|
الانحراف العقائدي وأثره في تفرق الأمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .
أما بعد :
إن مكمن الخلل الذي بدأ يتسرب إلى جسد
الأمة الإسلامية يرجع بالدرجة الأساس إلى الانحراف
العقائدي الذي تبنته بعض الفرق والجماعات الإسلامية ،
مما ألقى بضلاله القاتمة على المسار المستقيم لحاضر
ومستقبل الأمة ، ولا يمكن بطبيعة الحال أن نعالج أسباب
هذا الانحراف دون العودة إلى الأسس التي يستند عليها
هذا الدين الحنيف ، الذي أسس لنا القواعد المتينة
لحياة كريمة ، قائمة على الألفة والمحبة ، والتعاون
على البر والتقوى ، ونبذ التناحر والاختلاف الذي يوهن
جسد الأمة ، ويهدر قدراتها المادية والمعنوية ، وهو
الذي نحاول أن نبينه من خلال مقالتنا هذه .
التوحيد أولاً :
ومما لا شك فيه أن التوحيد هو العنصر
الأهم في حياة الإنسان ، سواء كان مسلماً أم غير مسلم
، ويمثل الانحراف عن التوحيد انحرافاً عن مقومات
الحياة برمتها ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن المنهج
الذي يمكن أن يصحح هذا الانحراف لا بد أن يستند إلى
خبرة نبوية متكاملة ، قد تتخطى تجربة النبي الواحد ،
قال تعالى : ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا
وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي
إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ ، وقال جلَّ شأنه أيضاً :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ
مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم
مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ الأحزاب : 7 ] وقال تعالى
: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ
سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا
شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ
مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
﴾ [ الحج : 78 ] ، والآيات في هذا الباب معلومة .
فالسبب الذي من أجله ذكّر الله تعالى
نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبيين من قبله ، هو إقامة
شرع الله تعالى ، ذلك أن إقامة الدين تعني الوقاية من
الانحراف ، ولذلك أخبر جلَّ شأنه أنه شرع لنا ما وصى
به نوحاً والنبيين من بعده ، والذي أوحاه إلى محمد صلى
الله عليه وسلم يتضمن([1])
:
أن يكون ما أوحاه إلى محمد صلى الله
عليه وسلم يدخل في شريعته التي تختص بنا ، فإن جميع ما
بُعث به صلى الله عليه وسلم قد أوحاه إليه من الأصول
والفروع ، بخلاف نوح وغيره من الرسل ، فإنما شرع لنا
من الدين اوصوا به ، من إقامة الدين ، وترك التفرق فيه
، والذي اتفقوا عليه هو الأصول ، قال تعالى في هذا
الباب : ﴿ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم
مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي
الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ النحل : 36 ] ، فأهم أصل وأول
أمر أُمر به الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام
هو إقامة التوحيد الخالص لله تعالى ، فإن أعظم انحراف
يمكن أن يقع في حياة البشرية كلها هو الشرك بالله
تعالى ، والذي يؤدي بدوره إلى التناقض الصارخ في
مقومات الحياة برمتها ، وإليه أشار النبي صلى الله
عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة جل شأنه : (( وإني
خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم
وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطاناً ))
([2])
.
فالآية التي نحن بصددها تضمنت – كما
يقول شيخ الإسلام – أشياء :
1.
أنه شرع لنا الدين المشترك ، وهو
الإسلام والإيمان العام والدين المختص بنا ، وهو
الإسلام والإيمان الخاص .
2.
أنه أمر بإقامة هذا الدين كله المشترك
والمختص ، ونهانا عن التفرق فيه .
3.
أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك
ونهاهم عن التفرق فيه .
4.
أخبر الله تعالى أن تفرق أهل الكتاب
كان بعد مجيء العلم الذي بيّن لهم ما يتقون .
5.
إن نقض الميثاق يؤدي إلى التفرق الذي
حذر القرآن الكريم منه ، قال تعالى : ﴿ وَمِنَ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا
مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ
بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ
يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
﴾ [ المائدة : 14 ] ، فعندما تركوا بعض ما أمروا به ،
كان ذلك سبباً لإغراء العداوة والبغضاء بينهم .
ونجد – مع شديد الأسف – أن أعظم مظاهر
الانحراف في الأمة وأخطرها ، هي الانحراف عن توحيد
الله تعالى ، فأصبح الإنحراف في الأصول من أهم مظاهر
العداوة والبغضاء التي تهدد كيان الأمة ، وقد نبه
العلماء قديماً على هذه الأزمة الخطيرة التي تحيق
بالدين الحنيف ، يقول عبد القاهر البغدادي – وهو بصدد
الكلام التفريق بين الاختلاف في الأصول والفروع - : ((
قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد
بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب
الحلال والحرام ، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في
أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر ، وفي شروط النبوة
والرسالة ، وفي موالاة الصحابة ، وما جرى مجرى هذه
الأبواب ؛ لأن المختلفين فيها قد كفّر بعضهم بعضاً ،
بخلاف النوع الأول ، فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير
ولا تفسيق للمخالف فيه ، فيرجع تأويل الحديث في افتراق
الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف ))
([3])
.
ومما لا شك فيه أن العداوة تقع بين
الطائفتين بسبب ترك ما أمروا به من خالقهم جل شأنه ،
فيقع البغي والظلم من واحدة على الأخرى ، والظلم : هو
مجاوزة الحد ، أما البغي فهو قد يكون بالتعدي على
الخالق في كمال صفاته ، أو سلبه ما يليق بذاته ، وإليه
أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : ((
قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك ،
وشتمني ، ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فزعم أني
لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله لي
ولد ، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولداً ))
([4])
، وتارة قد يقع البغي بين العباد ، قال تعالى : ﴿
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ
النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ
مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ
فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا
جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ
مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ البقرة :
213 ] ، والبغيان متلازمان ، فإن وقع بغيٌّ من العبد
تجاه ربه جلَّ شأنه ، فلا بد أن يترتب عليه بغي تجاه
الخلق ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب : ((
وسبب الفرقة : ترك حظ مما أمر العبد به والبغي بينهم ،
ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة
الدنيا والآخرة ، وبياض الوجوه ، ونتيجة الفرقة عذاب
الله ولعنته ، وسواد الوجوه وبراءة الرسول صلى الله
عليه وسلم منهم ، وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة
قاطعة ، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك
مرحومين ، فلا تكون طاعة لله ورحمته بفعل لم يأمر الله
به من إعتقاد أو قول أو عمل ، فلو كان القول أو العمل
الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به ، لم يكن ذلك طاعة
لله ولا سبباً لرحمته ))
([5])
.
حديث الافتراق :
لقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث المشهور أن التفرق حاصلٌ في هذه الأمة لا
محالة، وأرشدنا لطريق النجاة التي تعصم الأمة -
أفراداً وجماعات - من الإنحراف والتفرق والتشتت ، فقال
في الحديث المشهور : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين
فرقة ، فواحدة في الجنة وسبعون في النار ، وافترقت
النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في
النار وواحدة في الجنة ، والذي نفس محمد بيده لتفترقن
أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة وثنتان
وسبعون في النار ، قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال :
الجماعة ))
([6])
، وفي رواية قال : (( من كان على ما أنا عليه اليوم
وأصحابي ))
([7])
، وأول ما يمكن ملاحظته على هذا الحديث الشريف أنه ربط
بين افتراق هذه الأمة والأمم السابقة ، بعبارة أخرى ،
كما أن الأمم السابقة قد افترقت وتشتت في باب العقيدة
، فإن هذه الأمة ستتفرق ، ولكن لها النجاة إن هي تمسكت
بالترياق الشافي المنجي من هذه المحنة ، وهو قوله صلى
الله عليه وسلم : (( من كان على ما أنا عليه اليوم
وأصحابي )) ، وقد تعددت أراء الناس بهذا الحديث ،
وكثرت الأهواء فيه ، حتى صنفت الكتب في تعداد الفرق
والنحِل التي تفرق فيها المسلمون ، إلا أن الحديث
بعمومه يدل على أن أهل السنة والجماعة هم المعنيون
بهذا الحديث ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن أحق
الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة ،
الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله
وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها ، وأئمتهم فقهاء
فيها وأهل معرفة بمعانيها واتباعاً لها تصديقاً وعملاً
وحباً وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها ، الذين
يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب
والحكمة ، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم
وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول
r
، بل يجعلون ما بعث به الرسول
r
من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه
))
([8]).
وللقارئ أن يتسائل : ما هي الأسباب
التي أدت إلى الإنحراف العقائدي في جسد الأمة ؟
فنقول – وبالله تعالى التوفيق – إن
الأدلة الشرعية قد جاءت متواترة معنوياً على ظهور
الإنحراف، كما دلت في الوقت نفسه على سبل الوقاية منه
وعلاجه وفق شرع الله تعالى :
أولاً : الانحراف في السياسة الشرعية
: كان الانحراف السياسي أول انحراف عقائدي يظهر في هذه
الأمة ، وهو الأمر الذي أشارت إليه السنة النبوية ،
فعن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد
الخدري فسألاه عن الحرورية ، أسمعت النبي صلى الله
عليه وسلم ؟ قال : لا أدري ما الحرورية ، سمعت النبي
صلى الله عليه وسلم يقول : (( يخرج في هذه الأمة - ولم
يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن
لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق
السهم من الرمية ، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى
رصافه ، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء ؟
))
([9]).
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا الحديث يشير إلى
ظهور الخوارج بعد وفاته صلى الله عليه وسلم([10])
، والمطلع على تاريخ الخوارج يدرك أن هذا الفكر
السياسي الخارجي كان من أكثر الانحرافات السياسية في
جسد الأمة ، ويعود السبب في ذلك – بتقدير ابن حزم
الظاهري – إلى غياب الوعي الفقهي، والأساس المنهجي :
(( فالخوارج كانوا أعراباً قرأوا القرآن قبل أن يتفقوا
في السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ولم يكن فيهم أحدٌ من الفقهاء ولا الصحابة ... ولهذا
تجدهم يكفر بعضهم بعضاً عند أقل نازلة تنـزل بهم من
دقائق الفتيا وصغارها ))
([11])
، والفكر الخارجي هو فكر متجدد في تاريخ الأمة ، يظهر
في حقب تاريخية متباينة ، ويعود ذلك بالدرجة الأساس –
بتقديرنا – إلى الفهم القاصر للولايات الشرعية عند هذه
الجماعات ، والذي يؤدي بدوره إلى الخروج عن جماعة
المسلمين ، وعندئذ يقع المحذور الشرعي الذي حذر منه
النبي صلى اله عليه وسلم ، ففي حديث زيد بن ثابت : ((
ثلاث لا يغلُّ عليهن صدر مسلم : إخلاص العمل لله عز
وجل ، ومناصحة أولي الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ،
فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم ))
([12])
، فقد جمع في هذا الحديث الخصال الثلاث ، إخلاص العمل
لله ، ومناصحة أولي الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ،
وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده ، وتجمع الحقوق
التي لله ولعباده ، وتنظم مصالح الدنيا والآخرة ، فإن
فقدت من المجتمع الإسلامي ، أدى ذلك إلى إنحراف عظيم
فيه ، كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ
مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ
ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾
[ الأنعام : 159 ] ، وقد ذكر المفسرون أخباراً كثيرة
في نسبة هذه الآية إلى طائفة معينة ، فقيل إن هذه
الآية نزلت في حق اليهود والنصارى ، وروي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنها في أهل البدع من هذه الأمة ، وعن
ابن عمر أنها في حق الخوارج ، وكل هذا غير ثابت من حيث
الإسناد([13])
، قال ابن كثير – بعد أن أورد هذه الأخبار - : ((
والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله ، وكان
مخالفاً له ، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق
ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا
افتراق ، فمن اختلف فيه وكانوا شيعاً كأهل الملل
والنحل والأهواء والضلالات ))
([14])
، وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير ( رحمه الله ) هو
الأقرب إلى معنى الآية ؛ لأن الخطاب عام ولم يأتِ
تخصيص فيه ، والذي يعضد هذا الكلام هو إشارة القرآن
الكريم إلى أن تفرق أهل الكتاب كان بعد مجي العلم
الشرعي ، والأساس المنهجي المتين : ﴿ وَمَا
تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن
بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [ البينة :
4 ] ، قال القرطبي : (( البينة الواضحة ، والمعني به
محمد صلى الله عليه وسلم ، أي القرآن موافقاً لما في
أيديهم من الكتاب بنعته وصفته ، وذلك أنهم كانوا
مجتمعين على نبوته ، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا ،
فمنهم من كفر بغياً وحسداً ، ومنهم من آمن كقوله :
تعالى : ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا
جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ [
الأحزاب : 14 ] ثم ذكر ( رحمه الله ) ثلاث مسائل
متعلقة بهذه الآية([15])
:
1.
إن أهل الكتاب ما أمروا إلا ليعبدوا
الله تعالى مخلصين له الدين ، وهذا يشمل أعمال الجوارح
والقلوب ، فإن الإخلاص أساس العمل وقوام الدين .
2.
قوله تعالى ( حنفاء ) ، أي مائلين عن
الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وكان ابن عباس يقول :
حنفاء على دين إبراهيم عليه السلام .
3.
ثم أمروا بإقامة الصلاة بحدودها
وأوقاتها ، وإيتاء الزكاة : أي يعطوها في محلها : ﴿
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ أي الدين المستقيم
، وقال الزجاج : أي ذلك دين الملة المستقيمة ، والقيمة
: نعت لموصوف محذوف ، أو يقال دين الأمة القيمة بالحق
، أي القائمة بالحق .
والذي يمكن تقريره في هذا المقام ؛ أن
أسباب الافتراق في الأمم واحدة ، وإن اختلفت التفاصيل
من أمة لأخرى ، فيحدث الزيغ والانحراف ، والذي بدوره
يؤدي إلى تفرق الأمة إلى فرق وطوائف وكل هذا بسبب
الانحراف عن الحنيفية السمحة .
بقي أن نشير إلى أن التقريرات المتقدمة
تنطبق على بعض الجماعات الإسلامية التي ظهرت في العصر
الحديث ، واتخذت العنف ضد المخالف وسيلة لبلوغ الهدف ،
وغاية لنيل المرام ، ولو أن هؤلاء – هداهم الله –
رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ،
لما حدث ذلك الخلل العظيم في استباحة دماء المسلمين
بغير حق ، وفي رفع السلاح بوجه ولاة الأمور ، الأمر
الذي أدى إلى إحداث تصدعات لا يستهان بها جسد الأمة ،
فانشغلت بنفسها عن أعدائها ، وتشتت جهود الدعوة فيها ،
وضاعت الحقوق العامة ، وضياع الحقوق نتيجة وسبب في آنٍ
واحد للفرقة والاختلاف ، وهذه الحقوق : (( نوعان :
رعاة ورعية ، فحقوق الرعاة مناصحتهم ،
وحقوق الرعية لزوم جماعتهم ، فإن مصلحتهم لا تتم إلا
باجتماعهم ، وهم لا يجتمعون على ضلالة ، بل مصلحة
دينهم ودنياهم فى اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعاً
، فهذه الخصال تجمع أصول الدين ، وقد جاءت مفسرة في
حديث تميم الدارى قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (( الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول
الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم ))
([16])
، فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله
وعبادته وحده لا شريك له ، والنصيحة لأئمة المسلمين
وعامتهم ، هي مناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعتهم ، فإن
لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة ، وأما النصيحة الخاصة
لكل واحد واحد منهم بعينه ، فهذه يمكن بعضها ويتعذر
إستيعابها على سبيل التعيين ))
([17])
.
ثانياً : الانحراف في الأسماء والصفات
: إن هذا الانحراف قد حصل في هذه الأمة ، كما حصل في
الأمم السابقة ، فإن الله تعالى أمر عبيده بمعرفته
بذاته ونعوته ، وعدله وحكمته ، وكماله في صفاته ونفوذ
مشيئته ، ولن تتكامل المعرفة بهذا كله إلا بنفي
النقائص عنه ، وإثبات أوصاف الكمال له ، من غير أن
يشوبه شيء من بدع المبتدعين وإلحاد الملحدين ، ولا يتم
ذلك إلا بالنظر إلى ما وقع من إنحراف في الأمم السابقة
، قال تعالى : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ
تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى
اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ ﴾ [ النساء : 171 ] ، وقال
جلَّ شأنه : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ
تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ
تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن
قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء
السَّبِيلِ ﴾ [ المائدة : 77 ] والغلو : هو تجاوز
الحد المقصود منه ، إنزال الأنبياء منازلهم ، وقد غلت
اليهود بالعزير ، وغلت النصارى بالمسيح بن مريم ، ومنه
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تطروني كما
أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا :
عبد الله ورسوله ))
([18])
.
والناظر في أحوال الفرق الإسلامية –
خاصة المعتزلة والجهمية والمرجئة – يجد أن عظيم
الانحراف قد حصل في مبحث الأسماء والصفات ، وتقديس
الأولياء والصالحين ، وصرف أنواع من العبادات لهم ، مع
أن الله تعالى قد أمر الناس كافة بكلمة التوحيد ( لا
إله إلا الله ) التي جمعت بين النفي والإثبات ، وقدم
النفي على الإثبات ليعلم أن الإثبات لا يتكامل إلا
بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته ، وهكذا جمع الله
تعالى بين النفي والإثبات في سورة الإخلاص ، وروي عن
ابن عباس أن : (( الصمد : هو المستحق للكمال ، وهو
السيد الذي كمل في سؤدده ، والشريف الذي قد كمل في
شرفه ، والعظيم الذي قد كمل في عظمته ، والحكم الذي قد
كمل في حكمه ، والغني الذي قد كمل في غناه ، والجبار
الذي قد كمل في جبروته ، والعالم الذي قد كمل في علمه
، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ، وهو الشريف الذي قد
كمل في أنواع الشرف والسؤدد ، وهو الله سبحانه وتعالى
))
([19])
، وهذه الصفة لا ينبغي أن تكون إلا لله تعالى ، فأنحرف
عن هذه القاعدة الجليلة طوائف من المسلمين ، ونسبوا
لله تعالى صفات لا يستحل أن يتصف بها ، خاصة من شبه
الله تعالى بالمخلوق في صفاته وأفعاله .
ولا يسع المقام هنا لاستعراض أراء
العلماء في تعداد فرق هذه الأمة ، ويمكن الرجوع إلى
كُتب ( الملل والنحل ) خاصة كتاب عبد القاهر البغدادي
، وابن حزم الظاهري، والشهرستاني وغيرهم ، ورغم أن
معظم هذه المؤلفات كانت عبارة عن استعراض للفرق التي
ظهرت في القرون الثلاث الأولى من تاريخ الإسلام ، إلا
أن كثرة العقائد في تلك الحقبة تعطي تصوراً على الخطر
الذي يحق بالأمة إن حصل إنحراف عقدي بين أبنائها ، كما
خصل في الأمم السابقة ، قال تعالى : ﴿ وَقَالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ
أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ
كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ
طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا
اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ
لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ، فالآية الكريمة
تشير هنا إلى أن انحراف اليهود عن توحيد الله تعالى ،
ونسبة النقص إليه ، قد أدى إلى تفرقهم وتناحرهم إلى
يوم القيامة : (( ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة ،
وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم ، لا يزالون
متباغضين متعادين ، يكفر بعضهم بعضاً ، ويلعن بعضهم
بعضاً ، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها ،
فالملكية تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون ، وكذلك
النسطورية والآريوسية ، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه
الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ))
([20])
، وعند مقارنة ذلك بما حصل في هذه الأمة نجد ذلك
واضحاً ، خاصة في الفرق الإسلامية التي خاضت في مباحث
الأسماء والصفات ، ومسائل الاستطاعة الإرادة ، والقول
بخلق أفعال العباد ، وخلق القرآن، فحصلت الفرقة بسبب
هذه الآراء الجديدة على دين الإسلام ، وإنما كان فيها
أتباع لمذهب الفلاسفة والفسفطائيين ، ولم يحدث النزاع
والاختلاف بين هذه الفرق وأهل السنة والجماعة ، بل إن
ذلك حدث بين علماء هذه الفرق نفسها ، كما يروى أن سبعة
من كبار علماء المعتزلة اجتمعوا في مجلس واحد ،
وتناظروا في أن الله تعالى : هل يقدر على ظلم وكذب
يختص به ؟ فافترقوا من ذلك المجلس ، وكل واحدٍ منهم
كان يكفر الباقين([21])
.
إن إدراك الشر لا بد منه لمعرفة سبيل
الخير ، فقد خلق الله تعالى الأهواء والزيغ والبدع
فتنة للناس ، وبين من خلال القرآن الكريم ورسوله عليه
أفضل الصلاة والتسليم الصراط المستقيم المنجي من تلك
الشرور ، قول تعالى : ﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [
الأنعام : 153 ] ، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الصراط
المشار إليه في هذه الآية هو الدين ، فالدين بيّنٌ
واضحٌ لمن أراد الحق ، والسير على صراط مستقيم ، لكن
ذلك لا يعني العصمة من الإنحراف والزيغ ، ووقوع البأس
في جسد الأمة ، فالعصمة تكون في طاعة الجماعة السائرة
على هدي النبوة ، ومن يبتعد عن الجماعة ، فما له من
الله من عاصم، وهو الذي يفهم من حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم الذي يقول فيه : (( سألت ربي ثلاثاً
فأعطاني ثنتين ومنعني واحدةً ، سألت ربي أن لا يهلك
أمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي
بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم
فمنعنيها ))
([22])
، وهذا ما نلاحظه عند غياب الهدي النبوي الشريف عن
الأمة المسلمة في حقبٍ متعددة من تأريخها ، ، فقد ولّد
العداوة والبغضاء بين المسلمين ، وربما ولد التعصب
والاقتتال .
وخلاصة القول : إن الاختلاف هو اختلاف
تنوع واختلاف تضاد ، والأخير هو الذي وقع عند أكثر
الفرق الإسلامية ، خاصة في مسائل الصفات والقدر وعدالة
الصحابة والإمامة وغيرها ، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية : (( وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء
بين الأمة من القسم الثاني ، وكذلك آل إلى سفك الدماء
واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء ؛ لأن إحدى
الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا
تنصفها ، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من
الباطل ))
([23])
، فإن أردنا توحيد الأمة قلباً وقالباً ، فعلينا أن
نعود إلى سنة الأنبياء في تأسيس القواعد ، وبناء
المجتمعات وترميمها ، بأن نجعل توحيد الله تعالى في
اسمائه وصفاته هو أساس بناء المجتمع الصحيح السوي : ﴿
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ
اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ
بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ
بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ التوبة : 109 ] .
([1])
مجموع الفتاوى : 1/15 .
([2])
صحيح مسلم : رقم 2865 .
([3])
الفرق بن الفرق : ص 7 .
([4])
صحيح البخاري : رقم 4212 .
([5])
مجموع الفتاوى : 1/17 .
([6])
سنن ابن ماجة : 2/1322 ؛ الطبراني ، المعجم الكبير
: 18/70 .
([7])
الطبرني ، المعجم الأوسط : 8/22 .
([8])
مجموع الفتاوى : 3/347 .
([9])
البخاري ، الصحيح ، كتاب أحاديث الأنبياء : رقم
3166 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الزكاة ، باب ذكر
الخوارج وصفاتهم : رقم 1064 . واللفظ للأخير .
([10])
ينظر : فتح الباري : 8/69 .
([11])
الفصل في الملل والأهواء : 4/237 .
([12])
مسند الإمام أحمد : 5/183 .
([13])
تفسير الطبري : 7/229 .
([14])
تفسير ابن كثير : 2/197 .
([15])
تفسسير القرطبي : 20/144 .
([16])
صحيح مسلم : رقم 55 .
([17])
مجموع الفتاوى : 1/19 .
([18])
صحيح البخاري : رقم 3261 .
([19])
مجموع الفتاوى : 5/353 .
([20])
تفسير ابن كثير : 2/34 .
([21])
التبصير في الدين للإسفراييني : ص 88 .
([22])
صحيح مسلم : رقم 2890 .
([23])
اقتضاء الصراط المستقيم : ص 40 .
16 جمادى
الثانية 1428هـ/ 1 تموز 2007م
|