|
منهج
ابن حزم الأندلسي في دراسة العقائد الإسلامية
تمهيد:
من المهم أن نوضح الأسس التي اعتمدها ابن حزم لتقسيم
كتابه وكيفية ترتيب العقائد المختلفة، لأن هذه النقطة
ضرورية إذا ما علمنا أن ما يميز كتاب الفصل، من حيث
التصميم، أنه يعتمد على العقائد في تبويب مادته أكثر
ما اعتماده على الفرق، بعبارة أخرى أنه درس الفرق
المختلفة من خلال عقائدها. وهذا منهج جمع فيه ابن حزم
بين منهجين مختلفين، الأول منهج كتاب الملل والنّحَل،
والثاني منهج المتكلمين في بحثهم مختلف المسائل
الكلامية. وعلى هذا الأساس يمكن أن نحدد خطة كتابه وفق
هذه المحاور.
المحور الأول:
مبحث التوحيد، وقد تضمن هذا المحور مبحث نفي التشبيه([1])،
والصفات واعتنى اعتناءً شديداً بالأخيرة([2])،
كما أنه يبحث أسماء الله تعالى والتي لا تفرق عن
الصفات شيئاً بنظره
([3])،
وهو في كل ذلك يذكر مقالات الفرق المختلفة مركزاً على
الصفات التي هي مثار نزاع بين المتكلمين، ويهتم على
الأخص بصفتين الأولى الرؤية([4])
والثانية كلام الله تعالى([5]).
المحور الثاني:
مبحث القدر، وهو من المسائل المعقدة، والكثيرة التداخل
عند المتكلمين، وبعد أن ينهي الكلام فيه يدخل إلى أمور
عديدة تابعة له ومتداخلة معه مثل الاستطاعة، ثم الهدى
والتوفيق ويبحث أيضاً الكلام في خلق أفعال العباد مثل
التعديل والتجوير منبهاً على مسائل مهمة مثل قوله على
المسألة الأخيرة: "وهذا الباب هو أصل ضلال المعتزلة
نعوذ بالله من ذلك"([6])،
ونجده يهتم بهذا الباب اهتماماً خاصاً يستغرق بحثه
كلاماً طويلاً([7]).
المحور الثالث:
مبحث الإدارة: ويحمل في كتاب ابن حزم عنواناً مطولاً
هو: "الكلام في هل شاء الله عز وجل كون الكفر والفسق،
وأراده تعالى من الكافر والفاسق أم لم يشأ ذلك ولا
أراد كونه"
([8])،
وبطبيعة الحال نجده كما عهدنا في السابق، يطيل الكلام
في هذه المسألة معرجاً في النهاية على ذلك المبحث الذي
اشتهرت به المعتزلة وهو القول بالأصلح([9]).
المحور الرابع:
مبحث الإيمان ويحمل عنواناً مستقلاً هو: "كتاب الإيمان
والكفر والطاعات والمعاصي والوعد والوعيد"([10]).
ويعتني ابن حزم اعتناءً خاصاً بهذا المحور من كتابه
ويبحثه من مختلف الجوانب وتدل الصفحات الكثيرة التي
كتبها على هذه العناية([11]).
وهو لا ينتهي من هذا المحور حتى يجعل الكلام في عصمة
الأنبياء من ضمن مباحثه([12])،
وأخيراً يصل إلى الكلام في الوعد والوعيد وهذه هي
نهاية هذا المحور.
المحور الخامس:
مبحث السمعيات، وهي المسائل الكلامية الفرعية والتي
كان لكل طائفة من المتكلمين نصيب فيها، مثل عذاب
القبر([13])،
ومستقر الأرواح([14])،
وبعث الأجساد وغيرها([15])
المحور السادس:
مبحث الإمامة، وقد أدرج فيه كلام على مواضيع كثيرة
أهمها مسألة المفاضلة بين الصحابة، وما يتعلق بالإمامة
من أمور مثل: الكلام في إمامة المفضول([16])،
وعقد الإمامة([17]).
المحور السابع:
المبحث الكلامي، وفيه اعتنى بالمسائل الكلامية المعقدة
مثل الكلام في الاسم والمسمى([18])
والمعاني والجواهر([19])
والأعراض([20])
وغيرها من المسائل الكلامية الدائرة على ألسنة
الفلاسفة.
والملاحظ على هذه المحاور، أن ابن حزم قد اتخذ فيها
مساراً محدداً يعتمد بالدرجة الأولى على أهمية المبحث،
فنرى مبحث التوحيد على رأس القائمة، وهو يشكل أبرز
المسائل الكلامية التي دارت على ألسنة الكثير من أهل
العقائد الإسلامية، ثم يتدرج في الأهمية حتى يصل إلى
المسائل الأقل تداولاً، والأكثر تعقيداً بحيث اختصر
الجهد على القارئ ولم يحمله عنائها في بداية كتابه،
وقد حدد لنا ابن حزم منهجه ذلك واضحاً منذ بحثه
للعقائد، فجعل الكلام في المعاني والتي يعدها عمدة ما
اقترن عليه أهل الإسلام: "وهي التوحيد، القدر،
الإيمان، والوعيد والإمامة، ثم أشياء يسميها المتكلمون
اللطائف"([21]).
وقد راعى في بحث هذه المسائلة عدة اعتبارات، والتزم
بعدد من المبادئ وهي تشكل عناصر منهجه في بحثه للعقائد
الإسلامية، وتتمثل بما يأتي:
اللغة:
لقد اعتنى ابن حزم اعتناءً شديداً باللغة، وجعلها من
أدوات منهجه، وهو يؤكد عدة مرات على أن الباحث الذي لا
يمتلك مقدرة التكلم بمرونة باللغة التي يبحث بها هو
شخص قليل الفهم ضعيف الحجة، ولذلك لا يعجب القارئ
عندما يجد هذه العناية منه بكل جوانب اللغة بألفاظها
وتراكيبها وبلاغتها وسبل الاشتقاق فيها مقارنة بغيرها
من اللغات([22]).
ويعرف ابن حزم اللغة بأنها: "ألفاظ يعبر بها عن
المسميات وعن المعاني المراد إفهامها"([23])،
ولا غرو في ذلك لأن النص الذي يحرص عليه حرصاً شديداً
يدل على هذا كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ
لَهُمْ" [إبراهيم: 4]، ومن هنا على كل باحث يريد الحق
والوصول إليه أن يحرص على هذه الوسيلة أشد الحرص،
فبدونها يصبح علمه ناقصاً، ويفتقر إلى الدقة، يقول ابن
حزم بهذه الخصوص: "وإنما يلزم كل مناظر يريد معرفة
الحقائق، أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع
عليها الاسم ثم يخبر بها أو عنها بالواجب، وأما مزج
الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة، فهذا فعل
السوفسطائية([24])
الوقحاء بالجهال العابثين بعقولهم وأنفسهم"([25])،
وهكذا تراه يشن هجوماً على أولئك المتكلمين الذين
يتلاعبون بالألفاظ، ويدلسون على العوام والجهال من
الناس، ولا تستغرب من ذلك، فقد كانت من أهدافه الرئيسة
لتأليف كتابه هو: "المبالغة في بيان اللفظ وترك
التعقيد"([26]).
ويبقى ابن حزم ملخصاً في منهجه هذا، ويذكر القارئ به،
فهو عندما يبدأ بالحديث عن الاستطاعة يصرح قائلاً: "أن
الكلام على حكم لفظ الاستطاعة قبل تحقيق معناها،
ومعرفة ما المراد بها؟ وعن أي شئ يعبر بذكرها؟ فينبغي
أولاً أن يوقف على معنى الاستطاعة، فإذا تكلمنا عليه
وقربناه بحول الله وقوته، سهل الإشراف على صواب هذه
الأقوال من خطئها بعون الله وتأييده([27]).
ولكن بقيت حدود هذه الألفاظ واضحة المعالم عنده، لأن
أكثرها بنظره: "موضوعة من عند الله تعالى على مسميات
لم يعرفها العرب قط، هذا أمر لا يجهله أحد من أهل
الأرض ممن يدري اللغة العربية، ويدري الأسماء الشرعية([28])،فحدودها
عند ابن حزم هي مذهبه الظاهري، لأنه حريص جداً على هذا
الأمر، وينبه القارئ مراراً عدة بإقرار المطلق: "بما
جاء به القرآن والسنن كما جاء، ولا نزيد فيه ولا ننقص
منه ولا نحليه فنؤمن به بخلاف المعهود فيما يقع عليه
اللفظ من خلقه"([29]).
واللغة عنده وسيلة إيضاح وتقريب، والعلوم النظرية أحوج
إلى سهولة اللفظ وبيان العبارة ([30]).
على أن الذي أوجد الخلاف في فهم التعابير بنظره تحميل
اللفظ أكثر مما يقتضيه، وهذه عنده بديهة نكاد نجدها في
معظم اللغات المعروفة والمتداولة بين الناس([31]).
وعند أخذ نموذج لهذا الجانب، يتبين لنا اهتمام ابن حزم
الواضح فيه، فهو عندما يبحث مسألة القدر، يبدأ بتعريفه
لغوياً، فيقول: "والقدر في اللغة العربية الترتيب
والحد الذي ينتهي إليه الشيء
([32])،
والأمثلة على ذلك قوله تعالى: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ "[القمر:49]، يريد تعالى: برتبة
وحد"([33]).
وهكذا يحدد مفهوم هذه اللفظة ليصل إلى تعريف سرعان ما
يسيطر به على فكر القارئ: "ومعنى القضاء والقدر حكم
الله تعالى في شئ بحمده أو ذمه أو تكوينه أو ترتيبه
على صفة كذا إلى وقت كذا"([34])،
وأنت ترى في هذا بحثاً لغوياً لا ينسى فيه أن يرد شبه
الخصوم، لأنه ينبه على أن البعض ظنوا أن كثرة استعمال
المسلمين هاتين الفظتين، بأنها تعي معنى الإكراه
والإجبار وهذا –بنظره- هو الباطل عينه([35]).
لأن المجبر في اللغة: "هو الذي يقع منه الفعل بخلاف
اختياره وقصده فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا
يسمى في اللغة مجبراً"([36])،
وهكذا يتضح بجلاء أن مهمته لم تكن مقتصرة على عرض آراء
العقائد ومقالات الفرق، بل إنه حريص على توضيح الحقيقة
كاملة للقارئ، لكي يتبين له ماهية هذه الألفاظ
ومدلولها اللغوي مما قاده إلى الاستعانة بلعوم اللغة
المختلفة والمتشبعة، ونرى ذلك واضحاً، على سبيل
المثال، عند مناقشته مسألة: "تكوين الكفر والفسق" فهو
يستشهد بقوله تعالى:﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ
وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾
[التوبة:55]، فابن حزم باستناده لهذه الآية يقول بأن
الله عز وجل أراد أن يموتوا وهم كافرون، ودليله عليه
بحث لغوي وهو أن "القاف في "تَزْهَق"َ مفتوحة بلا خلاف
من أحد من القراء، معطوفة على ما أراد الله عز وجل "أن
يعذبهم بها في الدنيا، والواو تدخل معطوف في حكم
المعطوف عليه بلا خلاف من أحد في اللغة التي خاطبنا
بها الله تعالى"([37])،
ونحن نجده هنا يستخدم اللغة كوسيلة مهمة من وسائل
الإقناع بصواب قوله.
وربما فاجأنا ابن حزم ببحث لغوي مقارن، فهو عندما
يناقش مسائل مثل الجسم أو العقل أو الجوهر، وغيرها من
الألفاظ الدائرة بين المتكلمين، يتبين أن هناك مصطلحات
تختلف باختلاف اللغات: "فإن لفظة العقل غريبة أتى بها
المترجمون، عبارة عن لفظة أخرى يعبر بها في اليونانية
أو في غيرها من اللغات، عما يعبر بلفظة العقل عنه في
اللغة العربية، هذا ما لا خفاء به عند أحد، ولفظة
العقل في لغة العرب إنما هي موضوعة لتمييز الأشياء
واستعمال الفضائل فصح ضرورة أنها معبر بها عن عرض، وكل
مرع خلاف ذلك رديء العقل عديم الحياء مباهت بلا شك"([38])،
ونرى من هذا أنه يحاول تمييز المدلول بين اللفظتين في
العربية واليونانية، واحتمال التطابق الحرفي بين
اللفظتين باختلاف اللغات أمر مستعبد وقع فيه بعض الناس
فولد لهم ذلك تخبطاً، وأوقعهم في التباس كبير لم
يستطيعوا الخروج منه([39]).
إضافة إلى مبحثه في العقل، بحث ابن حزم مصطلحات أخرى
منها الخليفة والشرك والكفر وغيرها من المصطلحات([40]).
ومما تقدم يتضح بجلاء الجهود الطيبة التي بذلها في هذا
المجال، حيث أنه استفاد استفادة عظيمة من اللغة لبيان
قيمة منهجه العلمي في مناقشة العقائد المختلفة، التي
سادت الساحة الفكرية الإسلامية آنذاك،وبذلك يكون ابن
حزم أول من اهتم بهذه النقطة من العلماء المسلمين فيما
وصل إلينا من مصادر، الأمر الذي يعطينا تقييماً
حقيقياً لنتاجه هذا وإبداعه فيه([41]).
الأسلوب
قبل الحديث عن توظيف ابن حزم للأسلوب في منهجه العلمي
بدارسة العقائد بالإمكان تثبيت الأمور الآتية:
1-
كان له أسلوب واضح مميز يستطيع أن يعرفه كل من قرأ
كتبه.
2-
الإطناب في البحث وكثرة الاستشهاد.
3-
سهولة اللفظ، وانسياب العبارة من دون أن تحس بعناء
كبير وأنت تقرأ نتاجه.
والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مناقشته المعتزلة في
مسألة خلق أفعال العباد، من جميع الوجوه وتستغرق صفحات
كثيرة([42]).
وعند انتهائه من هذه المهمة يقول ابن حزم: "قد أبطلنا
بحول الله وقوته كل شغب المعتزلة في أن أفعال العباد
غير مخلوقة لله عز وجل فنأت ببرهان ضروري إن شاء الله
تعالى على صحة القول أنها مخلوقة لله تعالى([43])،
وهكذا يبدأ بإيراد الأدلة على ذلك، والملاحظ على
أسلوبه، الوضوح في اللفظ، والابتعاد عن التعقيد، الأمر
الذي لا نجده عند معظم الكتاب الآخرين في هذا المجال،
فعلى سبيل المثال عند مقارنة ما كتبه الشهرستاني حول
موضوع "هل المعدم سيئ أم لا([44])،
وبين ما كتبه ابن حزم في الموضوع نفسه نرى بوضوح الفرق
في الأسلوب عند كلا المفكرين.
وقد يزاوج بين أسلوب المحدثين والمتكلمين في سبيل
إيضاح الفكرة، فعند بحثه مسألة الاستطاعة يلجأ إلى
الحديث النبوي لتوضيح معان غامضة - صلى الله عليه وسلم
– قال: (فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم)([45])،
ويعلق ابن حزم على هذا الحديث: "فلو لم يكن هاهنا
استطاعة لشيء مما أمرنا به قبل أن نفعل لما أمرنا به
ولما لزمنا شئ من ذلك، ولكنا غير عصاة بالترك لأننا لم
نكلف بالنص إلا ما استطعنا"([46])،
ونجده هنا يقرب مفهوم الاستطاعة للقارئ بأسلوب قريب
الشبه بما يفعله المحدثون في كتبهم وربما لجأ إلى
أسلوب الفقهاء للغرض نفسه فهو عندما يصل إلى قول بعض
المعتزلة –وهو قول الإسكافي-([47])،
بأن الله تعالى لم يخلق العيدان ولا الطنابير ولا
المزامير يرد ابن حزم، من ضمن ما يرد به عليه، هذا
الافتراض: " ... فلو حلف إنسان أنه لا يشتري طنبوراً،
فاشتري خشباً لم يحنث ولو حلف أن يشتري خشباً فاشتري
طنبوراً لم يقع عليه حنث لأن الطنبور في اللغة يقع على
اسم الخشبة"([48])،
وهو بهذا يضع خصمه بزاوية ضيقة ثم يأتيه بدليل شرعي
وهو قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ [السجدة: من الآية4].
وبهذا يثبت ابن حزم كون الأشياء مخلوقة بنص القرآن([49]).
وربما لجأ ابن حزم في نهاية كلامه على بعض المسائل إلى
تلخيص رأيه على شكل خلاصة مركزة وتقديمها للقارئ، فهو
في بحثه لمسألة تكوين الكفر يستغرق صفحات فيها([50]).
ويختمها بقوله: "فإذا جاءت النصوص كما ذكرنا متظاهرة
لا تحتمل تأويلاً([51])
بأن الله عز وجل أراد ضلال من ضل وشاء، وكفر من كفر،
فقد علمنا أن كلام الله تعالى لا يتعارض، فما أخبر عز
وجل أنه لا يرضى لعباده الكفر، فبالضرورة علمنا أن
الذي نفى عز وجل هو غير الذي أثبت، فإذن لاشك في ذلك،
فالذي نفى تعالى هو الرضا بالكفر، والذي أثبت هو
الإدارة لكونه والمشيئة لوجوده، وهما معنيان متغايران
بنص القرآن وحكم اللغة"([52]).
على أنه يستخدم الحدة التي عابها عليه الكثيرون، وهذا
واضح في كتابه الذي جر إليه كثيراً من النقد، والأمثلة
على ذلك كثيرة، نأخذ مثلاً قوله: " .... وتباً لكل قول
أدى إلى هذا الهوس البارد" ([53])،
عند كلامه على الفرق بين الاسم والمسمى أو قوله لأحد
خصومه بعد أن رد مقالته: "ولقد كان ينبغي لمن هذا
مقداره من الجهل أن يتعلم قبل أن يتكلم!" ([54])،
حتى أنك لتجد في بعض الأحيان عبارات فيها نوع من
التجاوز ففي رده على بعض المسائل التي طرحها الأشاعرة
يستطرد بهذا الكلام: "ولا ضلال ولا حياء أعدم ولا
مجاهرة أطم، ولا تكذيب لله تعالى أعظم...([55])
وربما يعود سبب هذه الحدة في أسلوبه إلى ما ذكرناه
سابقاً في تحليل شخصيته حتى وسمه البعض بكونه ذا مزاج
ناري، وعبارات صافية([56])،
ولعل سبب هذه الحدة، هو حرصه على الحق، مع مقدار من
الاعتزاز بالنفس، مما ولد فيه مثل هذه الصفة حتى أصبحت
من أكبر المآخذ على كتابه الفصل، وفي هذا الخصوص يقول
السبكي: "وفيه من الحط على أئمة السنة"([57])،
وفي كلام السبكي وجه حق، خصوصاً موقف ابن حزم من أئمة
الأشاعرة، وربما تكون للنقاشات التي دارت بين ابن حزم
وكبير الأشاعرة بالأندلس أبي الوليد الباجي أثر في
هذا، وكذلك إلى مذهبه الظاهري الذي يجعل النص حداً لكل
حكم، وبعد هذا فلا تستغرب عندما تقرأ في كتابه الفصل،
وهو يوسم بعض رؤساء المعتزلة بـ(الخلعاء العارين)([58]).
ولم تقف هذه الحدة عند هذا الحد، بل إننا نجدها تنعكس
على جوانب أخرى من أسلوبه، خاصة في صياغة الأحكام
واستخلاص النتائج، مثل استخدامه "وثبت يقيناً"([59])،
أو قوله ناكراً إدعاء البعض: "وهذا محال([60])،
وقوله أيضاً: "فبطل قولهم وعادت الحجة عليهم([61])،
ولم يكن ابن حزم يفرق في جدله بين عالم م |