|
شيخ الإسلام في مواجهة التتار والمنافقين مجدداً
إن الفتنة التي ألمت بالمسلمين اليوم ،
شبيه بما عاشه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام
والمسلمون في غزواتهم الأولى في سبيل الله تعالى ، إذ
تأمرت عليهم الدنيا برجالاتها من مشركين ويهود
ومنافقين ، وجاءت عليهم أيام بلغت فيها القلوب الحناجر
، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فلم يتزحزحوا عن الحق
، ولم يراودهم شك بأن الله تعالى ناصر هذا الدين ولكن
المنافقين لا يعلمون .
وتحالف النفاق مع الكفار ليس بجديد ،
بل إن هذا التحالف يتجدد بتجدد الأزمات ، ويتقوى بورود
النكبات على هذه الأمة ، ومثلما أن هذا التحالف هو
تحالف أزلي إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ،
فإن الله تعالى يقيض لهذه الأمة من يقف بوجه هذا
التحالف ويفضح عوراته ، تماماً كما كانت الآيات تنزل
على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاضحةً أهل
الكفر والنفاق ، كاشفة مؤامراتهم ضد الإسلام ورجالاته
، فعبد الله بن أبي سلول قد وجد منه في هذا الزمان
العشرات ، وظنون السوء تراودهم : ﴿
وَيُعَذِّبَ
الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ
السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ
جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾[الفتح : 6]
.
ومن رحمة الله تعالى أن قيض لهذه الأمة
رجالاً في الأزمات والملمات ، يقفون حين يتخاذل الناس
، ويتقدمون الصفوف حين يتقهقر الناس ، ويضحون حين
يتردد الناس، ومن هؤلاء الرجال شيخ الإسلام ابن تيمية
( رحمه الله تعالى ) الذي اشتهر بيننا بأنه رجل علم
وفتوى ، وموقفٌ وتقوى ، وهو مع انشغاله بالعلم والدرس
، لم يجلس في زاويته جلوس الصوفية ، أو يحبس نفسه في
درسه حبس السلفية ، حين رأى أن ديار الإسلام تتهاوى
تحت أقدام التتار ، وأن دمشق سوف تستباح كما استباحت
بغداد ، فترك كتبه ومؤلفاته ، وهجر تلاميذه وأصحابه،
وشمر عن ساعد الجد ، ساعياً في حث الناس على الوقف
بوجه هذا العدو ، مسافراً من دمشق إلى القاهرة في سبيل
هذه الغاية ، وقد كتب في ذلك رسالة طويلة إلى أهل مصر
بين لهم فيها أن أساس البلاء في هذه الأمة شيئان :
الأول العدو الداهم الذي استباح ديار
الإسلام والمسلمين ، وهو خارج عن أية شريعة لا يرقب في
مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، فالتتار كما رائهم الناس
يستبيحون دماء المسلمين أكثر من استباحتهم لذبائحهم ،
ويخربون ديارهم ، ويحرقون بيوتهم وكتبهم ، فلا أحد يقف
بوجههم ، ولا أمر يمكن أن يكون سبباً في هزيمتهم .
والثاني : العدو الخفي الذي انطوى تحت
ستارتهم ، وسار في ركبهم ، وأصبح ضمن جندهم ، يحط
رحاله أينما حطوا ، ويتحالف معهم في سبيل قتل المسلمين
، وإن كان هو يدعي أنه منهم ، ويوضح ذلك شيخ الإسلام
بقوله : (( وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير
منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار ؛ لكونهم لا يلزمونهم
شريعة الإسلام ، بل يتركونهم وما هم عليه ، وبعضهم
إنما ينفرون عن التتار؛ لفساد سيرتهم في الدنيا
واستيلائهم على الأموال واجترائهم على الدماء والسبي ،
لا لأجل الدين ، فهذا ضرب النفاق الأكبر )) .
وربما كان العدو الثاني لا يقل خطره عن
العدو الأول ؛ إذ أن الثاني يروج للعدو ، ويحمل
شعاراته ويذب بنفسه عن أنفسهم ، بل ربما وجدتهم في بعض
الأحيان يقاتلون بدلاً عن العدو ، ويتحمسون لشعارات
العدو أكثر من تحمس العدو نفسه ، وهذا الذي ابتليت به
الأمة في هذا الزمان ، فإن الأحداث تعود مجدداً إلى
الساحة نفسها ، وإلى الرجالات أنفسهم ، وإلى العدو
نفسه ، وإن اختلفت المسميات ، فإن المواقف تخلد الرجال
، كما أن الرجال تخلدهم المواقف ، والنفاق تفضحه الفتن
، وتميط اللثام عن وجهه القبيح ، الذي يراه البعض
حسناً ، فيزول عنه كل أثر للإيمان ، ويبدأ يتخبط بمكره
: ﴿ وَلَا يَحِيقُ
الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾
.
والذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية يشتهر
هذه الشهرة كلها في مؤلفاته ومصنفاته مواقفه الشجاعة ،
ونيته الصادقة ، فقد كان مخلصاً في الرسالة التي
يحملها ، متفانياً في سبيلها ، ولم يكن حبيساً لفكر أو
اتجاه ، أو منضوياً تحت جماعة يمكن أن تؤثر في اتخاذه
لقراراته ، وهذا الذي فتح القلوب والعقول لمؤلفاته ؛
وأصبحت نبراساً يضيء لنا المكتبات ، وتاجاً نضعه في
قوائم وفهارس المخطوطات .
وكان ابن تيمية يعي خطورة المرحلة التي
هو فيها ، وأنها تشكل لحظة تاريخية فاصلة في حياة
المسلمين ، فكان الناس يقولون في ذلك الزمن : (( لما
قدم هذا العدو ، كان من المنافقين من قال : ما بقيت
الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار ،
وقال بعض الخاصة : ما بقيت أرض الشام تسكن ، بل ننتقل
عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر ، وقال بعضهم
: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم أهل
العراق والدخول تحت حكمهم ، فهذه المقالات الثلاث قد
قيلت في هذه النازلة )) ، وهذه هي المقولات نفسها التي
يتنازعها المسلمون هذه الأيام عندما استباح العدو
أرضهم وأعراضهم وديارهم .
وأريد أن أذكر القارئ هنا – ونحن نعيش
بمرحله شبيه بتلك المرحلة – بشيخ يذكرنا بابن تيمية ،
بمواقفه وكلماته ، وبتضحيته وإخلاصه ، هو الشيخ حارث
الضاري ، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ، الذي
وقف موقفاً ضد غزو الأمريكان للعراق ، مشابهاً لموقف
ابن تيمية من غزو التتار ، وكلاهما تعرض في سبيل ذلك
للأذى العظيم ، والكيد من المنافقين قبل الأعداء ،
وأصبح هؤلاء المنافقين يتآمرون ضده ، ويحاولون النيل
من شخصه، بعد أن ضاق عليهم نفاقهم، فكشروا عن وجوههم
القبيحة، وأعلنوها حرباً ضد الشيخ حارث الضاري ( حفظه
الله ) ، فما زادهم ذلك إلا تثبياً : ﴿
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ
النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ
مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ
عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران : 173] .
فالإخلاص في سبيل الله هو أساس النصر ،
ولذا نرى أن المنافقين يعدون المخلص هو عدوهم الأول ؛
لأنه يفضح عورتهم ويكشف خيانتهم ، فالأمة التي تبتلى
بالعدو عليها أن تعود إلى شريعتها وقوانينها التي تحفظ
لها أرضها وكرامتها، وإلا فإنها ستزول ، قال تعالى : ﴿
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن
تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ
الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى
نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ
﴾ [البقرة : 214] .
فيحق لنا أن فتخر بالشيخ حارث الضاري ،
الذي وقف بوجه الأمريكان والمنافقين الذي جاءوا معهم ،
وقفة عجز عنها أكثر الرجال ، وذاد عن عرض هذه الأمة
عندما تقاعس عن ذلك أكثر الرجال ، وتمسك بعقيدته
ومبادئه عندما تخلى عنها أكثر الرجال ، فهو شيخ إسلام
هذا الزمان ، كما أن ابن تيمية هو شيخ إسلام ذلك
الزمان ، ولكل زمان رجاله ، ولكل عصر مشايخه .
11 ذو القعدة 1427هـ / 1 كانون الأول 2006م
|