|
الروس والأمريكان ... لا فرق بين الفرق
لقد تعرض العالم الإسلامي عبر تاريخه الطويل لموجات من
الغزو لمختلف الأسباب ، وكانت الناحية العقائدية هي
السبب الرئيس في أكثر هذه الغزوات ، فالحملات الصليبية
التي انطلقت من أوروبا باتجاه العالم الإسلامي ، كان
المحرض عليها هم بابوات الكنيسة ، الذين كانوا يرسلون
المبعوثين إلى ملوكها ، محرضيهم على غزو ديار المسلمين
، ولم يكن أحد يشك بأن الهدف الأساس من وراء هذا الغزو
كان عقائديا .
وقد تميزت معظم الغزوات القادمة من أوروبا إلى ديار
المسلمين ، خاصة في العصور الحديثة ، وابتداء من
جاكرتا حتى طنجة بأن الهدف الأساس منها كان دينياً ،
إذ كان المنصرون يرافقون هذه الحملات جنباً إلى جنب مع
الجنود ، وبدأت المراكز التنصيرية تنتشر في العالم
الإسلامي من خلال الدعم الكبير المقدم من قبل الدول
الأوروبية لهذه المنظمات ، وقد استمر الدعم بتزايد
مطرد حتى عصرنا الحاضر ، بل أصبحت المنظمات التنصيرية
تعمل بشكل علني وتحت مسميات عديدة ، وبحماية ومباركة
بعض الحكومات الإسلامية .
ونحن لا نريد أن نتكلم عن الغزو غير المباشر الذي
يتعرض له العالم الإسلامي من خلال هذه المنظمات ،
وإنما نريد أن نتكلم عن الغزو العسكري الذي يتعرض له
العالم الإسلامي بشكل سافر يذكرنا بالقرون الماضية حين
حاربت الدول الأوربية الدولة العثمانية من أجل إسقاط
الخلافة الإسلامية ، والسيطرة على مقدرات ديار
المسلمين وتقسيمها ، ومن ثم عمل كيانات متنافرة
متناحرة فيما بينها .
أما خلال القرن الخامس عشر الهجري / الحادي والعشرين
الميلادي ، فقد ظهرت موجة من الغزو العسكري باتجاه
العالم الإسلامي ، لا تقل خطورة عن الموجة التي
شهدتها ديار المسلمين قبل قرون من الزمان ، بل هي
بتقديرنا أشد شراسة وعدوانية من تلك الغزوات ، من خلال
قيام الاتحاد السوفيتي ( السابق ) بشن حملة عسكرية ضد
ديار المسلمين في أفغانستان ، فانبرى علماء الإسلام –
وفقهم الله – لحث الناس على الجهاد في سبيل الله ،
وظهرت الفتاوى التي تؤكد على أن الجهاد فرض عين على كل
مسلم في مشارق الأرض مغاربها ، لا يجب أن تمسكه حدود ،
أو تمنعه حكومات ، وإنا الأرض واحدة والدين واحد
والقبلة واحدة ، فحقق الله تعالى النصر لهذه الأمة على
أعدائها ، ووفق الله تعالى المجاهدين بإخلاصهم وصبرهم
، وانتصرت الأمة وأخزى الله تعالى الكافرين .
ثم تعرضت ديار المسلمين مرة أخرى وفي المكان نفسه ،
لغزو جديد ، لا يقل شراسة وخطورة عن الغزو الأول ،
وبعد أقل من عشرين عاماً ، كما تعرضت أرض العراق أيضاً
للاحتلال نفسه ، وجمعت أمريكا الجيوش من كل دول أوروبا
هذه المرة ، وليس من دولة واحدة ، فغزت ديار المسلمين
، وأهلكت الحرث والنسل ، وقتل أضاف ما قتله الروس من
المسلمين ، وحدثت المجازر في كابول وقندهار وبغداد
والفلوجة وتلعفر وحديثة وغيرها من المدن ، وقتل ما
يزيد على المليون مسلم على يد الأمريكان وحلفائهم ،
وقام كبير أمريكا فبشر قومه بحملة صليبية جديدة ، بعد
أن أصيبوا بمقتل في عقر دارهم .
ولكن الحال هنا يبدو طبيعياً ، لأن الله تعالى أخبرنا
بحال هؤلاء معنا ، وعلاقتهم بنا : ﴿
وَلاَ يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ
إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ [ البقرة : 217 ] ولكن
الأمر المستغرب هنا أن العلماء أنفسهم الذين كانوا
يحثون الناس على الجهاد في أفغانستان ضد الروس ، لم
نعد نسمع لم صوتاً عندما استباح الأمريكان ديار
المسلمين في أكثر من بلد ومكان ، وإنما الأدهى من ذلك
أن بعضهم جلس ينظّر ويثبط الناس عن الجهاد ، وأنه ليس
فرض عين ، وإنما لا يجب إلا على البلد الذي دخله
الكفار ، ولا بأس بهذه الفتوى على أي حال ، فهي اضعف
الإيمان .
ولكن من غرائب الفتوى التي لم أقف عليها في كتاب الفقه
من المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء ، أن بعض أهل
العلم قد خرج علينا في وسائل الأعلام المختلفة فبدأ
يبشر بفتاوى جديدة ، ذم فيها المجاهدين الذين يجاهدون
الكفار على أرضهم ، ويقاتلونهم دفاعاً عن أعراضهم
وأوطانهم ، وقال يجب على هؤلاء أن لا يقاتلوا ؛ لأن
الوقت هو وقت دعوة وليس وقت جهاد ، ولا أعرف ماذا
يعنون بوقت الدعوة ، هل هم يعنون دعوة الأمريكان لهذا
الدين ، إذ لم يعد الوقت كافياً كي نذهب لدعوتهم في
ديارهم ، فجاءوا إلى ديارنا وقتلوا شيوخنا وشبابنا
ونساءنا وأطفالنا ، واستحلوا أعراضنا ، نحن لا نقاتلكم
، فالوقت وقت دعوة !!.
وقد تلقفت وسائل الأعلام هذه الفتاوى ، خاصة وأن
معظمها يسيطر عليها الحكام الذين يتبركون برضا البيت
الأسود عليهم ، وأصبح هؤلاء العلماء نجوماً في
الفضائيات ، ينافسون المطربين والمطربات ، والمنافقين
والمنافقات ، في كثرة ظهورهم ، وتملق المذيعين إليهم ،
ألا خابوا وخسروا .
أنا أريد أن أسئل هؤلاء سؤالاً واحداً : هل هناك فرق
بين غزو الروس والأمريكان ؟!.
أنا متأكد أنهم لا يملكون جواباً ، ولا يريدون أن
يقروا بذلك ، بل هم من المثبطين الذين قال الله تعالى
فيهم : ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ
الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ
اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ
اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة : 46]
، ورحم الله تعالى الإمام أحمد الذي قيل له لماذا لم
تفعل مثل أصحابك – يعنون تقية – عندما تعرض لفتنة
السلطان فقال : ( إن سكت أهل الحق عن قول الحق ، فمن
يقول الحق ؟ ) .
لقد ابتلينا في هذا الزمان بتسيس الفتاوى ، ليس على
مزاج سلاطيننا ، فإن الحال ربما يكون أهون ، وإنما على
مزاج أعدائنا من سكان البيت الأسود ، وأصبحت بعض
الفتاوى تصدر هناك ويوقع عليها العلماء في ديارهم ،
مرضاة للسلطان ، الذي لا يستطع أن يسمع إلا الأمريكان
، وقد هلكت البلاد على يدهم ويد حلفائهم ، فحلال على
أمريكا أن تأتي بجيوشها وجيوش حلفائها لكي يستبيحوا
ديار المسلمين ، وحرام على كل مسلم – أي مسلم – أن
يفكر في الذهاب إلى هذه البلاد المحتلة ، لكي يساعد
أخوانه في مجاهدتهم ، بل حرام عليه أن يتبرع لهم ، أو
حتى يدعو لهم ، فيا سبحان الله ، أين هؤلاء العلمـاء
من قوله تعالى : ﴿
قَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة : 36] .
نحن في هذا الزمان أحوج ما نكون إلى رجالات مثل أحمد
بن حنبل ، وعبد الله بن المبارك ، وابن تيمية ، الذين
حبسوا وعذبوا في سبيل كلمة حق ، وعلى هؤلاء العلماء
الذين يدعون أنهم يتبعونهم أن يراجعوا أنفسهم ، وأن
يقرؤوا سيرتهم :
كل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وإن لم يستطيعوا أن يتكلموا مثلهم ، أو يعملوا بعملهم
، فعليهم أن يعتكفوا في بيوتهم مثل النساء ، ويتركوا
المجاهدين يجاهدون الكفار بما عندهم من سلاح ورجال ،
والله تعالى قد وعدهم بالنصر ، ومن أصدق من الله قيلا
: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج : 39] ،
وقال أيضاً : ﴿ كَم مِّن
فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ
اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة
: 249] ، فالأمريكان هم والروس سواء لا فرق بينهم ،
والله تعالى ناصر المجاهدين عليهم ، ومهلكم : ﴿
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر : 45] ﴿
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ .
20 شوال 1427هـ/ 11 تشرين الثاني 2006م |