من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

شيخ الإسلام في مواجهة التتار والمنافقين مجدداً

إن الفتنة التي ألمت بالمسلمين اليوم ، شبيه بما عاشه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والمسلمون في غزواتهم الأولى في سبيل الله تعالى ، إذ تأمرت عليهم الدنيا برجالاتها من مشركين ويهود ومنافقين ، وجاءت عليهم أيام بلغت فيها القلوب الحناجر ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فلم يتزحزحوا عن الحق ، ولم يراودهم شك بأن الله تعالى ناصر هذا الدين ولكن المنافقين لا يعلمون .

وتحالف النفاق مع الكفار ليس بجديد ، بل إن هذا التحالف يتجدد بتجدد الأزمات ، ويتقوى بورود النكبات على هذه الأمة ، ومثلما أن هذا التحالف هو تحالف أزلي إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، فإن الله تعالى يقيض لهذه الأمة من يقف بوجه هذا التحالف ويفضح عوراته ، تماماً كما كانت الآيات تنزل على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاضحةً أهل الكفر والنفاق ، كاشفة مؤامراتهم ضد الإسلام ورجالاته ، فعبد الله بن أبي سلول قد وجد منه في هذا الزمان العشرات ، وظنون السوء تراودهم : ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾[الفتح : 6] .

ومن رحمة الله تعالى أن قيض لهذه الأمة رجالاً في الأزمات والملمات ، يقفون حين يتخاذل الناس ، ويتقدمون الصفوف حين يتقهقر الناس ، ويضحون حين يتردد الناس، ومن هؤلاء الرجال شيخ الإسلام ابن تيمية ( رحمه الله تعالى ) الذي اشتهر بيننا بأنه رجل علم وفتوى ، وموقفٌ وتقوى ، وهو مع انشغاله بالعلم والدرس ، لم يجلس في زاويته جلوس الصوفية ، أو يحبس نفسه في درسه حبس السلفية ، حين رأى أن ديار الإسلام تتهاوى تحت أقدام التتار ، وأن دمشق سوف تستباح كما استباحت بغداد ، فترك كتبه ومؤلفاته ، وهجر تلاميذه وأصحابه، وشمر عن ساعد الجد ، ساعياً في حث الناس على الوقف بوجه هذا العدو ، مسافراً من دمشق إلى القاهرة في سبيل هذه الغاية ، وقد كتب في ذلك رسالة طويلة إلى أهل مصر بين لهم فيها أن أساس البلاء في هذه الأمة شيئان :

الأول العدو الداهم الذي استباح ديار الإسلام والمسلمين ، وهو خارج عن أية شريعة لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، فالتتار كما رائهم الناس يستبيحون دماء المسلمين أكثر من استباحتهم لذبائحهم ، ويخربون ديارهم ، ويحرقون بيوتهم وكتبهم ، فلا أحد يقف بوجههم ، ولا أمر يمكن أن يكون سبباً في هزيمتهم .

والثاني : العدو الخفي الذي انطوى تحت ستارتهم ، وسار في ركبهم ، وأصبح ضمن جندهم ، يحط رحاله أينما حطوا ، ويتحالف معهم في سبيل قتل المسلمين ، وإن كان هو يدعي أنه منهم ، ويوضح ذلك شيخ الإسلام بقوله : (( وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار ؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام ، بل يتركونهم وما هم عليه ، وبعضهم إنما ينفرون عن   التتار؛ لفساد سيرتهم في الدنيا واستيلائهم على الأموال واجترائهم على الدماء والسبي ، لا لأجل الدين ، فهذا ضرب النفاق الأكبر )) .

وربما كان العدو الثاني لا يقل خطره عن العدو الأول ؛ إذ أن الثاني يروج للعدو ، ويحمل شعاراته ويذب بنفسه عن أنفسهم ، بل ربما وجدتهم في بعض الأحيان يقاتلون بدلاً عن العدو ، ويتحمسون لشعارات العدو أكثر من تحمس العدو نفسه ، وهذا الذي ابتليت به الأمة في هذا الزمان ، فإن الأحداث تعود مجدداً إلى الساحة نفسها ، وإلى الرجالات أنفسهم ، وإلى العدو نفسه ، وإن اختلفت المسميات ، فإن المواقف تخلد الرجال ، كما أن الرجال تخلدهم المواقف ، والنفاق تفضحه الفتن ، وتميط اللثام عن وجهه القبيح ، الذي يراه البعض حسناً ، فيزول عنه كل أثر للإيمان ، ويبدأ يتخبط بمكره : ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ .

والذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية يشتهر هذه الشهرة كلها في مؤلفاته ومصنفاته مواقفه الشجاعة ، ونيته الصادقة ، فقد كان مخلصاً في الرسالة التي يحملها ، متفانياً في سبيلها ، ولم يكن حبيساً لفكر أو اتجاه ، أو منضوياً تحت جماعة يمكن أن تؤثر في اتخاذه لقراراته ، وهذا الذي فتح القلوب والعقول لمؤلفاته ؛ وأصبحت نبراساً يضيء لنا المكتبات ، وتاجاً نضعه في قوائم وفهارس المخطوطات .

وكان ابن تيمية يعي خطورة المرحلة التي هو فيها ، وأنها تشكل لحظة تاريخية فاصلة في حياة المسلمين ، فكان الناس يقولون في ذلك الزمن : (( لما قدم هذا العدو ، كان من المنافقين من قال : ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار ، وقال بعض الخاصة : ما بقيت أرض الشام تسكن ، بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر ، وقال بعضهم : بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم ، فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة )) ، وهذه هي المقولات نفسها التي يتنازعها المسلمون هذه الأيام عندما استباح العدو أرضهم وأعراضهم وديارهم .

وأريد أن أذكر القارئ هنا – ونحن نعيش بمرحله شبيه بتلك المرحلة – بشيخ يذكرنا بابن تيمية ، بمواقفه وكلماته ، وبتضحيته وإخلاصه ، هو الشيخ حارث الضاري ، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ، الذي وقف موقفاً ضد غزو الأمريكان للعراق ، مشابهاً لموقف ابن تيمية من غزو التتار ، وكلاهما تعرض في سبيل ذلك للأذى العظيم ، والكيد من المنافقين قبل الأعداء ، وأصبح هؤلاء المنافقين يتآمرون ضده ، ويحاولون النيل من شخصه، بعد أن ضاق عليهم نفاقهم، فكشروا عن وجوههم القبيحة، وأعلنوها حرباً ضد الشيخ حارث الضاري ( حفظه الله ) ، فما زادهم ذلك إلا تثبياً : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران : 173] .

فالإخلاص في سبيل الله هو أساس النصر ، ولذا نرى أن المنافقين يعدون المخلص هو عدوهم الأول ؛ لأنه يفضح عورتهم ويكشف خيانتهم ، فالأمة التي تبتلى بالعدو عليها أن تعود إلى شريعتها وقوانينها التي تحفظ لها أرضها وكرامتها، وإلا فإنها ستزول ، قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة : 214] .

فيحق لنا أن فتخر بالشيخ حارث الضاري ، الذي وقف بوجه الأمريكان والمنافقين الذي جاءوا معهم ، وقفة عجز عنها أكثر الرجال ، وذاد عن عرض هذه الأمة عندما تقاعس عن ذلك أكثر الرجال ، وتمسك بعقيدته ومبادئه عندما تخلى عنها أكثر الرجال ، فهو شيخ إسلام هذا الزمان ، كما أن ابن تيمية هو شيخ إسلام ذلك الزمان ، ولكل زمان رجاله ، ولكل عصر مشايخه .

 

11 ذو القعدة 1427هـ / 1 كانون الأول 2006م

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter