|
القسم الأول من باب
الإلهيات
الأول([1])
: أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بالاتفاق ، ولكنه
قد وقع الاختلاف في أن هذا الوجوب هل هو عقلي أو شرعي
؟ فذهبت الإمامية إلى الأول قائلين ما معناه : إنه فرض
على كل مكلف بحكم العقل مع قطع النظر عن حكم الله
تعالى ، وذلك بأن يحكم العقل على كل مكلف أن يتفكر في
صفات الله تعالى ويعرفه بتلك الصفات وجوباً ([2])
، وذهب إلى الثاني أهل السنة القائلون : إن الوجوب
شرعي ، بمعنى أن النظر في المقدمة غير واجب بدون حكم
الله تعالى ، وليس للعقل حكم في أمر من أمور الدين ([3])
.
ومذهب الإمامية هنا مخالف أيضاً للكتاب
والعترة : أما الكتاب فلأنه قال سبحانه :
]
إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ
[
[ يوسف : 40 ] وقال :
]
ألاَ
لَهُ الْحُكْمُ
[
[ الأنعام : 62 ] ، وقال :
]
لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
[
[ الرعد : 41 ] ، وقال تعالى :
]
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا
يُرِيدُ
[
[ المائدة : 1 ] ([4])
، وقال تعالى :
]
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً
[
[ الإسراء : 15 ] ، إذ لو كان أمراً واجباً بحكم العقل
لوقع العذاب بترك ذلك الواجب قبل بعثة الرسل واللازم
باطل فكذا الملزم .
وأما مخالفته للعترة فلأنه قد روى
الكليني في ( الكافي ) عن الإمام أبي عبـد الله
u
أنه قـال : (( ليس للهِ على خلقه أن يعْرِفوه ولا
للخلق على الله تعالى أن يُعرِّفهُمْ )) ([5])
، فلو كانت المعرفة واجبة بحكم العقل لكانت معرفته
تعالى واجبة على الخلق قبل البعثة جلّ شأنه وهو خلاف
قول الصادق .
واعلم أن تحقيق هذه المسألة وبيان
الاختلاف الواقع فيها يتوقف على تحقيق مسألة الحسن
والقبح والاختلاف الواقع فيها ، فلا بد حينئذ من بيان
ذلك .
فكل من الحسن والقبح ([6])
يطلقان على ثلاثة معان : أحدها كمال الشيء كالعلم
ونقصانه كالجهل ، وثانيهما ملاءمة الطبع كالعدل
والعطاء ومنافرته كالظلم والمنع ، ويقال لهما بهذا
المعنى مصلحة ومفسدة ، وثالثها استحقاق المدح والثواب
والذم والعقاب عاجلاً وآجلاً ، ولا نـزاع لأحد في
كونهما عقليين بالمعنيين الأولين ، وإنما النـزاع في
كونهما عقليين أو شرعيين بالمعنى الثالث فقط([7])
، فقالت الأشاعرة ([8])
: إن الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان لا غير - بمعنى
أن الشرع ما لم يرد بأن هذا الفعل حسن أي مستحق فاعله
للمدح والثواب ، وذلك الفعل قبيح أي مستحق فاعله للذم
والعقاب عاجلاً وآجلاً - لا يوصفان بالحسن والقبح ، إذ
يحكم العقل مستبداً على الأفعال بهما بهذا المعنى في
خطاب الله ، لعدم كون الجهة المحسنة والمقبحة في أفعال
العباد عندهم مطلقاً ، لا لذاتها ولا لصفاتها ولا
لاعتبارات فيها ، بل كل ما أمر به الشارع فهو حسن ،
وكل ما نهى عنه فهو قبيح ، حتى لو انعكس الحكم لانعكس
الحال كما في النَّسْخ من الوجوب إلى الحرمة ، فليس
للعقل حكم في حسن الأفعال وقبحها ، وفي كون الفعل
سبباً للثواب والعقاب ، بل إنما الحسن ما حسنَّه الشرع
والقبيح ما قبحه الشرع ، فالأمر والنهي أمارة موجبة
للحُسن والقبح لا غير ، وتمسكوا على ذلك بوجوه :
الأول
: أن الأفعال كلها سواء ليس شيء منها في نفسه يقتضي
مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه ؛ لأن اقتضاءها
لما ذكر إما أن يكون لذواتها أو لصفاتها أو لاعتبارات
فيها انفراداً واجتماعاً تعيناً وإطلاقاً ، فهذه
ثمانية احتمالات حاضرة كلها باطلة : أما بطلان الأول
فلأن فعلاً واحداً قد يتصف بالحُسن والقبح معاً
باعتبارين كلطم اليتيم ظلماً أو تأديباً والقتل حداً
أو سفكاً ، فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل فقط – كما
هو المفروض في هذا الاحتمال – فإن كانت الذات مقتضية
لهما معاً لزم صدور الأثرين المتضادين من مؤثّر واحد
واجتماع النقيضين أو لأحدهما مطلقاً لزم تخلف المعلول
عن العلة الموجبة في الآخر وبالإطلاق تخلفهما جميعاً
ورجحان بلا مرجح في الاقتضاء واللوازم كلها باطلة([9])
.
وأما بطلان الثاني : فلأنه إن كانت تلك
الصفات لازمة للذات لزم اجتماع النقيضين مطلقاً
والصدور والتخلف إن كانت العلة الموجبة لهما صفة فهي
ظاهرة ، وإن كانت من العرض المفارق فلأن عروضها إما
لذات الفعل أو لصفة أخرى لها ، ولا سبيل إلى الثاني
لبطلان الشبه ، وكذا إلى الأول لبطلان قيام العرض
بالعرض ، أو لمجموعهما فينقل الكلام إلى عروض تلك
الصفة الأخرى ، فحينئذ يلزم ها هنا ما يلزم ثمة ([10]).
وأما بطلان الثالث : فلأن الاعتبارات
أمر عدمي ، ولا يكفي في العلِّيَّة وجود المنشأ ([11])،
والحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه من الوجوديات ،
ولا يكون علة الوجودي اللاوجودي ، مع أن ما تضاف إليه
تلك الاعتبارات أفعال أيضاً فحسنها وقبحها إن كان
بالمعنى المتنازع فيه لزم الدور والتسلسل([12])
، أو بمعنى غيره فلا يلزم سراية الحسن والقبح بالمعنى
المتنازع فيه باعتباره في المضاف للتباين([13])
.
وأما بطلان الاحتمالات الباقية فظاهر ،
إذ فساد أجزاء المجموع كلها يستلزم فساده وفساد
المعينات طراً فساد المطلق لا محالة بالضرورة ، فقد
تبين من هذا البيان أن الأفعال في نفسها لا اقتضاء لها
ما ذكر مطلقاً ، وإنما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع
بها ونهيه عنها([14])
، كما أن الأعيان كانت في العدم متساوية في عدم اقتضاء
اختصاص الحقائق المخصوصة وتشخصات العوارض المعينة ،
فاختصاصها وتشخصاتها في الوجود بأنحاء الحقائق
والعوارض لا لذواتها ولا لعوارضها ولا لاعتبارات فيها
بل لجاعلها وإرادته الأزلية المرجحة فقط ، على أن
تعليق الثواب والعقاب بالأفعال أمر مجهول غير معقول
المعنى.
الثاني : أن الثواب والعقاب ليسا
بواجبين على الله تعالى ، بل هما تفضلٌ ورحمة وعدل
وحكمة ، فلو كانت الأفعال تقتضي الحسن والقبح لذاتها
أو لجهة واعتبار فيها لكانا واجبين وقد بين بطلان
اللازم([15])
.
الثالث : أن العبد غير مستبد في إيجاد
فعله ، بل أفعاله مخلوقة لله تعالى كما بيّنت ، فلا
يحكم العقل بالاستقلال على ترتيب الثواب والعقاب عليها
([16]).
الرابع : أنه لو كان حُسْن الفعل وقبحه
عقليين للزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام سواء ورد
به الشرع أم لا ، واللازم باطل لقوله تعالى :
]
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً
[
[ الإسراء : 15 ] ([17])
، وقوله تعالى :
]
وَمَا
كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي
أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا
[
[ القصص : 59 ] ، وكذا لزم عدم الحجة للناس على الله
تعالى ، وكذا لزم بقاء العذر قبل بعث الأنبياء ، ولزم
اللغو أيضاً في سؤال الرب والملائكة عبادة الكفار في
الآخرة تبكيتاً وإفحاماً عن مجيء الرسل ، واللوازم
كلها باطلة بقوله تعالى :
]
رُسُلاً مُبَشِّرِينَ
وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى
اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[
[ النساء : 165 ] ([18])
،
]
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ
بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى
[
[ طه : 134 ]
]
وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ
مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا
رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً
فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
[
[ القصص :
47 ]
]
يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ
عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا
[
الآية [ الأنعام : 130 ] ،
]
كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا
فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ
نَذِيرٌ
_
قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا
نَذِيرٌ
[
الآية [ المـــلك : 8 – 9 ]
]
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ
عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى
[
الآية [ الزمـر : 71 ] ([19]).
على أن قوله تعالى :
]
ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ
رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
غَافِلُونَ
[
[ الأنعام : 131 ] بعد قولـه :
]
يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ
[
الآية يدل بالصراحة على أن أهل القرى قبل إرسال الرسل
يكونون غافلين وإهلاكهم تعذيباً يكون ظلماً ، فلو كان
حُسن الأفعال وقبحها عقليين، وكان النظر في معرفته
واجباً عقلاً لما صح ذلك القول أصلاً كما لا يخفى ،
ولا يمكن تعميم الرسل في هذه الآية حتى يشمل العقل
أيضاً بالضرورة ، ألا ترى أن التلاوة والقصة لآيات
الله لا يصح إسنادها إلى العقل أصلاً ومع هذا فإن (
الرسول ) في اللغة هو المبلغ لكلام أو كتاب من أحد إلى
آخر ، وفي الشرع : هو إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق
ليدعوهم إليه بشريعة مجددة ، وهما معناه الحقيقي –
اللغوي والمفهوم الشرعي – ولم يثبت أصلاً استعماله في
العقل لا لغة ولا شرعاً حتى يقال بعموم المجاز([20])
، وإنما هو اختراع بعض المتكلمين من المعتزلة لتأييد
مذهبهم ، وأيضاً كان العقل حاصلاً في الدنيا ، فكيف
يصح اعتذارهم بعدم إرسال الرسل في الآخرة .
فثبت بهذه الوجوه أن الحسن والقبح ليسا
عقليين ، ولا يستقل العقل في إدراكهما بدون الشرع
قطعاً ، قالت المعتزلة ومن تبعهم : إن الحسن والقبح
عقليان ، بمعنى أن الأفعال في نفسها – مع قطع النظر عن
الشرع – فيها جهة حسن أو قبح تقتضي مدح فاعله وثوابه
أو ذمه وعقابه ، لكن تلك الجهة قد تدرك بالضرورة كحسن
الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، وقد تدرك بالنظر كحسن
الصدق الضار وقبح الكذب النافع مثلاً ، وقد لا يدركها
العقل بنفسه – لا بالضرورة – بالنظر إلا إذا ورد الشرع
به ، فإذن يعلم أن فيها جهة محسنة أو مقبحة كما في صوم
اليوم الآخر من رمضان وصوم يوم العيد([21])
، فإدراك الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف
الشرع عنهما بالأمر والنهي ، وأما انكشافهما بالقسمين
فهو محض حكم العقل بدون توقفه على الشرع .
ثم اختلفوا بينهم فقال المتقدمون منهم
: إن حسن الأفعال وقبحها لذواتها فقط ، وقال بعض
المتأخرين منهم : إنهما لصفة زائدة على الذات دونها ،
وبعضهم قالوا : إن جهة القبح في القبيح مقتضية لقبحه
دون الحسن ، إذ لا حاجة إلى صفة توجب الحسن بل يكفيه
انتفـاء صفة موجبة للقبح .
وقال الجبائي([22])
وأتباعه : ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات
حقيقة بل لاعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار
كما في لطم اليتيم للتأديب أو الظلم([23])
، وقال بعض اتباع المعتزلة إنهما للمطلق الأعم ،
واستدلوا على ذلك بوجوه :
الأول : أن حسن مثل العدل والإحسان
وقبح مثل الظلم والكفران مما اتفق عليه العقلاء حتى
الكفار كالبراهمة ([24])
والدهرية ([25])
وغيرهما ، حتى إنهم يستقبحون ذبح الحيوانات بأنه إيلام
، فلولا أنه ذاتي للفعل بحيث يعلم بالعقل لما كان
كذلك([26])
، وأجيب عنه بأن هذا غير متنازع فيه ؛ لأنه من قسم
الحسن والقبح اللذين هما بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته
وهو ليس بمتنازع فيه ، والمتنازع فيه هو بمعنى تعلق
الثواب والمدح والذم وهو غير لازم من الدليل فالتقريب
غير تام .
الثاني
: أن مَن تساوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب بحيث لا
مرجح بينهما ولا علم باستقرار الشرع على تحسين الصدق
وتقبيح الكذب فإنه يؤثر الصدق قطعاً بلا تردد وتوقف ،
فلولا أن حسنه مركوز في عقله لما اختاره كذلك ، وكذا
إنقاذ من أشرف على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع ولا
غرض ولو مدحاً وثناءً كالمجنون والصبي وليس ثمة من
يراه .
والجواب عنه بأن إيثار الصدق فيه لتقرر
كونه ملائماً في النفوس لغرض العامة ومصلحة العالم
وكون الكذب عكس ذلك ، ولا يلزم من فرض التساوي تحققه ،
فإيثاره الصدق لملاءمته تلك المصلحة لا لكونه حسناً في
نفسه ، فلو فرضنا الاستواء من كل وجه فإيثار الصدق
قطعاً ممنوع ، وإنما القطع بذلك عند الفرض والتقدير
بتوهم أنه قطع عند وقوع المقدر المفروض ، والفرق
بينهما بيّن .
وأما إنقاذ الهالك فلرقة الجنسية
المجبولة في الطبيعة ، فكأنه يتصور تلك الحالة لنفسه
فيجره استحسان ذلك الفعل من غيره في حق نفسه إلى
استحسانه من نفسه في حق غيره ، وبالجملة لا نسلم أن
إيثار الصدق عند من لم يعلم استقرار الشرائع على
حسنهما إنما هو لحسنهما عند الله تعالى على ما هو
المتنازع فيه بل لأمر آخر([27])
.
الثالث
: أنه لو كانا شرعيين لكانت الصلاة والزنا متساويين في
نفس الأمر قبل بعثة الرسول فجعل أحدهما واجباً والآخر
حراماً ليس أولى من العكس ، بل ترجيح من غير مرجح
ومناف لحكمة الآمر وهو حكيم قطعاً ، والجواب عنه بأن
الأفعال قد بين سابقاً تساويها في نفس الأمر بعدم
الاقتضاء قبل ورود الشرع بدليل واضح ، فبطلان اللازم
ممنوع ، ثم جعل بعضها واجبة وبعضها حراماً لحكم ومصالح
من الآمر الحكيم ، فالأولوية ترجع إلى تلك الحكم
والمصالح بعد ورود الشرع بالوجوب والحرمة ، لا للأفعال
مطلقاً من عدم اقتضائها تلك الأولوية ، والإرادة
الأزلية مرجحة لتخصيص بعض الأفعال ببعض الصفات وبعضها
ببعض ، كما أنها مرجحة لتخصيص الأعيان بالحقائق
والعوارض المخصوصة من غير اقتضاء ذواتها لها ، وإنما
يلزم المنافاة لحكمة الآمر الحكيم إذا لم يكن في ذلك
التخصيص مراعاة للمصلحة والحكمة وهو باطل بالاتفاق ،
فالترجيح بغير مرجح ، والمنافاة للحكمة ممنوع أيضاً
لما ذكرنا .
الرابع
: أنه لو كانا شرعيين لكان إرسال الرسل
بلاء وفتنة لا رحمة ، لأنهم كانوا قبل ذلك في رفاهية
لعدم صحة المؤاخذة بشيء مما يستلذه الإنسان ، ثم بعد
مجيء الرسل صاروا ببعض تلك الأفاعيل في عذاب أبدي ،
فأية فائدة في إرسال الرسل إلا التضييق وعذاب عباده
فصار بلاء ، هذا خُلفٌ لأنه رحمة يمنُّ الله به على
عباده في كثير من مواضع تنـزيله .
والجواب عنه أولاً بالنقض بأنه لو تم
دليلكم فكانا عقليين لكان العقل أيضاً بلاء وفتنة لا
نعمة ورحمة ولو باعتبار بعض الأفعال كالشرك وكفران
النعمة ؛ لأن المجنون والصبي في رفاهية لعدم صحة
مؤاخذتهم بشيء مما يفعلونه ، ثم بعد حصول العقل لهم
يصيرون في عذاب أبدي ببعض تلك الأفاعيل ، فأية فائدة
في إعطائهم العقل إلا الإهلاك والتعذيب ، فصار العقل
بلاء على الإنسان ، هذا خُلفٌ ؛ لأن الله تعالى يمنُّ
بإعطائه على عباده في تنـزيله حيث قال :
]
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ
بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[
[ النحــل : 78 ] ، و
]
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ
وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ
[
[ المـلك : 23 ] و
]
عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ
يَعْلَمْ
[
[ العلق : 5 ] ([28])
وغيرها من الآيات ، فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا
عن ذلك .
وثانياً بالمعارضة بأنه لو لم يكونا
شرعيين لكان إرسال الرسل عبثاً باعتبار بعض الأفعال
الذي هو أعظم قدراً وأشد خطراً ، وكان الأنبياء يدعون
الناس أولاً إلى فعله وتركه لأن العقل يكون مستبداً في
إدراك حسن بعض الأفعال كالإيمان وقبح بعضها كالكفر
بالضرورة أو بالنظر على هذا التقدير لا محالة ،
والعاقل يمكنه العمل بما يقتضيه عقله بل يجب فلا فائدة
معتداً بها في إرسال الرسل إلا في الأفعال التعبدية .
وثالثاً : بمنع بطلان اللازم لأن كون
إرسال الرسل بلاء وفتنة وهو باعتبار مشاق التكاليف لا
ينافي كونه رحمة من وجه آخر باعتبار تهذيب النفس
وإصلاح المعاد والمعاش بما قال الله تعالى :
]
وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ
رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[
[ البقرة : 124 ] لأن تلك الكلمات وهي الخصال الثلاثون
المذكورة في سورة براءة والمؤمنون والأحزاب مع كونها
رحمة وقع البلاء بها ، وبما قال الله تعالـى :
]
وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ
[
أي بالنعم والنقم ،
]
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[
[ الأعراف : 168 ] ، إذ لو كان المنافاة بين البلاء
والحسن لما صح ابتلاؤهم بالحسنات .
ورابعاً : بمنع الملازمة ؛ لأن ما ذكر
من صيرورة بعض العباد بعذاب أبدي بعد مجيء الرسل إنما
هو لتركهم اتباعهم دون الإرسال وهو شرط لتحقق نفس
الترك لا موجب له ، وإذا وجد الترك صار نقمة وبلاء
عليهم لا الإرسال ، إذ لا يلزم أن يتصف الإرسال بصفة
مشروطة بل هو باق على صفة الرحمة التي هي محط امتنانه
تعالى به على عباده ، ومع هذا يرد عليم قوله تعالى
لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم :
]
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي
مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ
[
[ الشورى : 52 ] يعني قبل الوحي ، ولو كان حسن الأفعال
وقبحها بالمعنى المتنازع فيد مدركاً بالعقل فقط قبل
ورود الشرع لكان الرسول أحق وأولى بإدراكه ، وما كان
يصح نفي درايته عنه بالعقل قبل الوحي لأنه أعقل الناس
، إذ الإيمان بمعنى الشرائع وهي مستلزمة للحسن والقبح
بالمعنى المتنازع فيه بحيث لا يوجدان بذلك المعنى إلا
معها بالضرورة ونفي دراية الملزوم مستلزمة لنفي دراية
المساوي ، فقد تبين للمنصف مما ذكرنا فساد شبهاتهم
التي اتخذوها دلائل ، وأن الحسن والقبح بذلك المعنى
ليسا إلا شرعيين وهو المطلوب .
ولما ثبت كون حسن الأفعال وقبحها
شرعياً وكان شكر المنعم من جملة تلك الأفعال ولا يمكن
شكره إلا بمعرفته ولا تحصل المعرفة إلا بالنظر صار
النظر في معرفة المنعم واجباً شرعياً عند من قال
بشرعية الحسن والقبح وهو الحق ، أو عقلياً عند من قال
بعقلية الحسن والقبح .
واعلم أن علماء الأصول اختلفوا في أول
ما يجب على المكلف ، فقال الإمام الأشعري : هي معرفة
الله تعالى إذ يتفرع عليها وجوب الواجبات وحرمة
المنهيات ، وقال المعتزلة والأستاذ ([29])
منا : هو النظر فيها إذ هي موقوفة عليه ، ومقدمة
الواجب المطلق أيضاً واجبة ، وقيل هي الجزء الأول من
النظر أي الحركة من المطالب إلى المبادئ ، وقال إمام
الحرمين ([30])
والقاضي أبو بكر ([31])
وابن فورك ([32])
: هو القصد إلى النظر لتوقف الأفعال الاختيارية
وأجزائها على القصد ، والنظر فعل اختياري([33])
.
ثم اعلم أن النظر في معرفة الله تعالى
واجب شرعاً عند الأشاعرة ([34])
لقوله تعالى :
]
فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ
اللَّهِ
[
[ الروم : 50 ] و
]
قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
[
[ يونس : 101 ] ولقوله صلى الله تعالى عليه وسـلم : ((
تفكروا في آلاء الله )) ([35])
، والأمر ها هنا للوجوب لقوله صلى الله تعالى عليه
وسلم حين نـزلت آية :
]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي
الأَلْبَابِ
[
الآية [ آل عمران : 190 - 191 ] : (( ويل لمن لاكها
بين لحييه ولم يتفكر بها )) ([36])
فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أوعد بترك الفكر في
دلائل معرفة الله تعالى ، ولا وعيد على ترك غير الواجب
.
وأيضاً أن معرفة الله تعالى واجبة
إجماعاً ، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب
المطلق إلا به فهو واجب أيضاً كوجوبه ، وعند المعتزلة
واجب عقلاً ؛ لأن شكر المنعم واجب عقلاً عندهم وهو
موقوف على معرفة الله المنعم ، ومقدمة الواجب المطلق
واجبة أيضاً هذا بناء على قولهم بكون الحسن والقبح
عقليين كما عرفت آنفاً .
واحتجت المعتزلة على كونه واجباً عقلاً
بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم منه إفحام
الأنبياء عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة ، إذ يجوز
للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزة
وغيرها مما تتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه : لا
أنظر ما لم يجب النظر عليّ ، ولا يجب النظر عليّ ما لم
يثبت الشرع عندي ، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به ، ولا
يثبت الشرع عندي ما لم انظر لأن ثبوته نظري ، فيتوقف
كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر وهو دور
محال ، ويكون كلامه هذا حقاً لا قدرة للنبي على دفعه ،
وهو معنى إفحامه ، وأجيب عنه أولاً بالنقض بأن ما
ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معاً ، فما هو
جوابكم فهو جوابنا([37])
.
وبيان الاشتراك أن النظر لو وجب بالعقل
لوجب بالنظر ؛ لأن وجوبه ليس معلوماً بالضرورة بل
بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى أنظار
دقيقة من أن المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر
وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فيصح للمكلف
أن يقول حينئذ أيضاً : لا أنظر أصلاً ما لم يجب عليّ
النظر ولا يجب ما لم أنظر فيلزم الدور المحذور ، لا
يقال قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن يضع النبي
للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلف وتفيده العلم
بذلك ضرورة لأنا نقول : كونه فطري القياس مع توقفه على
ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار باطل قطعاً ،
ولو سلمنا بأن يكون هناك دليل آخر ولكن لا يجوز للمكلف
أن يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه ولا
يستمع به ولا يأثم بترك النظر والاستماع ، إذ لم يثبت
بعد وجوب شيء أصلاً فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة وهو
المراد بالإفحام .
وثانياً بالحل بأن قوله : لا يجب
النظر عليّ ما لم يثبت الشرع عندي إنما يصح إذا كان
الوجوب عليه بحسب نفس الأمر متوقفاً على العلم بالوجوب
المستفاد من العلم بثبوت الشرع ولكنه لا يتوقف ، كذلك
العلم بالوجوب متوقف على نفس الوجوب ؛ لأن العلم بثبوت
شيء فرع لثبوته في نفسه فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان
اعتقاد ثبوته جهلاً مركباً لا علماً ، فلو توقف الوجوب
على العلم بالوجوب لزم الدور ، وأن لا يجب شيء على
الكافر أيضاً فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفاً على
العلم بالوجوب ، بل نقول : الوجوب في نفس الأمر يتوقف
على ثبوت الشرع في نفس الأمر ، والشرع ثابت في نفس
الأمر علم المكلف ثبوته ونظر فيه أولاً ، وكذلك الوجوب
، ولا يلزم من هذا تكليف الغافل ؛ لأن الغافل إنما هو
من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به ، فإن قال
المكلف : وما أعرف الوجوب في نفس لأمر وما لم أعرفه لم
أنظر ، قلنا : ماذا تريد بالوجوب ؟ فإن قال : أريد به
ما يكون ترك ما اتصف به إثماً وفعله ثواباً ، قلنا لـه
: فقد أثبتّ الشرع حيث قلت بالثواب والإثم ، فبطل قولك
ما أعرف بقولك ، فاندفع الإفحام ، وإن قال : أردت به
ما يكون ترك ما اتصف به قبيحاً لا يستحسنه العقلاء
ويترتب عليه المفسدة ، قلنا لـه : فأنت تعرف الوجوب
إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به ، إذ يعرف كل عاقل
قبح ترك ما اتصف به مفسدته ، فبطل قولك : (( لم أنظر
ما لم أعرف الوجوب )) ، واندفع الإفحام ، وليس فيه
لزوم القول بالحسن والقبح العقليين ؛ لأنهما ليسا ها
هنا بالمعنى المتنازع فيه بل بالمعنى المتفق عليه كما
لا يخفى ، وإذا عرفت ما حققنا عرفت أن ما قال الأشاعرة
هو الحق([38])
.
ثم اعلم أن الماتريدية([39])
من أهل السنة وافقوا أهل الاعتزال في هاتين المسألتين
، وكذا الروافض مقتفون على آثارهم في ذلك ، ولكن الفرق
بين الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن
الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقلياً
حكماً من الله تعالى في العبد ، بل يصير موجباً
لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح ،
فالحاكم هو الله تعالى فقط ، والكاشف هو الشرع ، فما
لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل وإنـزال الكتب ليس
هناك حكم أصلاً فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك
الأحكام([40])
، بخلاف المعتزلة والإمامية خذلهم الله تعالى ، فإن
كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى ،
فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت
الأحكام كما فصلت الشريعة([41])
.
الثاني
منها : أن الله تعالى حي بالحياة وعالم
بالعلم وقادر بالقدرة ، وعلى هذا القياس صفاته ثابتة
له كما تطلق الأسماء على الذات ، وقال الإمامية كلهم :
ليس لله تعالى صفات أصلاً ، ولكن تطلق على ذاته تعالى
الأسماء المشتقة من تلك الصفات ، فيجوز أن يقال إن
الله تعالى حيٌّ وسميع وبصير وقدير وقوي ونحو ذلك ،
ويمتنع أن يقال إن له حياة وعلماً وقدرة وسمعاً وبصراً
ونحوها ([42])
، وأنت خبير أن عقيدتهم هذه مع كونها خلاف المعقول ؛
لأن إطلاق المشتق على ذات لا يصح بدون قيام مبدئه بها
، إذ الضارب إنما يطلق على ذات قام الضرب بها وبدون
قيامه لا يحمل المشتق ولا يطلق مخالفة للثقلين أيضاً .
وأما الكتاب فيثبت في آيات كثيرة هذه
الصفات له تعالى كقوله تعالى :
]
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ
عِلْمِه ِ[
[ البقرة : 255 ] وقوله تعالى :
]
أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ
[
[ النســاء : 166 ]
وقوله تعالى :
]
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا
[
[ غافر : 7 ] وقولـه تعالى :
]
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا
كَلامَ اللَّهِ
[
[ الفتح : 15 ] ، وأما العترة فلما ذكر في ( نهج
البلاغة ) في خطب الأمير في أكثر المواضع من هذه
الصفات مثل : (( عزت قدرته ووسع سمعه الأصوات )) ([43])
وعن الأئمة الآخرين مروي بالتواتر إثبات هذه الصفات له
تعالى([44])
.
([1]) لا بد من بيان أن الإمامية يعتمدون في تقرير عقيدتهم في الإلهيات
على المعتزلة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(( وأما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة
، ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر ، والمعتزلة في
الجملة أعقل وأصدق وليس في المعتزلة من يطعن في
خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم
أجمعين ، بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة
)) . منهاج السنة
النبوية : 1/70 .
([2]) قال المرتضى :
(( إن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو العقل ، ولا يجوز أن يكون السمع
))
. ويعني بالسمع الشرع . رسائل المرتضى : 1/127 ؛
وقد اعترف ابن المطهر الحلي بأنه لا يمكن معرفة
الله بدون السمع ، إلا أن الأصل عندهم هو العقل
فقال :
((
الحق أن وجوب معرفة الله تعالى مستفاد من العقل
وإن كان السمع قد دل عليه بقوله :
]فَاعْلَمْ
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
[)) . الرسالة السعدية
: ص 51 .
([3]) قال ابن أبي العز في بيان عقيدة أهل السنة في مسألة الوجوب العقلي
والشرعي :
((
ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه
على التفصيل ، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث
الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ،
ولمن خالفهم منذريـن
)) . شرح العقيدة الطحاوية : ص 10 .
([4]) وقد وردت الآية في النص محرفة .
([6]) أول من قال بالحسن والقبح العقليين هم المعتزلة ، وملخص ما ذهبوا
إليه في تقرير عقيدتهم هذه أن العقل لا الشرع هو
الفيصل في التفريق بين الأمور من حيث صلاحها
وفسادها ، فما حكم عليه العقل بفساده فهو قبيح وما
حكم العقل بصلاحه فهو حسن . ينظر للتفصيل في هذه
المسألة : ابن حزم ، الفصل : 3/57 ؛ ابن تيمية ،
مجموع الفتاوى : 8/431 . ومن المفيد الإشارة هنا
أن الإمامية قد أخذوا هذه العقيدة من المعتزلة ،
وتمسكوا بها ودافعوا عنها ، فما يقال أن لهم
اجتهادهم الخاص في هذه المسائل مما لا يقبله عاقل
نظراً لتظافر الأدلة على خلافه . ينظر الملل
والنحل : 1/81 .
([7]) ينظر تحقيق شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة في منهاج السنة
النبوية : 2/162 .
([8]) تنسب هذه الطائفة إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ،
إمام المتكلمين ، كان في بداية حياته معتزلياً ،
ثم كرهه وتبرأ منه ، وأخذ يرد على المعتزلة ، ترك
عدة مؤلفات قال الذهبي عنها :
(( يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات
))
، توفى سنة 324هـ . سير أعلام النبلاء : 15/85 ؛
طبقات الشافعية الكبرى : 2/113 . ومن المعروف أن
عقيدة الأشعري قد مرت بثلاث مراحل ، المرحلة
الأولى هي مرحلة الاعتزال ، والثانية تأسيسه لما
يعرف بعقيدة الأشاعرة ، ثم توبته من هذا كله
وتمسكه بمنهج السلف كما وضح ذلك في كتابه الإبانة.
([9]) وقد ذهب الجبائي – وهو من مشاهير علماء المعتزلة – إلى نفي الوصف
الحقيقي مطلقاً فقال :
((
ليس حسن الأفعال وقبحها لصفات حقيقية فيها بل
لوجوه اعتبارية وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار
كما في لطمة اليتيم تأديبا وظلما
))
. المواقف : ص 270 .
([10]) ويوجد في هذا المقام كلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح
مقالة هذه الطائفة :
((
إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام و لا على
صفات هي علل للأحكام ، بل القادر أمر بأحد
المتماثلين دون الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة و لا
لرعاية مصلحة في الخلق و الأمر ، و يقولون إنه
يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله و ينهى عن عبادته
و حده و يجوز أن يأمر بالظلم و الفواحش و ينهى عن
البر والتقوى ، والأحكام التي توصف بها الأحكام
مجرد نسبة و إضافة فقط ، وليس المعروف في نفسه
معروفا عندهم ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم بل
إذا قال يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل
لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فحقيقة ذلك عندهم
أنه يأمرهم بما يأمرهم و ينهاهم عما ينهاهم و يحل
لهم ما يحل لهم و يحرم عليهم ما يحرم عليهم بل
الأمر والنهي والتحليل والتحريم ليس في نفس الأمر
عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث إلا أن
يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع وذلك لا يقتضي عندهم
كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر ، فهذا القول
ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة
ولإجماع السلف و الفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول
الصريح فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء
)) . مجموع الفتاوى : 8/433 .
([11]) العلية مصطلح عند علماء الأصول يعني ترتب الشيء على الشيء فيكون
مركزاً له ودائراً حوله وهو على أقسام :
(( الأول أن يكون المدار مدارا للدائر وجودا لا عدما كشرب السقمونيا [
نوع من الدواء ] للإسهال ، فإنه إذا وجد وجد
الإسهال وإذا عدم لا يلزم عدمه لجواز حصوله بدواء
آخر ، والثاني أن يكون المدار مدارا للدائر عدما
لا وجودا كالحياة للعلم ، فإنه إذا لم يوجد لم
يوجد العلم وإذا وجد لا يلزم وجود العلم ، الثالث
أن يكون المدار مدارا للدائر وجودا وعدما كزنا
المحصن يوجب الرجم فإنه كلما وجد وجب الرجم وكلما
لم يوجد لم يجب
))
. التعاريف : ص 342 .
([12]) قال الجرجاني :
(( التسلسل : هو ترتيب أمور غير متناهية ، وأقسامه أربعة : لأنه لا يخفي
إما أن يكون في الآحاد المجتمعة في الوجود ، أو لم
يكن فيها كالتسلسل في الحوادث ، والأول إما أن
يكون فيها ترتيب أو لا والثاني كالتسلسل في النفوس
الناطقة ، والأول إما أن يكون ذلك الترتيب طبيعيا
كالتسلسل في العلل والمعلولات والصفات والموصوفات
أو وضعيا كالتسلسل في الأجسام والمستحيل عند الحكم
الأخير دون الأولين
))
. التعريفات : ص 80 .
([13]) وبذلك يمكن قياس التحسين والتقبيح العقلي على الأقسام الثلاثة
المتقدمة، فيبطل الاحتجاج به والحمد لله وحده
([14]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(( إن الشارع إذا أمر بشىء صار حسنا و إذا نهى عن شيء صار قبيحا و أكتسب
الفعل صفة الحسن و القبح بخطاب الشارع
)) . مجموع الفتاوى :
8/436 .
([15]) وقد أخذ الإمامية قول وجوب الثواب والعقاب على الله تعالى من معتزلة
البصرة ، على وفق أصولهم في حكم العقل ولأن
التكاليف الشاقة – بزعمهم – ليست إلا نفعنا وهو
بالثواب عليها . وقد تقدم في أكثر من محل أن أهل
السنة لا يوجبون على الله تعالى شيء . ينظر
المواقف : ص 489 .
([16]) في حين قالت الإمامية بأنها مخلوقة للعبد وأن الله تعالى غير خالق
لها كما سيأتي إن شاء الله تعالى بحث المصنف له .
ينظر ص 128 من هذا الكتاب .
([17]) قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية :
(( أي لم نترك الخلق سدى بل أرسلنا الرسل ، وفي هذا دليل على أن الأحكام
لا تثبت إلا بالشرع خلافا للمعتزلة القائلين بأن
العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر
))
. الجامع لأحكام القرآن : 10/231 .
([18]) قال البغوي :
(( وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسول
... ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين
))
. تفسير البغوي : 1/500 – 501 .
([19]) ينظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة : مجموع الفتاوى :
12/494 .
([20]) ينظر ابن حزم ، الفصل : 1/140 .
([21]) أي إن الصيام يتحول من الحسن الشرعي خلال شهر رمضان ويوم عرفة إلى
القبح الشرعي في العيدين كما ثبت من نهيه صلى الله
تعالى عليه وسلم عن ذلك ، فقد روى البخاري عن أبي
عبيد مولى ابن أزهر قال :
(( شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال هذان يومان نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من
صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم
)) . الصحيح ، كتاب الصوم ، باب صوم يوم
الفطر : 2/702 ، رقم 1990 .
([22]) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي ، أبو علي ، من أئمة
المعتزلة ، وإليه تنسب فرقة الجبائية منهم ، وقد
وافق المعتزلة في أكثر مسائلهم ، وانفرد بفضائح لم
يسبق إليها على حد قول البغدادي ، مات الجبائي سنة
303 هـ . الفرق بين الفرق : ص 185 ؛ وفيات الأعيان
: 4/267 .
([23]) ينظر الملل والنحل : 1/78 .
([24]) البراهمة من ديانات الهند المشهورة نسبة إلى برهما ، قيل إنه اسم
الله ( عز وجل ) في اللغة السنسكريتية ، وعند
البراهمة هو الإله الموجود بذاته الذي لا تدركه
الحواس ويدركه العقل ، وهم منكرون للنبوات أصلاً ،
وهم فرق عديدة . ينظر الملل والنحل : 2/250 ؛
موسوعة الأديان والمذاهب : 1/53 .
([25]) الدهرية هم الذين ينكرون الخالق ، وجاءت هذه التسمية من قوله تعالى
على لسان المشركين :
]وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ[ ، وقالوا أيضاً بقدم
العالم مع إقرارهم بحدوث الأعراض منها . الفرق بين
الفرق : ص 346 .
([26]) قال ابن حزم في رد هذه المقالة :
(( القول الصحيح هو أن العقل الصحيح يعرف بصحته ضرورة أن الله تعالى حاكم
على كل ما دونه وأنه تعالى غير محكوم عليه وأن كل
ما سواه تعالى فمخلوق له عز وجل
))
. الفصل : 3/60 .
([27]) نقل الآلوسي هذه الفقرة بتصرف عن الأيجي ، المواقف : ص 280 – 281 .
([28]) قال ابن كثير في تفسير الآية الأخيرة :
(( أول شيء نزل من
القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهن أول
رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله
بها عليهم وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان
من علقة ، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم
يعلم فشرفه وكرمه بالعلم ، وهو القدر الذي امتاز
به أبو البرية آدم على الملائكة ، والعلم تارة
يكون في اللسان وتارة يكون في الكتابة بالبنان ...
))
. تفسير ابن كثير : 4/529 .
([29]) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرايني
الملقب بركن الدين ، الفقيه الشافعي والمتكلم
الأصولي ، أول من لقب بالأستاذ من الفقهاء ، له
تصانيف جليلة في أصول الدين والرد على الملحدين ،
توفي سنة 418هـ . وفيات الأعيان : 1/28 ؛ شذرات
الذهب : 3/209 .
([30]) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي أو الهيثمي
السعدي الشافعي ، إمام الحرمين ، من مشاهير فقهاء
الشافعية المتأخرين ، وله عدة مصنفات وفاته سنة
974هـ . النور السافر : ص 258 ؛ خلاصة الأثر :
2/166 .
([31]) هو أبو بكر محمد بن محمد بن الطيب الباقلاني ، القاضي الأصولي ، من
كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرئاسة في مذهب
الأشاعرة ، له مؤلفات عدة ، توفي سنة 403هـ
. سير أعلام النبلاء : 17/190 ؛ شذرات الذهب :
2/131 .
([32]) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، الفقيه المتكلم ، كان إماماً
عالماً ، كان يسير على طريقة الأشعري في علم
الكلام ، توفي سنة 406هـ . تبيين كذب المفترى عليه
: ص 232 ؛ طبقات الشافعية : 2/189 .
([33]) ينظر للتفاصيل السبكي ، الإبهاج : 3/269 ؛ الشاطبي ، الموافقات :
1/35 .
([34]) ينظر الأيجي ، المواقف : ص 154 .
([35]) الحديث أخرجه الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما في المعجم الأوسط
: 6/250 ، رقم 6319 . والحديث حسنه الشيخ الألباني
في صحيح الجامع : رقم 2975 .
([36]) الحديث عن عطاء قال :
(( قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
، قالت : وأي شأنه لم يكن عجبا ، إنه أتاني ليلة
فدخل معي في لحافي ، ثم قال : ذريني أتعبد لربي
فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على
صدره ، ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى
، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة ، فقلت
: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم
من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ،
ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة :
] إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب
[ إلى قولــه :
] سبحانك فقنا عذاب النار
[
ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها
)) . ابن حبان ، الصحيح : 2/386 ؛ قال السيوطي : وأخرجه عبد بن حميد وابن
أبي الدنيا وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر ،
الدر المنثور : 2/409 .
([37]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(( وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية
والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب والسنة ، مع
زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله
بخطابه ، فكان فيما جاء به الرسول من الأدلة
العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع
العقلاء من الأولين والآخرين
))
. منهاج السنة النبوية : 2/110 .
([38]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(( فإن المعارف التي تحصل في النفس
بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي
ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس
في مثل هذه الحال
)) . مجموع الفتاوى : 8/194 .
([39]) نسبة إلى الماتريدي وهو محمد بن محمد بن محمود أبو نصر الحنفي ،
وماتريد محلة بسمرقند ، يلقب بعلم الهدى ، من
علماء الكلام والأصول ، وله مؤلفات عديدة في هذا
المجال منها كتاب بيان أوهام المعتزلة ، وكتاب
تأويلات القرآن .. وغيرها ، ويعتبر الماتريدي
امتدادا لمذهب الأشعري ولكن اختلف مع الأشعري في
بعض المسائل ، وقد اعتمد على المأثور الوارد من
الآراء عن أبي حنيفة ، مات الماتريدي سنة 333هـ .
طبقات الحنفية : ص 130 ؛ موسوعة المذاهب والأديان
: 3/221 .
([40]) فالأشاعرة يعتبرون معرفة الله تعالى واجبة شرعاً ، ويعتبرها
الماتريدية مدركة الوجوب بالعقل ، كذلك لا يعتبر
الأشاعرة للأشياء حسناً ذاتياً يدركه العقل من غير
أمر الشارع ، في حين أن الأشياء عند الماتريدية
لها حسن ذاتي يدركه العقل أيضاً .
الأيجي ، المواقف : ص 189 ؛ محمد أبو زهرة ،
المذاهب الإسلامية : ص 295 .
([41]) بناء على أصلين الأول أن العبد قادر على خلق أفعاله خيرها وشرها
ومستحق على ما يفعل ثواباً وعقاباً في الدار
الآخرة والباري سبحانه منـزه عندهم عن أن يضاف
إليه شر وظلم ، الثاني تقديم العقل على الشرع في
كل شيء وجعله أساساً لبحثهم وعقيدتهم . الفرق بين
الفرق : ص 94 ؛ الملل والنحل : 1/108 .
([42]) وقد اعتمد الإمامية في ذلك بما توارثوه عن رجالهم من أمثال الهشامين
وشيطان الطاق وأبناء زرارة وغيرهم ، ثم نسبوا ذلك
إلى الأئمة ونقلوه في كتبهم ، من ذلك ما رواه بابن
بابويه منسباً إلى الرضا أنه قال في مجلس المأمون
:
((
أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفة الله توحيده ،
ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه لشهادة العقول أن
كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقاً
ليس بصفة ولا موصوف ...
))
. التوحيد : ص 34 – 35 .
([43]) نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ) : 19/99 .
([44]) كما سيأتي بعد قليل .
|