|
تجفيف منابع أهل السنة فقط
لقد كان أحداث 11 أيلول / سبتمبر نقطة
تحول في علاقة العالم الإسلامي بالعالم الغربي ،
فالصراع الذي كان خفياً فيما سبق ، ظهر للسطح هذه
المرة ، وأصبحت مسألة تجفيف المنابع للعمل الخيري
الإسلامي هو الهدف الأول في حرب أمريكا على ما تسميه
بـ ( الإرهاب ) ، وانجرت الحكومات العربية والإسلامية
خلف أمريكا ، وربما غالت في محاربة العمل الخيري أكثر
من أمريكا نفسها ؛ لكي تنال رضاها ، وتقترب بحضوتها من
البيت الأبيض ، ولكن مهما فعلت هذه الدولة فإنها لا
تنال هذه الحضوة ، ولا تقبل قرابينها المقدمة للبيت
الأبيض مهما كبرت وسمنت ، كما قال تعالى في ذلك : (
وَلَن تَرْضَى عَنكَ
الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ )[ البقرة : 120 ] ، ولكن
السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل أن إغلاق الجمعيات
والمؤسسات الخيرية شمل جميع المسلمين ، أم أنه خص أهل
السنة فقط ؟ .
إن الناظر لنشاط الجماعات الأخرى ،
خاصة الصوفية والشيعة ، يلاحظ أن عملهم قد ازداد في
السنوات الأخيرة أضعافاً مضاعفة ، ولم تشملهم عملية
تجفيف المنابع ، وإغلاق المؤسسات الخيرية ، بل أن
مؤسساتهم توسعت ونشطت ، خاصة بعد التقهقر الذي أصاب
جمعيات أهل السنة والجماعة في مختلف البلدان الإسلامية
، ولا يستبعد أن هذا الأمر كان بضوء أخضر من أمريكا ،
التي رأت في انتشار العقيدة السلفية الموافقة للكتاب
والسنة خطراً داهماً عليها ، حتى لو كانت معتدلة
بالتعبير المتعارف عليه عند هؤلاء الساسة .
ولنستعرض الآن أنشطة هذه الجماعات خاصة
الصوفية والشيعة :
الصوفية :
من التيارات العقدية التي ظهرت عبر حقب
مختلفة من تاريخ المسلمين ، والملاحظ على هذه الحركة
أنها تنشط بصورة مطردة عند ضعف السلطة ، ووهن الشعوب
المسلمة ، ولا تحرك ساكناً في عمليات الدفع والمجاهدة
عند احتلال أرض المسلمين ، وإنما تجدها مستكينة وخائرة
وإنهزامية في مراحل الاحتلال والمدافعة ، إلا من رحم
الله عز وجل ، وربما ساعدت في اضمحلال الدول وكانت
سبباً في سقوطها ، كما هو الحال في الخلافة العثمانية
، التي اتخذت الصوفية ديناً لها ، وحاربت التيارات
التجديدية التي ظهرت في العالم الإسلامي في ذلك الوقت
، خاصة دعوة الشيخ محمد عبد الواهب ( رحمه الله ) لنبذ
الخرافات والبدع التي لحقت بالدين ، والعودة إلى
العقيدة الصافية ، ومن خلال الوهن الذي دب إلى جسد
الأمة الحامل لعقيدة الصوفية الاستسلامي القائم على
مداهنة أعداء الإسلام ، وربما التحالف معهم ضد أهل
السنة في بعض الأحيان ، كما هو حال بعض صوفية العراق
في هذا الوقت .
الأمر الآخر الذي نود أن نشير إليه أن
الولاء العقائدي هو الذي يحكم المؤسسات الخيرية
المنبثقة عن الصوفية ، بعبارة أخرى أن المؤسسات
الصوفية الخيرية إن وجدت ، فإن إنفاقها عادة ما يكون
وفق برنامج يتماشى مع أهدافها التي تسعى من أجلها ،
فتراهم يوجهون التبرعات التي تصلهم لخدمة هذا الغرض
إلى خاصتهم وعامتهم ( بالتعبير الصوفي ) ، ولا يعطون
إلا من ثبت أنه منهم ، وإن كان غنياً ، ويمنعون عن
فقراء أهل السنة وإن كان فقيراً متعففاً .
والأمر الجدير بالملاحظة هنا : أن معظم
حكومات الدول العربية والإسلامية ، قد قدمت الدعم
للصوفية بصورة علنية ، وفتحت له المجال في وسائل
الأعلام والقنوات الفضائية ، ووفرت لهم السبل والأموال
لنشر عقائدهم بين الناس ، واعتبرت بعض الحكومات
الصوفية دينها الرسمي بدلا عن الإسلام ، وقدمت زعمائهم
في المناسبات الدينية ، وأبرزت احتفالاتهم على القنوات
، لكي توهم الناس أن هذا هو دين الله ، وفسحت المجال
أمام الربط والزوايا لكي تؤسس لها فروع على أراضيها ،
كما قامت برفع قبور الصوفية ، وبناء الأضرحة عليها ،
كل هذا من أجل تسريب هذه العقيدة إلى الناس .
أما فيما يخص السياسة الأمريكية في
العالم الإسلامي ، فهي سياسة صوفية – إن صح التعبير –
تدعو إلى ما يسمى ( الإسلام المعتدل ) الذي يقدس
القبور ، ويعتبر الرقص طريقة للتقرب إلى الله تعالى ،
ويركن الجهاد ويعتبره شيء من تراث الأمة الغابر ، فلا
نعجب أن سمعنا أن السفير الأمريكي في القاهرة يحضر
احتفالاً بمناسبة مولد السيد البدوي ، أقيم بتلك
المناسبة ، وقد تخللها الرقص وهز الرؤوس ، بمباركة من
البيت الأبيض ، ولم نسمع في يوم من الأيام أن الإدارة
الأمريكية أغلقت جمعية صوفية ، أو وضعت اسم صوفي على
قائمة الإرهاب ، أو جمدت رصيده ، على كثرة أموالهم في
البنوك .
الشيعة :
للشيعة إمكانيات مادية تفوق إمكانية أي
جماعة إسلامية ، وربما غير إسلامية أيضاً ، ذلك أن هذه
الفرقة قائمة مادياً على ما يعرف عندهم بالخمس ، ويعني
في عرف القوم أن يدفع كل شيعي خمس ما يكسبه كل عام إلى
مجتهد في الحوزة العلمية ( 20% من دخله خلال كل عام )
، وبغض النظر عن مدى دخله ، سواء كان غنياً أو فقيراً
، وقد جعل ذلك هذه الفرقة ذات إمكانيات مادية عظيمة ،
خاصة عند علمائهم الذين يشكلون شبكة عنكبوتية لأنفاق
وتوزيع هذه الأموال على متبوعيهم كل حسب ترتيبه وقربه
من المجتهد .
وقد شكلت أموال الخمس التي يدفعها عوام
الشيعة لرؤسائهم أهم موارد الإنفاق على هذه الفرقة ،
إذ يكون المجتهد – نيابة عن الإمام الغائب – هو الوكيل
في التصرف بها ، وله الحرية الكاملة في إنفاقها في أي
وجه يراها ، وغالباً ما تنفق هذه الأموال في الصد عن
سبيل الله والدعوة للتشيع في مشارق الأرض ومغربها ، بل
نلاحظ أن الجمعيات الخيرية الشيعية لا تحتاج إلى
تبرعات من قبل أبناء الشيعة ، وإنما هي تعاني من تخمة
مادية نظراً لكثرة الأموال المحولة إليها عن طريق
الخمس .
والغريب في الأمر أن الدول الكبرى لا
تعترض على انتقال الأموال من بلد إلى بلد آخر إذا كانت
هذه الأموال شيعية إلى المصدر ، وليس أدل على ذلك من
أن ( حزب الله ) اللبناني الذي يملك من الإمكانيات
المادية ما لا تملكه الدولة اللبنانية نفسها ، وتتسابق
الدول الأوربية في هذه الأيام لتشديد الحصار على هذا
الحزب بحجة منع وصل والسلاح إليه ، في حين إننا لم
نسمع مسؤولاً غربياً يطالب بتجفيف المنابع لهذا الحزب
؛ فلماذا لا يطالبون بذلك ؟
الأمر الآخر الذي نحب أن ننبه إليه هنا
أن إيران ، بكل ما تملكه من ثقل مادي ، تدعم منذ تأسيس
ما عرف ( بجمهورية إيران الإسلامية ) كل المنظمات
الشيعية حول العالم ، وبحرية تامة ، فأسست المنظمات
داخل أراضيها ، مثل منظمة بدر التي دخلت العراق بكل
عناصرها بعد الاحتلال الأمريكي لهذا البلد ، وحزب الله
الذي حصل – حسب ما تقول تقارير صحفية – على 350 مليون
دولار من إيران في الحرب اللبنانية الأخيرة ، في حين
لم نسمع من أمريكا ، أو من يرد كلماتها بلسان عربي يحث
إيران على أن تغير مناهجها الدراسية ، أو تغلق
مؤسساتها الخيرية ، أو تجمد أرصدة علمائها ومسئوليها .
والأمر الأخطر من هذا بتقديرنا أن
إيران تدعم دعماً غير محدود الموجة الفكرية الشيعية
التي تجتاح العالم الإسلامي من خلال إنشاء المحطات
الفضائية الموجه بمختلف اللغات ، وكذلك دعم الشيعة في
البلدان العربية الأخرى ، مثل دعم شيعة سوريا وشيعة
مصر واليمن وغيرها ، كما أنشئت المواقع الإلكترونية
الداعية للتشيع بمختلف اللغات ، وقد أحصيت في مرة من
المرات عدد المواقع الشيعية فبلغت أكثر من ( 400 )
موقعاً متخصصاً بالشيعة ، في حين أن عدد المواقع التي
ترد عليهم بصورة علمية من قبل أهل السنة قد لا يتجاوز
عدد أصابع اليد الواحدة ، وكلها بإمكانيات فردية ، قد
لا ترتقي من الناحية الفنية والتقنية لإمكانيات الشيعة
.
وأذكر أنني في يوم من الأيام ركبت
سيارة أجرة في بغداد عندما كنت طالباً في مرحلة
الدكتوراه، فسألني سائق السيارة : ممكن أعرف يا شيخ من
أين رواتبكم ؟ فقلت له : من وزارة الأوقاف ، فقال : كم
يعني ؟ فقلت له : خمسة الآلف دينار عراقي ، والمبلغ في
ذلك الوقت ما كان يكفي شخص عازب لأسبوع ، فتعجب من ذلك
، ثم قال : وطبعاً هذا المبلغ لا يكفي ، فقالت له :
ولذلك نضطر إلى العمل ، فقال : وأنت ماذا تعمل ؟ فقلت
له : خياطاً ، فتعجب أكثر من المرة الأولى ثم قال :
أنا رجل نصراني ، ونحن النصارى عندنا القس لا يعمل ،
وإنما نوفر له كل شيء يحتاجه ، ابتداء من أصغر حاجة ،
وانتهاء بأكبر حاجة ، لأننا نريده أن يتفرغ للعلم
والوعظ والمراسيم والمناسبات الدينية .
وهذا الذي يحصل تماماً عند الصوفية
والشيعة على حد سواء ، فعلمائهم قد وفر لهم كل شيء، من
قبل أتباعهم الأغنياء والفقراء على حد سواء ، أما أهل
السنة فتجد العالم لا يجد له ما يسد رمقه ورمق عياله ،
وعندما تطرح هذه المشكلة أمام الأغنياء ، يقولون له :
عليك بالزهد يا شيخ !! ، سبحان الله ، أصبح حالنا
كالذين قال الله تعالى فيهم : (
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ
بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ
يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [التوبة : 34] .
فالصوفية والشيعة يأخذون أموال الناس
بغير حق ، ثم ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله ، أما نحن
فإن الشطر الثاني من الآية يخصنا : (
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي
سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
) ، فهل من معتبر ؟ .
|