|
هل تكون وثيقة مكة المكرمة مثل
وثيقة النجف ؟!
د. مجيد الخليفة
لا أريد أن أكون من المتشائمين في
النظر إلى وثيقة مكة المكرمة التي وقعت قبل أيام بين
علماء السنة والشيعة ، ونصت على تحريم الدم العراقي ،
ولكني أحاول أن أفهم الأحداث الواقعة في بلاد الرافدين
الآن من خلال قراءة متأنية لتاريخ العلاقة السياسية
بين المذهبين في العراق خاصة ، فالتاريخ كما يقولون هو
مرآة الحاضر ، ومن لا يقرأ التاريخ لا يستطيع أن يفهم
المستقبل ، وقد عادت بي مشاهد توقيع الوثيقة في الحرم
المكي قبل أيام ، بالتوقيع على وثيقة مشابة وقعت بين
علماء أهل السنة والشيعة في 26 شوال 1156هـ في مدينة
النجف ، وبرعاية ومباركة نادر شاه ملك إيران في ذلك
الوقت .
وكان نادر شاه قد سيطر على أجزاء واسعة
من أفغانستان وبلاد ما وراء النهر ، وهي سنية المعتقد
، في حين كان رغية إيران على مذهب الشيعة الإمامية ،
بعد أن أجبر إسماعيل الصفوي الناس على الدخول في هذا
المذهب بالقوة ، وكان نادر شاه يعاني من تلك التركة
غير المتجانسة التي تركها له الصفويون ، فكان بعضهم
يكفر بعضاً ، وربما دار اقتتال فيما بينهم بسبب ذلك ،
فقرر أن يكتب بينهم وثيقة تنهي هذا الخلاف ، وتعيد
الوئام إلى رعيته .
وكان نادر شاه في ذلك الوقت قد دخل
غازياً إلى العراق ، وحاصر بغداد ، ولكنه لم يستطع
دخولها ، فاستقر به المقام في النجف ، فأرسل إلى أحمد
باشا والي بغداد من قبل العثمانيين بطلب عالم من أهل
السنة ليحكم بين رعيته ، وليكتب وثيقة تحرم التكفير
والاقتتال فيما بينهم ، وقد استجاب الوالي أحمد باشا
لطلب نادر شاه هذا ، فأرسل له علامة العراق في ذلك
الوقت عبد الله بن الحسين السويدي العباسي ( 1104 –
1174هـ ) ، وكان مشهوراً بعلمه ، وحسن مناظرته ، وقوة
حجته ، مع بيان وفصاحة ، ومعرفة بلغة القوم ، وكان
السويدي قد كتب رحلته هذه إلى نادر شاه في مذكراته ،
ثم نشر الجزء الخاص بمهمته في النجف تحت عنوان ( مؤتمر
النجف ) .
ولم تكن مهمة السويدي بالهينة ، نظراً
لكثرة العلماء الذين حضروا بمعية نادر شاه من إيران
وأفغانستان ، إذ يزيدون عن السبعين رجلاً ، وكان كبير
علماء الإمامية في ذلك الوقت ، والمقرب من الشاه يسمى
( الملا باشي ) ، فدخل معه السويدي في مناظرة حول
أحقيه علي بالخلافة قبل الثلاثة ، وخرج منها الأخير
منتصراً ( ينظر تفاصيلها في مؤتمر النجف : ص 24 وما
بعدها ) ، فما كان إلا أن أقرَّ ( الملا باشي ) بخلافة
الخلفاء الراشدين على ترتيبهم ، ورفع الأمر إلى نادر
شاه ففرح به فرحاً عظيماً ، ثم أوصاهم بكتابة وثيقة
فيما بينهم يتعاهدون فيها بذلك ، ونص الوثيقة :
( إنا قد التزمنا رفع السب ، وأن
الصحابة فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب ، الذي في
الرقعة، فمن سب منا أو قال خلاف ذلك ، فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين ، وعلينا غضب نادر شاه ،
ومالنا ودماؤنا وأولادنا حلال له )
قال السويدي : ثم إنهم وضعوا خواتمهم (
يعني توقيعاتهم ) في البياض الذي تحت كلامهم ، وقد
كتبت هذه الوثيقة بثلاث لغات : العربية لأهل الحلة
وكربلاء والنجف ، والفارسية لأهل إيران ، والأوردية
لبلاد ما وراء النهر ، ثم كتب السويدي بخطه :
( شهدت على الفرق الثلاث بما قرروه
والتزموه ، وأشهدوني عليهم )
قال : - والكلام لازال للسويدي - ووضعت
خاتمي تحت اسمي فوق ذلك ، وكان يوماً مشهوداً من عجائب
الدنيا ، وصار لأهل السنة فرح وسرور ، لم يقع مثله في
العصور ، ولا تشبهه الأعراس والأعياد ، والحمد لله على
ذلك ، انتهى كلامه رحمه الله .
هذا ملخص لمراسيم توقيع الوثيقة كما
قصها لنا السويدي ، وكان حاضرا وشاهداً وحكماً فيها،
وكان السويدي يظن ، كما ظن غيره أنها ستكون نقطة تحول
هامة في تاريخ العلاقة بين السنة والشيعة ، ولكن لم
يكن توقيع الشيعة عليها إلا محاباة للسلطان ، وتحت
ستار التقية ، كما صرحوا به علماؤهم بعد ذلك ، فها هو
ذا حبر الوثيقة لم يجف بعد ، والناس في فرح مجتمعون في
خطبة واحدة بفرقهم وعلمائهم وعامتهم ، وكان اليوم
التالي للتوقيع يوم جمعة ، فقام أحد علماء كربلاء
خطيباً ومقراً بخلافة الثلاثة ، قال السويدي ( لكنه
كسر الراء من ( عمر ) مع أن الخطيب إمام في العربية ،
ولكنه قصد دسيسة لا يفهمها إلا الفحول ، وهي أن منع
صرف عمر إنما كان للمعدل والمعرفة ، فصرفه هذا الخبيث
قصداً إلى أنه لا عدل فيه ولا معرفة ، قاتله الله من
خطيب وأخزاه ) .
والذي أريد أن أبينه أن العهد مع
الصفويين لا يجب أن يركن إليه كثيراً ، خاصة مع
علمائهم الذي يتسترون بستار التقية فيما بينهم ، فكيف
بكلامهم وعهودهم مع غيرهم ؟ لأنهم يعدون كل من خالفهم
في العقيدة كفار ، دمائهم وأموالهم وأعراضهم مستباحة ،
قال الطوسي ( الملقب عندهم بشيخ الطائفة ) : (( إن
المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار
)) ( تهذيب الأحكام : 1/335 ، ط : إيران ) ، ويعني
بأهل الحق أصحابه من الصفويين ، وكل من خالفهم فهو
كافر لا يستحق الحياة ، وعلينا أن ننطلق من هذا النص
لبيان ما يعتقده علماؤهم أيضاً تجاه أهل السنة
والجماعة .
إن المشكلة الحقيقة في العراق حالياً
ليست مشكلة سياسية ، كما يروج لها الصفويه
، وقد انطلت على بعض
العلماء
هداهم الله ، وإنما المشكلة هي مشكلة عقائدية نابعة من
كون الصفوية
لا يقبلون بالآخر وإن قبل الآخر بهم ،
ومراجعهم الدينية ترشد الناس إلى ذلك بشكل علني أو خفي
، فخذ على سبيل المثال نشاط السيستاني من بدء الغزو
الأمريكي للعراق وحتى هذه اللحظة ، فأنت تراه أن تعلق
الأمر بمصالح الصفوية
ومصيرهم يخرج الفتاوى التي تحث على عدم
تضييع الفرصة من أيديهم ، مثل فتواه المشهورة بعدم
قتال الأمريكان ، أو فتواه المشهورة بأن من لم ينتخب
فهو ليس من اتباع مذهبهم ، أما إذا تعلق الأمر بالدم
العراقي ، بغض النظر إن كان شيعياً أو سنياً ، فلا
يهمه ذلك في شيء ، ولا يصدر أي فتوى واضحة وصريحة تحقن
الدماء بين المسلمين من أبناء البلد الواحد.
ولذا وجدنا أن من واجبنا الشرعي أن
ننبه على أمور يجب النظر إليها بجد :
أولاً : إن مسألة العهود والمواثيق هي
مسألة نسبية عند علماء الصفوية
، وأقول العلماء ولا أخص العامة منهم ،
لأنهم أفضل حالاً بتقديرنا على اغترارهم بمراجعهم
الدينية ، والتاريخ شاهدٌ على ذلك، وما وثيقة النجف
التي عرضناها في هذه المقالة إلا انموذج لعهودهم
ومواثيقهم مع أهل السنة، قال تعالى : [ َوَكُلَّمَا
عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ] [البقرة : 100] .
ثانياً : ما يحدث على أرض العراق ، من
استهداف لأهل السنة بالقتل والتهجير وهتك الأعراض ليس
هناك دافع له إلا الله تعالى ، يجب أن أبناء العراق
للتصدي له بكل أنواع التصدي ؛ وإلا فإن العراق ربما
يمر بمرحلة شبيهة بمرحلة إسماعيل الصفوي الدموية التي
شنها ضد سنة إيران من أجل تهجيرهم أو قتلهم أو تحويلهم
لمذهب الصفويه
ثالثاً : إن المنظمات الصفوية
العاملة في العراق ، خاصة ذات الجناح
العسكري منها مثل : ( منظمة بدر ) و ( جيش المهدي )
ذات أحقاد لا حدود لها ضد أبناء العراق ، خاصة العرب
منهم ، وتشكل هذه المنظمات عصابات إجرامية تعتمد في
تجنيد اتباعها على أراذل الناس ( من مجرمين سابقين ،
وسراق وقتلة ) لأن الشيعي
العربي
مهما وصل به التعصب لا يمكن أن يكون
قاتلاً مأجوراً لمجوس فارس .
رابعاً : إن إيران تقف بكل ثقلها خلف
هذه العصابات ، فتقدم لها الدعم المادي والمعنوي بكل
مجالاته ، في حين أن أهل السنة لا داعم لهم إلا الله ،
وقد انجرت وسائل الأعلام العربية خلف هذه الخدعة بسبب
ثقل هذه العصابات في الحكومة العراقية الموالية
للصليبيين ، فهي تردد كلماتها وتنقل عباراتها ، فعندما
يقتل أهل السنة تكون جثثهم مجهولة الهوية ولا يعرف
قاتلهم ، أما عندما يذهب بعض اتباعهم ضحية لتعصب
رؤسائهم فهم يوجهون اتهاماتهم لأهل السنة ، أو
التكفيريين ، أو ما شابه ذلك من المسميات.
إن أهل العراق من سنة وشيعة عرب من غير
الصفويين مطالبون الآن قبل أي وقت آخر من المصارحة
والمصالحة ، المصارحة مع وسائل الأعلام وكشف المخطط
الفارسي الخبيث لتشييع العراق
(تشيع صفوي)
، والمصالحة والتعاون مع التيارات الأخرى التي تبنت
منهج المقاومة والجهاد ضد الصليبيين والصفويين مهما
كان منهجها او الموقف السابق منها ، وأن يبينوا للناس
حقيقة ما يجري في العراق ، خاصة العلماء منهم ، وأن لا
يغتروا بما قطعوه على أنفسهم من عهد مع قوم لا عهود
لهم ولا مواثيق، لأن الله تعالى قد علق أمانة في
أعناقهم ، فكما كلفهم بحفظ الدين ، فقد كلفهم ببيان
الحق وتحذير الناس من الشر ، قال تعالى : [وَإِذَ
أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ] .
|