|
المعتزلة
ويسمون: أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية
والعدلية . وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركاً، وقالوا:
لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من
الله تعالى؛ إحترازاً من وصمة اللقب؛ إذ كان من الذم
به متفقاً عليه؛ لقول النبي عليه السلام: " القدرية
مجوس هذه الأمة " . وكانت الصفاتية تعارضهم: بالاتفاق
على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ فكيف
يطلق لفظ الضد على الضد؟ وقد قال النبي عليه السلام: "
القدرية : خصماء الله في القدر " ، والخصومة في القدر،
وانقسام الخير والشر على ما فعل الله وفعل العبد لن
يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة
الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم.
والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول بأن الله
تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته ونفا الصفات القديمة
أصلاً؛ فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته،
لا بعلم وقدرة وحياة : هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛
لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف؛
لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق
في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات
عنه؛ فإن ما وجد في لمحل عرض قد فنى في الحال. واتفقوا
على أن الإرادة ، والسمع والبصر: ليست معاني قائمة
بذاته؛ لكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها؛
كما سيأتي. واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار
في دار القرار، ونفى التشبيه عنه من كل وجه: ومكانا،
وصورة، وجسماً، وتحيزاً، وانتقالاً، وزوالاً، وتغيراً،
وتأثراً؛ وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيه..
وسموا هذا النمط: توحيداً.
واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها،
مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة.
والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر
ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً، كما لو خلق
العدل كان عادلاً. واتفقوا على أنه الله تعالى لا يفعل
إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح
العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه خلاف عندهم ..
وسموا هذا النمط: عدلاً.
فرق
المعتزلة
البشرية
أصحاب بشر بن المعتمر، كان من أفضل علماء المعتزلة.
وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه. وانفرد عن
أصحابه بمسائل ست: الأولى منها: أنه زعم أن اللون،
والطعم، والرائحة، ز الإدراكات كلها: من السمع،
والرؤية... يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا
كانت أسبابها من فعله، وإنما أخذ هذا من الطبيعيين؛
إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة،
وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين. وقوة
الفعل، وقوة الانفعال: غير القدرة التي يثبتها
المتكلم.
للأعلى
الخابطية
أصحاب احمد بن خابط ، من أصحاب النظام،
وطالعا كتب الفلاسفة أيضاً، وضما إلى مذهب النظام ثلاث
بدع: البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في
المسيح عليه السلام موافقة النصارى على اعتقادهم: أن
المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد
بقوله تعالى: " وجاء ربك والملك صفاً صفاً " . وهو
الذي يأتي ظلل من الغمام، وهو المعني بقوله تعالى: "
أو يأتي ربك " . وهو المراد بقول النبي عليه السلام: "
إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن " . وبقوله: "
يضع الجبار قدمه في النار ، ومنها قولها بالتناسخ ،
الثانية: قوله: إن الاستطاعة: هي سلامة البنية، وصحة
الجوارح، وتخليتها من الآفات؛ وقال: لا أقول يفعل بها
في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية، لكني أقول:
الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية.
الثالثة: قوله: إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل،
ولو فعل ذلك كان ظالما إياه؛ إلا أنه لا يستحسن أن
يقال ذلك في حقه؛ بل يقال: لو فعل ذلك كان الطفل:
بالغاً، عاقلاً، عاصياً بمعصية ارتكبها، مستحقاً
للعقاب؛ وهذا كلام متناقض. إلى آخر ما قال ..
للأعلى
المعمرية
أصحاب معمر
بن عباد السلمى، وهو من أعظم القدرية فرية: في تدقيق
القول بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله
تعالى، والتكفير والتضليل على ذلك. وانفرد عن أصحابه
بمسائل: منها: أنه قال: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً
غير الأجسام؛ فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام:
إما طبعاً كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس والحرارة،
والقمر التلوين؛ وإما اختياراً؛ كالحيوان يحدث الحركة،
والسكون، والاجتماع، والافتراق. ومن العجب أن حدوث
الجسم وفناءه عنده عرضان؛ فكيف يقول: إنها من فعل
الأجسام؟ وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضاً فلم يحدث
الجسم وفناءه؟ فإن الحدوث عرض؛ فيلزمه أن لا يكون لله
تعالى فعل أصلاً. ثم ألزم: أن كلام الباري تعالى: إما
عرض، أو جسم. فإن قال: هو عرض، فقد أحدثه الباري
تعالى؛ فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام، أو ما
يلزمه: أن لا يكون لله تعالى كلام هو عرض؛ وإن قال هو
جسم؛ فقد أبطل قوله: إنه أحدثه في محل؛ فإن الجسم لا
يقوم بالجسم؛ فإذا لم يقل هو بإثبات الأزلية، ولا قال
بخلق الأعراض؛ فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على
مقتضى مذهبه. وإذا لم يكن له كلام لم يكن له آمراً
ناهياً، وإذا لم يكن أمر ونهي لم تكن شريعة أصلاً؛
فأدى واهبه إلى خزي عظيم.
للأعلى
النظامية
أصحاب
إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام قد طالع كثيراً من كتب
الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن
أصحابه بمسائل: الأولى مها: أنه زاد على القول بالقدر
خيره وشره منا قوله: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة
على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري تعالى،
خلافاً لأصحابه؛ فإنهم قضوا بأنه غير قادر عليها، لكنه
لا يفعلها؛ لأنها قبيحة. ومذهب النظام: أن القبح إذا
كان صفة للقبيح، وهو المانع من الإضافة إليه فعلاً؛
ففي تجويزك وقوع القبيح منه قبح أيضاً، فيجب أن يكون
مانعاً، ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم. وزاد
أيضاً على هذا الإختباط فقال: إنما يقدر على فعل ما
يعلم أن فيه صلاحا لعباده، ولا يقدر على أن يفعل
بعباده في الدنيا ما ليس في صلاحهم؛ هذا في تعلق قدرته
بما يتعلق بأمور الدنيا، وأما أمور الآخرة فقال: لا
يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل
الجنة، ولا أن يخرج أحداً من أهل الجنة وليس ذلك
مقدوراً له. وقد ألزم عليه: إن يكون الباري تعالى
مطبوعاً مجبوراً على ما يفعله؛ فإن القادر على
الحقيقة: من يتخير بين الفعل والترك، فأجاب: إن الذي
ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل؛ فإن عندكم
يستحيل إن يفعله وإن يفعله وإن كان مقدوراً؛ فلا فرق.
وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة؛ حيث قضوا
بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله، فما أبدعه
وأوجده هو المقدور، ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما
هو أحسن وأكمل مما أبدعه: نظاماً، وترتيباً، وصلاحاً..
لفعله.
للأعلى
الهذيلية
أصحاب
أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف: شيخ المعتزلة،
ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها؛ أخذ
الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء.
ويقال : أخذ واصل بن عطاء عن أبي هاشم عبد الله بن
محمد الحنفية، ويقال: أخذه عن الحسن بن أبي الحسن
البصري. وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد: الأولى: أن
الباري تعالى عالم بعلمه؛ وعلمه بذاته، قادر بقدرة؛
وقدرته ذاته، حي بحياة؛ وحياته ذاته. الثانية: أنه
أثبت إرادات لا محل لها؛ يكون الباري تعالى مريداً
بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها
المتأخرون.
الثالثة: قال في كلام الباري تعالى: إن بعضه لا في محل
وهو قوله كن وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والخبر،
والإستخبار إلى آخر ما قال .
وصحب أبا الهذيل أبو يعقوب الشحام والآدمي؛
وهما على مقالته. وكان سنه مائة سنه، توفي في أول
خلافة المتوكل، سنة خمس وثلاثين ومائتين.
للأعلى
الواصلية
أصحاب
أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال الألثغ، كان تلميذاً
للحسن البصري يقرأ عليه العلوم الأخبار، وكانا في أيام
عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك. وبالمغرب في
أيام أبي جعفر المنصور. ويقال لهم: الواصلية.
واعتزالهم يدور على أربعة قواعد: القاعدة الأولى:
القول بنفي صفات الباري تعالى؛ من العلم، والقدرة،
والإرادة، والحياة القاعدة الثانية: القول بالقدر:
وغنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي
القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين؛
والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا
إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب
الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة؛ وهم
وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر،
والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على
مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان
معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ وهم مرجئة الأمة،
فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكر الحسن في ذلك،
وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: ، صاحب
الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً؛ بل هو في منزلة
بين المنزلتين: لا مؤمن، ولا كافر؛ ثم قام واعتزل إلى
اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة
من أصحاب الحسن؛ فقال الحسن: اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو
وأصحابه: معتزلة. ووجه تقريره انه قال : إن الإيمان
عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمناً؛ وهو
اسم مدح، والاسم لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم
المدح؛ فلا يسمى مؤمناً، وليس هو بكافر مطلقا أيضاً؛
لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه
لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير
توبة؛ فهو من أهل النار خالداً فيها؛ إذ ليس في الآخرة
إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير لكنه يخفف
عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفار. وتابعه على
ذلك عمرو بن عبيد بعد أن كان موافقاً له في القدر
وإنكار الصفات.
القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب
صفين: إن أحدهما مخطئ بعينه، وكذلك قوله في عثمان،
وقاتليه، وخاذليه. قال: إن أحد الفريقين فاسق لا
محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا
بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق، وأقل درجات الفريقين
أنه لا تقبل شهادتهما، كما لا تقبل شهادة المتلاعنين؛
فلم يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل،
وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ. هذا قولهَ! وهو
رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة، وأئمة
العترة. ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في
تفسيق أحد الفريقين لا بعينه، بأن قال: لو شهد رجلان
من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره، أو طلحة
والزبير: لم تقبل شهادتهما؛ وفيه تفسيق الفريقين،
وكونهما من أهل النار. وكان عمرو بن عبيد من رواة
الحديث، معروفاً بالزهد. وواصل مشهوراً بالفضل والأدب
عندهم.
للأعلى
المردارية
أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بابي موسى، الملقب بالمرداد.
وقد تلمذ لبشر بن المعتمر، وأخذ العلم منه، وتزهد؛
ويسمى راهب المعتزلة. وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل:
الأولى منها: قوله في القدر: إن الله تعالى يقدر على
أن يكذب ويظلم، ولو كذب وظلم كان إلهاً كاذباً
وظالماً؛ تعالى الله عن قوله.
والثانية قوله في التولد: مثل قول أستاذه، وزاد عليه:
بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد.
والثالثة قوله في القرآن: إن الناس قادرون على فعل
القرآن: فصاحة، ونظما؛ وبلاغة وهو الذي بالغ في القول
بخلق القرآن، وكفر من قال بقدمه؛ بأنه قد أثبت قديمين.
وكفر أيضاً من لابس السلطان؛ وزعم أنه لا يرث ولا
يورث، وكفر أيضاً من قال: إن أعمال العباد مخلوقة لله
تعالى، ومن قال: إنه يرى بالأبصار، وغلا في التكفير
حتى قال: هم كافرون في قولهم: لا إله إلا الله. وقد
سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً،
فكفرهم؛ فأقبل عليه إبراهيم وقال: الجنة التي عرضها
السموات والأرض، لا يدخلها إلا أنت، وثلاثة وافقوك؟!
فخزي، ولم يحر جواباً. وقد تلمذ له أيضاً: الجعفران،
وأبو زفر، ومحمد بن سويد. وصحب: أبو جعفر محمد ابن عبد
الله الإسكافي وعيسى ابن الهيثم: جعفر بن حرب الأشج.
وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن الله تعالى
خلق القرآن في اللوح المحفوظ، ولا يجوز أن ينقل؛ إذ
يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة،
وما نقرأه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح
المحفوظ؛ وذلك فعلنا وخلقنا.
قال: وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في
القرآن.قالا في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب
معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع؛
وعليه أن يعلم أنه قصر، ولم يعرفه، ولم يشكره: عاقبه
عقوبة دائمة؛ فأثبت التخليد واجباً بالعقل.
للأعلى
الثمامية
أصحاب ثمامة بن
أشرس النميري؛ كان جامعاً بين سخافة الدين، وخلاعة
النفس؛ مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات
على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين
المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها: قوله: إن
الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ م يمكنها إضافتها
إلى فاعل أسبابها، حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت؛
مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده. ولم
يمكنه إضافتها إلى الله تعالى؛ لأنه يؤدي إلى فعل
القبيح، وذلك محال. فتحير فيه، وقال: المتولدات أفعال
لا فاعل لها.
ومنها: قوله في الكفار والمشركين والمجوس واليهود
والنصارى والزنادقة والدهرية: إنهم يصيرون في القيامة
تراباً؛ وكذلك قوله في البهائم والطيور، وأطفال
المؤمنين.
ومنها: قوله: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح،
وتخليتها من الآفات؛ وهي قبل الفعل.
ومنها: قوله: إن المعرفة متولدة من النظر وهو فعل لا
فاعل له كسائر المتولدات.
ومنها: قوله في تحسين العقل وتقبيحه وإيجاب المعرفة
قبل ورود السمع: مثل قول أصحابه؛ غير أنه زاد عليهم؛
فقال: من الكفار من لا يعلم خالقه، وهو معذور. وقال:
إن المعارف كلها ضرورية وإن من لم يضطر إلى معرفة الله
سبحانه وتعالى، فليس هو مأموراً بها، وإنما خلق للعبرة
والسخرة؛ كسائر الحيوان.
للأعلى
الهشامية
أصحاب
هشام بن عمرو الفوطي. ومبالغته في القدر أشد وأكثر من
مبالغة أصحابه. وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى
الباري تعالى، وإن ورد بها التنزيل.
منها قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم
المؤتلفون باختيارهم؛ وقد ورد في التنزيل: " ما ألفت
بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " .
ومنها قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين،
ولا يزينه في قلوبهم؛ وقد قال تعالى: " حبب إليكم
الإيمان وزينه في قلوبكم " . ومبالغته في نفي إضافات:
الطبع والختم والسد، وأمثالها - أشد وأصعب؛ وقد ورد
بجميعها التنزيل؛ قال الله تعالى: " ختم الله على
قلوبهم وعلى سمعهم " . وقال: " بل طبع الله عليهم
بكفرهم " . وقال: " وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن
خلفهم سداً " . وليت شعري! ما يعتقده الرجل؟ إنكار
ألفاظ التنزيل، وكونها وحياً من الله تعالى؟ فبكون
تصريحاً بالكفر! أو إنكار ظواهرها من نسبتها إلى
الباري تعال، ووجوب تأويلها؟ وذلك عين مذهب أصحابه؟
ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى، قوله: إن
الأعراض لا تدل على كونه خالقاً، ولا تصلح الأعراض
دلالات؛ بل الأجسام تدل على كونه خالقاً. وهذا أيضاً
عجب.
ومن بدعه في الإمامة، قوله: إنها لا تنعقد في أيام
الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال
الاتفاق والسلامة. وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان
يقول: الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة
أبيهم. وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي - رضي الله
عنه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة، من غير اتفاق من
جميع أصحابه؛ إذ بقى في كل طرف طائفة على خلافة.
للأعلى
الجاحظية
أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ.
كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم وقد طالع
كثيراً من كتب
الفلاسفة وخلط وروج كثير أمن مقالاتهم بعباراته
البليغة وحسن براعته اللطيفة،وكان
في أيام المعتصم والمتوكل ، وانفرد عن أصحابه
بمسائل: منها: قوله: إن المعارف كلها ضرورية
طباع وليس شيء من ذلك من أفعال العباد وليس للعبد كسب
سوى الإرادة وتحصل أفعاله منه
طباعاً كما قال ثمامة ، ونقل عنه أيضاً: أنه أنكر
أصل الإرادة وكونها جنساً من الأعراض
فقال: إذا انتهى السهو عن الفاعل وكان عالماً بما
يفعله فهو المريد على التحقيق
وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهو ميل النفس إليه
، وزاد على ذلك بإثبات الطبائع للأجسام كما قال
الطبيعيون من الفلاسفة
وأثبت لها أفعالاً مخصوصة بها ، وقال باستحالة عدم
الجواهر فالأعراض تتبدل والجواهر لا يجوز أن تفنى
ومنها: قوله في أهل النار: إنهم لا يخلدون فيها
عذاباً بل يصيرون إلى طبيعة
النار، وكان يقول: البار تجذب أهلها إلى نفسها من
غير أن يدخل أحد
فيها ، ومذهبه: مذهب الفلاسفة في نفي الصفات وفي
إثبات القدر خيره وشره
من العبد: مذهب المعتزلة ، وحكى الكعبي عنه أنه
قال: يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه
لا يصح عليه السهو في أفعاله ولا الجهل ولا يجوز أن
يغلب ويقهر ، وقال: إن الخلق كلهم من العقلاء
عالمون بأن الله تعالى خالقهم
وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي وهم محجوجون
بمعرفتهم ، ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد وجاهل به
فالجاهل معذور والعالم
محجوج ، ومن انتحل دين الإسلام فإن اعتقد أن الله
تعالى ليس بجسم ولا صورة
ولا يرى بالأبصار وهو عدل لا يجوز ولا يريد المعاصي
وبعد الاعتقاد واليقين أقر بذلك
كله فهو مسلم حقاً ، وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله
واعتقد أن الله تعالى ربه وان محمداً
رسول الله فهو مؤمن لا لوم عليه ولا تكليف عليه غير
ذلك ، ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة إلا أن
الميل منه ومن أصحابه
إلى الطبيعيين منهم أكثر من الإلهيين.
للأعلى
الخياطية
أصحاب أبى الحسين ابن أبي عمرو الخياط
أستاذ أبي القاسم بن محمد الكعبي وهما من معتزلة
بغداد على مذهب
واحد إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئاً
وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه
والجوهر جوهر في العدم والعرض عرض في العدم وكذلك أطلق
جميع أسماء الأجناس والأصناف
حتى قال: السواد سواد في العدم فلم يبق إلا صفة
الوجود أو الصفات التي تلزم
الوجود والحدوث وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت وقال
في نفي الصفات عن الباري مثل ما
قال أصحابه وكذا القول في القدر والسمع والعقل ،
وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: منها: قوله: إن
إرادة الباري
تعالى ليست صفة قائمة بذاته ولا هو مريد لذاته ولا
إرادته حادثة في محل أو في لا
محل بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه: عالم
قادر غير مكره في فعله ولا
كاره ، ثم إذا قيل: هو مريد لأفعال عباده
فالمراد به: أنه آمر بها راض
عنها ، وقوله في كونه سميعاً بصيرا ًراجع إلى ذلك
أيضاً فهو سميع بمعنى
أنه: عالم بالمسموعات وبصير بمعنى انه: عالم
بالمبصرات ، وقوله في الرؤية كقول أصحابه: نفياً
وإحالة غير أن أصحابه
قالوا: يرى الباري تعالى ذاته ويرى المرئيات وكونه
مدركاً لذلك زائد على كونه
عالماً، وقد أنكر الكعبي ذلك قال: معنى قولنا:
يرى ذاته ويرى
المرئيات: أنه عالم بها فقط.
للأعلى
الجبائية
أصحاب أبي على محمد بن عبد الوهاب الجبائي وابنه
أبي هاشم عبد
السلام وهما من معتزلة البصرة ،انفردا عن أصحابهما
بمسائل وانفرد أحدهما عن صاحبه بمسائل أما
المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما: فمنها:
أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في
محل يكون الباري تعالى بها موصوفا مريداً وتعظيماً
لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته
وفناء لا في محل إذا أراد أن يفني العالم ، وأخص
أوصاف هذه الصفات يرجع غليه من حيث إنه تعالى أيضاً لا
في
محل ، وإثبات موجودات هي أعراض أو في حكم الأعراض
لا محل لها كإثبات
موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها
وذلك قريب من مذهب الفلاسفة حيث
أثبتوا عقلاً هو جوهر لا في محل ولا في مكان وكذلك
النفس الكلية والعقول
المفارقة.
ومنها: أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام
يخلقه في محل وحقيقة
الكلام عندهما: أصوات مقطعة وحروف منظومة والمتكلم
من فعل الكلام لا من قام به
الكلام.
إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصاً بقوله: يحدث الله
تعالى عند
قراءة كل قارئ كلاماً لنفسه في محل القراءة وذلك
حين ألزم: أن الذي يقرؤه القارئ
ليس بكلام الله والمسموع منه ليس من كلام الله
فالتزم هذا المحال: من إثبات أمر
غير معقول ولا مسموع وهو إثبات كلامين في محل
واحد.
واتفقا على: نفي رؤية الله تعالى في بالأبصار في دار
القرار وعلى
القول إثبات الفعل للعبد خلقاً وإبداعاً وإضافة
الخير الشر والطاعة والمعصية إليه
استقلالاً واستبداداً وان الاستطاعة قبل الفل
وهي: قدرة زائدة على سلامة البنية
وصحة الجوارح وأثبتا البنية شرطاً في قيام المعاني
التي يشترط في ثبوتها الحياة
وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى
مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي
لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر وبمقتضى
العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب
المطيع وعقاب العاصي إلا أن التأقيت والتخليد فيه
يعرف بالسمع.
والإيمان عندهما اسم مدح وهو عبارة عن خصال الخير التي
إذا اجتمعت
في شخص سمي بها: مؤمناً ومن ارتكب كبيرة فهو في
الحال يسمى فاسقاً: لا مؤمناً
ولا كافراً وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في
النار.
واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما
علم أنه إذا
فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصح
واللطف لأنه: قادر عالم جواد
حكيم: لا يضره الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المنح
ولا يزيد في ملكه الادخار.
وليس الأصلح هو الألذ بل هو: الأعود في العاقبة
والأصوب في
العاجلة وإن كان ذلك مؤلماً ومكروهاً وذلك: كالحجامة
والفصد وشرب الأدوية ولا
يقال: إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعله
بعبده.
والتكاليف كلها ألطاف وبعثة الأنبياء وشرع الشرائع
وتمهيد الأحكام
ومما تخالفا فيه: أما في صفات الباري تعالى فقال
الجبائي: الباري تعالى عالم
لذاته قادر حي لذاته ومعنى قوله لذاته أي لا يقتضي
كونه عالماً صفة هي: علم أو
حال توجب كونه عالماً.
وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته بمعنى أنه ذو حالة
هي صفة معلومة
وراء كونه ذاتاً موجوداً وإنما تعلم الصفة على الذات
لا بانفرادها فأثبت أحوالاً هي
صفات: لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة
أي: هي على حيا لهالا تعرف
كذلك بل مع الذات.
قال والعقل يدرك فرقاً ضرورياً بين معرفة الشيء
مطلقاً وبين معرفته
على صفة فليس منم عرف الذات عرف كونه عالماً ولا من
عرف الجوهر عرف الجوهر عرف كونه
متحيزا قابلاً للعرض.
ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية
وافترقتا في قضية
وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به
وهذه القضايا العقلية لا ينكرها
عاقل وهي لا ترجع إلى الذات ولا إلى أعراض وراء
الذات فإنه يؤدي إلى قيام العرض
بالعرض فتعين بالضرورة أنها أحوال فكون العالم
عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتاً أي
المفهوم منها غير المفهوم من الذات وكذلك كونه:
قادراً حياً.
ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال.
وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك وردوا
الاشتراك والافتراق
إلى الألفاظ وأسماء الأجناس وقالوا: أليست الأحوال
تشترك في كونها أحوالاً وتفترق
في خصائص كذلك نقول في الصفات وإلا فيؤدي إلى إثبات
الحال للحال ويفضي إلى
التسلسل.
بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذ وضعت في الأصل
على وجه يشترك
فيها الكثير لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات
على وجه يشمل أشياء ويشترك
فيها الكثير فإن ذلك مستحيل.
أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من
قضايا
الاشتراك والافتراق وتلك الوجوه: كالنسب
والإضافات والقرب والبعد وغير ذلك مما لا
يعد صفات بالاتفاق.
وهذا هو اختيار أبي الحسن البصري وأبي الحسن
الأشعري.
للأعلى
نعتذر للمتصفح الكريم لأن الصفحة
تحت الإنشاء
|