|
الدلائل
العقلية
وأما الدلائل العقلية للشيعة فهي كثيرة
جداً ، ولنذكر قاعدة يمكن الحل بها دلائلهم فنقول : إن
الدليل العقلي على هذا المدعى لا يخلو عن ثلاثة أقسام
: لأنه إما جميع مقدماته عقلية ، أو جميعها نقلية ، أو
بعضها عقلية وبعضها نقلية ، وهذا الاصطلاح غير
الاصطلاح المشهور في الكلام ، فإن الدليل العقلي يطلق
فيه على ما كان مركباً من العقليات الصرفة ، والدليل
النقلي يطلق على ما كانت إحدى مقدماته موقوفة على
النقل .
وهذه الأقسام الثلاثة من الدليل العقلي
لا بد أن تكون مأخوذة من شرائط الإمامة أو من توابعها
أو من طريق تعينها ؛ وأصل هذه الدلائل كلها مباحث
الإمامة ، ومباحثها فرع لمباحث النبوة ؛ لأن الإمامة
نيابة للنبوة ، ومباحث النبوة فرع للإلهيات ؛ لأن
النبوة والرسالة من الله تعالى ، فإذا فسدت أصول
الشيعة ومقرراتهم في المباحث الثلاثة بمخالفة الكتاب
والعترة والعقل السليم صارت دلائلهم كأنها أخذت تحت
المنع في ثلاث مراتب .
ولنبين هذا الإجمال بمثال واضح : مثلاً
مقدماتهم المأخوذة في الدلائل الكثيرة عندهم : (
الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه ) ، أصله : ( أن نصب
الإمام واجب على الله تعالى ) ، وأصل هذا الأصل : ( إن
بعث النبي واجب على الله ) ، ولما أبطلنا مذهبهم في
هذه المباحث بشهادة العدول – الكتاب والعترة والعقل
السليم – لم يبق شبهة ولا شك في بطلانه([1])
.
ولنذكر بعضاً من
دلائلهم العقلية ، وإن كان يستغنى عن ذكرها بما ذكرنا
، فنقول :
الأول
: من دلائلهم أنهم قالوا : (( إن الإمام يجب أن يكون
معصوماً ، وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوماً ،
فكان هو إماماً لا غيره )) ([2])
، وهو المدعى .
ولا يخفى أن تقرير الاستدلال ناقص لا
يفيد المدعى ؛ لأن الدعوى مركبة من ثبوت الإمامة
للأمير وسلبها عن غيره ، والدليل المذكور لا يلزم منه
إلا سلب مفهوم كل أحد غير الأمير من الصحابة عن ذات
متصفة بالإمامة فقط ، وهو غير مطلوب ، فالاستدلال
الصحيح بعكس ترتيب هذا القياس المذكور ، وضم قياس آخر
إليه من الشكل الأول فيفيد مجموعهما المدعى ، وهو هكذا
: (( لم يكن أحد غير الأمير من الصحابة معصوماً ، وكل
إمام يجب أن يكون معصوماً )) على الضرب الثاني من
الشكل الثاني ، ونتيجة هذا القياس سالبة كلية ، وهي :
(( لم يكن أحد غير الأمير منهم إماماً )) فيحصل منه
سلب الإمامة من غير الأمير من الصحابة . والقياس الآخر
: (( إن الأمير كان معصوماً ، وكل معصوم يكون إماماً ،
فالأمير يكون إماماً )) ، فيلزم منه ثبوت إمامته ،
فمجموع هذين القياسين تثبت به الدعوى وهو المطلوب([3])
.
ويجاب عن الأول بمنع الكبرى أعني : ((
كل إمام يجب أن يكون معصوماً )) ، وبمنع استثناء
الأمير منهم في الصغرى ، وإسنادهما أقوال الأمير
الآتية ، وبهذا المعنى يرد المعنى يرد المنع على
الصغرى التي جعلها المستدل كبرى قياسه ، وإلا فهي
مسلمة بالضرورة فلا يصح منعها .
ويجاب عن الثاني بمنع الصغرى وسنده سند
منع الاستثناء ، وبفوات بعض الشروط من كلية كبراه ؛
لأن المعصوم عام ، فإن الأنبياء والملائكة وفاطمة
معصومون ، وليسوا بأئمة بالمعنى المتنازع فيه ، فحمل (
الإمام ) على جميع أفراده لا يمكن ، وعلى بعض أفراده
يجعل القضية جزئية ، وهي لا تصلح لكبروية الشكل الأول
لاشتراط كليتها ، فافهم .
وقال المؤلف([4])
: وفي هذا الدليل تكون الصغرى والكبرى ممنوعتين ، أما
الصغرى فلأن الأمير نص بقوله : (( إنما الشورى
للمهاجرين والأنصار )) .. الخ([5])
على أن الشورى لهم فقط ، وبديهي أن الجماعة الذين
جعلهم المهاجرون والأنصار لم يكونوا معصومين ، فعلم
قطعاً أن العصمة ليست بشرط أصلاً . وأيضاً لما سمع
الأمير ما قال الخوارج : (( لا إمرة .. قال : لا بد
للناس من أمير بر أو فاجر )) ، كذا في ( نهج
البلاغة ) ([6])
.
سلمنا ، ولكن العلم بأنه معصوم لا يمكن
حصوله لغير النبي ؛ لأن أسباب العلم كلها ثلاثة أشياء
: الحواس السليمة والعقل ، وخبر الصادق ، ولا سبيل
لأحد منها إلى تحصيله ، أما الأول فظاهر إذ العصمة هي
الملكة النفسية المانعة من صدور الذنوب والقبائح
المحسوسة ، وأما الثاني فلأن العقل أيضاً لا يدرك تلك
الملكة إلا بطريق الاستدلال بالأفعال والآثار ، ولكن
طريق الاستدلال بهما ههنا مسدود ؛ لأن الاطلاع على
جميع أفعال أحد بخصوصه وآثاره خصوصاً نيات القلب
ومكنونات الضمائر - من العقائد الفاسدة والحسد والبغض
والعجب والرياء وغيرها من ذمائم الأخلاق – لا يمكن
أولاً حصوله ، ولو سلمنا أنه حاصل ولكن يجوز حصول ما
هو حاضر من جميع الأفعال والآثار الحسنة الباقية فإنها
يمكن العلم بها ، وما مضى وما سيأتي من تلك الأفعال
والآثار فلا سبيل لأحد إلا الله إلى العلم بها ؛ لأن
أحوال بني آدم كثيراً ما تتغير آناً فآناً بمكر من
الشيطان وإغواء النفس وقرناء السوء فيصبح الرجل مؤمناً
ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً .
أما سمعت قصة برصيصا الراهب([7])
وبلعم بن باعورا([8])
وهي كافية للعبرة في هذا الباب ، والدعاء المأثور : ((
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك )) ([9])
، دواء شاف لداء الشبهة والشك في الأمر .
ولو فرضنا أنها علمت ، ولكن كيف تدرك
حقيقة العصمة التي هي امتناع صدور الذنب ؟ غاية الأمر
فيه إنا نعلم عدم الصدور منه وهي مرتبة المحفوظية ،
ولا يجزئ هذا القدر من العلم في إدراك العصمة ما لم
يوجد العلم بالامتناع .
وأما الثالث فلأن خبر الصادق قسمان :
إما متواتر ، وإما خبر الله ورسوله ، وظاهر أن
المتواتر لا دخل له ههنا ؛ لأن المتواتر يشترط انتهاؤه
إلى المحسوس في إفادة العلم الضروري ([10])،
فلا يكون في غير المحسوسات – مثل ما نحن فيه – مفيداً
وإلا يكون خبر الفلاسفة بقدم العالم مفيداً للعلم
الضروري وهو باطل بالإجماع ، وخبر الله ورسوله لا يكون
موجباً للعلم في هذا الباب على أصول الشيعة أما أولاً
فلأن البداء في الأخبار جائز عندهم([11])
، فيجوز أن يخبر في وقت بعصمة رجل ثم بفسقه في وقت آخر
، وأحد الخبرين وصل إلينا دون الآخر ، ويجوز البداء
في الإرادة أيضاً بإجماع الشيعة([12])،
فيحتمل أن تتعلق الإرادة في وقت بعصمة رجـل وفي وقـت
آخر بفسقه ، فارتفاع الاطمئنان بأن هذا الرجل يبقى على
عصمته إلى آخر العمر .
وأما ثانياً فلأن وصول خبر الله ورسوله
إلى المكلفين إما بواسطة معصوم أو بواسطة تواتر ، ففي
الشق الأول يلزم الدور الصريح ، وفي الشق الثاني يلزم
خلاف الواقع ؛ لأن كل تواتر ليس مفيداً للعلم القطعي
عند الشيعة([13])
: كتواتر المسح على الخف([14])
، وغسل الرجلين في الوضوء([15])
، وإلى المرافق([16])
: ( وأمة هي أربى من أمة ) في كلمات القرآن([17])
، وصيغة التحيات في قعدة الصلاة ([18])
، وأمثال ذلك ، فلا بد من أن يعين تواتر خاص ، وذلك
أيضاً غير مفيد ، إذ حصول العلم القطعي من التواتر
يكون بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ
فقط ، ولما كذَب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع
الاعتماد عن أقسامه كلها .
ولا يمكن أن تجزي هذه الوجوه في عصمة
الأنبياء ؛ لأن ثبوتها بأخبارهم الصادقة ، وقد ثبت
صدقهم في كل ما ادعوا بظهور المعجزات الباهرة ، فلا
يقاس عليهم من عداهم من العباد ولو إماماً ، فإنه
أيضاً تابع والتابع دون المتبوع لا محالة فلا يستقيم
بها النقض على ما قاله السائل لاختلاف المادة ، مع أنه
سند منع بصورة الاستدلال للاهتمام لا غير فافهم .
وأما كون الكبرى ممنوعة ؛ فلأن الأمير
قال لأصحابه : (( لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل
، فإني لست بفوق أن أخطئ ، ولا آمن من ذلك في فعلي ))
، كذا في ( نهج البلاغة ) ([19])
، وظاهر أن هذا القول لا يصدر من المعصوم ، خصوصاً إذا
كانت واقعة في آخر الكلام : (( إلا أن يلقي الله في
نفسي([20])
ما هو أملك به مني )) ([21])
، فإنه دليل صريح على عدم العصمة ؛ لأن المعصوم يملكه
الله نفسه كما ورد في الحديث : (( إنه كان أملكهم
لأربه )) ([22])
، وأيضاً مروي في دعاء الأمير : (( اللهم اغفر لي ما
تقربت به إليك ثم خالفه قلبي )) ، كذا أورده الرضي في
( نهج البلاغة ) ([23])
.
الدليل الثاني
: أن الإمام لا بد أن لا يرتكب الكفر قط ،
لقوله تعالى :
]
لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ
[
[ البقرة : 124 ] ، والكافر ظالم لقوله تعالى :
]
وَالْكَافِرُونَ هُمْ
الظَّالِمُونَ
[
[ البقرة 254 ] ، ولقوله تعالى :
]
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ
[
[لقمان : 13] وغير الأمير من الصحابة كلهم كانوا عبدوا
الأصنام في الجاهلية فيكون هو إماماً دون غيره ([24])
.
ولا يذهب على العارف أن هذا الدليل –
مع كونه ناقصاً مثل ما مر – فاسد بالمرة فلا بد أن
يغير بوجه آخر صحيح ، وذلك أن يقال : لم يكن أحد من
الصحابة غير الأمير مؤمناً من بدء التكليف ، وكل إمام
يجب أن يكون مؤمناً كذلك ، والقياس الآخر : إن الأمير
كان مؤمناً كذلك ، وكل من يكون مؤمناً كذلك فهو إمام .
ويجاب عن الأول بمنع الكبرى ، وسنده
الإجماع على عدم الاشتراط في الإمامة بهذا الشرط ، وعن
الثاني بالنقض لأنه يلزم منه أن يكون كل من هو كذلك من
آحاد الأمة إماماً ، ولا أقل من لزوم إمامة نحو عبد
الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولا يقال اشتراط
العصمة يدفعه لإنا نقول إن ذلك الاشتراط بعد تسليمه لا
يعتبر في هذا الدليل فالتعدد باطل ، بل الثاني يصير
حشواً محضاً أولاً فالانتقاض ضروري لا مرد له .
وقال المؤلف : وأجيب بأن هذا الشرط لم
يذكره في بحث الإمامة أحد من أهل السنة والشيعة ، ولكن
خرط الشيعة هذا الشرط حين عمدوا إلى نفي الخلافة عن
الخلفاء الثلاثة ، ولهذا لم يذكر في آية ولا حديث .
وظاهر أن عدم سبق الكفر لم يعتبروه في
أمر من الأمور الشرعية والدينية ، بل من اسلم بعد كفره
مائة سنة ، ومن كان مسلماً من سبعين بطناً متساويان في
الدين والإسلام ، ولم يعتبر هذا الشرط فإنه لغو وحشو ،
والتمسك بآية :
]
لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ
[
ههنا ليس إلا مغالطة ، إذ مفاد الآية الرئاسة الشرعية
لا تنال الظالم([25])
؛ لأن العدالة في جميع المناصب الشرعية – من الإمامة
الكبرى والقضاء والاحتساب والإمارة وغيرها – شرط
لتحقيق فائدة ذلك المنصب ، ونصب الظالم في أي رئاسة
موجب لفسادها ، فبين الكفر والظلم والإمامة منافاة ،
ولا يجتمع التنافيان في وقت واحد في ذات أصلاً ، وهذا
هو مذهب جميع أهل السنة أن الإمام لا بد أن يكون وقت
الإمامة مسلماً عادلاً([26])
، لا أنه لم يكن قبل الإمامة كافراً وظالماً ، ومن كفر
أو ظلم ثم تاب عنه من بعد ذلك وأصلح فلا يصح أن يطلق
عليه أنه كافر أو ظالم أصلاً في لغة وعرف وشرع ، إذ
تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال
حقيقة وفي غيره مجاز ، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً
بل حيث يكون متعارفاً ينبغي أن يطلق هنالك ، كما تقرر
في محله أن المجاز لا يطرد ، وإلا لجاز ( نخلة ) لطويل
غير الإنسان ، و ( صبي ) لشيخ ، وهي سفسطة([27])
قبيحة ، وكذا النائم للمستيقظ والفقير للغني والجائع
للشبعان والحي للميت وبالعكس .
وقد روى الزاهدي([28])
في حديث طويل أن أبا بكر قال للنبي صلى الله تعالى
عليه وسلم بمحضر من المهاجرين والأنصار : (( وعيشتك يا
رسول الله إني لم أسجد للصنم قط ، فنـزل جبريل وقال :
صدق أبو بكر )) ([29])
، وكذلك ذكر أهل السير والتواريخ في أحوال أبي بكر لم
يسجد لصنم قط ، فصحت إمامته بملاحظة هذا الشرط أيضاً
وصارت إجماعاً والحمد لله .
الدليل الثالث
: أن الإمام لا بد أن يكون منصوصاً عليه ، ولا
يوجد نص في غير الأمير ، فغيره لا يكون إماماً بل هو
الإمام([30])
.
والجواب بعد أن نذكر ما أسلفنا في
تصحيح الدليل الأول من عكس الترتيب وضم قياس آخر معه
أن المقدمتين ممنوعتان : أما منع الصغرى فلما مرّ من
قول الأمير : (( إنما الشورى في الهاجرين والأنصار ،
فإن اختاروا رجلاً وسموه إماماً كان لله رضًا )) ([31])
، وأما منع الكبرى فلأنه لو وجد النص في علي ، فأما في
القرآن أو الحديث فقد مر الأمران جميعاً ؛ ولأنه لو
وجد النص لكان متواتراً إذ لا عبرة للآحاد في الأصول ،
ولا أقل من أن يعرفه أهل بيته ، وهم قد أنكروه([32])
؛ ولأنه لو وجد النص في الإمام لوجد في كل الأئمة ،
وقد اختلف أولاد كل إمام بعد موته في دعوى الإمامة([33])
؛ ولأنه لو وجد النص لما وقع الاختلاف بينهم ، لأنه لو
وجد النص فإما أن يبلغه النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم إلى عدد التواتر أو لا ، وعلى الأول أما يكتموه
عند الحاجة إلى إظهاره أو يظهروه ، ولا سبيل إلى
الثاني بالإجماع ، والأول يرفع الأمان عن التواتر
ويستلزم كذب المتواترات ، وإن لم يبلّغه النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم إلى عدد التواتر لم تلزم الحجة
فيه على المكلفين فتنتفي فائدة النص ، بل يلزم ترك
التبليغ في حق النبي وهو محال.
الدليل الرابع
: أن الأمير كان متظلماً ومشتكياً من الخلفاء
الثلاثة دائماً في حياته ، وبيّن أنه مظلوم ، وما ذاك
إلا لغصب الإمامة منه ، فتكون الإمامة حقه دون غيره ،
إذ الأمير صادق بالإجماع([34])
.
وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور
بتمامه ، فإن كبراه مطوية وهي : (( وكل من كان كذلك
فهو إمام )) ، فيلزم بعد تسليمه أن يكون كل من أوذوا
وظلموا حقيقة أئمة ، وهذا خلف ، واعتبار القيود الأخر
يبطل التعدد ويجعله حشواً .
وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك
الروايات ؛ لأن أهل السنة لم يثبت عندهم إلا روايات
الموافقة والناصحة ، والثناء بالجميل ودعاء الخير فيما
بينهم والمعاونة والإمداد ونحوها ، وأكثر روايات
الإمامية في هذا الباب موافقة لرواياتهم كما تقدم نقله
عن الأمير في ( نهج البلاغة ) في قصة عمر ، ومن
ثنائه عليهم بالخير في حياتهم وبعد موتهم ، وارتضائه
بأعمالهم وشهادته لهم بالنجاة والفوز([35]).
وروايات أهل السنة في هذا الباب اكثر
من أن تحصى ، ولنذكر منها هنا رواية رواها الحافظ أبو
سعيد ابن السمعان([36])
في ( كتاب الموافقة ) ([37])
وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه
لما قبض أبو بكر الصديق وسجى عليه ارتجت المدينة
بالبكاء كيوم قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم،
فجاء علي باكياً مسترجعاً وهو يقول : (( اليوم انقطعت
خلافة النبوة ، فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر
مسجّىً فقال : رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله
وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سرّه ومشاورته ، كنت أول
قومه إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشدهم يقيناً ، وأخوفهم
لله وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل ، وأحوطهم على
رسول الله وأشفقهم عليه وأحدبهم على الإسلام وآمنهم
على أصحابه ، وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقباً وأفضلهم
سوابقاً وأرفعهم درجة وأشبههم برسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم هدياً وسمتاً ورحمة وفضلاً وخلقاً ،
وأشرفهم عنده منـزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده ،
فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين
خيراً .
كنت عنده بمنـزلة السمع والبصر ، صدقت
رسول الله حين كذبه الناس ، فسماك الله في تنـزيله
صديقاً ، فقال عز من قائل :
]
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ
[
[ الزمر : 33 ] ، فالذي جاء بالصدق محمد صلى الله
تعالى عليه وسلم ، والذي صدق به أبو بكر واسيته حين
بخلوا ، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا ، وصحبته
في الشدة أحسن الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار
والمنـزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في
دين الله عز وجل أحسنت الخلافة حين ارتد الناس ، وقمت
بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي ، نهضت حين وهن أصحابك
وبرزت حين استكانوا ، وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في أصحابه إذ كنت
خليفة حقاً ، ولم تنازع ولم تقذع برغم المنافقين وكيد
الكافرين ، وكره الحاسدين وصغن الفاسقين وزيغ الباغين
.
قمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين
تَعْتَعوا([38])
ومضيت نفوذاً إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا ، وكنت أخفضهم
صوتاً وأعلاهم قوة وأقلهم كلاماً وأصوبهم منطقاً
وأطولهم صمتاً وأبلغهم قولاً وأكبرهم رأياً وأشجعهم [
نفساً ] وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملاً كنت والله
للدين يعسوباً حين نفر الناس عنه ، وآخراً حين فشلوا
كنت للمؤمنين أباً رحيماً إذ صاروا عليك عيالاً ،
تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوا ، وحفظت ما
أضاعوا وعلوت إذ هَلَعوا ، صبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار
ما طلبوا ورجوا ، أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما
لم يحتسبوا ، وجليت عنهم فابصروا ، كنت على الكافرين
عذاباً واصباً وللمؤمنين رحمة وأنساً وخصباً فطرت
والله بعبابها وفزت بجنابها وذهبت بفضائلها وأدركت
سوابقها لم تفلل حجتك ، ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك
، ولم يزغ قلبك ، كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله
القواصف كنت كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك ، وكما قال
ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله متواضعاً في نفسك
عظيماً عند الله جليلاً في أعين المؤمنين كبيراً في
أنفسهم ، لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا
لأحد فيك مطمع ، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ
بحقه ، والقوي العزيز عنك ضعيف حتى تأخذ منه الحق ،
والقريب والبعيد عندك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله
واتقاهم له ، شأنك الحق والصدق والرفق ، وقولك حكم
وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم ، فبلغت والله بهم
السبيل ، وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين
وقوى الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون ، وظهر أمر الله
ولو كره الكافرون ، فسبقت والله سبقاً بعيدا ، وأتعبت
من بعدك إتعاباً شديداً ، وفزت بالخير فوزاً مبيناً ،
فجللت عن البكاء وعظمت رزيئتك في السماء ، وهدّت
مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون )) ([39])
.
وهذه خطبة واحدة من الأمير في مدح أبي
بكر ، ولو أحصينا جميع خطب الأمير وكلماته في فضائل
أبي بكر وعمر ومدحهما المروية في كتب أهل السنة بالطرق
الصحيحة لبلغت كتاباً مفرداً كنهج البلاغة بل أطول منه
.
فإن قلت إن روايات الشيعة في باب تظلم
الأمير وشكايته من الصحابة إن كانت كلها موضوعة من
رؤسائهم ، فإن مما يستبعده العقل أن جمعاً كثيراً
اجتمعوا على الافتراء على الأمير فلا بد من منشأ الغلط
، فذلك المنشأ ما هو ؟
قلت : إن رواتهم كما كذبوا على الأئمة
في العقائد الإلهية والأئمة كانوا يكذبونهم كما ورد
ذلك عنهم فيما تقدم([40])
، كذبوا عليهم أيضاً في المطاعن على الصحابة ، وغاية
ما في الباب أن مكذبات تلك الروايات وصلت إلى الشيعة
أيضاً بطرقهم الأخر ، ومكذبات روايات المطاعن على
الصحابة ما وصلت من طرق الشيعة إليهم ، أو وصلت ولم
يفهموا منها التكذيب الصريح لتلك الروايات ، كما نقل
من ( الصحيفة الكاملة ) و ( نهج البلاغة
) .
ولما اجتمعت فرق الشيعة على بغض
الصحابة واعتقاد السوء في حقهم لم يرووا ما يكذّب تلك
الروايات ولم يظهروه ، بل قصدوا تأييد كذب أوائلهم حيث
صار هذا التأييد أهم المطلوب عندهم ، فمن ثمة صار هذا
الكذب إجماعياً لهؤلاء الفرق ، وأما الأكاذيب الأخر
التي في العقائد الإلهية فرواها بعضهم وكذّبها بعضهم .
الدليل الخامس
: أن الأمير ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه
، كقلع باب خيبر([41])،
وحمل الصخرة العظيمة ، ومحاربة الجن ، ورد الشمس بعد
غروبها([42])
، فكان في دعواه صادقاً فكان إماماً .
وهذا الطريق في تقرير الكلام مأخوذ من
استدلال أهل السنة في إثبات نبوته صلى الله تعالى عليه
وسلم ، ولكن بينهما مشابهة في صورة الكلام دون صحة
المقدمات ، فإنها ممنوعة منعاً ظاهراً ، أما أولاً
فلأن ذكر المعجزة في صحة إثبات الإمامة إنما هو خطأ
محض ، فكيف يسلم ؟ إذ المعجزة لإثبات المعجزة دون
الإمامة وغيرها من المناصب الشرعية كالقضاء والإفتاء
والاجتهاد وسلطنة الناحية وإمارة العسكر والوزارة
وأمثالها .
ووجهه أن بعثة النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم لما كانت من قبل الله تعالى بلا واسطة ، لم
يمكن إثبات نبوَّته بدون تصديق الله تعالى بخلق
المعجزة على يده حين التحدي ، بخلاف هذه المناصب فإنها
تثبت بقول النبي أو بتفويضها إلى الأمة .
وأيضاً دلالة المعجزة منحصرة في حق
الأنبياء عليهم السلام ، فلو استدل أحد من غيرهم بها
لم يكن استدلاله معتبراً في الشرع ، ولما كانت الإمامة
متعينة بتعيين النبي أو باختياره أهل الحل والعقد ، لم
يجز أن تكون المعجزة دليلاً عليها .
على أن روايات الإمامية مكذّبة لقول من
يقول بادعاء الأمير للإمامة في خلافة الخلفاء الثلاثة
، وكذلك ما يقولون من وجوب التقية ، ومن أن الرسول
أوصى الأمير بالسكوت كما تقدم ، وظهر خوارق العادات
والكرامات من الأمير مسلم الثبوت ، لكن ليس ذلك
مخصوصاً فيه لصدور مثل ذلك من الخلفاء الثلاثة
والصحابة الآخرين وصلحاء الأمة أيضاً([43])
.
على أن قلعه لباب خيبر وقع في زمن
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإظهار المعجزة قبل
الدعوى غير محتاج إليه ولا تثبت به الدعوى ، ومحاربة
الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة ، بل هي مروية بمحض
رواية الشيعة هكذا : (( إن النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم لما خرج إلى غزوة بني المصطلق أخبره جبريل في
أثناء الطريق بأن الجن اجتمعت في البئر الفلانية وتريد
أن تكيد لعسكركم ، فأرسل النبي الأمير عليهم فقتلهم ))
([44])
، فلو صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم .
وكذا رفع الصخرة العظيمة ليس موجوداً
في كتب أهل السنة ، بل ذكر في كتب الشيعة : (( أن
الأمير لما توجه إلى صفين عطش يوماً أصحابه في أثناء
المرور بفقد الماء ، فأمر الأمير بأن يحفروا موضعاً
قرب صومعة راهب فظهرت في أثناء الحفر صخرة عظيمة عجزوا
عن نقلها ، فأخبروا بها الأمير فنـزل فرفعها من هنالك
ورماها إلى مسافة بعيدة ، وظهرت تحت تلك الصخرة عين
الماء فشرب أهل العسكر ، فلما شاهد راهب تلك الصومعة
هذا الأمر أسلم ، وقال : نحن وجدنا في الكتب القديمة
أن رجلاً كذا وكذا ينـزل قرب هذا الديـر ويرفع هذه
الصخرة ويكون على دين الحق )) ([45])
. وبالجملة إن ثبتت هذه الكرامة تكون كسائر كراماته
رضي الله تعالى عنه ، وليست دعوى الإمامة مذكورة هنا ،
ولم تقع هذه القصة في مقابلة أهل الشام أيضاً .
وأما رد الشمس فأكثر محدثي أهل السنة
كالطحاوي([46])
وغيره صححوه ، وعدوه من معجزات النبي بلا شبهة ، إذ
أرجع الشمس بعد غروبها ليحصل وقت العصر للأمير بدعاء
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولتكون صلاته أداء([47])
، وأين كانت في ذلك الوقت دعوى الإمامة ؟ ومن كان
حينئذ منكراً ومقابلاً له ! .
الدليل السادس
: أن الشيعة قالوا : ما روى أحد من الموافق والمخالف
ما يوجب الطعن والقدح في الأمير ، بخلاف الخلفاء
الثلاثة ، فإن الموافق والمخالف رويا القوادح الكثيرة
في حقهم بحيث يسلب استحقاق الإمامة عنهم ، فالأمير
الذي هو سالم عن قوادح الإمامة يكون متعيناً لها .
ولا يخفى أن هذا الدليل – على ما
بيناه في تصحيح دلائلهم سابقاً – ليس على ما ينبغي من
طريق القياس الذي يستدل به على المطلوب ، فإن ما ذكره
المدعي ههنا إنما هو بيان لإثبات الصغرى في كلا
القياسين اللذين يستدل بمجمعهما على المطلوب ، وهما
هذا : أن كلا من الخلفاء الثلاثة دون الأمير مقدوح فيه
مطعون عليه بما يسلب عنهم استحقاق الإمامة ، وكل من
كان كذلك فليس إماماً ، والأمير سالم من ذلك ، وكل من
كان كذلك فهو إمام ؛ لأن كلا من الموافق والمخالف روى
في حقهم ولم يرو في حقه القوادح الموجبة لسلب استحقاق
الإمامة .
ويجاب بأنا لا نسلم السلامة من القوادح
، ولا الطعن بها في حقه وحقهم مطلقاً ، ولا رواية تلك
القوادح أيضاً ، ولا سلب ما روى المخالف الاستحقاق
عنهم ، ولا كونها حقة ، وكل ذلك ممنوع منعاً ظاهراً ؛
لأن الخلفاء الثلاثة كما روى المخالفون([48])
( وهم الشيعة وإخوانهم ، لا الموافقون الذين هم أهل
السنة وأمثالهم ) القوادح الباطلة في حقهم ، كذلك
رواها في حق الأمير مخالفوه من الخوارج وغيرهم([49])
، دون من يوافقهم من أهل السنة والشيعة ، فلا سلامة
ولا قدح من كل وجه ، ولا ضير بالقوادح الباطلة من
المخالف في الجانبين ، فقد تبين أن حاله كحالهم
مطلقاً.
وأما كبرى القياسين فالأولى منقوضة
بالأنبياء عليهم السلام ؛ لأنهم قد قدح فيهم وطعن
عليهم المبطلون ، وكل ما يمنع تحقق العام يمنع تحصل
الخاص بالضرورة ، والأخرى بمن سلم منه باتفاق الفريقين
كابن عباس وأبي ذر وعمار وأمثالهم ، وإذا دريت هذا
فانظر أن الذين قالوا بإمامة الخلفاء الثلاثة ، وهم
أهل السنة والمعتزلة لم يرووا من قوادحهم قط ، بل إنما
قرر الشيعة بسبب بغضهم وعنادهم للخلفاء الثلاثة بعض
الأشياء بطريق المطاعن والقوادح ، وليست تلك الأشياء
في الحقيقة محلاً لطعن وقدح أصلاً كما سيأتي في
المطاعن ، ولو كانت محلاً لها لكانت على الأنبياء
والأئمة أيضاً مطاعن ، بل من يطالع كتب الشيعة بالتأمل
يجدها مملوءة بالمطاعن في الأنبياء والأئمة ، وما
قالوا من أن أحداً من الموافق والمخالف لم يرو ما يقدح
في حق الأمير فخبطٌ آخر ؛ لأنهم إن أرادوا بالمخالف
أهل السنة فلا يجدي لهم نفعاً ، فإن أهل السنة لما
كانوا معتقدين صحة إمامته لم يرووا قوادحه ، وإن
أرادوا به الخوارج وأمثالهم فكذب صريح ، فإنهم قد
سودوا الدفاتر الطويلة والزبر الكثيرة في هذا الباب .
ومن جملة من ذكر مطاعن الأمير عبد
الحميد المغربي الناصبي في كتابه ، وقد دفع كثيراً
منها ابن حزم([50])
من علماء أهل السنة في كتابه ( الفصل ) ([51])
، والشريف المرتضى من علماء الشيعة فــي ( تنـزيه
الأنبياء والأئمة ) ([52])
وأعرضنا عن ذكر تلك المطاعن والجواب عنها ؛ لأن ذكرها
مما لا يليق بنا في هذا الكتاب .
([1])
ينظر ما تقدم ص 142 . قال الآلوسي الجد : ((
واختلف في أن مباحثها هل هي من الفقه ، أو من
الكلام ؟ فذهبت الشيعة والخوارج إلى الثاني وذهب
أهل السنة والجماعة إلى الأول ، لما انهم يقولون
أن النصب إنما يجب على العباد ، أي عند عدم النص
من الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم
على التولية لمعين ، وعند عدم العهد والوصية من
السابق لغيره المعين ، وإنما ذكروها في الكلام مع
أنها ليست من مباحثه عندهم لما تعلق بالإمامة من
التعصبات وفاسد الاعتقادات
)) .
نهج السلامة : 13/أ .
([2])
قال شيخ الطائفة في تقرير عقيدة أصحابه في هذه
المسألة : (( ويدل على إمامته أيضاً أنه معصوم
وغيره غير معصوم بإجماع المسلمين )) . رسائل
الطوسي : ص 106 .
([3])
هذا على قول الإمامية والذي سيرد عليه الآلوسي بعد
قليل . ينظر : المفيد ، النكت الاعتقادية : ص 39 ؛
ابن المطهر الحلي ، نهج الحق : ص 171 .
([4])
هو عبد العزيز الدهلوي مؤلف الأصل .
([5])
تقدم تخريج هذه الرواية ص 184 .
([6])
تقدم تخريج هذه الرواية ص 168 .
([7])
وردت قصته في الإسرائيليات ، وخلاصتها أن برصيصا
هذا كان يسكن صومعة ، فزين له الشيطان ففجر ببنت
كانت ترعى الغنم تحت صومعته ثم قتلها ، وكان لها
أربعة أخوة ، فأتاهم الشيطان فأخبرهم بما فعل
بأختهم ، فقبضوا على الراهب ، فذهبوا به إلى ملكهم
ليقيم عليه الحد ، وإذا بالشيطان يأتيه مرة أخرى
فقال له : لن ينجيك منهم غيري فاسجد لي سجدة واحدة
وأنجيك مما وقعت فيه ، فسجد له ، فلما أتوا به
الملك قتله ولم ينفعه سجوده للشيطان شيئا ، ففيه
نزل قوله تعالى :
]
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ
اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ
مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ
[
[ الحشر : 16 ] . ابن كثير ، التفسير : 4/342 .
([8])
عابد من بني إسرائيل يضرب المثل بورعه وعلمه ، روي
عن ابن مسعود وابن عباس أنه قال : رجل من مدينة
الجبارين ، وكان يعلم اسم الله الأعظم ، وقيل إنه
كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه
إياه ولما جاء موسى
u
ببني إسرائيل لمحاربة قوم باعورا طلبوا منه أن
يدعوا على موسى ، فلم يقبل في البداية إلا أنهم
تحايلوا عليه حتى دعا على موسى فسلخه الله ، ففيه
نزل قوله تعالى :
]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ
آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ
[
[ الأعراف : 175 ] ، وهذه الروايات تدخل في باب
الإسرائيليات ، والله تعالى أعلم . تفسير الطبري :
9/120 ؛ تفسير ابن كثير : 2/266.
([9])
الحديث أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك ، السنن
: 4/448 ، رقم 2140 ؛ أحمد ، المسند : 3/112 ؛
الحاكم ، المستدرك : 1/707 ؛ قال عنه الألباني (
صحيح ) في صحيح الجامع : رقم 4801.
([10])
ينظر الجويني ، البرهان : 1/159 ؛ الشوكاني ،
إرشاد الفحول : 1/88 .
([11])
ينظر ص 31 من هذا الكتاب .
([12])
كما ينسب ذلك الإمامية في كتبهم إلى الأئمة ، فقد
روى الكليني عن الفضيل عن أبي عبد الله أنـه قال :
(( لله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء
وفيما أراد لتقدير الأشياء )) . الكافي 1/149 .
([13])
كما قرر السلطان في حاشيته : ص 322
.
([14])
لأن الشيعة ينكرون المسح على الخف أصلاً ، فكيف
يقرون بتواتره ، والروايات في كتيهم عديدة في هذا
المعنى فقد نسب الإمامية إلى أبي عبد الله قوله :
(( ثلاثة لا اتقي فيهن أحداً شرب المسكر ومسح
الخفين ومتعة الحج )) . الكافي : 3/32 ؛ الطوسي ،
تهذيب الأحكام : 1/362 .
([15])
تقدم الكلام حول هذه المسألة ص 41 .
([16])
تقدم الكلام حول هذه المسألة ص 82 .
([17])
تقدم الكلام حول هذه المسألة ص 83 .
([18])
يشير الآلوسي هنا إلى نفي الشيعة لصيغة التحيات
والواردة عند أهل السنة رغم تواترها ، فقد ابن
بابويه عن الصادق أنه قال : (( أفسد ابن مسعود على
الناس صلاتهم بشيئين ، بقوله ( تبارك اسمك وتعالى
جدك ) وهذا شيء قالته الجن بجهالة ، فحكاه الله
عنها ، وبقوله ( السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين ) يعني في التشهد الأول ، وأما الثاني
بعد الشهادتين فلا بأس به ... )) . من لا يحضره
الفقيه : 1/401 . وأخرج الرواية أيضاً العاملي ،
وسائل الشيعة : 6/406 .
([19])
تقدم تخريجها ص 169 .
([20])
في نهج البلاغة : ( إلا أن يكفي الله من نفسي ) .
([21])
نهج البلاغة : ( بشرح ابن أبي الحديد ) : 11/101 .
([22])
هو جزء من حديث أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله
عنها قالت : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل
ويباشر وهو صائم وكان أملككم لأربه )) . الصحيح ،
كتاب الصوم ، باب مباشرة الصائم : 2/680 ؛ مسلم ،
الصحيح ، كتاب الصيام ، باب القبلة للصائم غير
محرمة : 2/777 ، رقم 1106 . قال ابن الأثير : ((
لأربه : أي لحاجته )) . النهاية : 1/36 .
([23])
نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ) : 6/176 .
([24])
هذا وفق دعوى الإمامية قال الحسن الديلمي : (( ومن
فضائله
u
أنه نشأ وربي في الإيمان ولم يدنس بدنس الجاهلية
بخلاف غيره من سائر الصحابة )) . إرشاد القلوب :
2/229 .
([25])
ينظر للتفاصيل : القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن :
2/108 .
([26])
ينظر شروط الإمامة عند الآلوسي الجد في نهج
السلامة : 15/أ .
([27])
السفسطة : يعرفها ابن حزم بأنها : (( تمويه بحجة
باطل بقضية أو قضايا فاسدة تقود إلى الباطل )) .
الإحكام : 1/37 .
([28])
هو نجم الدين مختار بن محمود ، من الفقهاء الحنفية
، رحل إلى بغداد وغيرها من ديار الإسلام ، توفي
سنة 658هـ . طبقات الحنفية : ص 166 .
([30])
هذا كلام الحلي في نهج الحق : ص 171 .
([31])
تقدم تخريج هذه الرواية ص 184 .
([32])
كما تقدم النقل عن الحسن المثنى ص 221 .
([33])
واختلافهم كان اختلافاً كبيراً بحيث ظهر عندنا
عدد كبير من فرق الشيعة ، كل تدعي أن إمامها هو
الحق وما دونه هو الباطل ، ينظر الباب الأول من
هذا الكتاب .
([34])
قال المجلسي كلام قريب من هذا في بحار الأنوار :
28/372 .
([35])
تقدم تخريج هذه الرواية والكلام عليها ص 238 .
([36])
هو أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين الرازي ،
كان شيخ المعتزلة وعالمهم ومحدثهم في عصره ، لـه
كتاب ( الموافقة بين أهل البيت والصحابة وما رواه
كل فريق في حق الآخر ) ، توفي سنة 447هـ . سير
أعلام النبلاء : 18/55 ؛ طبقات الحفاظ : ص 430 ؛
شذرات الذهب : 3/273 .
([37])
كشف الظنون : 2/1890.
([38])
تعتع ارتبك في كلامه . لسان العرب : 10/431 .
([39])
أخرج الرواية بطولها ابن عساكر ، تاريخ دمشق :
30/438 – 440 .
([40])
ينظر ص 67 من هذا الكتاب وما بعدها .
([41])
وردت هذه الرواية عند ابن إسحاق ، تاريخ الطبري :
2/137 ؛ ورواها الخطيب البغدادي عن جابر بن عبد
الله : (( أن عليا حمل باب خيبر يوم افتتحها ،
وأنهم جربوه بعد ذلك فلم يحملـه إلا أربعون رجلا
)) . تاريخ بغداد : 11/327 ؛ قال الذهبي : (( هذا
حديث منكر )) . ميزان الاعتدال : 5/139 ؛ قال
السخــاوي : (( وطرقه كلها واهية ، ولذا أنكره بعض
العلماء )) . كشف الخفاء : 1/438 .
([42])
الحديث ورد في كتاب الكشف الحثيث لإبراهيم بن محمد
الطرابلسي : 1/44 وقال : (( أحمد بن داود روى
حديثا في رد الشمس لعلي رضي الله عنه من حديث
أسماء بنت عميس قال ابن الجوزي : أحمد بن داود ليس
بشيء قال الدارقطني : متروك الحديث كذاب وقال ابن
حبان كان يضع الحديث )) . وقال العجلوني في كشف
الخفاء : 1/516 (( حديث رد الشمس لعلي رضي الله
عنه قال الإمام أحمد لا أصل له أما ابن الجوزي
فأورده في الموضوعات )) وقد وردت هذه الرواية في
كتب الإمامية فأوردها المازندراني ، مناقب آل أبي
طالب : 2/143 ؛ القطب الراوندي ، الخرائج والجرائح
: 1/224 ؛ النوري ، مستدرك الوسائل : 3/350 ؛
المجلسي ، بحار الأنوار : 83/317 .
([43])
قال الطحاوي : ( ونؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن
الثقات من رواياتهم ) قال ابن أبي العز في شرح هذه
العبارة : (( فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق
للعادة ، وكذلك الكرمة في عرف أئمة أهل العلم
المتقدمين ، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في
اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة
للولي ، وجماعها الأمر الخارق للعادة )) . شرح
العقيدة الطحاوية : ص 424 .
([44])
هي رواية طويلة اختصرها الآلوسي هنا وقد أوردها
محمد بن النعمان المعروف عنـد الإماميــة بـ (
المفيد ) ونسبها لابن عباس . الإرشاد : 1/339 ؛
ونقلها أيضاً عنه المازندراني ، مناقب آل أبي طالب
: 2/87 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 63/86 .
([45])
لم أجد هذه القصة في كتب أهل السنة ، وإنما أوردها
الإمامية في كتبهم منهم ابن رستم الطبري ،
المسترشد : ص 201 ؛ المازندراني ، مناقب آل أبي
طالب : 2/291 ؛ القطب الراوندي ، الخرائج والجرائح
: 1/220 البحراني ، مدينة المعاجز : 1/485 .
([46])
هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري
الحنفي ، صاحب التصانيف ، برز في علم الحديث وفي
الفقه وجمع وصنف ، كان ثقة ثبتاً فقيهاً ، توفي
سنة 321هـ . سير أعلام النبلاء : 15/32 ؛ طبقات
الحنفية : ص 1/102.
([47])
يشير الآلوسي إلى ما أخرجه الطبراني من حديث أسماء
بن عميس قالت : (( كان رسول الله
e
يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصلِ العصر حتى
غربت الشمس ، فقال رسول الله
e
: اللهم إن علياً كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد
عليه الشمس ، فقالت أسماء فرأيتها طلعت بعدما غربت
)) . المعجم الكبير 24/151 ؛ وهذا الحديث غير ثابت
إذ ضعفه العلماء وحكم عليه ابن الجوزي والقاري
بالوضع ( المصنوع : ص 265 ) فقال ابن الجوزي : ((
هذا حديث موضوع بلا شك ... ثم قال ومن تغفيل واضع
هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح
الفائدة فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء
فرجوع الشمس لا يعيدها أداء )) . الموضوعات :
1/356 – 357 . قلت كذلك من غفلة واضع هذا الحديث
عدم ذكره كيف صلى النبي
e
العصر هل صلها قبل علي أم أنه صلاهـا معه ؟ فإن
كانت الأولى لا بد أن يكون علي قد صلاها معه ، إذ
ليس من المعقول أن يترك علي الصلاة الوسطى مع
النبي
e
وهو في بيته ، وإن كانت الثانية فيكون النبي
e
قد دعا الله تعالى أن يردها له لا لعلي فهي معجزة
له
e
. والذي يؤكد ما ذهبنا إليه ما أخرجه الإمام أحمد
عن أبي هريرة
t
قـال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن
الشمس لم تحـبس لبشر إلا ليوشع ليالي سـار إلى بيت
المقدس )) . المسند : 2/325 . وقد صحح هذا الحديث
الأخير الحافظ ابن حجر في فتح الباري : 6/221 .
ففي حديث الإمام أحمد نفي هذه المعجزة سوى عن يوشع
عليه السلام وفي ذلك يقول أبو تمام :
فو الله لا أدري أأحلام نائم ألمت بنا أم كان
في الركب يوشع
وقد واستوفى شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام على
هذا الحديث سنداً ومتناً مما لا يدع شبهة لأحد ،
ينظر : منهاج السنة النبوية : 8/165 .
([48])
المخالفون : مصطلح متداول بين علماء الإمامية
يعنون به كل من خالف عقيدتهم في الاعتقاد بالأئمة
الاثني عشر بصورة عامة ، وأهل السنة بصورة خاصة ،
وهم يعدونهم كفرة مخلدون في النار ، قال ابن
بابويه : (( لا يصح إيمان المخالفين بالبعث
والنشور والحساب والثواب والعقاب ... ولا يكون
الإيمان صحيحاً من مؤمن إلا من آمن بالمهـدي
القائم عليه السلام والأئمة عليهم السـلام )) ،
وأوضح هذه العقيدة الطوسي بصورة أتم عندما قال :
(( إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه
حكم الكفار )) . تهذيب الأحكام : 1/335 .
([49])
هي ليست من باب القوادح وإنما هي اجتهادات له
t
، ينظر نهج السلامة : 38/أ .
([50])
هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي
الظاهري ، الفقيه والمحدث المشهور ، صنف في الحديث
والفقه والعقائد وغيرها من العلوم ، قال عنه
الذهبي : (( ابن حزم الأوحد ، البحر ذو الفنون
والمعارف الفقيه الحافظ المتكلم الأديب )) ، توفي
رحمه الله سنة 458هـ . وفيات الأعيان : 3/325 ؛
سير أعلام النبلاء : 20/133 .
([51])
الفصل في الملل والأهواء والنحل : 4/2 وما بعدها .
([52])
تنزيه الأنبياء والأئمة : ص 9 وما بعدها .
|