|
الباب السادس
في بعض عقائد الإمامية
المخالفة لعقائد أهل السنة
العقيدة الأولى
: مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب
عليه بعث العباد بحيث يكون تركه قبيحاً عقلياً ، نعم
ولكن البعث والحشر والنشر متحتم الوقوع البتة لوعده
تعالى بذلك حتى لا يلزم خلف الوعد ، وقالت الإمامية :
بوجوب البعث عليه تعالى وجوباً عقلياً ، والآيات التي
هي دالة على أن البعث والمعاد متعلقان بوعده تعالى ،
وما وقع في آخر الآيات من نحو قوله تعالى :
]
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ
الْمِيعَادَ
[
[ آل عمران : 9 ] مكذِّبة تكذيباً صريحاً لعقيدتهم هذه
، وقد سبق أن الوجوب على الله تعالى لا معنى له أصلاً
.
العقيدة الثانية
: مذهب أهل السنة أن الأموات لا رجعة لهم في الدنيا
قبل يوم القيامة ، وقالت الإمامية قاطبة ، وبعض الفرق
الأخرى من الروافض أيضاً برجعة بعض الأموات([1])
، فإنهم بزعمهم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
والوصي والسبطين وأعداءهم – يعني الخلفاء الثلاثة
ومعاوية ويزيد ومروان وابن زياد وأمثالهم – وكذا
الأئمة الآخرون وقاتليهم يحيون بعد ظهور المهدي ،
ويعذَّب قبل حادثة الدجال كل من ظلم الأئمة ويقتص منهم
، ثم يموتون ، ثم يحيون يوم القيامة .
وهذه العقيدة مخالفة صريحاً للكتاب ،
فإن الرجعة قد أبطلت في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى
:
]
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
_
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا
فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ
قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ
[
[ المؤمنون : 99 - 100 ] ولا يخفى أن مناط التمسك
ومحطه إنما هو قوله :
]
وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ
إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[
([2])،
فلا يمكن للشيعة أن يقولوا إن الرجعة تستحيل للعمل
الصالح لا للقصاص وإقامة الحد والتعزير لما وقع المنع
من الرجعة آخر الآية مطلقاً .
وقال الشريف المرتضى في ( المسائل
الناصرية ) ([3])
: (( إن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي ،
قيل : إن تلك الشجرة تكون رطبة قبل الصلب فتصير يابسة
بعده ، فهذا الأمر سيضل به جمع ، وهم يقولون : إن هذين
البريئين قد ظُلما ، ولذا صارت الشجرة خضراء يابسة ،
وقيل تكون تلك الشجرة يابسة ثم تصير رطبة خضراء بعد
الصلب ، وبهذا السبب يهتدي خلق كثير )) ([4]).
والعجب أن هؤلاء الكذابين مختلفون
بينهم في هذا الكذب أيضاً ، فقال جابر الجعفي([5])
الذي هو من قدماء هذه الفرقة : إن أمير المؤمنين يرجع
إلى الدنيا ودابة الأرض المذكورة في القرآن عبارة عنه([6])
، معاذ الله من سوء الأدب ، والزيدية كافة منكرون
للرجعة إنكاراً شديداً ، وقد ذكر في كتبهم رد هذه
العقيدة بروايات الأئمة ، وكفى الله المؤمنين القتال .
وقد قال تعالى :
]
وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ
[
أي أنشأكم من العدم الفطري :
]
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[
عند انقضاء آجالكم
]
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
[
[ الحج : 66 ] أي يوم القيامة للجزاء([7])
، وقال :
]
وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَحْيَاكُمْ
[
في الدنيا :
]
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[
بعد انقراض آجالكم :
]
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[
[ البقرة : 28 ] ([8]).
والدليل العقلي الموافق لأصول الإمامية
على بطلان هذه العقيدة ، أنهم لو عذبوا بسوء أعمالهم
بعد ما رجعوا في الحياة الدنيا ، ثم يعاد عليهم العذاب
في الآخرة لزم الظلم الصريح ، فلا بد أن لا يكونوا في
الآخرة من المعذبين ، فحصل لهم تخفيف عظيم عن العذاب
المستمر الدائم وراحة أبدية ، وذلك مناف لغلظ الجناية
وعظم الجرم ، قال تعالى :
]
وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ
وَأَبْقَى
[
[ طـه : 127 ] .
والدليل الآخر على بطلانها أن الخلفاء
الثلاثة لم يرتكبوا ما يوجب تعذيبهم إلا غصب الخلافة ،
وبعض حقوق أهل البيت على زعم الشيعة ، وذلك الغصب بعد
تسليمه غايته أن يكون فسقاً ، كما عليه متأخروهم أو
كفراً كما زعم متقدموهم ، ولا شيء من الكفر والفسق
يوجب الرجعة في الدنيا بعد الموت قبل البعث ، وإلا
يلزمهم أن يعتقدوا رجعة الكفرة والفسقة من أهل الأديان
كلهم أجمعين ، ولا اختصاص لهذا الكفر والفسق بالرجعة ،
وإلا يلزمهم أن يقولوا بكونهما أكبر من الشرك بالله
تعالى والكفر به – نعوذ بالله من ذلك – ومن تكذيب
الأنبياء وقتلهم بغير حق وإيذائهم ونحوها ، معاذ الله
من كلها .
وهذه اللوازم باطلة محضاً عندهم ، فقد
تبين للعارف المنصف أن هذه العقيدة الخبيثة باطلة على
أصولهم أيضاً والقول بها ضلالة ، وأيضاً لو كان
المقصود من تعذيبهم في الدنيا إيلامهم وإيذاءهم يكون
ذلك حاصلاً لهم في عالم القبر أيضاً ، فالإحياء عبث ،
والبعث قبيح ، يجب تنـزيه الله تعالى عنه .
وإن كان المقصود إظهار جنايتهم عند
الناس ، فقد كان الأولى بذلك الإظهار لمن كانوا
معتقدين بحقية خلافتهم وناصرين لهم في زمنهم ، فكان لا
بد حينئذ أن يؤتى الأمير والسبطان القدرة على الانتقام
منهم حتى لا تضل بقية الأمة ويتبرؤن من أفعالهم ، وهذا
القدر في تأخير الانتقام بعد ما يمضي أكثر الأمة ويأتي
آخرون لم يطلعوا على فساد أعمالهم وبطلان أحوالهم
أصلاً خلاف الحكمة والصلاح فقد لزم ترك الأصلح .
وليت هذه الأمور تقع في اليوم الآخر
حتى يطلع كل من الأولين والآخرين على هذا الجزاء
والقصاص فيكون لها وجه في الجملة ، بخلاف وقوعها قبله
إذا مضى أكثر عمر الأمة وبقيت الدنيا قليلاً ، فإن بعض
الناس الذين يحضرون ذلك الوقت إن اطلعوا على جنايتهم
وذنوبهم فلا فائدة فيه ؛ لأنه لم يكن في ذلك القوت من
يعرف أبا بكر وعمر ومعاوية فيميز أحدهم عن الآخر ، بل
ينشأ الاحتمال عند كلهم أن عدة ناس سموهم بأساميهم
كيزيد وشمر([9])
المجعولين في الأيام العشرة من المحرم للقتل توطئة
لتشفية قلوبهم .
ولو كان يكفي قول المهدي والأئمة
الآخرين إن فلاناً أبو بكر وفلاناً عمر ، فلماذا لا
يقبل قولهم في بطلان أمر خلافتهم وغصبهم وظلمهم
وتعذيبهم في البرزخ – معاذ الله – حتى يحتاج إلى
إحيائهم ؟ وأيضاً يلزم على هذا التقدير أن النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم والوصي والأئمة لا بد لهم أن
يذوقوا موتاً آخراً زائداً على سائر الناس للزوم
تعاقبه للحياة الدنيا ، وظاهر أن الموت أشد آلام
الدنيا فلِمَ يجوّز الله سبحانه إيلام أحبائه عبثاً ؟
وأيضاً إذا أحيى هؤلاء الظلمة سيعلمون بالقرائن أنهم
أحيوا للتعذيب والقصاص ، وأنهم كانوا على الباطل
والأئمة على الحق فيتوبون بالضرورة توبة نصوحاً ، إذ
التوبة مقبولة في الدنيا ولو بعد الرجعة ، فكيف يمكن
حينئذ تعذيبهم ؟.
وأيضاً يلزم على هذا التقدير إهانة
الأمير والسبطين ، فإنهم كانوا عند الله أذل من كل
ذليل حتى إن الله تعالى لم ينتقم من أعدائهم ، ولم
يجعلهم قادرين عليهم ، إلا بعد مضي ألف وعدة مئات من
السنين ، إذ يظهر المهدي لإغاثتهم بواسطته وينتقم من
أعدائهم ويجعلهم قادرين عليهم ! ، وبالجملة فإن مفاسد
هذه العقيدة أزيد من أن تحيط بها الكتابة والعبارة .
العقيدة الثالثة
: إن أهل السنة أن الله يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء
من العصاة ، ويعتقد الإمامية أن أحداً منهم لا يعذَّب
بأي ذنب من صغيرة أو كبيرة لا يوم القيامة ولا في
القبر([10])
.
وهذه العقيدة إجماعية لهم ومسلّمة
الثبوت عندهم ويستدلون عليها أن حب علي كافٍ للخلاص
والنجاة كما تقدم في المقدمة([11])
، ولا يفقهون أن حبَّ الله تعالى وحب رسوله صلى الله
تعالى عليه وسلم لما لم يكن كافياً في النجاة والخلاص
من العذاب – بلا إيمان وعمل صالح – كيف يكون حب علي
كافياً !؟ .
إن هذه العقيدة خلاف أصولهم ورواياتهم
أيضاً ، ولكن لما كان غرضهم الإباحة والعذر لترك
الطاعة وإسقاط التكاليف تلقوها بالقبول ، وغلبت أنفسهم
الأمّارة بالسوء على العلم والعقل وقهرتهما ، أما
المخالفة للأصول فلأنه إذا ارتكب إمامي الكبائر ولم
يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله ؛ لأن
عقاب العصاة واجب على الله عندهم ، وأما المخالفة
للروايات فلأن الأمير والسجاد والأئمة الآخرين قد روي
عنهم في أدعيتهم الصحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب
الله تعالى([12])
، وإذا كان مثل هؤلاء الكرام خاشعين هائبين ، فكيف يصح
لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكئ عليها في ترك العمل ؟! .
وفي الأصــل هذه العقيدة مأخوذة من
اليهــود ، حيـث :
]
قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا
النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ
_
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ
لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
[
[ آل عمران : 24 – 25 ] وعمدة ما يتمسكون به في هذا
الباب روايات وضعها رؤساؤهم الضالون المضلون([13])
.
منها ما روى ابن بابويه القمي عن
المفضل بن عمر([14])
قال : (( قلت لأبي عبد الله : لِمَ صار علي قسيم الجنة
والنار ؟ قال : لأن حبه إيمان وبغضه كفر ، وإنما خلقت
الجنة لأهل الإيمان والنار لأهل الكفر فهو قسيم الجنة
والنار ، لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا يدخل النار إلا
مبغضوه )) ([15])
، والدليل على كذب هذه الرواية أن الأئمة ما كانوا
ليقولوا بما يخالف القرآن والشريعة أصلاً ، وإلا فقد
كذَّبوا أنفسهم وآباءهم .
وفي هذه الرواية
مخالفة للقواعد المقررة في الشريعة بعدة وجوه :
الأول : أن حب شخص بعينه أو بغضه لو
كان إيماناً أو كفراً لا يلزم أن يكون ذلك الشخص
قسيماً للجنة والنار ؛ لأن سائر الأنبياء والمرسلين
والأئمة والسبطين لهم هذه الرتبة وليس أحد منهم قسيماً
لهما .
الثاني : أن حب الأمير ليس كل الإيمان
، وإلا يبطل التوحيد والنبوة والإيمان بالمعاد
والعقائد الضرورية الأخر للشيعة كلها ، ولا تمام
المشترك بينهما ؛ لأن التوحيد والنبوة أصل أقوى وأهم ،
وعليه مناط تحصيل الإيمان ، وأيضاً يلزم على ذلك
التقدير أن يجوّز سبّ الأئمة الآخرين وإيذاؤهم ، معاذ
الله من ذلك ، فلما لم يكن كل الإيمان ولا تمام
المشترك بينهما ، بل ثبت أنه من أجزاء الإيمان لم يكن
ليكفي وحده في دخول الجنة ، وهذا هو الأظهر .
الثالث : أن قولهم : (( لا يدخل النار
إلا مبغضوه )) ، يدل صراحة على أنه لا يدخل النار أحد
من الكافرين الذين لم يبغضوه كفرعون وهامان([16])
وشداد([17])
ونمرود([18])
وعاد وثمود وأضرابهم ، لوجود الحصر في العبارة ؛ لأن
أولئك المذكورين لم يبغضوا علياً بل لم يعرفوه ، وهو
باطل بالإجماع .
الرابع : لو أنا سلمنا ذلك كله ، فليس
لتلك العبارة مساس بمدّعاهم ؛ لأن حاصلها أنه لا يدخل
الجنة من لا يحب علياً ، لا أن كل من يحبه يدخلها ،
والفرق بينهما واضح ؛ لأن الأول يكون دخول الجنة فيه
مقصوراً على المحبين بخلاف الثاني ، فإن فيه كون المحب
مقصوراً على الدخول فلا يوجد بما سواه ومدعاهم هذا دون
الأول .
الخامس : لو تجاوزنا عن هذه كلها يلزم
أن يكون جميع فرق الروافض ناجين ، وهو خلاف مذهب
الإمامية .
ولما لم تنطبق هذه الرواية على غرضهم ،
روى ابن بابويه رواية أخرى عن ابن عباس لأنه قال : ((
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : جاءني جبريل
وهو مستبشر فقال : يا محمد إن الله الأعلى يقرئك
السلام ، وقال : محمد نبيي ورحمتي ، وعلي حجتي ، لا
أعذب من والاه وإن عصاني ، ولا أرحم من عاداه وإن
أطاعني )) ([19])
، والدليل على كذب هذه الرواية أن معنى النبوة ههنا قد
ثبت في الحقيقة لعلي ؛ لأن حبوط الطاعات إنما هو في حق
منكر الأنبياء خاصة ، ولزم تفضيل علي على النبي لأنه
لم تثبت له رتبة الحجية ، إذ منكره يكون من جملة
العصاة ، والمقر به من جملة المطيعين ، ومع هذا لا خوف
على العاصي لو كان منكراً للرسول إذا كان محباً لعلي ،
ولا منفعة للمطيع ولو كان مؤمناً بالنبي إذا كان يبغض
علياً .
ولا يخفى أن ذلك مخالف لقوله تعالى :
]
وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
[
[ الأحزاب : 71 ] ، وقوله :
]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا
[
[ الأحزاب : 36 ] ، وقوله :
]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا
[
[ الجن : 23 ] وكل رواية تخالف قواطع النصوص فهي
موضوعة جزماً ، كما تقرر عند أصحاب الحديث .
وأيضاً لزم منها نسخ الصلاة والصوم
والطاعة والعبادة وحرمة المعاصي ، ولم يبق غير حبّ علي
وبغضه مدار الجزاء ، ولزم أن نـزول القرآن يكون لضلالة
الخلق لا لهدايتهم ، إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه أنه
لابد منه ، ولو كان مذكوراً يكون بنوع لا يفهمه كل أحد
من المكلفين البتة ، وتكليف فهم اللغز لا يحتمله كل
أحد فالقرآن كله يدعو إلى أمر لا يحتاج إليه في الآخرة
أصلاً ، وما ينفع في الآخرة لا أثر له فيه ، معاذ الله
من ذلك .
هذا وقد رويت روايات أخر في كتبهم
المعتبرة مناقضة لهذه الروايات ، منها ما روى سيدهم
وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال : (( نظر النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب فقال : هذا
خير الأولين وخير الآخرين من أهل السماوات وأهل الأرض
هذا سيد الصديقين ، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين
وقائد الغر المحجلين ، إذا كان يوم القيامة كان على
ناقة من نوق الجنة أضاءت عرصة القيامة من ضوئها ، على
رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت ، فتقول الملائكة :
هذا ملك مقرب ، ويقول النبيون : هذا نبي مرسل ، فينادي
المنادي من تحت بطنان العرش : هذا الصديق الأكبر ، هذا
وصي حبيب الله علي بن أبي طالب ، فيقف على متن جهنم
فيخرج منها من يحبه ويدخل فيها من يبغضه ، ويأتي أبواب
الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب )) ([20])
. ولا يخفى أن هذه الرواية ناصة صريحاً على أن العصاة
ممن يحب الأمير يدخلون النار ، ثم يخرجهم الأمير
ويدخلهم الجنة بعد ما يعذبون بقدر أعمالهم ، وبينها
وبين الرواية الأولى تناقض صريح .
ومنها ما روى ابن بابويه القمي عن جابر
بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال : (( قال رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن عبداً مكث في
النار سبعين خريفاً ، كل خريف سبعون سنة ، ثم إنه سأل
الله تعالى بحق محمد وآله أن يرحمه فأخرجه من النار
وغفر له )) ([21])
، فإن كان هذا الرجل محباً للأمير فلم عذب في النار
هذه المدة المديدة ؟ وإن كان مبغضاً له فلِمَ يدخل
الجنة مغفوراً له ؟ والأظهر أن محبة الأمير لن تفيد
أبداً من خالف عقيدته وترك طريقته .
وقد يورد على ذلك أن من كان منكراً
لولاية السبطين والبتول والأئمة الآخرين ومحباً للأمير
أن يكون من أهل الجنة أصلاً ولا يمسه عذاب النار أصلاً
، مع أن ابن المعلم الملقب عندهم بالمفيد روى في كتاب
( المعراج ) له أن الله تعالى قال : (( يا محمد
لو أن عبداً عبدني حتى يصير كالشـن البالـي [ ثم ] ([22])
أتاني جاحداً لولاية محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين
ما أسكنته جنتي )) ([23])
.
فالكيسانية مع جحودهم بولاية السبطين ،
والغلاة مع مخالفتهم عقيدة الأمير ، لا بد أن يكونوا
ناجين من أهل الجنة على ما رواه ابن بابويه ، فإن قالت
الإمامية : إن هذه الرواية ذكر فيها الجحود بولاية كل
واحد من الخمسة فولاية الأمير من جملتها ، فلعل رد
عبادات ذلك الرجل لكونه جحد ولاية الأمير بناء على كون
النجاة منوطة بالولاية المطلقة ، فجحود إحدى الولايات
منافٍ لها ، قلنا فعلى هذا جحود ولاية محمد صلى الله
تعالى عليه وسلم المستلزم للكفر يكون كافياً بالإجماع
في حبوط الأعمال من غير أن يكون لجحود ولاية علي دخل
فيه ، فعلم أن المقصود ههنا جحود ولاية كل واحد منهم
منفردة وبه يثبت المدعى .
ولما انجرَّ الكلام لزم أن نبين أن
الاثني عشرية يعتقدون أن جميع فرق الشيعة – سوى فرقتهم
– مخلون في النار وهم ناجون([24])
، قال ابن المطهر الحلي في ( شرحه للتجريد ) :
(( إن علماءنا لهم اختلاف في حق هؤلاء الفرق ، قال
بعضهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة ، وقال
بعضهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ، وقال ابن نوبخت([25])
والعلماء الآخرون يخرجون من النار لعدم الكفر ، ولا
يدخلون الجنة لعدم الإيمان الصحيح الذي يوجب استحقاق
ثواب الجنة ، بل يمكثون في الأعراف خلوداً )) ([26])
.
وقال صاحب ( التقويم ) ([27])
الذي هو من أجلّ علماء الإمامية : إن الشيعة المحضة قد
تفرقت على اثنين وسبعين فرقة والناجية منهم الاثنا
عشرية ، والباقون يعذبون في النار مدة ثم يدخلون الجنة
، فهم يثبتون جزماً في حق من يحب الأمير إما تعذيباً
دائماً أو منقطعاً .
وأيضاً قال صاحب ( التقويم ) :
وأما سائر الفرق الإسلامية فكلهم مخلون في النار . فمن
ههنا علم أن أهل السنة أيضاً مخلون في النار عندهم ،
مع أنهم يحبون الأمير ويعتقدون أن حبه جزء من الإيمان
، فانتقضت قاعدة محبة الأمير طرداً وعكساً .
ويخالف ذلك ما رواه ابن بابويه عن ابن
عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنـه قـال :
(( والذي بعثني لا يعذب بالنار موحد أبداً )) ([28])
.
وروى الطبرسي([29])
في ( الاحتجاج ) عن الحسن بن علي أنه قال : ((
من أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد ،
علم ما اختلـف فيه إلى الله سلم ونجا من النار ودخـل
الجنة )) ([30])
.
وروى الكليني بإسناد صحيح عن زرارة قال
: (( قلت لأبي عبد الله : أصلحك الله أرأيت من صام
وصلى وحج واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا
ينصب ؟ قال : إن الله يدخله الجنة برحمته )) ([31])
.
فهذه الأخبار الثلاثة دالة بالصراحة
على نجاة أهل السنة ، وكذلك على إبطال قول الجمهور من
الروافض وقول صاحب ( التقويم ) ، وكلام ابن
نوبخت المنجم الذي كان في الأصل مجوسياً ولم يطلع على
قواعد الإسلام بعد أيضاً باطل لا أصل له ؛ لأن الأعراف
ليس دار الخلد بل أهله يمكثون فيه مدة قليلة ثم يدخلون
الجنة كما هو الأصح عند المسلمين .
([1])
عقيدة ( الرجعة ) عند الإمامية هي عودة إمامهم
الغائب المزعوم الذي يسمونه بأسماء شتى منها
القائم ، وصاحب الزمان ، والحجة وغيرها ، فيبعث
الله تعالى كبار الصحابة – وفق عقيدتهم وزعمهم -
وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فينكل بهم
ويصلبهم ، ولا يستطيع القائم أن يقوم بهذه المهمة
بنفسه على حد اعتقاد الإمامية ، قال ابن بابويه :
(( إن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية ، اَنّ الله
تعالي يعيد عند ظهور لمهدي قوماً ممن كان تقدم
موته من شيعته و قوماً من أعدائه )) . وقال المفيد
: (( اتفقت الامامية على وجوب رجعة كثير من
الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة )) . نجم
الدين الطبسي ، الرجعة : ص 4 .
([2])
ينظر ما قاله القرطبي في تفسير هذه الآية . الجامع
لأحكام القرآن : 12/149 .
([3])
سماها صاحب الذريعة بـ ( المسائل الناصريات ) ،
صنفها علي بن الحسين بن موسى الموسوي ( ت 436هـ )
، وهي عبارة عن سبع ومائتي مسألة منتزعة من (
الفقه الناصرية ) تصنيف الناصر الكبير جد المرتضى
. الذريعة : 20/370 .
([4])
ونقله الآلوسي
بالمعنى ، وهو حديث طويل أورده ابن رستم الطبري
ناسباً الكلام إلى المهدي
المنتظر حيث يقـول : (( وأجيء إلى يثرب فأهدم
الحجرة [ يعني التي دفن فيها
النبي
e
وصاحبيه ] وأخرج من بها وهما
طريان [ يعني الصديق والفاروق رضي الله عنهما ]
فأمر
بهما تجاه البقيع ، وآمر بخشبتين يصلبان عليها ،
فتورقـان من تحتهما فيفتتن الناس
بهما أشد من الأولى ... )) . الطبري ، دلائل
الإمامة : 297 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 53/104
.
([5])
هو جابر بن يزيد بن الحرث الجعفي الكوفي ، أختلف
علماء الحديث من أهل السنة فيه ، فذهب البعض إلى
توثيقه ، وذهب معظمهم إلى تضعيفه وتركه ، فقد تركه
النسائي ، وقال يحيى : (( لا يكتب حديثه ولا كرامة
)) ، ونقل عباس الدوري عن زائدة قوله عن الجعفي :
(( بأنه كان كذاباً )) ، مات سنة 128هـ . ميزان
الاعتدال : 2/103 . أما الإمامية فقد عدوه من خيرة
رواتهم عن الباقر والصادق حتى قيل عنه إنه روى
عنهما سبعين ألف حديث ، قال المامقاني : (( إن
الرجل في غاية الجلالة ونهاية النبالة ، وله
المنـزلة العظيمة عليهما السلام بل ، من أهل
أسرارهما وبطانتهما ومورد ألطافهما الخاصة
وعنايتهما المخصوصة وأمينهما على ما لا يؤتمن عليه
إلا أوحدي العدول من الأسرار ومناقب أهل البيت
عليهم السلام )) . تنقيح المقال : 1/203 ؛ رجال
النجاشي : 1/313 . ولذلك توقف المحققون من أهل
السنة عن الأخذ عن هذا الرجل ، وهم محقون في ذلك .
([6])
وهذه الرواية ثابتة في كتبهم فقد أخرج القمي عن
أبي عبد الله قال : (( انتهى رسول الله
e
إلى أمير المؤمنين
u
وهو نائم في المسجد ، قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه
، فحركه برجله ثم قال : قم يا دابة الله ، فقال
رجل من أصحابه يا رسول الله : أيسمي بعضنا بعضاً
بهذا الاسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ،
وهو دابة الأرض الذي ذكر الله تعالى في كتابه :
]
وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الأرض
...
[
فذكر الآية )) . تفسير القمي : 2/130 ؛ وأخرج هذه
الرواية أيضاً الصافي في تفسيره : 4/74 ؛ والمجلسي
في بحار الأنوار : 39/59 .
([7])
ابن كثير ، التفسير : 3/234 .
([8])
ينظر للتفاصيل تفسير الآلوسي الجد : روح المعاني :
1/214 .
([9])
هو شمر بن ذي الجوشن ( شراحبيل ) بن قرط الضبابي
الكلابي ، أبو السابغة ، كان ممن شارك في قتل
الحسين
t
يوم الطف ، وكان قبل ذلك من ذوي الرئاسة في هوزان
، وشهد صفين مع علي
t
، وبعد استشهاد الحسين
t
قام بالكوفة ، وعند خروج المختار هرب إلى خوزستنان
فتتبعه أعوان المختار وقتلوه هناك سنة 66هـ .
الكامل في التاريخ : 4/92 ؛ ميزان الاعتدال :
1/449 .
([10])
وينسبون روايات كثير في كتبهم إلى الأئمة وإلى
النبي
e
في هذا المعنى ، منها ما روي عن النبي
e
أنه قال لعلي : (( إنك قسيم الجنة والنار )) .
عيون أخبار الرضا : 2/27 ؛ العمدة : ص 265 .
([11])
ص 9 من هذا الكتاب .
([12])
من ذلك ما ورد من دعاء السجاد قوله : (( وإن كنت
تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عني حين أستحق
عفوك فإن ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل
له باستجاب ، إذ كان جزائي منك ما عصيتك النار ،
فإن تعذبني فأنت غير ظالم لي )) . الصحيفة
السجادية : ص 84 . وروى الكليني عن سليمان بن خالد
قـال : (( حضرت عشاء أبي عبد الله
u
في الصيف فأتي بخوان عليه خبز وأتي بقصعة ثريد
ولحم فقال هلم إلي هذا الطعام فدنوت فوضع يده فيه
ورفعها وهو يقول : أستجير بالله من النار أعوذ
بالله من النار أعوذ بالله من النار هذا ما لا
نصبر عليه فكيف النار ؟ هذا ما لا نقوى عليه فكيف
النار ؟ هذا ما لا نطيقه فكيف النار ؟ قال : وكان
u
يكرر ذلك حتى أمكن الطعام فأكل وأكلنا معه )) .
الكافي : 6/322 .
([13])
ينظر ابن كثير ، التفسير : 1/356 .
([14])
في الأصل ( عمرو ) والتصحيح من كتب الإمامية . هو
المفضل بن عمر بن محمد الجعفي ، أبو عبد الله
روايته عند الإمامية عن الصادق ، جرحه علمائهم
باستثناء المفيد ، واتفقوا علة أنه كان خطابياً ،
ورغم ذلك فقد قال المامقاني : (( إن الرجل صحيح
الاعتقاد ثقة جليل لتوثيق المفد إياه ... )) .
رجال النجاشي : 2/259 ؛ تنقيح المقال : 3/238 .
([15])
علل الشرائع : 1/161 ؛ معاني الأخبار : ص 206 .
([16])
هو وزير فرعون الذي كان يشجعه على الكفر والطغيان
. ينظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 13/288
([17])
هو شداد بن عاد عوص بن سام بن نوح ، ذكره عدد من
المفسرين بأنه الباني لأرم ذات العماد التي ذكرها
الله تعالى في سورة الفجر ، وكان الله تعالى قد
أرسل إليهم هوداً
u
فكذبوه وعصوه ، ويضرب المثل في عمارة ( أرم )
وأتساعها وقد بالغ الأخباريون في ذكرها ، قال
تعالى : ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد . أرم ذات
العماد . التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ الآيات .
ابن كثير ، قصص الأنبياء : ص 101 وما بعدها .
([18])
هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، هو الذي
حاج إبراهيم
u
في ربه ، قال تعالى : ﴿ أم تر إلى الذي حاج
إبراهيم في ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي
الموتى ، قال أنا أحي وأميت ﴾ الآية . ينظر :
تفسير ابن كثير : 1/314 .
([19])
الأمالي : ص 658 ؛ الطوسي ، الأمالي : 118 ؛
المفيد ، الأمالي : ص 76 .
([20])
ابن شاذان ، مائة منقبة : ص 89 ؛ الأربلي ، كشف
الغمة : 1/345 .
([21])
الأمالي : ص 672 ؛ المفيد ، الأمالي : ص 218 ؛
الشعيري ، جامع الأخبار : ص 143 .
([22])
غير موجودة في الأصل وضعناها من كتب الإمامية
لإتمام المعنى .
([23])
تفسير فرات : ص 73 ؛ ابن بابويه ، عيون أخبار
الرضا : 1/58 ؛ ابن طاوس ، اليقين : ص 149 .
([24])
وقد وضع الإمامية روايات في ذلك ونسبوها إلى
الأئمة ، من ذلك ما رووه عن حمران أنه : (( سأل عن
المخالفين [ لعقيدة الإمامية ] هل هم ممن يخرجون
من النار ؟ فقال أبو عبد الله : أما يقرؤون قول
الله تبارك ( ومن دونهما جنتان ) إنها جنة دون جنة
ونار دون نار ، انهم لا يساكنون أولياء الله ،
وقال : بينهما والله منـزلة ، ولكن لا أستطيع أن
أتكلم ، إن أمرهم لأضيق من الحلقة ، إن القائم لو
قام لبدأ بهم )) . بحار الأنوار : 8/359 . ويبين
المجلسي لأصحابه ما خفي عليهـم من كلام الإمـام
فيقـول : (( قوله عليه السلام
: إن أمرهم : أي المخالفين ، لاضيق من الحلقة : أي
الأمر في الآخرة مضيق عليهم لا يعفى عنهم كما يعفى
عن مذنبي الشيعة ، ولو قام القائم بدأ بقتل هؤلاء
الكفار ، فقولـه ( لا أستطيع التكلم ) : أي في
تكفيرهم تقية )) !! . ويعني بالمخالفين كل من خالف
مذهب الإمامية سواء كان من أهل السنة أو فرق
المسلمين الأخرى ، فهؤلاء كلهم كفار عند الإمامية
خالدون في النار كما قرر المجلسي ذلك عندما قال :
(( والحاصل إن المخالفين ليسوا من أهل الجنان ولا
من أهل المنـزلة بين الجنة والنار ، وهي الأعراف ،
بل هم مخلدون في النار ... )) . بحار الأنوار :
8/360 – 361 .
([25]) كذا
ذكره ، والمقصود به الحسن بن موسى ، أبو محمد
النوبختي ، قال عنه الذهبي : (( العلامة ذو الفنون
الشيعي المتفلسف )) ، وقال عنه النجاشي : (( شيخنا
المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه )) ، قال
كحالة : كانت المعتزلة تدعيه والشيعة تدعيه ،
ولكنه إلى حيز الشيعة أقرب )) تصانيفه كثيرة . وقد
ذكر له النجاشي مؤلفات كثيرة ، مات بعد سنة 300هـ
. رجال النجاشي : 1/179 ؛ سير أعلام النبلاء :
15/327 ؛ لسان الميزان : 2/258 ؛ معجم المؤلفين :
3/298 .
([26])
شرح تجريد الاعتقاد : ص 423 – 424 .
([27])
هو لمحمد باقر بن محمد الحسيني الأسترآبادي
الأصفهاني المعروف عند الشيعة بالمحقق الداماد ( ت
1040هـ ) ، وسماه ( تقويم الإيمان ) . الذريعة :
4/396 .
([28])
الأمالي : ص 295 ؛ التوحيد : ص 29 ؛ الفتال ، روضة
الواعظين : 1/42 .
([29])
هو أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي ، أبو منصور ،
من مشاهير العلماء عند الإمامية قال عنه الحر
العاملي : (( عالم فقيه محدث ثقة )) ، وله غير هذا
الكتاب التفسير الذي اشتهر عنه ، يرجح أن وفاته
كانت بحدود سنة 622هـ . معالم العلماء : ص 25 ؛
أعيان الشيعة : 9/100 .
([30])
الاحتجاج : ص 287 .
|