من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

حق الطريق في الإسلام .. رؤية معاصرة

 

لا ريب أن القيم التي جاء بها الإسلام قد شملت نواحي الحياة كافة ، بما حمله هذا الدين من سماحة وكرامة للناس ليخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، قال تعالى : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم واتمتت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ ، فالإسلام جاء لينظم الحياة بكل تفاصيها ، بل إن وجود الإنسان على هذه الأرض هو لعمارتها من خلال القيم الشرعية الإلهية التي أرسل الرسل من أجلها ، وأصلتها الشرائع السماوية كافة ، من هذا المنطق يمكن أن نحدد إطار هذه المحاضرة بـ ( نظرة الإسلام إلى تنظيم المرور ) ([1]).

ويحق لنا في البداية أن نطرح تساؤلاً عن علاقة الإسلام بهذا الجهاز الإداري الحديث ، وهل وجدت هذه المؤسسة إلا بسبب وجود المركبات وانتشارها بين البلدان المختلفة ، مما جعل الحاجة إلى تنظيم السير في الطرقات أمر أساسي في المدنية الحديثة .

ونحن لا نريد أن ندعي أننا سندخل في تفاصيل قوانين السير وحركة المرور ، بقدر ما سنحاول جاهدين بيان رأي الإسلام في هذا الأمر الذي فيه صلاح وفلاح المجتمع ، وفيه أيضاً المحافظة على الأموال والأنفس التي هي أساس المجتمع وبزوالها يزول .

1. نعمة الطريق :

إن نعم الله تعالى لا يمكن إحصاؤها بأي حال من الأحوال ، إذ لا يحصيها إلا خالقها : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾ [ إبراهيم : 34 ] ، ولكننا سنحاول في هذه العجالة الإشارة إلى هذه النعمة التي ننساها لكثرة استعمالنا لها ! ، والقرآن الكريم ذكّر الناس بنعمة الطريق التي أنعمها الله تعالى عليهم حين جعل لهم في الأرض علامات تيسر السير فيه ، قال تعالى : ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [ النحل : 16 ] ، والعلامة في هذه الآية الكريمة هي وصف لمعالم الطريق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ( العلامات ) هنا : (( العلامات : معالم الطرق بالنهار )) ([2])  ، وقد دلت اللفظة القرآنية في آيات أخر على نعم الله تعالى علينا بتمهيد السبل ، قال تعالى : ﴿ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ النحل : 15 ] والسبيل حيثما ذكر في القرآن الكريم فهو يدل على الهداية والنعمة معاً ، إذ لولا المسالك التي جعلها الله تعالى بين الجبال على شكل وديان وشعب لما تيسر لنا حتى مع توفر الإمكانات العلمية الحديثة أن نشق مثل هذه الطرق ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [ الأنبياء : 31 ] قال ابن كثير : (( أي ثغراً في الجبال يسلكون فيها طرقاً من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم كما هو المشاهد في الأرض يكون حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد فيجعل الله فيه فجوة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا ولهذا قال لعلهم يهتدون )) ([3]) .

 

2. قوانين السير :

لقد وضعت قوانين السير في الأساس من أجل تنظيم حركة سير المركبات عبر الطرق المختلفة ، الداخلية منها والخارجية ، وهذه القوانين تكاد تكون متشابهة من حيث المضمون في معظم بلدان العالم ، بل يكفي القول أن ( إشارات المرور ) تعد لغة موحدة يستطيع أن يفهمها كل إنسان على هذه الأرض ، والإسلام كدين نظام وتنظيم حث الناس على طاعة هذه القوانين حتى لو لم تكن في حديث أو آية ، بل قد اتفق العقلاء فضلاً عن الفقهاء على ضرورتها للمجتمع ، ومن هنا فهذه القوانين تدخل تحت قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ ، فأولي الأمر هنا هم من شرع هذه القوانين لخدمة المجتمع ، لتنظيم حركة المرور في الشوارع والطرقات وفق القوانين المتبعة ، فمن عصى هذه القوانين فهو عصيان لأولي الأمر وبالتالي عصيان لله ورسوله ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني )) ([4]) فهذه القوانين تصب في التزام المسلم بأوامر لأولي الأمر ، وهي بمثابة عبادة لله تعالى ، فيحصّل المسلم الأجر بتوقفه عند الإشارة الحمراء مثلاً رغم عدم وجود رقيب عليه ، ويؤثم عند تجاوزه هذه الإشارة لأنه عصيان لأمر الله ورسوله .

 

3. حق الطريق :

 لقد عظم الإسلام الطريق وجعل لـه حقوقاً ، وهذه الحقوق جاءت على لسان النبي e عندما قال : (( أعطوا الطريق حقه ،قالوا : وما حقه ؟ قال : غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) ([5]) ، ففي هذا الحديث الشريف بيّن النبي e حق الطريق المتمثل بكفّ الأذى عن المسلمين ، وقد يأتي هذا الأذى ، كما نشاهده في بعض الأحيان في طرقنا من الوقوف في الأماكن غير المخصصة مما يؤدي إلى إعاقة حركة المرور ، وبالتالي تعرض الآخرين للأذى ، كذلك من مظاهر الأذى هو استخدام الأضواء القوية عند المساء التي تؤذي البصر ، وقد تؤدي إلى حوادث بسبب انعدام الرؤية ، ومن فوائد هذا الحديث تقديم مبدأ المصلحة العامة على غيرها ، قال الحافظ ابن حجر : (( وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة )) ([6])  .

 

4.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

إن هذه النقطة تدخل تحت باب حق الطريق ، ولكن لها خصوصية خاصة في مجتمعنا الإسلامي ، إذ مع قلة الإمكانيات في دولنا مقارنة بالدول المتقدمة ، يجب أن لا يكون النصح في الطريق لشرطة المرور فقط ، وإن كان هذا هو واجبهم ، ولكن يجب أن يتعدى ذلك لكل من يستخدم الطريق ، وسواء كان راكباً أم ماشياً ، ويتم ذلك عن طريق أداء النصح وتنبيه المسيء أخذاً بكلام النبي e : (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ([7]) ، فإذا استطاع المجتمع أن يسير وفق هذا المبدأ العظيم ، تصبح المخالفات المرورية قليلة أو معدومة لأن المجتمع يتناصح فيما بينه ويرشد بعضه بعضاً إلى الخير ، وبذلك يتحقق الهدف الأسمى لقوله تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ .

 

5. إماطة الأذى عن الطريق :

لقد عني الإسلام بهذا العمل عناية فائقة حتى جعلها نبينا الكريم e من شعب الإيمان ، ومن الوسائل التي تعين المسلم على دخوله إلى الجنة ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) ([8]) ، فبعض الناس في عصرنا هذا لا يعتنون بنظافة الطريق ، وقد يرمون العلب الزجاجية أو غيرها من نوافذ سياراتهم دون أن يعبأ بالآخرين ، فمن فعل هذا كان مخالفاً لأمر النبي e ، ومن أزاح الأذى عن الطريق ، فقد نال الأجر العظيم ، ودخل شعبة من شعب الإيمان ، وهذا باب واسع من أبواب الخير ، قال النووي  : (( قوله صلى الله عليه وسلم : ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) أي تنحيته وإبعاده . والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره )) ([9]) .

 

6. توسيع الطرقات :

 إن الإسلام قد صان الطريق من فساد المفسدين كما قال تعالى : ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط تصدون عن سبيل الله ﴾ ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية : (( أي تجلسون في الطرقات لتؤذون الناس في مسيرهم وتنقلهم )) ([10]) ، ولذا فقد أرشد النبي e المسلمين إلى توسيع الطرقات والعناية بها ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( إذا تشاجرتم في الطرقات فاجعلوها بسبعة أذرع )) ([11]) ، قال الطبري : ((معناه أن يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضر غيره , والحكمة في جعلها سبعة أذرع لتسلكها الأحمال والأثقال دخولا وخروجا ويسع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب , ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق , فإن كان الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد , وإن كان أقل منع لئلا يضيق الطريق على غيره )) ([12]) .

وهذا الحديث من علامات النبوة التي حدد فيها النبي e عرض الطريق التي يجب أن تمهد لمرور الناس ، وحددها الحديث بسبعة أذرع ، علماً أن الذراع الشرعي يساوي ( 55 ) سنتمتراً ، أي تقريباً من أربعة أمتار ، وهذا العرض قريب جداً من هندسة الطرق في العصر الحديث . 

7. حسن الخلق :

لقد أكد الإسلام على حسن الخلق كثيراً في تعاملات المسلمين فيما بينهم ، ويدخل ضمن ذلك بطبيعة الحال ، حسن خلق المسلم أثناء قيادته للمركبة ، فيجب عليه مراعاة الأخلاق العامة وعدم النظر إلى محارم الناس في الطرقات خاصة من بعض الشباب أخذاً بقاعدة غض البصر المذكورة في قوله تعالى : ﴿ وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ وغض البصر هو من ضمن حقوق الطريق المتقدم في الحديث السابق ، كما يجب حفظ اللسان وعدم الطعن بالآخرين وإن أساءوا مثل ما يفعل بعض المسلمين من سباب أو لعن لأن المسلم كما أخبر النبي e : (( ليس بلعان ولا طعان ولا فاحش ولا بذي )) ، فالطريق يكون مرآة لخلق الإنسان وصبره عند حصول شيء قد يعرقل السير أو يؤثر على انسيابيته .

 

8. التزام المشاة بالقوانين :

لم يقتصر الإسلام في توجيهه لمستخدمي الطريق فقط ، بل تعداه إلى السابلة ومن يسير فيه ماشياً على قدميه ؛ فقد يقوم بعض الأشخاص بالجلوس على قارعة الطريق لغرض البيع أو الشراء ، وقد يقتطع جزءاً منه لعرض بضاعته ، ورغم أن الإسلام لا يمنع هذا الرجل من ممارسه عمله وكسب رزقه ، ولكن في الوقت نفسه لا بد من إعطاء الآخرين حقهم أيضاً فهذا معاذ بن أنس الجهني يقول : (( نزلنا على حصن سنان بأرض الروم مع عبد الله بن عبد الملك فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فقال معاذ : أيها الناس إنا غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس الطريق فبعث النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له )) ([13]) ، فلا يجوز لبائع أو صاحب حاجة أن يضيق على الناس في الطرق لأن الطريق حق مشاع للجميع ، فلا يجوز الاستئثار به أو التضييق على الآخرين ، وكم يوضح هذا الحديث بعداً حضارياً في استخدام الطرقات والنهي عن الفوضى في استغلالها .  

خاتمة :

ولا يمكن في مثل هذه العجالة الإحاطة بكل التفاصيل التي جاء بها الإسلام لتنظيم حركة السير والمرور ، بل يكفي أن نؤكد أن الإسلام هو المحرك الأساس لحياة مجتمعاتنا ، فإذا استطعنا أن نأصل ثقافة دينية مرورية قائمة على مخافة الله تعالى وطاعة رسوله e وأولي الأمر منا ، واحترام القانون الذي يحمي حياة الناس وممتلكاتهم ، ونجعل المسلم هو الرقيب عل نفسه وتصرفاته بحيث يصل إلى درجة الإحسان كما عرفه لنا النبي e : (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ([14]) ، كذلك أن يحصل نوع من التواصل بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع عن طريق مثل هذه المحاضرات والندوات ، وأن يتناول خطباء المساجد في خطب الجمعة والدروس المسجدية ضرورة احترام قواعد السير وآداب الطريق ، وأن هذا الأمر هو ضرورة دينية يحتمها الواجب الشرعي للمسلم ، كذلك التنبيه على المخالفات الحاصلة في هذا الميدان مثل قيادة السيارات بسرعة كبيرة داخل المدن ووسط التجمعات السكنية ، وكذلك قيادة بعض هذه المركبات من قبل المراهقين الذين يتخذون هذه الوسيلة العصرية أداة للترفيه واللعب مما يضر بموارد الأسرة والمجتمع على حد سواء .

 

 


 

([1]) محاضرة ألقيت بماسبة أسبوع المرور العربي في مدينة الغيضة 10/5/2004م  

([2]) تفسير القرطبي :

([3]) تفسير ابن كثير .

([4]) صحيح البخاري ، كتاب الأحكام : رقم 6604 .

([5]) صحيح البخاري ، كتاب المظالم والغصب : رقم 2333.

([6]) فتح الباري :  .

([7]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان : رقم 49 .

([8]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان : رقم 35 .

([9]) شرح النووي على صحيح مسلم :  .

([10]) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن :  .

([11]) صحيح البخاري ، كتاب المظالم والغصب : رقم 2341 .

([12]) فتح الباري :  .

([13]) مسند أحمد : رقم 15221.

([14]) صحيح البخاري ، كتاب الإيمان : رقم 50 .

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة: