|
مطاعنهم في الصحابة
رضي الله تعالى عنهم
على سبيل العموم
منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العير التي جاءت من
الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو
واشتغلوا بالتجارة ، وذلك دليل على عدم الديانة([1])
.
الجواب : أن تلك القصة إنما وقعت في
بدء زمن الهجرة ، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب
الشرعية كما ينبغي ، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة ،
وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء ، ولم
يخرجوا جميعهم ، بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا
قائمين عنده صلى الله تعالى عليه وسلم كما ثبت في
الأحاديث الصحيحة ، ولذا لم يشنع عليهم ، ولم يتوعدهم
سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول صلى الله تعالى عليه
وسلم أيضاً ([2]).
ومنها أن أهل السنة رووا في صحاحهم عن
ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم : (( سيجاء برجال من أمتي فيوخذ بهم ذات الشمال ،
فأقول : أصحابي أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما
أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح :
]
وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ
أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ شَهِيدٌ
[
[ المائدة : 117 ] ، فيقال : إنهم لن يزالوا مرتدين
على أعقابهم منذ فارقتهم )) ([3])
.
والجواب عنه أولاً إنا لا نسلم بأن
المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا ، بل المراد
بهم مطلق المؤمنين به صلى الله تعالى عليه وسلم
المتبعين له ، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب
أبي حنيفة ، ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي وهكذا ،
وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع ، وكذا يقول الرجل
للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا ، مع أن بينه
وبينهم عدّة من السنين ، ومعرفته صلى الله تعالى عليه
وسلم لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح
عليهم ، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون
يوم القيامة من عصاة غيرهم ، كما أن طائعيهم يمتازون
عن طائعي غيرهم ، وجذبهم ذات الشمال تأديباً لهم
وعقاباً على معاصيهم ، ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو
المعلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب في عهد
الصديق رضي الله تعالى عنه([4])
، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : (( أصحابي أصحابي
)) لظن أنهم لم يرتدوا كما يؤذون به ما قيل في جوابه
من أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك([5])
.
فإن قلت : إن ( رجالاً ) في الحديث كما
يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن
يراد ما زعمته الشيعة ، أجيب : إن ما ورد في حقهم من
الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما
زعمته الشيعة ، أما الآيات فكقوله تعالى :
]
وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ
[
[ الأنفال : 74 ] ، وقوله تعالى :
]
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ
_
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ
فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ
[
[ التوبة : 20 – 21 ] ، وقوله تعالى :
]
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ
مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ
[
[ التوبة : 100 ] ، وقوله تعالى :
]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ
[
[ الفتح : 18 ] إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى .
وأما الأحاديث فقوله صلى الله تعالـى
عليه وسلم : (( أصحـابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
)) ([6])
، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (( الله الله في
أصحابي )) الحديث([7])
، إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عنها المقام ،
وأما أقوال الأئمة فقد مر لك شيء منها([8])
، ولا مساغ للتخصيص الذي يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه
.
ومنها أن كثيراً من الصحابة فر من
الزحف في غزوتي أحد وحنين ، والفرار من الزحف من أكبر
الكبائر([9])
.
الجواب : أن الفرار يوم أحد كان قبل
النهي ، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه ، بدليل قوله
سبحانه :
]
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
[
[ آل عمران : 155 ] ([10])
.
وأما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه
كان فراراً في الحقيقة معاتباً عليه لم يصر عليه أولئك
المخلصون ، بل انقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى :
]
ثُمَّ أَنـزلَ اللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَأَنـزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
[
([11])
.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد
الله بن عمرو بن العاص([12])
أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : (( إذا
فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم ؟ فقال عبد
الرحمن بن عوف : كما أمرنا الله تعالى ، فقال رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم : كلا بل تتنافسون ثم
تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين
فتحملون بعضهم على رقاب بعض )) ([13])
، فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض
فيما بين الصحابة .
والجواب : أن الخطاب - وإن كان للصحابة
- لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم ، وهو لا يستدعي أن
يكون منهم ، ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون أو
أنصار ، والحديث صريح في أن أولئك الفرقة ليسوا
مهاجرين ، والواقع ينفي كونهم من الأنصار لأنهم ما
حملوا المهاجرين على التحارب ، فتعين أنهم من التابعين
، وقد وقع ذلك منهم ، فإنهم حملوا المهاجرين على
التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه ، ولا كلام لنا
فيهم .
ومنها أنهم آذوا علياً وحاربوه ، وقد
قـال صلى الله تعالى عليه وسلم : (( من آذى علياً فقد
آذاني )) ([14])
.
والجواب : أن تلك المحاربات كانت لأمور
اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك ، ولا بد ههنا من
التفاصيل ، ليتبين من هو على الحق ممن سلك سبل التضليل
فأقول :
اعلم أن ما تداولت الألسن من الاختلاف
الواقع بين الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ما وقع
في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه ، فنشأ منه وقعتان
عظيمتان : وقعة الجمل ، ووقعة صفين ، والأصل الأصيل
لذلك قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وأنكر الهشامية([15])
تلك الوقعتين ، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع ،
لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه .
وتلخيص الأولى : أنه لما قتل عثمان رضي
الله تعالى عنه صبراً توجع المسلمون فسار طلحة والزبير
وعائشة – وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها –
نحو البصرة([16])
، فلما علم علي كرم الله تعالى وجهه بمخرجهم اعترضهم
من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام ففاتوه ،
وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة وأهل
الكوفة ، ولما قدموا البصرة استعانوا بأهلها وبيت
مالها ، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه
حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك ، فثار
قتلة عثمان وكان ما كان([17])
، وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه ، وكان قتالهم من
ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من
جمادى الآخرة([18])
.
ولما ظهر علي رضي الله تعالى عنه جاء
إلى أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فقال : (( غفر
الله لك ، قالت : ولك ما أردت إلا الإصلاح )) ([19])
، ثم أنـزلها دار عبد الله بن خلف([20])
وهي أعظم دار في البصرة على صفية بنت الحارث([21])
أم طلحة الطلحات([22])
، وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال
رجل : (( يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلان ينالان من
عائشة ، فأمر القعقاع بن عمرو([23])
أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، وأن يجردهما من
ثيابهما ففعل ))([24])
.
ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها
بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع ، وأذن لمن نجا من
الجيش أن يرجع إلا أن يحب المقام ، وأرسل معها أربعين
امرأة ، وسير معها أخاها محمداً ، ولما كان اليوم الذي
ارتحلت فيه جاء علي كرم الله تعالى وجهه فوقف على
الباب وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم
وقالت : (( يا بني لا يغتب([25])
بعضكم بعضاً ، إنه والله ما كان بيني وبين علي بن أبي
طالب رضي الله تعالى عنه في القديم إلا ما يكون بين
المرأة وأحمائها ، وإنه لمن الأخيار ، فقال علي كرم
الله تعالى وجهه : صدقت ، والله ما بيني وبينها إلا
ذلك ، وإنها زوجة نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم في
الدنيا والآخرة )) ([26])
، وسار معها مودعاً أميالاً ، وسرَّح بنيه معها بقية
ذلك اليوم([27])
، (( وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما
وقع منها تبكي حتى تبل خمارها ))([28])
.
ففي هذه المعاملة من الأمير كرم دليل
على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها([29])
– وحاشاها رضي الله تعالى عنها – وفي ندمها وبكائها
على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي
نقية من غبار تلك المعركة ، على أن في كلامها ما يدل
على أنها كانت حسنة النية في ذلك ، وقال غير واحد إنها
اجتهدت ولكنها أخطأت في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد
المخطئ ، بل له أجر على اجتهاده ، وكونها رضي الله
تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه([30])
.
نعم قالت الشيعة : إنه يبطل اجتهادها
أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوماً لأزواجه : ((
كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب ، فإياك أن تكوني أنت
يا حميراء )) ([31])
والحوأب : كجعفر منـزل بين البصرة ومكة قيل نـزلته
عائشة ونبحتها كلابه ، فتذكرت الحديث وهو صريح في
النهي ولم ترجع .
والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها
لما سمعت ذلك وتحققته من محمد بن طلحة([32])
همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ، ومع هذا شهد لها
مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية
أن هذا المكان مكان آخر وليس بالحوأب ، على أن : ((
إياك أن تكوني يا حميراء )) ليس موجوداً في الكتب
المعول عليها عند أهل السنة([33])
، فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد ، على أنه لو
كان فلا يرد محذوراً أيضاً لأنها اجتهدت فسارت حين لم
تعلم أن في طريقها هذا المكان ، ولو أنها علمت لم
يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه ، وليس في الحديث
بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله ، فلا جرم مرت على ما
قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة .
وأما طلحة والزبير رضي الله تعالى
عنهما فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم الله تعالى
وجهه ، أما طلحة فقد روى الحاكم([34])
عن ثور بن مجزأة ([35])
أنه قال : (( مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي
: من أنت ؟ قلت : من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله
تعالى عنه ، فقال : ابسط يدك أبايعك ، فبسطت يدي
فبايعني وقال : هذه بيعة علي ، وفاضت نفسه ، فأتيت
علياً رضي الله تعالى عنه فأخبرته فقال : الله أكبر
صدق الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أبى
الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه ))
([36])
.
أما الزبير رضي الله تعالى عنه فقد
ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكَّره قول
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له : (( لتقاتلن علياً
وأنت له ظالم ، فقال : لقد أذكرتني شيئاً أنسانيه
الدهر ، لا جرم لا أقاتلك أبداً )) ([37])
، فخرج من العسكرين نادماً ، وقتل بوادي السباع
مظلوماً قتله عمرو بن جرموز([38])
، وقد ثبت عند الفريقين أنه جاء بسيفه واستأذن على
الأمير كرم الله تعالى وجهه فلم يأذن له ، فقال : ((
أنا قاتل الزبير ، فقال : أبقتل ابن صفية تفتخر ؟ سمعت
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : بشر قاتل
ابن صفية بالنار )) ([39])
.
وأما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما
قيل ، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عـن
الحسن (( أن ناساً من الصحابة رضي الله تعالى عنه
ذهبوا يتطرقون([40])
، فقتل واحد منهم رجلاً قد فر وهو يقول : إني مسلم ،
فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك غضباً
شديداً ولم يقتل القاتل ))([41])
.
وكذا قتل أسامة رضي الله تعالى عنه
فيما أخرجه السدي رجلاً يقول : (( لا إله إلا الله
محمد رسول الله فلامه رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم جداً ولم يقبل عذره وقال له : كيف أنت ولا إله
إلا الله ؟ ونـزل قوله تعالى :
]
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى
إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
[
الآية [ النساء : 94 ] ))([42])
.
وأجاب آخرون بأن العلماء اختلفوا في
أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا طلـب الـوليّ أم لا
؟([43])
، ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب
بدون طلب ولم يقع ، وروي أيضاً أن الأمير رضي الله
تعالى عنه قال : (( لما جاءه عمر بن طلحة([44])
بعد موت أبيه : مرحباً بابن أخي إني لأرجو أن أكون أنا
وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم :
]
وَنَزَعْنَا مَا فِي
صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ
[
[ الحجر : 47 ] )) ([45])
، وهذا ونحوه مما يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما
لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين .
وأما تلخيص الواقعة الثانية :
فقد ذكر المؤرخون أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان قد
استنصره ابنا عثمان رضي الله تعالى عنه ووكَّلاه حقهما
من قتلة أبيهما([46])
، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة
الجمل ومسيره إلى الشام خرج عن دمشق حتى ورد صفين في
نصف المحرم فسبق على سهولة المنـزل وقرب الفرات ، فلما
ورد الأمير رضي الله تعالى عنه دعاهم إلى البيعة فلم
يفعلوا ، وطلبوا منه قتلة عثمان – وكانوا قد انحازوا
إلى عسكره ، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا
بأعيانهم – فمال رضي الله تعالى عنه إلى التأخير حتى
يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره ، فأبى معاوية إلا
تسليم من يزعمونه قاتلاً([47])
، وكثر القيل والقال حتى اتهم بنو أمية الأمير كرم
الله تعالى وجهه بأنه الذي داس على قتلة عثمان رضي
الله تعالى عنه ، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف
بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم([48])
:
ألا ما لليـلى لا تغور
كواكبـُهْ إذا غـاب نـجمٌ لاح نـجم نراقبُهْ
بني هاشم رُدّوا سلاحَ ابن أختكم([49])
ولا تَنْهبــوه لا تــحلُّ مناهِبـُةْ
بني هاشم لا تعجلونــا فإنـه
سـواءٌ علـينا قاتلـُوه وسـالبــه
وإنا وإياكم ومــا كان منكم
كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعِبُهْ ([50])
بني هاشم كيف التقاعـد بيننا
وعند عليٍّ سيفــــه وحرائبـُـهْ
لعَمركَ لا أنسى ابنَ أَرْوَى([51])
وقتلَه وهل ينسيَنّ الـماءَ ما عاش شارِبـُـهْ
هــمُ قتلوه كي يكونوا مكانَه
كما فعلـــتْ يوماً بكسْرى مزاربُهْ ([52])
وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن
قتلة عثمان ويقول : (( يا معاوية ، لو نظرت بعين عقلك
دون عين هواك لرأيتني أبرأ الناس من قتلة عثمان )) ([53])
، وتصرفه رضي الله تعالى عنه بسلاحه لأنه كان من
الأشياء الراجعة إلى بيت المال ، وحكمه إذ ذاك كحكم
المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام ، مع
إنه قد وقع الحرب بينهم مراراً وبقي كرم الله تعالى
وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة وقيل تسعة ، وجرى ما
تشيب منه الرؤوس وتهون معه حرب البسوس([54])
، وليلة الهرير أمرها شهير([55])
، وآل الأمر إلى التحكيم ، وحدث من ذلك ما أوجب ترك
القتال مع معاوية والاشتغال بأمر الخوارج ، وذلك تقدير
العزيز العليم([56])
.
وأهل السنة إلا من شذ من يقولون : إن
علياً كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم
يفترق عنه قِيد شبر ، وأن مقاتليه في الواقعتين مخطئون
باغون وليسوا بكافرين خلافاً للشيعة ، ولا فاسقين
خلافاً للعمرية أصحاب عمرو بن عبيد من المعتزلة([57])
.
وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى
وجهه فغني عن البيان ، وأما كون المقاتل باغياً فلأن
الخروج على الإمام الحق بغي ، وقد صح عنه صلى الله
تعالى عليه وسلم أنه قال : (( ويح عمار تقتله الفئة
الباغية )) ([58])
، وقد قتله عسكر معاوية ، وقوله حين أخبر بذلك : ((
قتله من أخرجه )) ([59])
مما لا يلتفت إليه ، وإلا لصح أن يقال إن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم قاتل حمزة وأضرابه ممن قتل
معه صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكذا قول من قال :
المراد من الفئة الباغية الطالبة أي لدم عثمان ، فلا
يدل الخبر على البغي المذموم([60])
.
وأما كونه ليس بكافر فلما في ( نهج
البلاغة ) أن علياً كرم الله تعالى وجهه خطب يوماً
فقال : (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل
فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة ))([61])
. ولقوله تعالى
]
طَائِفَتَانِ مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى
أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَـدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[
[ الحجرات : 9 ] ، فسمى الله تعالى الطائفتين
المقتتلين ( مؤمنين ) وأمر بالإصلاح بينهما([62])
.
وأجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في
قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام
والنعي عليه ، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا
بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فيما بينهم ، وأن
يقاتلوا فيما بينهم ، وأن يقاتلوا إذا بغت إحداهما حتى
تفيء([63])
.
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن
وعدم نفعه للمجيب أصلاً ؛ لأن الأمر الثاني يستدعي أن
يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم ، ومما يدل على أن
المحارب غير كافر صلح الحسن رضي الله تعالى عنه مع
معاوية ، وهو مما لا مجال لإنكاره .
وقد روى المرتضى وصاحب ( الفصول
المهمة ) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح بينه رضي
الله تعالى عنه وبين معاوية خطب فقال : (( إن معاوية
نازعني حقاً دوني ، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ،
وقد كنتم بايعتموني أن تسالموا من سالمني وتحابوا من
حاربني ، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ولم
أرد بذلك إلا صلاحكم )) ([64])
، انتهى .
وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق
المصالح ، وأن المصلحة لم تقع إلا اختياراً ، ولو كان
كافراً لما جاز ذلك ولما صح أن يقال (( فنظرت الصلاح
للأمة وقطع الفتنة )) أ . هـ ، فقد قال سبحانه وتعالى
:
]
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[
[ البقرة : 193 ] .
ويدل على وقوع ذلك أيضاً ما رواه صاحب
( الفصول ) عن أبي مخنف من أن الحسين رضي الله
تعالى عنه كان يبدي كراهة الصلح ويقول : (( لو جزَّ
أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي )) ([65])
، فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح من
أخيه رضي الله تعالى عنهما اختياراً ، فإن الضرورات
تبيح المحضورات وهو ظاهر .
وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية
رضي الله تعالى عنه ندم على ما كان من المقاتلة والبغي
على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه كرم
الله تعالى وجهه، فقد أخرج ابن الجوزي عن أبي صالح([66])
قال : (( قال معاوية لضرار([67])
: صف لي علياً ، فقال : أوتعفني ، قال : بل تصفه ،
فقال : أوتعفني ، قال : لا أعفيك ، قال : أما ولابد
فإنه والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ،
ويحكم عدلاً ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة
من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس
بالليل وظلمته ، كان والله عزيز الدمعة ، طويل الفكرة
، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ،
ومن الطعام ما خشن ، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا
سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ..
إلى أن قال : لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس
الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه
وقد أرخى الليل سجوفه([68])
، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته
يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأني اسمعه
يقول : يا دنيا يا دنيا ألي تعرضت أم بي تشوفت([69])
؟ هيهات هيهات ، غرَّي غيري قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي
فيك ، فمعرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطوك كبير ، آهٍ من
قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق - قال فذرفت دموع
معاوية – وهو ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ،
ثم قال معاوية : رحم الله تعالى أبا الحسن كان والله
كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال : حزن من ذبح
ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها )) ([70])
. انتهى .
وما يذكره المؤرخون من أن معاوية رضي
الله تعالى عنه كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه
بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ، ويتكلم بما يتكلم في
شأنه مما لا ينبغي أن يعوَّل عليه أو يلتفت إليه ؛ لأن
المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب ، ولا يميزون بين الصحيح
والموضوع والضعيف ، وأكثرهم حاطب ليل لا يدري ما يجمع
، فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق
الوعر والمهمة القفر الذي تضل فيه القطا ، وتقصر دونه
الخطا ، مما لا يليق بشأن عاقل فضلاً عن فاضل ، ومما
جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة
فينبغي أيضاً التوقف عن قبوله والعمل بموجبه ؛ لأن له
معارضات مسلمة في الصحة والثبوت .
على أن من سلم من داء التعصب وبرئ من
وصمة الوقوع في أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم حمل ذلك على أحسن المحامل ، وأوله بما يندفع به
الطعن عن أولئك السادة الأماثل ، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل ، وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل .
([1])
الحلي ، نهج الحق : ص 317 .
([2])
ويشير ( رحمه الله ) إلى ما أخرجه مسلم عن جابر بن
عبد الله قال : (( بينا النبي صلى الله عليه وسلم
قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة ،
فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فيهم أبو بكر وعمر
قال : ونزلت هذه الآيـة : ( وإذا رأوا تجارة أو
لهوا انفضوا إليها ) )) . الصحيح : 2/590 ، رقم
863 .
([3])
الحديث أخرجه البخاري عن سهل بن سعد
t
، الصحيح ، كتاب الرقائق ، باب الحوض : 5/2406 ،
رقم 6212 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الفضائل ، باب
حوض نبينا وصفاته : 4/1793 ، رقم 2290 ، ولم يقع
التصريح في رواية الصحيحين لفظ ( أصحابي ) بل وردت
لفظ : ( أقوام أعرفهم ويعرفونني .... ) .
([4])
قال الخطابي فيما نقله عنه ابن حجر : (( لم يرتد
من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب
ممن لا نصرة له في الدين ، وذلك لا يوجب قدحا في
الصحابة المشهورين )) . فتح الباري : 11/285 .
([5])
قال النووي : (( إن المراد به المنافقون والمرتدون
فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي
صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم ، فيقال :
ليس هؤلاء مما وعدت بهم أن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم
يموتوا على ما ظهر من إسلامهم والثاني أن المراد
من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد
بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وان لم
يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه صلى الله
عليه وسلم في حياته من إسلامهم فيقال : ارتدوا
بعدك ... )) . شرح النووي على صحيح مسلم : 3/136 .
([6])
الحديث أخرجه ابن عبد البر في جامع العلم :
2/91 ، ابن حزم في الإحكام : 6/244 ، وأخرجه ابن
مندة في الفوائد : ص29 رقم 11 ؛ وحكم عليه
الألباني بالوضع في السلسلة الضعيفة رقم 58 .
([7])
الحديث أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مغفل أن
النبي
e
قال : (( الله الله في أصحابي الله الله في
أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي
أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد
آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك
أن يأخذه )) السنن ، كتاب المناقب ، باب من سب
أصحاب النبي
e
: 5/696 ، رقم 3862 ؛ الإمام أحمد ، المسند : 5/54
. قال الألباني : ( ضعيف ) : ضعيف الجامع : 1160 .
([8])
ص 189 من هذا الكتاب .
([9])
هذا ما ادعاه ابن المطهر الحلي في نهج الحق : ص
317 .
([10])
ينظر تفسير ابن كثير : 1/419 .
([11])
وقد ثبت كبار الصحابة مع رسول الله
e
، قال ابن إسحاق : (( وفيمن ثبت معه من المهاجرين
أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب
والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث وابنه
والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد
وأيمن بن عبيد قتل يومئذ )) . السيرة النبوية :
5/111 . وقد ادعى الحلي بأن الذي ثبت يومئذ مع
رسول الله
e
أهل بيته فقط ، ولم يكن فيهم أبو بكر أو عمر ،
وهذا من كذبه الفاضح ، وقد تقدم النقل عن ابن
إسحاق فيمن ثبت في يوم حنين ، قال الحلي واصفاً
الصحابة بعبارات تفوح منها عقيدته ورفضه : ((
وأسلمه الباقون إلى الأعداء ولم يخشوا النار ولا
العار ... )) إلى آخر ما قال أخزاه الله ، نهج
الحق : ص 317 .
([12])
هو عبد الله بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد
بن سهم القرشي ، أبو محمد ، أسلم قبل أبيه ، وكان
فاضلاً حافظاً عالماً قرأ الكتاب ، واستأذن النبي
e
أن يكتب حديثه فأذن له ، توفي بالشام سنة 55هـ .
الاستيعاب : 3/956 ؛ الإصابة : 4/192 .
([13])
الحديث أخرجه مسلم ، الصحيح ، كتاب الزهد والرقائق
: 4/2274 ، رقم 2962 ؛ ابن ماجة ، السنن ، كتاب
الفتن ، باب فتنة المال : 2/1324 ، رقم 3996.
([14])
الحديث أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن شاس الأسلمي
قال : (( خرجت مع علي إلى اليمن فجفاني في سفري
ذلك حتى وجدت في نفسي عليه ، فلما قدمت أظهرت
شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول الله
صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه ، فلما رآني
أبدني عينيه يقول حدد إلي النظر حتى إذا جلست قال
: يا عمرو والله لقد آذيتني ! قلت أعوذ بالله أن
أوذيك يا رسول الله قال : بلى من آذى عليا فقد
آذاني )) . المسند : 3/483 ؛ ابن حبان ، الصحيح :
15/365 . وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس قد
عنعن هنا .
([15])
هي ليست من فرق الشيعة ( كما ظن الشيخ محب الدين
الخطيب : ينظر ص 19 ) بل هي من فرق المعتزلة تنسب
إلى هشام بن عمرو الفوطي الشيباني ( توفي في حدود
220هـ ) ، قال عنه الذهبي : (( صاحب ذكاء وجدال
وبدعة ووبال )) ، وكان من أشد الناس قولاً بالقدر
، ويمتنع عن إطلاق إضافات الأفعال وإن وردت في
القرآن الكريم . الفرق بين الفرق : ص 159 ؛ سير
أعلام النبلاء : 10/547 .
([16])
قال الآلوسي : (( كانت جماعة من كبار الصحابة
كطلحة والزبير بن العوام ونعمان بن بشير ومحمود بن
مسلمة وكعب بن عجرة وغيرهم يتلّهفون على عثمان ،
ويقولون أنه كان على الحق ، ومقاتلوه على الباطل
وأنه قتل مظلوماً ، وسمع ذلك قتلة عثمان فغاضبوا
وأرادوا بهم كيداً ، فلما أحسوا بذلك هرب كل منهم
إلى ناحية ، فهرب طلحة والزبير إلى مكة ، فلما
قدما إليها وجدا فيها أم المؤمنين ، وكانت حاجة في
السنة التي قتل فيها عثمان ، فقالت : ما ورائكما ؟
فقالا : إنا تحملّنا هرباً من المدينة من غوغاء
الأعراب ، ثم قالا مع جمع آخر لها عسى أن تخرجي
رجاء أن يرجع الناس إلى أمّهم وهي تمتنع عليهم
ويحتجون عليها بقوله تعالى :
]
لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
[
[ النساء : 114 ] ، فأجابتــهم عائشة )) . السيوف
المشرقة : 114/ب . وينظر أيضاً : الطبري ، التاريخ
: 3/7 ؛ ابن الجوزي ، المنتظم : 5/80 ؛ ابن الأثير
الكامل : 3/101 .
([17])
إذ قد ثبت تاريخياً أن الصلح قد حصل بين الفريقين
، فقد أرسل علي
t
القعقاع بن عمرو إلى معسكر عائشة ونجح القعقاع في
إقناع طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة
y
بأن الاقتصاص من قتلة عثمان لا يكون إلا بعد أن
تستتب الأمور وتسكن الفتنة ، فقالوا لـه : أصبت
وأحسنت ، واصطلح الفريقان على ذلك ، ولكن قتلة
عثمان وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ اليهودي لم يرق
لهم هذا الأمر وخشوا أن يفضحوا فأحدثوا فتنة عظيمة
بين الفريقين ، كانت النتيجة حصول المعركة والقتال
بين الطرفين ، ومع ذلك لم يكن أيٌّ من الطرفين
راغباً في القتال ، ولكن بسبب أهل البغي والفتنة
حدث هذا القتال الذي لم يستمر طويلاً ، رغم
المبالغات التاريخية التي وردت في وصفه . ينظر :
تاريخ الطبري : 3/29 ؛ ابن الجوزي ، المنتظم :
5/85 .
([18])
تاريخ الطبري : 3/39 ؛ ابن الأثير ، الكامل :
3/130 .
([19])
ذكر هذه الرواية الطبري 3/55 ولكن دون قولها رضي
الله تعالى عنها : ما أردت إلا الإصلاح .
([20])
هو عبد الله بن خلف بن أسعد بن عامر الخزاعي ،
أبو طلحة ، كان كاتباً لعمر بن الخطاب
t
على ديوان البصرة ، شهد الجمل مع عائشة رضي الله
عنها فقتل فيها . الاستيعاب : 3/895 ؛ الإصابة :
4/74 .
([21])
في المطبوع ( سنية ) والتصحيح من كتب الرجال ،
هي بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ، روت
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وروى عنها
ابن سيرين وقتادة وذكرها ابن حبان في الثقات :
4/385 ؛ تهذيب التهذيب : 12/457 .
([22])
تاريخ الطبري : 3/55 ؛ الكامل في التاريخ :
3/141 ؛ البداية والنهاية : 7/245 . وطلحة الطلحات
: هو طلحة بن عبد الله بن خلف ( مر نسبه في ترجمة
أبيه ) ، أبو المطرف البصري ، سمع من عثمان
t
وكان مع عائشة يوم الجمل ، سمي بهذه التسمية لأنه
كان أجود طلحة في زمنه . تهذيب التهذيب : 5/16 .
([23])
هو القعقاع بن عمرو التميمي ، اختلف في صحبته ،
كان من الشجعان الفرسان ، يروى أن أبا بكر الصديق
قال : لصوت القعقاع في الجيش خير من ألأف رجل ،
وله في القادسية بلاء عظيم ، ثم كان مع علي
t
في حروبه ، توفي في حدود سنة 40هـ . الاستيعاب :
3/1283 ؛ الإصابة : 3/574 .
([24])
تاريخ الطبري : 3/53 ؛ الكامل في التاريخ :
3/144 .
([25])
في تاريخ الطبري : ( يعتَّب ) .
([26])
تاريخ الطبري : 3/61 ؛ المنتظم : 5/94 .
([27])
تاريخ الطبري : 3/61 ؛ المنتظم : 5/94 .
([28])
ابن الجوزي ، المنتظم : 5/95 .
([29])
ويعتقد الإمامية بأن أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها كافرة مخلدة في النار لهذا السبب قال المجلسي
عن عقيدة أصحابه في أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها : (( وبالجملة بغضها لأمير المؤمنين
u
أولاً وأخراً هو أشهر من كفر إبليس ، وكفى حجة
قاطعة عليه قتالها وخروجها عليه كما أنه كاف في
الدلالة على كفرها ونفاقها )) . بحار الأنوار :
28/146 .
([30])
ينظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة
النبوية : 4/316 .
([31])
الحديث أخرجه الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم قال
: (( لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلا
نبحت الكلاب قالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء
الحوأب ، قالت : ما أظنني إلا أني راجعة ، فقال
بعض من كان معها : بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح
الله عز وجل ذات بينهم ، قالت : إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم كيف بإحداكن تنبح
عليها كلاب الحوأب )) . المسند : 6/52 ؛ ابن أبي
شيبة ، المصنف : 7/536 ؛ أبو يعلى ، المسند :
8/282 ؛ ابن حبان ، الصحيح : 15/126 ، رقم 6732 ؛
الحاكم ، المستدرك : 3/129 . والحديث أنكره الشيخ
محب الدين الخطيب في تعليقه على هذه المسألة في
مختصر التحفة فقـال : (( خبر الحوأب لم يذكر في
كتب السنة المعتبرة )) وعزاه للطبري في تاريخه .
وأنت ترى أنه مخرّج في عدد من كتب السنة المعتبرة
بسند صحيح كما قال ابن كثير تعليقاً عليه : (( هذا
إسـناد على شرط الشيخين ولم يخرجوه )) . البداية
والنهاية : 3/217 ، وقال ابن حجر : (( وصححه ابن
حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح )) . فتح
الباري : 13/55 ؛ وإلى هذا ذهب الهيثمي فقال : ((
ورجال أحمد رجال الصحيح )) . مجمع الزوائد : 7/234
. وأخيراً ذكره الشيخ الألباني ( رحمه الله ) في
السلسلة الصحيحة ( رقم 475 ) ، وفصل القول فيه
سنداً ومتناً ، ورد على من أنكره من العلماء .
([32])
هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي ،
سماه النبي
e
، كان كثير العبادة ولذلك سمي السجاد ، قتل في
الجمل ، وعندما مر به علي
t
قال : هذا السجاد قتله بره بابيه وكان ذلك سنة
36هـ . الاستيعاب : 3/1371 ؛ الإصابة : 6/19 .
([33])
أي زيادة ( إياك أن تكوني أنت يا حميراء ) هذه مع
متن حديث ( الحوأب ) المتقدم ، فلم يذكرها أحد من
أهل السنة ، وقد وردت في كتاب ( الإمامة والسياسية
) المنسوب خطأ إلى ابن قتيبة ، وربما تكون هذه
الزيادة من مفتريات الرافضة للطعن بأم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها ، قال ابن القيـم ( رحمه الله
) : (( وكل حديث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء
فهو كذب مختلق )) . المنار المنيف : ص 60 . ولم
يستدرك عليه إلا حديثان ، ليس هذا منهما ، ذكرهما
الشيخ الألباني ( رحمه الله ) في آداب الزفاف : ص
272 .
([34])
في المطبوع ( الحكم ) ، والحق ما أثبتناه .
([35])
لم أقف على ترجمة له .
([36])
الحاكم ، المستدرك : 2/421 ؛ البيهقي ، الاعتقاد :
1/373 .
([37])
ابن حجر ، الإصابة : 2/557 .
([38])
رجل من تميم من بني مجاشع ، وقد قتل الزبير غدراً
بمكان يقال له وادي السباع . الإصابة : 2/557 .
([39])
أخرجه من أهل السنة الإمام أحمد عن زر بن حبيش
قال : (( استأذن ابن جرموز على علي رضي الله عنه
وأنا عنده فقال علي رضي الله عنه : بشر قاتل ابن
صفية بالنار ، ثم قال علي رضي الله عنه سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن لكل نبي حواريا
وحواري الزبير )) . المسند : 1/89 الحاكم ،
المستدرك : 3/414 . ومن الإمامية : المفيد ،
الاختصاص : ص 95 ؛ ابن شعبة الحراني ، تحف العقول
: ص477 .
([40])
الطارق : كل آتٍ بليل . النهاية : 3/121 .
([41])
سنن البيهقي : 9/116 ؛ ابن كثير ، التفسير :
1/540 .
([42])
كذا رواه الطبري وسمى الرجل : ( مرداس بن نهيك )
: التفسير : 5/224 . ولكن ضعف هذه الرواية ابن
كثير في تفسيره : 1/439 .
([43])
قال الكاساني : (( إن كان واحداً بأن كان القاتل
والمقتول واحداً فعفا عن القاتل سقط القصاص ؛ لأن
استيفاءه لتحقق معنى الحياة وهذا المعنى يحصل بدون
الاستيفاء بالعفو )) . بدائع الصنائع : 7/247 .
قـال ابن قدامة : (( وإذا عفا عن القاتل مطلقا ,
صح , ولم تلزمه عقوبة . وبهذا قال الشافعي ,
وإسحاق , وابن المنذر , وأبو ثور . وقال مالك ,
والليث , والأوزاعي : يضرب , ويحبس سنة . ولنا ,
أنه , إنما كان عليه حق واحد , وقد أسقطه مستحقه ,
فلم يجب عليه شيء آخر , كما لو أسقط الدية عن
القاتل خطأ )) . المغني : 8/280 .
([44])
هو عمر بن طلحة بن عبيد الله التيمي ، واختلف في
اسمه ، فقيل هو عمران ، وقيل بل عمر . تهذيب
التهذيب : 7/409 .
([45])
ابن أبي شيبة ، المصنف : 7/544 ؛ نعيم بن حماد ،
الفتن : 1/88 ؛ البيهقي ، الاعتقاد : ص 373 .
([46])
هما أبان والوليد بنا عثمان ، ولم أجد رواية تشير
إلى ما ذكره الآلوسي .
([47])
ينظر تاريخ الطبري : 3/71 وما بعدها .
([48])
ذكر الأصبهاني أن القائل هو الوليد بن عقبة (
تقدمت ترجمته ص 363 ) . الأغاني : 5/132 .
([49])
لأن عثمان كانت جدته لأمه البيضاء بنت عبد المطلب
بن هاشم ، أم حكيم . طبقات ابن سعد : 3/45 .
([50])
في الأصل ساعبه ، والتصحيح من الأغاني .
([51])
هي أروى بنت كريز بن ربيعة ، والدة عثمان بن عفان
، أسلمت وهاجرت بعد ابنتها أم كلثوم وبايعت رسول
الله
e
ولم تزل بالمدينة حتى ماتت في خلافة عثمان .
الإصابة : 7/482 .
([52])
الأبيات
وردت في الأغاني : 5/132 .
([53])
لم أقف على هذه الرواية فيما وقع تحت يدي من
مصادر . أما رواية لعن علي
t
لقتلة عثمان فهي ثابتة في كتب التاريخ وغيرها ،
روى ابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال : (( كنا
مع ابن الحنفية في الشعب فسمع رجلا ينتقص عثمان
وعنده ابن عباس ، فقال : يا أبا عباس هل سمعت أو
سمعت أمير المؤمنين عشية سمع الضجة من قبل المربد
فبعث ؟ فقال : نعم عشية بعث فلان بن فلان ، فقال :
اذهب فانظر ما هذا الصوت ، فجاء فقال هذه عائشة
تلعن قتلة عثمان والناس يؤمنون ، فقال علي : وأنا
ألعن قتلة عثمان في السهل والجبل اللهم العن قتلة
عثمان اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل ، ثم
أقبل ابن الحنفية عليه وعلينا فقال : أما وفي ابن
عباس شاهدا عدل؟ قال : قلنا بلى قال قد كان هذا
)) . تاريخ دمشق : 39/459 .
([54])
هي من حروب الجاهلية الشهيرة وقعت بين بكر وتغلب
، ويقال أنها استمرت أربعين عاماً . الكامل في
التاريخ : 1/410 .
([55])
هي من الليالي شديدة البرودة من ليالي صفين ،
وتبالغ الروايات التاريخية في ذكر عدد القتلى .
ينظر : تاريخ الطبري : 3/94 .
([56])
ينظر ما كتبه ابن العربي في العواصم والقواصم ،
تعليقات الشيخ محب الدين عليه : ص 1/175 .
([57])
تنسب هذه الفرقة إلى عمرو بن عبيد ، مولى لنبي
عقيل كان جده من سبي كابل ، اشتهر بعبادته وزهده ،
ومع ذلك كان من شيوخ المعتزلة سالكاً طريقهم في
الكلام ، واشتهر عليه القول بالقدر ، ففسق الصحابة
الذين تقاتلوا في جمل وصفين ، مات سنة 144هـ .
الملل والنحل : 1/49 ؛ وفيات الأعيان : 3/462 .
([58])
البخاري ، الصحيح ، كتاب الصلاة ، باب بناء المسجد
: 1/172 ، رقم 436 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الفتن ،
باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل : 4/2236 ، رقم
2961 .
([59])
البداية والنهاية : 7/269 .
([60])
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : (( إنهم [
أي الفئة الباغية ] كانوا ظانين أنهم يدعون إلى
الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم
فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو
طاعة الإمام ، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة على
وهو الإمام الواجب الطاعة ، إذ ذاك وكانوا هم
يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي
ظهر لهم )) . فتح الباري : 1/542 .
([61])
تقدم تخريجها ص 222 .
([62])
ينظر أيضاً ما قاله القرطبي في الجامع أحكام
القرآن : 16/316 .
([63])
كما صرح بذلك القطب الراوندي في فقه القرآن :
1/371 .
([64])
تقدم تخريج هذه الرواية ص 186 .
([65])
تقدم تخريج هذه الرواية ص 184 .
([66])
أبو صالح هو ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني
مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني ، قال عنه أحمد
كان من أجل الناس وأوثقهم ، وحديثه مخرج في الكتب
الستة ، توفي سنة 101هـ . التعديل والتجريح :
2/568 ؛ تهذيب التهذيب : 3/189 .
([67])
هو ضرار بن ضمرة الكتاني ، ذكر ابن عساكر في
تاريخه بأنه وفد على معاوية ، ثم أورد الرواية ،
ولا يوجد له ذكر في كتب الرجال عند أهل السنة
الآخرين ولا عند الإمامية . تاريخ دمشق : 24/401 .
([68])
قال ابن منظور : (( وكل باب ستر بسترين مقرونين
فكل شق منه سجف والجمع أسجاف سجوف )) . لسان العرب
، مادة سجف : 9/144 .
([69])
قال ابن منظور : (( تشوف الشيء وأشاف : أرتفع ))
. لسان العرب ، مادة شوف : 9/185 .
([70])
تاريخ دمشق : 24/401 .
|