|
رسالة من أهل بغداد ... إلى
المسلمين كافة
د. مجيد الخليفة
لقد حفظ لنا التاريخ عددا
من النصوص الرائعة التي فيها وصف لأحوال المسلمين عند
تعرضهم للموت والتعذيب على يد الغزاة ، وقد وجدت رسالة
كتبها عبد الله بن عبد البر وهو ابن الحافظ المشهور
على لسان أهل بربشتر ، المدنية الأندلسية التي استبيحت
على يد النصارى سنة 456هـ ، فذهب معظم أهلها ضحايا على
يدهم ، وها هو التاريخ يعيد نفسه في بغداد بعد ما
يقارب من ألف عام ، فهي مدينة مستباحة من النصارى
والصفويين معاً ، ولم نجد أصدق من هذه الكلمات التي
يكتبها أهل بغداد إلى المسلمين خاصة وعامة عسى أن
يواسوهم بمصابهم ، وينجدوهم في نكبتهم :
من الثغور القاصية، والأطراف النائية،
المعتقدين للتوحيد، المعترفين بالوعد والوعيد،
المستمسكين بعروة الدين، المستهلكين في حماية
المسلمين، المعتصمين بعصمة الإسلام، المتآلفين على
الصلاة والصيام، المؤمنين بالتنزيل، المقيمين على سنة
الرسول، محمد نبي الرحمة شفيع الأمة، إلى من بالأمصار
الجامعة، والأقطار الشاسعة، [ بالعالم الإسلامي ] من
ولاة المؤمنين، وحماة المسلمين، ورعاة الدين، من
الرؤساء والمرءوسين.
سلام عليكم
فانا نحمد الله إليكم، حمد من أيقن به
رباً، وجعله حسباً، ولي المؤمنين، وغياث المستغيثين،
مجري الفلك في البحر بأمره ( ويمسك السماء أن تقع على
الأرض إلا بإذنه ) [ الحج: 65] ونصلي على المصطفى من
أصفيائه، محمد خاتم أنبيائه، المبتعث بأنواره الساطعة،
وحجاجه القاطعة، على حين عفت رسوم الدين، وخوت نجوم
اليقين، فجلا الشك، وأدحض الإفك، فعليه من السلام أفضل
سلام، ما وحد الرحمن، وثني الفرقدان.
أما بعد:
حرسكم الله بعينه التي لا تنام، فانا
خاطبناكم مستنفرين، وكاتبناكم مستغيثين، وأجفاننا قرحى،
وأكبادنا حرى ، ونفوسنا منطبقة، وقلوبنا محترقة، على
حين نشر الكفر جناحيه، وأبدى الشرك ناجذيه، واستطار
شرر الشر، ومسنا وأهلنا الضر، أحسن ما كنا بالأيام
ظنا، وملتنا ظاهرة، وفئتنا متناصرة، لا تشل لنا يد،
ولا يفل لنا حد، حتى انقلبت العين، وبان الصبح لذي
عينين .
وأي أمان من زمان قلما يخضر منه جانب
إلا جف جانب ، ولا تبرق منه بارقة - معشر المسلمين -
بعض ما نابنا في ثغورنا، عسى أن تكونوا سببا لنصرتنا،
فالمؤمنون إخوة، والمسلمون لحمة، والمرء كثير بأخيه،
وإلى أمه يلجأ اللهفان، وإلى الصوارم تفزع الأقران،
والسعيد من وعظ بغيره والشقي من عميت عيناه، وصمت عن
الموعظة أذناه. ونقص عليكم من نبأنا ، وما انتهت إليه
حال ملأنا، ما والله يوجع القلوب سماعه، كما قصم
الضهور وأسخن العيون اطلاعه.
فأحاطت بنا كإحاطة القلادة بالعنق.
يسوموننا سوء العذاب، بضروب من الحرب والحرب، أناء
ليلها ونهارها، تصب علينا صواعقها، وترمي إلينا
بوائقها ، فانا لله وإنا إليه راجعون، على ما رأت منا
العيون، من انتهاك تلك النعم المدخرات، وهتك ستر الحرم
المحجبات، والبنات والمخدرات، وما تكشف من تلك العورات
المسترات، فلو رأيتم - معشر المسلمين - إخوانكم في
الدين، وقد غلبوا على الأموال والأهلين، واستحكمت فيهم
السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأتخنتهم الجراح، وعبثت
بهم زرق الرماح، وقد كثر الضجيج والعويل والنياح،
ودماؤهم على أقدامهم تسيل، سيل المطر بكل سبيل،
ورءوسهم قد أمهم تطير، وقلوبهم في أجسادهم تسيطر، ولا
مغيث ولا مجير، وقد صمت الآذان، بصرخ الصبيان، ونياح
النسوان وبكاء الولدان، وعلت الأصوات وفشت المنكرات،
وتمرد الشيطان، واشتهر الطغيان، وظهرت الصلبان، وأفصحت
النواقيس، وجلحت الأباليس، وسعرت طغاة الخنازير، وصارت
الدور كالتنانير، دماء تسفك، وستور تهتك، وحرم تنتهك،
ونعم تستهلك، وأقفاء تصفع، وأعضاء تقطع، وأعياث ترتكب،
وأثاث ينتهب، ومصاحف تمزق، ومساجد تحترق، فلا الأخ يغي
أخاه، ولا الابن يدعو أباه، ولا الأب يدني بنيه.(لكل
امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) ( عبس: 37) ولا المرضعة
تلوي على رضيعها، ولا الضحجيعة ترثي لضجيعها، كأنهم في
مثل اليوم الذي ذكره الجليل، في محكم التنزيل،( يوم
ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها
وتر الناس سكارى وما هم بسكارى) (الحج: 2).
فما ظنكم - معشر المسلمين - وقد سيقت
النساء والولدان، وما بين عارية وعريان، قودا بالنواصي
إلى كل مكان، طورا على المتون، وطورا على البطون،
ومشيخة الرجال، مقرنين في الحبال، مصفدين في السلاسل
والأغلال، مقتادين بشعور السبال، ان استرحموا لم
يرحموا، وان استطعموا لم يطعموا، وان استسقوا لم
يسقوا، وقد طاشت أحلامهم، وذهلت أوهامهم، وسخنت
أعيانهم، وتغيرت ألوانهم.
وما ظنكم - معشر المسلمين - وقد رأيتم
، الجوامع والصوامع بعد تلاوة القرآن، وحلاوة الأذان ،
مطبقة بالشرك والبهتان، مشحونة [ بالترب وصور أهل
الطغيان ] ، عوضا من شيعة الرحمن، [والأئمة
والمتدينون]، والقومة والمؤذنون، يجرهم الأعلاج [
والروافض ] كما تجر الذبائح إلى الذابح، يكبون على
وجوههم في المساجد صاغرين، ثم أضرمت عليهم نارا حتى
صاروا رمادا، والكفر يضحك وينكي، والدين ينوح ويبكي ،
فيا ويلاه، ويا ذلاه، ويا كرباه، ويا قرآناه، ويا
محمداه، ألا ترى ما حل بحملة القرآن، وحفظة الايمان،
وصوام شهر رمضان، وحجاج بيت الله الحرام، والعاكفين
على الصلاة والصيام، والعاملين بالحلال والحرام .
فلو شهدتم - معشر المسلمين - ذلك
لطارت أكبادكم جزعا، وتقطعت قلوبهم قطعا، واستعذبتهم
طعم المنايا، لموضع تلك الرزايا، ولهجرت أسيافكم
أغمادها، وجفت أجفانهم رقادها، امتعاضا لعبدة الرحمن،
وحفظة القرآن، وضعفة النساء والولدان، وانتقاما من
عبدة الطغيان، وحملة الصلبان.
وقد ندب الله مسلمي عباده إلى الجهاد
في غير ما آية من الكتاب، يضيق عن نصها الخطاب، ترغيبا
وترهيبا، فوعد المطيعين جزيل ثوابه، والعاصين أليم
عقابه، والرواية عنه عليه السلام في فصل الجهاد، وما
يجازي فيه رب العباد، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن
تحصر ، فالله الله في إجابة داعينا، وتلبية منادينا،
قبل أن تصدع صفاتنا كصدع الزجاج، فهناك لا ينفع
العلاج.
ولا بد للحق من دولة، وللباطل من جولة،
والحرب سجال، والدهر دول، و (لكل أمة أجل) (يونس: 49)؛
ولولا فرط الذنوب، لما كان لريحهم علينا [من] هبوب،
ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح
في الجسد اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش
لنا سهم، ولا سقط لنا نجم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا
غرب، ولا روع لنا سرب، ولا كدر لنا شرب، ولكنا عليهم
ظاهرين، إلى يوم الدين، فالحذر الحذر! فإنه رأس النظر،
من بركان تطاير منه شرر ملهب ، وطوفان تساقط منه قطر
مرهب ، قلما يؤمن من هذا إحراق، ومن ذلك إغراق،
فتنبهوا قبل أن تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافهم قبل أن
يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغورهم، قبل أن
يجاهدوكم في دوركم، ففينا متعظ لمن اتعظ، وعبرة لمن
اعتبر، فانظروا إلى ثغورنا كيف تهتضم، وإلى أطرافنا
كيف تخترم، وفيئنا كيف يقتسم، وأموالنا كيف تصطلم،
ودماؤنا مطلولة، وحدودنا مفلولة، وأنتم عنا لاهون، في
غمرة ساهون وكأنا لسنا منكم، ولا نحن سداد دونكم
مضروبة، وجنن نحوكم منصوبة.
وأنه إن استلبت الأطراف، لم تتعذر
الأصناف ، والبعض للبعض سبب، والرأس من الذنب، غير أنا
دنونا وبعدتم، وشقينا وسعدتم، ورأينا وسمعتم، وليس
الخبر كالعيان، ولا الظن كالعرفان، ولقد آن أن يبصر
الأعمى وينشط الكسلان، ويستيقظ النومان، ويشجع الجبان
.
|