : (( سألت أبا الحسن u : أيجوز للرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه ؟ فقال : برأسه لا، فقلت : بماء جديد ؟ فقال برأسه : نعم )) ([29]) ، وروى أيضاً عن أبي بصير قال : (( سألت أبا عبد الله u عن مسح الرأس قلت : أمسح بما في يدي من الندي رأسي ؟ فقال : لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح )) ([30]) ، قال الطوسي : (( فالوجه في هذين الخبرين أن نحملها على ضرب من التقية لنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة )) ([31]) ، وهذه العبارة معهودة في كتب الطوسي لرد الأخبار الموافقة لمذهب أهل السنة ، ولذا حكم معظم فقهائهم بعدم جواز استئنــاف ماء جديد لمسح الرأس قال ( المحقق ) الحلي : ((  الفرض الرابع : مسح الرأس ... ويختص المسح بمقدم الرأس ، ويجب أن يكون بنداوة الوضوء ، ولا يجوز استئناف ماء جديد له ، ولو جف ما على يده , أخذ من لحيته وأشفار عينيه ... )) ([32]) فلِمَ جعل الإمامية هذه المشقة على أتباعهم بجمع قطرات الماء من لحاهم ومن أشفار أعينهم خشية موافقة العامة ؟ مع وجود روايات في كتبهم عن أئمة البيت ، فهلا قالوا بالاستحباب ، ولكن تعصبهم يأبى إلا مخالفة أهل السنة والجماعة .

أما حكم المسألة عند أهل السنة والجماعة فلم تكن بالتعصب الذي حمله الإمامية على أكتافهم ؛ إذ جعل الإمام أحمد الأمر مستحباً ولم يوجبوه([33]) وإليه ذهب المالكية([34]) والحنفية([35]) ، في حين قال الشافعية بأن الأمر مباح فله أن يمسح بالماء نفسه أو يأخذ ماء جديداً ([36]) ، فأنت ترى أن هذه المذاهب ليس فيها التقييد الذي فرضه الإمامية على اتباعهم ، إذ أن الأمر فيه سعة ولا يحتاج إلى تقية لصرف الروايات عن مدلوها الصحيح والحقيقي .

كذلك صرف فقهاء الإمامية الرواية الواردة في كاتبهم عن الصادق وغيره في استيعاب جميع الرأس بالمسح عند الوضوء ، فروى الطوسي وغيره عن الحسين بن أبي العلاء قال : (( سألت أبا عبد الله u عن المسح على الرأس ، فقال : كأني انظر إلى عكنة([37]) في قفاء أبي يمر عليها يده ، وسألته عن الوضوء : يمسح الرأس مقدمه ومؤخره ؟ فقـال : كأني انـظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها )) ([38]) ، وفي رواية عنه أيضاً : (( وكان يحفي رأسه إذا جزه كأني انظر إليه والماء ينحدر على عنقه )) ([39]) ، وفي رواية أخرى عن الحسين بن العلاء قال : (( قال أبو عبد الله u : امسح الرأس على مقدمه ومؤخره )) ([40]) ، كل هذه الروايات حملها شيخ الطائفة على التقية نظراً لموافقتها أخبار أهل السنة ، ومعارضتها للقرآن الكريم ، ويعني بمعرضتها للقرآن الكريم حمل أكثر فقهائهم الباء في قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) على التبعيض([41]) ، وهذا مذهب ضعيف عند أهل اللغة فقد أنكره سيبويه في أكثر من عشرة مواضع من كتابه وأنكره جماهير النحاة من الكوفيين والبصريين ، وأعترف جمع من علمائهم المتقدمين كالطوسي وابن المطهر الحلي والمقداد على صحة قول سيبويه([42])، وقد بالغ ( شيخ الطائفة ) الطوسي في عدم وروده في كلام العرب فقال : (( أفادتها التبعيض غير موجود في كلام العرب )) ([43]) ، وقال المقداد : (( أنكر أهل العربية إفادة الباء للتبعيض )) ([44]) .

فإذا ثبت إنكار أهل اللغة لهذه المسألة وموافقة علماء الإمامية المعتبرين لهم ، يضاف إلى ذلك الروايات التي تقدمت عن الأئمة في استيعاب الرأس كله ، فما الضير عند الإمامية في حمل هذه الروايات على الاستحباب وعدم ردها وحملها على التقية خاصة وهي صحيحة الإسناد ، وقد قالها الأئمة بين خاصتهم مما لا مجال للتقية ، والأمر الأهم من ذلك كله موافقتها لكلام النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن زيد : (( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين ، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر وغسل رجليه )) ([45])، قال الحافظ ابن حجر : (( والحكمة في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح )) ([46]) ، ومع ذلك فإن فقهاء أهل السنة والجماعة لم يبلغ بهم التعصب في رد الأخبار مبلغ الإمامية فحملوا هذا الاستيعاب على الاستحباب لا على الوجوب وهو الحق إن شاء الله تعالى([47]) .

كما رد الإمامية رواية أخرى عن الصادق في إدخال الأذنين ضمن الرأس ، وهي ما رواه علي بن رئاب قال : (( سألت أبا عبد الله u : الأذنان من الرأس ؟ قال : نعم ، قلت فإذا مسحت رأسي مسحت أذني ؟ قال : نعم ... )) الرواية([48]) ، وقد حملهما الطوسي ومن جاء بعده من الإمامية على التقية لموافقتها لمذهب أهل السنة والجماعة ، وقد وافق الصادق في قوله هذا فعل جده محمد صلى الله عليه وسلم فيما روته الربيع بنت معوذ ابن عفراء : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما )) ([49]) ، وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الأذنان من الرأس )) ([50]) ، فإذا كانت الموافقة حاصلة بين أهل البيت والنبي صلى الله عليه وسلم ، فلماذا تركها الإمامية تقية ؟ ، اللهم إلا لغاية في أنفسهم وهي مخالفة أهل السنة والجماعة .

ومن المسائل المهمة التي حاول الإمامية تأويلها ورفضها في كتبهم ما صح عن الأئمة من أن مذهبهم في الوضوء هو غسل الرجلين ، كما ثبت في نقل أهل السنة عنهم ، فروى المفيد عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال : (( إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك ، فامسح رأسك ثم تغسل رجليك ))([51]) .

وروى العياشي عن على بن أبى حمزة قال : (( سألت أبا إبراهيم ( ع ) عن قول الله : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ إلى قوله ] إِلَى الْكَعْبَينِ [ [ المائدة : 6 ] فقال : صدق الله قلت : جعلت فداك كيف يتوضأ ؟ قال : مرتين مرتين ، قلت : يمسح ؟ قال : مرة مرة ، قلت : من الماء مرة ؟ قال : نعم ، قلت : جعلت فداك فالقدمين ؟ قال : اغسلهما غسلا ))([52]).

وروى محمد بن الحسن الصفار عن زيد بن علي عن علي كرم الله قال : (( جلست أتوضأ فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله حين ابتدأت في الوضوء ، فقال : لي تمضمض واستنشق واستن ثم غسلت ثلاثا ، فقال : قد يجزيك من ذلك المرتان ، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين ، فقال : قد يجزيك من ذلك المرة وغسلت قدمي ، فقال لي : يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار ))([53]) .

وروى المفيد بأن علي بن يقطين : (( كتب إلى أبي الحسن موسى ( ع ) : يسأله عن الوضوء؟  فكتب إليه أبو الحسن u : فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك أن تمضض ثلاثاً وتستشنق ثلاثاً وتغسل وجهك ثلاثاً وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً ولا تخالف إلى غيره . فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له أبو الحسن ( ع ) فيه مما جمع العصابة على خلافه ، ثم قال : مولاي اعلم بما قال وأنا أمتثل أمره ، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد )) ([54]) .

وقد حمل الطوسي هذه الروايات كلها في كتب قومه على التقية لا غير ، ثم تبعه بعد ذلك فقهاء قومه في ذلك ولم يناقشوه في الأمر وكأن الطوسي لا ينطق عن الهوى ، قال الحر العاملي بعد أن عرض رفض الطوسي لهذه الروايات الموافقة لأهل السنة وحملها على التقية : (( وهذا يحتمل النسخ ويكون نقله للتقية ، ويحتمل كون الغسل للتنظيف لا من الوضوء ! )) ([55]) ، وهذا مردود لعدة أمور : الأول أن غسل الرجلين ثابت في كتب الشيعة عن أكثر من إمام ( معصوم ) فهو مروي عن علي وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا رضي الله عنهم ، فلا يمكن أن يكون كل هؤلاء الأئمة يتقون وهم بين شيعتهم .

الأمر الثاني : أن الروايات المتقدمة تدل أن السائل كان من خاصة الشيعة الإمامية ومن ثقات رواتهم ، فلا يمكن أن يتقي الإمام وهو بين خاصته ورجاله وإلا كيف يعلمهم أمور الدين والشرع ؟، فلو استثنينا رواية زيد بن علي التي يطعن فيها الإمامية لأنها مروية عن هذا الإمام الشهيد([56]) ، فإن الرواة الآخرين يعدون من أصدق الرجال عندهم ولا مطعن بروايتهم ، وهم أبو بصير([57]) وعلي بن أبي حمزة([58]) وعلي بن يقطين ، وهذا يفسر لنا قناعة الأخير بأمر غسل الرجلين في الوضوء بعدما ورده الأمر له في ذلك .

الأمر الثالث : إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتقي وفق أصول الإمامية ، ولهذا فإن حمل الإمامية لرواية زيد بن علي على التقية يخالف ما هم عليه من الأصول .

الأمر الرابع : ما قاله الطوسي لرفض رواية زيد بن علي مردود ، وقد روى الإمامية رواية أخرى لا يمكن ردها لأنها وردت في أوثق كتبهم ، فقد روى المرتضى عن عائشة قالت : (( إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وهو مغضب ، فدعا بماء فدخل يغتسل ، وقالت عائشة فسمعته وهو يقول - يصب الماء على رجليه - ... )) ([59]) ، وفي هذا تعضيد لرواية زيد بأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه هو غسل الرجلين .

كل هذه الأمور التي قدمناها والتي يتبين من خلالها كيف حاول هؤلاء القوم جاهدين مخالفة أهل السنة والجماعة في أمور الشرع رغم موافقة أهل البيت لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتب أهل السنة ، ومن أدعى من الإمامية إجماع أصحابه والأئمة على المسح فإن هذا كذب وتزييف للحقائق الواردة في كتبهم ، مثل قول الحلي : (( ذهبت الإمامية كافة إلى وجوب المسح على الرجلين وإبطال الوضوء بغسلهما اختياراً ... )) ([60]) ، أي من غير تقية ، فإن الضوء لا يصح بالغسل مهما كان شكله ، وهذا ما أنكره الإمامية في مسألة غريبة من مسائلهم الفقهية في هذا الباب . 

ونعني بها ما رواه عمار بن موسى عن : (( أبي عبدالله u : في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه ثم يخوض الماء بهما خوضا ؟ قال : اجزأه ذلك )) ([61]) ، قال الطوسي في تعليقه على هذه الرواية : (( فهذا الخبر محمول على حال التقية ، فأما مع الاختيار فلا يجوز إلا المسح عليهما )) ([62]) ، وهذه هي الطريقة المعهودة عند الإمامية في حمل روايات أهل البيت التي فيها موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة ، وما يدل على أن أهل البيت كانوا أبعد الناس عن التقية ما رواه الطوسي عن داود بن زربى قال : (( سألت أبا عبد الله ( ع ) : عن الوضوء ؟ فقال لي : توضأ ثلاثا ثلاثا ، قال : ثم قال : أليس تشهد بغداد وعساكرهم ؟ قلت : بلى ، قال : كنت يوما أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا اعلم به ، فقال : كذب من زعم أنك فلان وأنت تتوضأ هذا الوضوء ، قال : قلت : لهذا والله أمرني )) ([63]) ، ففي هذه الرواية وقع التصريح بعدم التقية ، إذ كان جعفر الصادق يتوضأ لوحده ولا يعلم بأن هناك من يراقبه ، فتوضأ الوضوء المعهود الثابت عن جده صلى الله عليه وسلم ، وقد وقع التصريح في هذه الرواية بأن لا تقية فيها ، ومع ذلك فقد حملها الإمامية على التقية .

وليس ذلك فحسب ، بل أبعد الإمامية في تعصبهم فردوا روايات مسح الرجلين ظاهرهما وبطانهما وحملوها على التقية ، حيث قال جعفر الصادق فيما رواه عنه أبو بصير : (( مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما )) ([64]) ؛ لأن ذلك يمكن أن يفسر بالغسل وهو قريب مما تعنيه العرب في لسانها ، إذ أن المسح في اللغة يقال للغسل ، يقال : تمسحت أي غسلت ، والوضوء مسوح فقد يكون في المسح حقيقة لا مجازاً ([65]) ، فوافقت اللغة مذهب الأمة والأئمة في غسل القدمين .   

مما تقدم من روايات يبدو فيها الحق بلجاً كفالق الصبح لا مرية فيه ، فهذه النصوص منقولة من كتب الإمامية لا من كتب أهل السنة ، وفيها من الروايات الكثير التي تؤكد مذهب أهل البيت في مسح القدمين الموافق لمذهب أهل السنة والجماعة ، ولم يخالف في ذلك إلا فقهاء الإمامية المتعصبين في رفضهم مذهب أهل البيت في هذه المسألة كما في غيرها من المسائل ، معلقين ذلك على شماعة التقية ومدلسين على اتباعهم بأن مذهب أهل البيت المسح لا الغسل ، وما يقولونه كذب وزور .

وفي باب نواقض الوضوء رد الإمامية الروايات الموافقة لأهل السنة والجماعة أيضاً وبالحجة نفسها ، فقد روى ابن بابويه عن محمد بن علي بن الحسين قال : (( سئل موسى بن جعفر u : عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء ؟ فقال : لا وضوء عليه )) ([66]) ، وروى أيضاً عن سماعة بن مهران أنه : (( سأله : عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائماً أو راكعاً ؟ فقال : ليس عليه وضوء )) ([67]) ، وفي الباب أكثر من رواية تفيد عدم نقض الوضوء بالنوم جالساً أخرجها الطوسي وغيره ([68]). وقد حمل الإمامية هذه الروايات على التقية لأنها موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة ، الذين نقلوا عن علي رضي الله عنه قال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ )) ([69]) ، قال ابن الأثير : (( ومعناه من كان مستيقظا كان استه كالمسدودة الموكى عليها , فإذا نام انحل وكاؤها , كنى به عن الحدث بخروج الريح )) ([70]) ، وقد اختلف فقهاء أهل السنة والجماعة في حكم نوم المتوضئ ، وأرجح الآراء أن المتوضئ إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض ، وإلا نقض قل أو كثر ، سواء كان في الصلاة أو خارجها ، وهذا مذهب الشافعي ودليله حديث علي المتقدم([71]) ، قال الشوكـاني : (( وهذا أقرب المذاهب عندي )) ([72]) .

وفي الباب نفسه رد الإمامية رواية الأئمة في نقض وضوء من مس ذكره ، وهو مذهب جمهور الفقهاء عند أهل السنة والجماعة ، فقد روى الطوسي وغيره عن عمار بن مومى : (( عن أبي عبد الله ( ع ) ، قال : سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره ؟ قال : نقض وضوءه ، وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء ، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة ، ويتوضأ ويعيد الصلاة ، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء ، وأعاد الصلاة )) ([73]) ، وفي رواية أخرى عن أبي بصير : (( عن أبي عبدالله ( ع ) قال : إذا قبل الرجل المرأة من شهوة ، أو مس فرجها ، أعاد الوضوء )) ([74]) ، وهذا هو الحق الذي رده الإمامية لأنه موافق لمذهب أهل السنة والجماعة ، قال الحر العاملي : (( يجب حمل الحديثين على التقية لموافقتهما لهم )) ([75]) أي لأهل السنة . 

المسألة الأخرى التي حاول الإمامية رفضها وحملها على التقية ، تضمين الوضوء لغسل الجنابة ، فعن محمد بن ميسر قال : (( سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) : عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، ويريد أن يغتسل منه ، وليس معه إناء يغرف به ، ويداه قذرتان ؟ قال : يضع يده ثم يتوضأ ثم يغتسل ، هذا مما قال الله عز وجل: ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) )) ([76]) ، وقد رفض الحر العاملي هذه الرواية فقال : (( محتمل للتقية ... وقرينة التقية ذكر الوضوء مع غسل الجنابة فيمكن حمله على التقية )) ([77]) ، وهذا تعسف ظاهر منه ؛ لأن القرينة لا تكون في الحقيقة وإنما تكون في المجاز ، والسائل هنا من خاصة الشيعة ورواتهم فكيف لا يجيبه الإمام بما هو حق وبلا تقية ؟! ، ويعضد ما قلنا ما رواه عن أبي بكر الحضرمي : (( عن أبي جعفر ( ع ) قال : سألته قلت : كيف أصنع إذا اجنبت ؟ قال : اغسل كفيك وفرجك ، وتوضأ وضوء الصلاة ثم اغتسل )) ([78]) .

أما فيما يخص غسل الجمعة فقد وردت صفته عن الأئمة بتضمينه الوضوء أيضاً ، إذ روى علي ابن يقطين عن : (( أبي الحسن الأول [ الرضـا ] قال : إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل )) ([79]) ، وقد حملها الإمامية على التقية أيضاً([80]) .

  والسبب في رد هذه الروايات موافقتها لصفة الغسل عند أهل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها قالت : (( توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه ، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما ، هذه غسله من الجنابة )) ([81]) ، وقد وقع التصريح هنا بأن الغسل تضمن الوضوء كما روته زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي أدرى بحاله نظراً لقربها من النبي صلى الله عليه وسلم .

الحيض والنفاس :

أما فيما يخص الغسل من الحيض فقد جوز الإمامية أن يأتي الرجل زوجته بعد انقطاع الحيض وإن لم تصب الماء ، وردوا الروايات التي تخالف ذلك وإن كانت مروية عن الأئمة وحملوها على التقية ، إذ روى الطوسي عن عبد الرحمن بن جعفر قال : (( سألت أبا عبد الله u : عن امرأة حاضت ثم طهرت في سفر فلم تجد الماء يومين أو ثلاثة، هل لزوجها أن يقع عليها ؟ قال : لا يصلح لزوجها أن يقع عليها حتى تغتسل )) ([82]) ، وفي رواية أخرى عن سعيد بن يسار ، عن : (( أبي عبدالله ( ع ) ، قال : قلت له : المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتوضأ من غير أن تغسل ، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل ؟ قال : لا ، حتى تغتسل )) ([83]) ، قال الحر العاملي : ((  ويمكن حمل أحاديث المنع على التقية لأنها موافقة لأكثر العامة )) ([84]) .

وقال الإمامية بأن الحائض تسجد إذا سمعت السجدة وتقرأ القرآن كذلك ، وردوا الرواية في كتبهم الواردة بنهي الحائض عن ذلك ، إذ روى عن جعفر الصادق ، عن أبيه : (( عن علي ( ع ) قال : لا تقضي الحائض الصلاة ، ولا تسجد إذا سمعت السجدة )) ([85]) .

وقد حدد الإمامية مدة النفاس بعشرة أيام ، قال المحقق الحلي : (( وأكثر النفاس عشرة أيام على الأظهر )) ([86]) ، رغم ورود الروايات عن الأئمة بتحديد النفاس بأربعين يوماً ، فعن جعفر الصادق عن أبي ، عن جعفر، عن أبيه ، عن علي ( ع ) قال : (( النفساء تقعد أربعين يوماً ، فإن طهرت وإلاّ اغتسلت وصلت ، ويأتيها زوجها ، وكانت بمنـزلة المستحاضة تصوم وتصلي ))([87])

 وعن محمد بن يحيى الخثعمي قال : (( سألت أبا عبدالله ( ع ) عن النفساء ؟ فقال : كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جربت ، قلت : فلم تلد فيما مضى ، قال : بين الأربعين إلى الخمسين )) ([88]) ، قال الحر العاملي : (( يحتمل أن يكون مراده أن أكثر النفاس عشرة أيام ؛ لأنها ما بين الأربعين إلى الخمسين ، ويكون إطلاق العبارة لأجل التقية )) ([89]) ، وقال ابن بابويه : (( والأخبار التي رويت في قعودها أربعين يوماً ، وما زاد إلى أن تطهر معلومة كلها وردت للتقية لا يفتي بها إلا أهل الخلاف )) ([90]) ، وقال في مكان آخر : (( وقد روي أنها تقعد ما بين أربعين يوماً إلى خمسين يوماً )) ([91])، وقد أنكر علمائهم على ابن بابويه ذلك ، وقال صاحب المنتقى : (( المعتمد من هذه الأخبار ما دل على الرجوع إلى العادة في الحيض لبعده عن التأويل ، واشتراك سائر الأخبار في الصلاحية للحمل على التقية ، وهو أقرب الوجوه التي ذكرها الشيخ )) ([92]) ، ولذا فإن فتوى الإمامية بأن أكثر النفاس عشرة أيام على الأغلب – رغم الروايات الواردة عن الأئمة بخلاف ذلك - قال قطب الدين الكيدري : (( ولا حدَّ لقليله إذ من الجائز أن يكون لحظة ثمّ ينقطع، فيجب على المرأة الغسل في الحال، ومتى ولدت ولم يخرج منها دم أصلاً لم يتعلّق بها حكم النّفاس، وأكثره عشرة، وقيل: ثمانية عشر يوماً )) ([93]

الميت :

قالوا بوجوب خمس تكبيرات على الميت ، وجعلوا الأربع على من خالفهم ، يعنون به أهل السنة والجماعة ، وروى الطوسي عن حماد بن عثمان وهشام بن سالم عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : (( كان رسول الله ( e ) يكبر على قوم خمساً ، وعلى قوم آخرين أربعاً ، فإذا كبر على رجل أربعا أُتهم ـ يعني بالنفاق ـ )) ([94]) ، ورغم أن التكبير على الميت ورد في أكثر من رواية في كتب الإمامية بجواز التكبير أربع أو أكثر ، فروى الطوسي عن جابر قال : سألت أبا جعفر ( ع ) عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت ؟ فقال : لا ، كبر رسول الله ( e ) أحد عشر ، وتسعا ، وسبعا ، وخمساً ، وستا ، وأربعا )) ([95]) ، قال الحر العاملي : (( حمل الشيخ الأربع على التقية ، وعلى كون الميت مخالفاً )) ([96])  ؛ ومذهب جماهير علماء أهل السنة والجماعة بأن عدد تكبيرات صلاة الجنازة هي أربع تكبيرات ، منهم أئمة المذاهب الأربعة ، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كبّر على النجاشي أربعاً وثبت عليها إلى أن توفى .

وحمل الإمامية أيضاً رواية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة على التقية نظراً لموافقتها مذهب أهل السنة والجماعة ، فهي مروية عن جعفر الصادق عن آبائه : (( أن علياً ( ع ) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي ( e ) )) ([97]) ، وفي رواية عن الرضا : (( في الصلاة على الجنائز قال : تقرأ في الأولى بأم الكتاب )) ([98]) ، وقد حملها الإمامية أيضاً على التقية للسبب نفسه ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ؛ فإليه ذهب الحنابلة والشافعية ، وهو الراجح من الأدلة ، أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال : إنه من السنة ، أو من تمام السنة ([99]).

أما فيما يخص الرفع في التكبير فقد رد الإمامية الروايات الواردة في كتبهم لموافقتها لمذهب أهل السنة والجماعة ، إذ ردوا الرواية الواردة عن علي بأنه : (( كان يرفع يده في أول التكبير على الجنازة ثم لا يعود )) ([100]) ، وقد حملها الطوسي ومن جاء بعده من الإمامية على التقية لموافقتها لمذهب أهل السنة والجماعة([101]) ، كذلك رد الإمامية رواية النهي عن الصلاة عند إصفرار الشمس لموافقتها لمذهب أهل السنة ، إذ ردوا رواية الصادق التي قال فيها : (( تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع )) ([102]) ، وقد حملها الطوسي على التقية ، كما أوجبوا على من غسل ميتاً أن يغتسل وحملوا الأخبار الواردة عن الأئمة في استحباب ذلك فعن علي ( ع ) قال : (( الغسل من سبعة : من الجنابة وهو واجب ، ومن غسل الميت ، وإن تطهرت أجزأك )) ([103]) ، قال الطوسي : (( قوله : وإن تطهرت أجزأك ، محمول على التقية ، وهو موافق للعامة ، لا يعمل عليه )) ([104]) .

ونكتفي بهذه الروايات الواردة في كتب الإمامية ، وهناك روايات كثيرة أعرضنا عنها لأن في إيرادها تطويل للكتاب ، وإملال للقارئ ، ويمكن للقارئ الكريم أن يطلع على نماذج من هذه الروايات في المبحث الثاني من هذا الفصل ، والتي ردت من قبل فقهاء الإمامية لأنها موافقة لأهل السنة والجماعة ؛ إذ أن أصول عقيدتهم هي المخالفة تحت ستار التقية وإن كان ذلك يشمل مخالفة الأئمة الذين يدعون اتباعهم .

 


 

([1])  تهذيب الأحكام : 6/302 – 303 .    

([2])  المصدر نفسه : 8/98 .    

([3])  إرشاد الأذهان : 1/238 ، وينظر أيضاً ما قاله ( المحقق ) في شرائع الإسلام : 1/22 ؛ مختلف الشيعة : 1/236 .    

([4])  الهمداني ، مصباح الفقيه : 1/30 ؛ العاملي ، وسائل الشيعة : 1/156 .    

([5])  ابن بابويه ن من لا يحضره الفقيه : 1/6 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام : 1/415.    

([6])  أخرج الحديث الترمذي ، كتاب الطهارة : رقم 67 ؛ النسائي ، السنن ، كتاب الطهارة ، باب التوقيت في الماء : رقم 52 .    

([7])  تهذيب الأحكام : 1/415 .    

([8])  مشارق الشموس : ص 298 .    

([9])  تهذيب الأحكام : 1/78.    

([10])  الاستبصار : 1/49 .    

([11])  مختلف الشيعة : 1/274 . والرواية عند الطوسي ، تهذيب الأحكام : 1/48 .   

([12])  الهداية : ص 63 . وفسر علمائهم الحبائل بالعروق . والرواية وردت عند الكليني ، الكافي : 3/19 .    

([13])  أخرج الرواية من أهل السنة : البخاري ، الصحيح : 1/88 ، رقم 215 ؛ مسلم ، الصحيح : 1/240 ، رقم 292 . وأخرجها من الإمامية النوري ، مستدرك الوسائل : 9/120 .    

([14])  لسان العرب : 23/549 .    

([15])  ابن قدامة ، المغني : 1/112 .    

([16])  النوري ، مستدرك الوسائل : 1/237 ؛ بحار الأنوار : 77/239 .    

([17])  تهذيب الأحكام : 1/19 ؛ الإستبصار : 1/95 ؛ وسائل الشيعة : 1/281 .    

([18])  نوادر الراوندي : ص 45 ؛ النوري ، مستدرك الوسائل : 1/237 .    

([19])  تهذيب الأحكام : 1/18 ؛ الإستبصار : 1/92 ؛ وسائل الشيعة : 1/279 ؛ بحار الأنوار : 2/279 .   

([20])  النوري مستدرك الوسائل 1/327 .    

([21])  تهذيب الأحكام : 1/20 .    

([22])  تهذيب الأحكام : 1/253 ؛ الاستبصار : 1/174 .    

([23])  تهذيب الأحكام : 1/21 .    

([24])  مختلف الشيعة : 1/260 .    

([25])  أخرجه البخاري ، الصحيح ، كتاب الغسل ، باب غسل المذي والوضوء منه : 1/105 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الحيض ، باب المذي : 1/247 ، رقم 303 .    

([26])  المجموع : 1/317 .    

([27])  التهذيب : 1/265 ؛ الاستبصار : 1/188 .    

([28])  المبسوط : 1/37 .    

([29])  التهذيب : 1/58 ؛ صحح الرواية العاملي في مدارك الأحكام : 1/211 ؛ الحلي في مختلف الشيعة : 1/297

([30])  وقال عنها الحلي بأنها ( موثقة ) أي صحيحة : مختلف الشيعة : 1/297 .    

([31])  التهذيب : 1/58 .    

([32])  مختلف الشيعة : 1/298 .    

([33])  المغني : 1/87 .    

([34])  مواهب الجليل : 1/204 .    

([35])  السرخسي ، المبسوط : 1/7 .    

([36])  روضة الطالبين : 1/196 .    

([37])  عكنة : ما أنطوى وتثنى من لحم .    

([38])  التهذيب : 1/62 ؛ الإستبصار : 1/61 ؛ الوسائل : 1/405.    

([39])  التهذيب : 1/62 ؛ الإستبصار : 1/61 ؛ الوسائل : 1/405 .

([40])  التهذيب : 1/62 ؛ الوسائل : 1/412.    

([41])  القطب الراوندي ، فقه القرآن : 1/14 .    

([42])  رسالة في الرد على الرافضة في مسح القدمين ، تصنيف : سليمان بن داود ( مخطوط ) : 8/ب .    

([43])  تهذيب الأحكام : 1/60 .    

([44])  كنز العرفان : 1/18 .    

([45])  أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب الغسل والوضوء في المخضب : 1/83 ، رقم 194 .    

([46])  فتح الباري : 1/293 .    

([47])  ابن قدامة ، المغني : 1/87 .    

([48])  التهذيب : 1/62 ؛ الإستبصار : 1/61 ؛ الوسائل : 1/405 .

([49])  سنن الترمذي : 1/48 ؛ سنن أبي داود : 1/31 .    

([50])  سنن الترمذي : 1/35 ؛ سنن ابن ماجة : 1/152 . قال عنه الألباني صحيح ، صحيح الجامع : رقم 2765.

([51]) أخرجه الكليني ، الكافي : 3/35 ؛ الطوسي في تهذيب الأحكام : 1/99 ؛ الاستبصار : 1/74 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/452 .

([52])  تفسير العياشي 1/301 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 18/68 ؛ البرهان : 1/453 ؛ النوري ، مستدرك الوسائل : 1/327 .

([53]) أخرجها الطوسي ، تهذيب الأحكام : 1/93 ، رقم 248 ، الاستبصار : 1/65 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/442 .

([54])  الإرشاد : 2/406 ؛ الطبرسي ، أعلام الورى : 2/21 ؛ القطب الراوندي ، الخرائج والجرائح : 1/334 ؛ ابن شهر آشوب المازندراني : مناقب آل أبي طالب : 3/406 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/444 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 48/38 .    

([55])  وسائل الشيعة : 1/422 .    

([56])  حيث قال الطوسي في رده هذا الخبر : (( إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به )) . الاستبصار : 1/65 .    

([57])  هو أبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي ، قال عنه النجاشي : (( ثقة وجيه ، روى عن أبي محمد وأبي الله عليهما السلام )) ، وعده الكشي من أصحاب الإجماع في تسمية الفقهاء ، وهو من مشاهير رواة الإمامية . رجال النجاشي : 2/411 ؛ تنقيح المقال : 3/308 .

([58])  وقد ذكره ابن حجر في ترجمة ابنه الحسين بن علي بن أبي حمزة ، واسم أبي حمزة سالم البطائني الكوفي مولى الأنصار . لسان الميزان : 2/234 . وذكره النجاشي فقـال : (( وهو أحد أعمدة الواقفة ويروي عن الصادق الكاظم )) . رجال النجاشي : 2/69 ورغم كونه من الواقفة فهم يؤخذون عنه والواقفة لا تعترف بإمامة من جاء بعد الكاظم ؛ وينظر أيضاً : تنقيح المقال : 2/262 .

([59])  نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ) : 17/263 .    

([60])  تذكرة الفقهاء : 1/168 .    

([61])  الطوسي ، تهذيب الحكام : 1/66 ؛ الاستبصار : 1/65 ؛ الحر العاملي ، الوسائل : 1/422 .

([62])  الاستبصار : 1/65 .    

([63])  تهذيب الأحكام : 1/82 ؛ الاستبصار : 1/71 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/443 .

([64])  التهذيب : 1/82 ؛ الاستبصار : 1/61 ؛ الوسائل : 1/415 .

([65])  لسان العرب ، مادة مسح : 2/593 .

([66])  الفقيه : 1/63 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/254 .

([67])  الفقيه : 1/63 ؛ وسائل الشيعة : 1/255 .

([68])  كما في تهذيب الأحكام : 1/7 رقم 6 ، 1/8 ، رقم 7 ، 1/8 ، رقم 13 ؛ والاستبصار : 1/80 ، رقم 249 ، 1/81 ، رقم 253 . وسائل الشيعة : 1/255 – 256 .

([69])  سنن الترمذي : 4/264 ؛ سنن أبي داود : 1/52  ، والحديث حسنّه الشيخ الألباني كما في صحيح الجامع رقم 4148 .

([70])  النهاية : 2/429 .

([71])  عون المعبود : 1/239 .

([72])  نيل الأوطار : 1/242 .

([73])  تهذيب الأحكام : 1/45 ؛ الاستبصار : 1/88 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/272 .

([74])  تهذيب الأحكام : 1/22 ؛ الاستبصار : 1/88 .

([75])  وسائل الشيعة : 1/272 .

([76])  الكليني ، الكافي : 3/4 ؛ الطوسي ، تهذيب الأحكام : 1/149 ؛ الاستبصار : 1/128 ، ابن إدريس ، السرائر : ص 473 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 1/152 .

([77])  وسائل الشيعة : 1/152 .

([78])  تهذيب الأحكام : 1/240 ؛ الاستبصار : 1/126 ؛ وسائل الشيعة : 2/247 .

([79])  تهذيب الأحكام : 1/140 ؛ الاستبصار : 1/126 .

([80])  وسائل الشيعة : 2/249.

([81])  صحيح البخاري ، كتاب الغسل ، باب الوضوء قبل الغسل : 1/100 ، رقم 246 .

([82])  تهذيب الأحكام : 1/405 ؛ وسائل الشيعة : 2/313 .

([83])  تهذيب الأحكام : 1/167 ؛ الاستبصار : 1/136 .

([84])  وسائل الشيعة : 2/326 .

([85])  السرائر : ص 105 ؛ وسائل الشيعة : 2/342 .

([86])  شرائع الإسلام : 1/29 .

([87])  تهذيب الأحكام : 1/177 ؛ الاستصبار : 1/152 .

([88])  تهذيب الأحكام : 1/177 ؛ الاستبصار : 1/152 .

([89])  وسائل الشيعة : 2/388 .

([90])  الفقيه : 1/101 .

([91])  المقنع : ص 16 .

([92])  منتقى الجمان : 1/233.

([93])  إصباح الشيعة : 1/40 .

([94])  الكافي : 3/181 ؛ تهذيب الأحكام : 3/197 .

([95])  تهذيب الأحكام : 1/316 ؛ الاستبصار : 1/474 .

([96])  وسائل الشيعة : 3/86 .

([97])  التهذيب : 3/319 ؛ الاستبصار : 1/477 .

([98])  التهذيب : 3/193 ؛ الإستبصار : 1/477 .

([99])  المغني : 2/180 .

([100])  التهذيب : 3/194 ؛ الاستبصار : 1/478 .

([101])  وسائل الشيعة : 3/94 .

([102])  تهذيب الأحكام : 3/321 ؛ الاستبصار : 1/470 .

([103])  تهذيب الأحكام : 1/464 .

([104])  المصدر نفسه : 1/464 .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter