|
المبحث
الأول
الفرقة في الكتاب والسنة
تعريف الفرقة :
كلمة ( الفرقة ) من حيث مدلوها اللغوي غالباً ما تدل
على الاختلاف والافتراق ، قال ابن منظور : (( مصدر
الافتراق ... وفارق الشيء مفارقة وفراقاً : باينه ،
والاسم الفرقة وتفارق القوم : فارق بعضهم بعضاً ،
وفارق فلان امرأته مفارقة باينها ، والفرق والفرقة
والفريق الطائفة من الشيء المتفرق والفرقة طائفة من
الناس ، والفريق أكثر منه )) ([1])
. فمن حيث اللغة فإن ( الفرقة ) تعني طائفة من الناس ،
ولا بد أن يكون هناك شيئاً يجب أن يميز هذه الطائفة
حتى دعيت به ، كأن تكون مقالة أو مذهب أو رأي .
أما من حيث الاصطلاح فالفرقة تعني كل طائفة من الناس
دعيت إلى معتقد معين([2])
، بحيث عرفت به وتميزت عن غيرها ، ويمكن القول إن هذا
المصطلح من حيث مدلوله الاصطلاحي ألصق بأصول العقيدة
إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تفرق الناس فيه ، ولا يدل
في معظم الأحيان على الافتراق في فروع الدين ، ولذلك
نقول : فرقة الخوارج أو فرقة المعتزلة ؛ لأن خلاف أهل
السنة مع هذه الفرق كان بالمعتقد ، في حين أننا نطلق
مصطلح ( مذهب ) على الشافعية أو الحنفية ، ولا يصح أن
نقول ( فرقة الشافعية ) أو ( فرقة الحنفية ) ؛ لأن
الخلاف بين المذاهب كان في فروع الدين لا في أصوله .
من هنا يمكن القول إن تعريف العلماء لمصطلح ( الفرقة )
له علاقة بالمغزى الاعتقادي لهذه للطائفة المتعينة ،
وقد كان ابن حزم أكثر دقة من غيره عندما فرّق بين
مصطلح ( الفرقة ) الذي يشمل المسلمين وغيرهم ، وبين
مصطلح ( النحلة ) إذ أنه استعمل المصطلح الأخير
للدلالة على فرق المسلمين – أو بتعبيره – نحلهم ، في
أكثر دقة وموضوعية ؛ لأن فيها دلالة على الانتحال :
وهو نسبة القول إلى غير قائله ، ومنه انتحل فلان شعر
فلان ، وكأن هذا الشيء يعني اعتقاد الشيء والتمسك به
وهو على غير هدى([3])
، وقد تبع الشهرستاني ابن حزم في استعمال هذا المصطلح
للتفريق أيضاً بين المسلمين وغيرهم ، فسمى كتابه (
الملل والنحل ) .
أما عبد القاهر البغدادي فقد تمسك بمصطلح الفرقة وإليه
يشير كتابه ( الفَرْق بين الفِرق ) لتعميمه على فرق
المسلمين ، وقد يكون عذر البغدادي في ذلك هو أنه لم
يضمن كتابه مقالات لغير المسلمين ، فاكتفى بإطلاق هذه
التسمية على كتابه ، وفي فعل البغدادي موضوعية يحمد
عليها ، وجمع محمد بن عمر الرازي ( ت 544هـ ) بين فرق
المسلمين والمشركين ، فسمى كتابه ( اعتقادات فرق
المسلمين والمشركين ) .
ويمكن القول أخيراً إن مؤلفات المسلمين في حقل الفرق
والملل يعطينا تصوراً متبايناً عند هؤلاء العلماء في
تحديد الإطار الدقيق لهذه الكلمة ، لكن يمكن القول
إنها من حيث المضمون لها معنى مشترك متفق عليه ، يعتمد
على البعد العقائدي للكلمة من جهة ، وعلى الغلو في
تعميمها من جهة أخرى .
الفرقة في القرآن الكريم :
لقد أشرنا في تعريفنا لكلمة ( الفرقة ) إلى أنها تعني
الافتراق ، وقد جاءت في هذا المعنى في قوله تعالى : ﴿
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ
وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾
[ البقرة : 50 ] قال القرطبي في تفسير هذه الآيــة : ((
فرقنا : فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم : أي الجبل
العظيم، وأصل الفرق : الفصل )) ([4])
، فجاءت الفرقة هنا بمعنى الفصل بين الشيئين ، وقد سمي
القرآن فرقاناً لأنه يفصل بين الحق والباطل ، قال
تعالى : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ
عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾
[ الفرقان ] ، وسمى الله تعالى يوم بدر يوم الفرقان
لأنه اليوم الذي فرّق الله فيه بين الحق والباطل ، قال
تعالى : ﴿ َمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ
الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ الأنفال : 41 ] ،
وأطلقت هذه التسمية على الملائكة أيضاً في قوله تعالى
: ﴿ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ [ المرسلات ] والسبب
في إطلاق هذه التسمية لأنها بنزولها تفرق بين الحق
والباطل([5])
.
وقد يأتي الفرق بمعنى الفصل بين الشيئين ، وعليه يدل
قوله تعالى : ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً
﴾ [ الإسراء ] ، فقد روي عن ابن عباس أن الله تعالى
فصل القرآن من اللوح المحفظ إلى بيت العزة ، ثم نزل
مفرقاً منجماً ([6]).
لكن المعنى الذي يهمنا هنا إلى أن القرآن الكريم أشار
إلى الافتراق الحاصل سواء كان ذلك في الأمم السابقة أو
في هذه الأمة ، كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ
مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ
ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [
الأنعام ] ، وقد ذكر المفسرون أخباراً كثيرة في نسبة
هذه الآية إلى طائفة معينة ، فقيل إن هذه الآية نزلت
في حق اليهود والنصارى ، وروي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنها في أهل البدع من هذه الأمة ، وعن ابن عمر
أنها في حق الخوارج ، وكل هذا غير ثابت من حيث
الإسناد([7])
.
قال ابن كثير – بعد أن أورد هذه الأخبار - : ((
والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله ، وكان
مخالفاً له ، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق
ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا
افتراق ، فمن اختلف فيه وكانوا شيعاً كأهل الملل
والنحل والأهواء والضلالات )) ([8])
. وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير ( رحمه الله ) هو
الأقرب إلى معنى الآية ؛ لأن الخطاب عام ولم يأتِ
تخصيص فيه ، علماً أن الله تعالى ذكر الافتراق الحاصل
في الأمم السابقة في أكثر من آية ، منها قوله تعالى
على لسان هارون ( عليه السلام ) : ( قال يابنؤم لا
تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني
إسرائيل ولم ترقب قولي ) [ الأعراف : 94 ] فقد عبد بنو
إسرائيل العجل عند غياب موسى ( عليه السلام ) في الطور
، رغم نصح هارون ( عليه السلام ) لهم وتفانيه في منعهم
، وبعد أن يأس من توبتهم رأى أن يختار أخف الضررين ،
وهو أن يجمع بين الطائفتين الموحدة وعبدة العجل حتى
يرجع موسى ، بدلاً أن يتركهم ويذهب فتهلك الفرقة التي
عبدت العجل([9])
.
الفرقة في السنة النبوية :
إن الأحاديث الواردة في التحذير من الاختلاف والافتراق
الحاصل في هذه الأمة أحاديث كثيرة لا يمكن أن نحيط بها
، وإنما تحتاج إلى بحث مستقل ، ولكننا سنتناول في
بحثنا هذا ما له علاقة مباشرة بالموضوع الذي نحن بصدده
.
وعمده ما يورده مصنفو الملل والنحل في هذا الباب ما
اصطلح على تسميته بـ ( حديث الافتراق ) الذي بين فيه
الرسول صلى الله عليه وسلم حال الأمم السابقة وحال هذه
الأمة ، وقد روي بألفاظ عديدة ، منها ما أخرجه الترمذي
عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : (( ليأتين على أمتي ما أتى على بني
إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه
علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل
تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث
وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة ، قالوا :
ومن هي يا رسول الله ؟ قال ك ما أنا عليه وأصحابي )) ([10])
، وفي رواية أخرجها ابن ماجة عندما سئل النبي صلى الله
عليه وسلم عن الفرقة الناجية قال : (( الجماعة )) ([11])
.
ورغم أن البعض حاول أن ينتقد هذا الحديث من حيث
الإسناد ، نظراً لوروده بأكثر من لفظ – منهم ابن حزم
الظاهري([12])
– إلا أن هذا القول مردود نظراً لكثرة طرق الحديث التي
يعضد بعضها بعضاً ، وقد أخرجه عدد من الأئمة ، وصححه
عدد آخر ، ونظراً لأهمية هذا الحديث في بحثنا هذا ،
فنحن نرى أن نورده باختلاف ألفاظه :
حديث أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : (( إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة ،
فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة ، وإن أمتي ستفترق
على اثنتين وسبعين فرقة ، فتهلك إحدى وسبعين وتخلص
فرقة ، قالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة ؟ قال :
الجماعة الجماعة )) ([13])
.
حديث عوف بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فواحدة
في الجنة وسبعون في النار ، وافترقت النصارى على ثنتين
وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة
، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين
فرقة ، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار ، قيل :
يا رسول الله من هم ؟ قال : الجماعة )) ([14])
.
حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: (( تفترق هذه الأمة ثلاثة وسبعين فرقة ، كلها في
النار إلا واحدة ، قالوا : وما تلك الفرقة ؟ قال : من
كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) ([15])
.
وقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة ، وقد استعرض العجلوني
طرق هذا الحديث ، ومن رواه من الصحابة ، إذ أحصى ستة
عشر صحابياً ، ومن طرق مختلفة ([16])
، والأمر المهم هنا أن الحديث يدل دلالة قاطعة على أن
الاختلاف واقع في هذه الأمة لا محالة ، والنجاة منه هو
التزام السنة والجماعة ، والراجح أن معناهما واحد في
الحديث ، إذ قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن
الفرقة الناجية قال في الأولى ( الجماعة ) وفي الثانية
: ( ما كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) ،
ومعناهما متقارب إن لم يكن مترادف ، فمن لازم الجماعة
لا بد أن يكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه
وسلم ، والعكس صحيح أيضاً ، والله تعالى أعلم .
بقي أن نشير إلى أن العلماء – خاصة كتاب الملل والنحل
– عدوا العدد الوارد في هذا الحديث نطاقاً لمؤلفاتهم ،
وربما تعسف بعضهم في تحديد عدد فرق المسلمين بثلاث
والسبعين ، دون أن يراعي تتابع الزمان ، وظهور هذه
الفرق وتنوعها بتنوع الأزمان والأمكنة ، لذلك فإن
العدد الوارد في الحديث ليس قطعي الدلالة بأي حال من
الأحوال، ذلك أننا يمكن أن نفسر تحديد العدد المذكور
في الحديث بالتكثير ؛ لأن مفهوم العدد لا يعتد به عند
أهل الأصول أولاً ، وثانياً أننا نلحظ ظهور الفرق من
المسلمين ومن غيرهم عبر تتالي العصور ، وقد تعدى العدد
السبعين ، ويمكن أن يتأول العدد المذكور بأن أصول هذه
الفرق لا تخرج عن إطار السبعين ، ثم تفرعت عنها وتعدد
بمرور الوقت .
وهناك أحاديث أخرى وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
يمكن الإشارة إلى بعضها ؛ لأن غرضنا هنا ليس استعراض
هذه الأحاديث ، وإنما غرضنا دلالة السنة على حدوث
الافتراق ، وظهور بعض الفرق :
حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : (( كان الناس
يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت
أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله
إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل
بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك
الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟
قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل
بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم دعاة إلى أبواب جهنم
من أجابهم إليها قذفوه فيها ، قلت : يا رسول الله صفهم
لنا ، فقال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، قلت :
فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين
وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال
: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى
يدركك الموت وأنت على ذلك )) ([17])
.
عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري
فسألاه عن الحرورية ، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم
؟ قال : لا أدري ما الحرورية ، سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول : (( يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها
- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز
حلوقهم أو حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من
الرمية ، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه ،
فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء ؟ )) ([18]).
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا الحديث يشير إلى
ظهور الخوارج بعد وفاته صلى الله عليه وسلم([19])
.
حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : (( وعظنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة
موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ووجلت منها ، القلوب
فقال رجل إن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا يا
رسول الله ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة
وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً
، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك
منكم فعليه بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين
عضوا عليها بالنواجذ )) ([20])
.
حديث علي رضي الله عنه قال : (( سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول : ألا إنها ستكون فتنة ، فقلت :
ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه
نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ... ))
([21])
.
فمجمع هذه الأحاديث يشير إلى أن الافتراق حاصل في هذه
الأمة بتقدير الله تعالى ، وقد وردت بعض الأحاديث فيها
تحديد لمسميات الفرق الإسلامية ، منها :
ظهور الخوارج ، وقد تقدم الدليل عليه في حديث أبي سعيد
الخدري .
ظهور القدرية ، في قوله صلى الله عليه وسلم : ((
القدرية مجوس هذه الأمة )) ([22])
.
ظهور المرجئة : فعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : (( صنفان من أمتي ليس لهما في
الإسلام نصيب : المرجئة والقدرية )) ([23])
.
ومن خلال هذه الطائفة من الأحاديث النبوية يمكن القول
إنها بعمومها تنبه الأمة على ضرورة الاعتصام بحبل الله
تعالى ، ونبذ الفرقة والاختلاف التي تؤدي إلى التناحر
والتدابر بين المسلمين ، إلا أن هذا لا يفرغ بعضها من
دلالتها على المعجزة النبوية ، ولذا فإن فهم هذه
الأحاديث بمجموعها يجب أن يتسم بالموضوعية للتوفيق
بينها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى حصول سوء فهم فيها ، قال عبد
القادر البغدادي في هذا الخصوص : (( قد علم أصحاب
المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق
المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال
والحرام ، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في اصول
التوحيد وفي تقدير الخير والشر ، وفي شروط النبوة
والرسالة وفي موالاة الصحابة ، وما جرى مجرى هذه
الأبواب ؛ لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضاً ،
بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا
تفسيق للمخالف فيه ، فيرجع تأويل الحديث في افتراق
الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف )) ([24])
، وهذا الرأي يعضد ما قدمناه بأن مفهوم ( الفرقة )
المعني هنا الاختلاف العقائدي وليس الاختلاف في باب
الفروع ، وبهذا ينتهي الإشكال الحاصل في تحميل هذه
الكلمة أكثر من مضمونها الحقيقي الذي استعملت فيه
الأدلة الشرعية .
([1])
لسان العرب ، مادة فرق : 10/300 .
([2])
ينظر : ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل
: 2/263 ؛ ابن الجوزي ، تلبيس إبليس : ص 28 .
([3])
مجيد خلف ، ابن حزم الأندلسي ومنهجه في دراسة
العقائد والفرق الإسلامية : ص 109 .
([4])
الجامع لأحكام القرآن : 1/387 .
([5])
تفسير ابن كثير : 4/460 .
([6])
المصدر نفسه : 3/69 .
([7])
تفسير الطبري : 7/229 .
([8])
تفسير ابن كثير : 2/197 .
([9])
تفسير القرطبي : 7/289 .
([10])
سنن الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في
افتراق هذه الأمة : رقم 2641 .
([11])
سنن ابن ماجة ، كتاب الفتن ، باب افتراق الأمم :
رقم 3992 .
([12])
الفصل في الملل والأهواء والنحل : 3/292 .
([13])
مسند الإمام أحمد : 3/145 .
([14])
سنن ابن ماجة : 2/1322 ؛ الطبراني ، المعجم الكبير
: 18/70 .
([15])
الطبرني ، المعجم الأوسط : 8/22 .
([16])
كشف الخفاء : 1/346 .
([17])
البخاري ، الصحيح ، كتاب المناقب ، باب علامات
النبوة : 2411 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الإمارة ،
باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين : رقم 1874 .
([18])
البخاري ، الصحيح ، كتاب أحاديث الأنبياء : رقم
3166 ؛ مسلم ، الصحيح ، كتاب الزكاة ، باب ذكر
الخوارج وصفاتهم : رقم 1064 . واللفظ للأخير .
([19])
ينظر : فتح الباري : 8/69 .
([20])
الترمذي ، السنن ، كتاب العلم ، باب الأخذ بالسنة
: رقم 2627 ؛ أبو داود ، السنن ، كتاب السنة ، باب
لزوم السنة : رقم 4607 ؛ ابن ماجة ، السنن ، كتاب
المقدمة ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين
المهديين : رقم 44 .
([21])
الترمذي ، السنن ، كتاب فضائل القرآن ، باب ما جاء
في فضل القرآن : رقم 2906 ؛ الإمام أحمد ، المسند
: 1/91 .
([22])
أبو داود ، السنن ، كتاب السنة ، باب القدر : رقم
4691 ؛ ابن ماجة ، السنن ، كتاب المقدمة ، باب
القدر : رقم 92 .
([23])
الترمذي ، السنن ، كتاب القدر ، باب القدرية : رقم
2149 ؛ ابن ماجة ، السنن ، كتاب المقدمة ، باب
الإيمان : رقم 62 .
([24])
الفرق بن الفرق : ص 7 .
([25])
مقالات الإسلاميين : ص1 .
([26])
مقالات الإسلاميين : ص30 .
([33])
كان من أشهر المجبرة وومتكلمهم وله مع النظام
مجالس ومناظرات ، وذكر له ابن النديم كتباً عديدة
، مات سنة 220هـ . الفهرست : ص 229 ؛ الشهرستاني ،
الملل والنحل : 1/116 .
([34])
مقالات الإسلاميين : ص 283- 285 .
([38])
الفرق بين الفرق : ص 55 .
([40])
الفرق بين الفرق : 41 .
([46])
ينظر هند العصيمي ، عبد القادر البغدادي ومنهجه في
كتاب الفرق : ص 109 .
([49])
في قول ابن حزم هذا نظر ؛ لأن أبا حنيفة لم يكن من
هذه الفرقة ، بل نسبة في الإرجاء إليه خلاف معروف،
وهذه من المآخذ التي تعد على ابن حزم ، عفا الله
عنا وعنه .
([50])
أحد فقهاء الكوفة المشهورين في عصره ، كان متكلماً
بارعاً ، قال عنه الذهبي :
(( فيه بدعة تشيع قليل )) ، توفى سنة 168هـ .
ميزان الاعتدال : 1/496 .
([51])
ابن حزم الأندلسي ومنهجه في دراسة العقائد والفرق
الإسلامية : ص 189 . ( لكاتب هذا البحث ) .
|