من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك عن

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

التقية بين أهل السنة والشيعة الإمامية

 

المبحث الثالث

الإكراه والتقية

 

الإكراه :

لا بد من الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية لم يفرقوا في مباحثهم العقدية والفقهية بين مصطلحي التقية والإكراه ، بل إن التقية عندهم لها صلتان ، فعليها تبنى فروعٌ كثيرة ، وعلى أساسها تأصل العقائد وأصول الدين([1]) ، ولهذا السبب كثر تخبطهم في معظم المسائل التي تداخل بين هذين المصطلحين ، على الرغم من أن الفرق بينهما واضح يعتمد على تعريف الفقهاء وأهل الأصول للإكراه ، الأمر الذي نرى من الضروري بيانه هنا :

الإكراه في اللغة جاء من الفعل : ( كَرَهَ ) ، والاسم : ( الكَرهُ ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه ، بمعنى : أقهرك عليه ، وأما (الكُرْه ) فهو المشقـة ، يُقال : قمت على كُرْهٍ ، أي : على مشقة([2]) ، وحكمه في اللغة : (( عبارة عن حمل إنسان شيء يُكْرَه ، يقال : أكرهت فلان إكراهاً أي حملته على أمرٍ يكرهه )) ([3]) .

أما في الاصطلاح فقد عرفه المناوي بأنه : (( حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد )) ([4]) ، وعرفه البركتي بأنه : (( إجبار أحد على أن يعمل عملاً بغير حق من دون رضاه بالإخافة )) ([5]) ، أما السرخسي فقد عرف الإكراه بقوله : (( الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره )) ([6]) ، ومن خلال هذه التعاريف يبدو أن المعنى فيها متقارب من حيث إن المكلف يضطر إلى الفعل بسبب ضغط لا يقوى على رده ، بعبارة أخرى أن الأمر المشترك بين العبارات المتقدمة تقيد الإكراه بوجود مؤثر خارجي يلجئ من خلاله الفرد إلى فعل شيء لا يريد فعله ، فإذا زال هذا المؤثر، فلا بد أن يعود المكلف إلى أصل العمل ، ولذا قال الفقهاء بأن فعل المُكرَه لا ينسب إليه وإنما ينسب للمُكرِه([7]) .

وقد وردت الإشارة إلى الإكراه في القرآن الكريم قال تعالى : ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [ [ البقرة : 256 ] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : (( أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً )) ([8]) ، وقوله تعالى أيضاً : ] وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [ [ النور : 33 ] ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإكراه وبين حكمه عندما قال : (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) ([9]) ، ويروى أن صفوان الطائي كان نائماً مع امرأته وأخــذت المرأة سكيناً وجلـست على صدره ، وقالـت : (( لأذبحنك أو تطلقني فناشدها بالله فأبت ، فطلقها ثلاث ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا قيلولة في الطلاق )) ([10])

وعند العودة إلى ما قدمناه من تعاريف للتقية سواء الواردة عند أهل السنة أو عند غيرهم خاصة الشيعة الإمامية نلاحظ فروق جوهرية بينها ، يمكن أن نستعرضها بالآتي :

1.                إن الإكراه هو فعل يقع تحت تهديد شخص معين ، وغالباً ما يكون مصحوباً بالوعيد الشديد بالأذى ، في حين أن التقية هي فعل المكلف عمله باختياره مظنة وقوع التهديد ، ولذا فإن فعل المكرَه لا ينسب إليه ولكن ينسب للمكرِه ، في حين أن أحداً لم يقل بأن فعل المتقي ينسب لغيره من أهل الإسلام .

2.                التقية عند أهل السنة في مفهومها العام رخصة عند غلبة الكفار على المسلمين ، في حين أن الإمامية لا يعتدون بذلك ، بل التقية وفق تعريفهم كما تقدم هي ( مكاتمة المخالفين ) ، ويعنون بهم من لا يعتقد عقائدهم من المسلمين ، وهذا فيه فرق واضح .

3.                إن التقية عند الإمامية لا يعتبر فيها إكراه أو تعذيب ، بل يكفي فيها خوف الضر على النفس أو ما يتعلق به ، وإن لم يكن هناك مكرِه . وتعضد هذه القاعدة عندهم روايات كثيرة منها ما رووه عن جعفر الصادق أنه قال : (( التقية جنة المؤمن )) ([11]) ، وفي رواية أخرى عنه أيضاً : (( التقية ترس المؤمن )) ([12]) ، وهنا فقد التعريف شرطاً مهماً اتفق عليه العلماء وهو ركن من أركان الإكراه .

ولا شك في أن أحكام الإكراه ومضامينه اللغوية والشرعية تختلف اختلافا عظيماً ؛ خاصة في أثر الأعمال الواقعة من قبل المكلف ، لأنه لا يمكن الاعتداد بها وإلزام فاعلها بنتائج فعلها كما تقدم ، لذا فإن محاولة الخلط بين التقية والإكراه من الصعوبة بمكان حتى في عرف الإمامية أنفسهم ، لأنها تختلف من حيث الملاك والمغزى ، كما هو موضح أدناه .

 

أنواع الإكراه وشروطه :

اختلف العلماء في بيان أنواع حالات الإكراه التي تقع على المكلف ، وهذا الأمر أدى إلى اختلافهم في تفاصيل المسائل الفقهية التي يقع الإكراه فيها ، قال الكاساني : ((ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان : حسي وشرعي ، وكل واحد منهما على ضربين : معين ومخيّر فيه  ، أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر والإتلاف والقطع عينا ، وأما الشرعي : فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة )) ([13]) ، ومن خلال هذا الكلام نلاحظ أن تقسيم الإكراه كان بحسب ما يقع عليه الفعل ، وهو قريب من تقسيم ابن حزم له .

إلا أن التقسيم الأشهر ما قرره فقهاء الحنفية في بيان أنواع الإكراه هو([14]) :

1.         الإكراه الملجئ : وهو نوع يوجب الإلجاء والاضطرار ، كالقتل والقطع والضرب الذي يخشى فيه تلف النفس أو العضو ، وقد يسمى إكراهاً تاماً .

2.         الإكراه غير الملجئ : وهو لا يوجب الإلجاء والاضطرار كالحبس القصير والقيد والضرب .

من الواضح أن هذا التقسيم قد أخذ فعل المكلف محوراً ، واعتمده في تقرير نتائج الإكراه ، مع الأخذ بعين الاعتبار وقوع التهديد الفعلي دون غلبة الظن في ذلك ، فلا يعتد بالحكم على فعل معين بأن له أحكام الإكراه إلا إذا توفرت أركان الإكراه وهي : المكرَه وهو الذي وقع الفعل منه ، والمكرِه : وهو من يصدر منه التهديد والوعيد على المكرَه بشرط يقين الأخير من كونه قادر على إيقاعه به لا محالة ، والركن الثالث هو : المكرَه به : وهو نوع المكره المتوعد به ، وأخيراً المكرَه عليه : وهو الفعل الذي يراد تنفيذه .

 وهنا تقسيم آخر للإكراه ، فقد قسم ابن حزم الظاهري الإكراه إلى قسمين الأول هـــو : (( إكراه الكلام ، ولا يجب به شيء ، وإن قاله المكرَه ، كالكفر والقــذف والإقرار والنكاح ... الخ )) ([15]) ودليل ابن حزم في ذلك أنه حاكٍ للفظ ، وذلك لا يترتب عليه أذى لمعين ، كما أنه في الوقت نفسه لا يلزم نفسه بشيء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ مـا نوى )) ([16]) ، قال ابن حزم : (( فصح أن كل من أكـره عـلى قولٍ ولم ينوه مختاراً فإنه لا يلزمه )) ([17]) .

أما النوع الثاني من الإكراه عند ابن حزم فهو إكراه الفعل ، وهو بدوره ينقسم إلى قسمين أيضاً : (( إحدهما - كل ما تبيحه الضرورة , كالأكل والشرب فهذا يبيحه الإكراه ; لأن الإكراه ضرورة , فمن أكره على شيء من هذا فلا شيء عليه ; لأنه أتى مباحا له إتيانه ، والثاني - ما لا تبيحه الضرورة , كالقتل , والجراح , والضرب , وإفساد المال , فهذا لا يبيحه الإكراه , فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان ; لأنه أتى محرما عليه إتيانه )) ([18]) ، ولكن ابن حزم لا ينس أن يقرر ضرورة وقوع الإكراه فعلاً على المكرَه ، ويقين الأخير بأن الضرر واقع عليه لا محالة ، وغير ذلك لا يمكن أن يسمى إكراهاً لأن الإكراه بنظره : (( هو كل ما سمي في اللغة إكراها , وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به , والوعيد بالضرب كذلك أو الوعيد بالسجن كذلك , أو الوعيد بإفساد المال كذلك , أو الوعيد في مسلم غيره بقتل , أو ضرب , أو  سجن , أو إفساد مال )) ([19]) .

ولم يجعل العلماء هذه التقسيمات هي القول الفيصل ، وإنما وضعوا شروطاً للإكراه كأساس في وقوعه وتتمثل بالآتي([20]) :

1.    قدرة المكرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم .

2.    عجز المكرَه عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقامة .

3.    ظنه أنه إن امتنع عما أكره عليه أوقع به المتوعد .

4.    كون المتوعد مما يحرم تعاطيه على المكرِه ، فلو قال ولي القصاص للجاني : طلقها وإلا اقتصصت منك ، لم يكن إكراهاً.

5.    أن يكون عاجلاً ، فلو قال : طلقها وإلا قتلتك غداً ، فليس بإكراه .

6.    أن يكون معيناً ، فلو قال : اقُتلْ زيداً أو عمراً ، فليس بإكراه .

7.    أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به ، فلو قال : اقُتلْ نفسك وإلا قتلتك ، فليس بإكراه .

8.    يشترط في الإكراه على كلمة الكفر طمأنينة القلب بالإيمان ، فلو نطق معتقداً بها كفر .

ووفق هذا الاعتبار فإن الإكراه مقيد بهذه الأمور ، يزول بزوالها ولا يبقى مرافقاً لفعل المكلف في الظروف الاعتيادية والطبيعية ، على عكس ما يعتقده الإمامية بالتقية ، بكونها هي أصل العمل والمحور الذي تدور عليه أفعال المكلف ؛ لأن الإكراه بنظرهم يمكن اللجوء إليه بمجرد مظنة الضرر ، أي قبل وقوع التهديد لأن أصل العمل عند غلبة ( المخالفين ) هو التقية ، وهذا الكلام مردود لاعتبارات عديدة أهمها أن أياً من أئمتهم لم يحدد حدوداً يمكن أن تقف عندها التقية ، وإنما شروط التقية عندهم مفتوحة .

أنواع التقية وشروطها عند الإمامية :

 عند مقارنة ما قدمناه بما كتبه علماء الشيعة الإمامية في موضوع التقية في مؤلفاتهم ، نجدها تختلف اختلافاً عظيماً من حيث المغزى والمضمون ، بل أنها تختلف حتى في أنواعها وأركانها ، أما من حيث الشروط ، فنحن لا نجد أثراً لها في كتبهم ، فالأمر عندهم مفتوح ، و فقد روى الكليني عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله أنه قال : (( كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية )) ([21]) ، فعلى وجه العموم من الصعب الإحاطة بمثل هذه الشروط ، ولكن يمكن أن نبين أن التقية تنقسم عند الإمامية إلى أكثر من قسم بالنظر إلى غرضها وغايتها:

أولاً : التقية من حيث حكمها الوضعي وهل أن العمل المأتي به تقية يوجب الإجزاء أم لا ؟ ، وفيه قرر فقهاء الإمامية بأن العبادات فيها صحيحة إلا في ثلاثة أشياء في شرب الخمر والمسح على الخفين والمتعة ، فلا تقية فيه ! ، ولهم أكثر من رواية تفيد ذلك في كتبهم ، منها ما رواه زرارة عن أبي عبد الله أنه قال : (( ثلاثة لا اتقي فيهن أحداً شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج )) ([22]) ، وبناء على هذه الرواية وغيرها ، جعل الإمامية للتقية ملاذاً واسعاً للعمل في غير ما ورد في هذه الرواية ، بحيث عدوا كل الأعمال مجزأة في حال التقية ، وإن اختلفوا في مسألة الإفطار في رمضان ، ولكن رجح محمد النجفي وغيره من فقهاء الإمامية الإجزاء ([23]) .

ثانياً : التقية من حيث حكمها التكليفي ، وتنقسم حسب الأعمال ، فمنها ما هو واجب ومنها ما هو حرام ومنها ما هو راجح ومنها ما هو مرجوح ، ومنها ما يتساوى طرفاه جوازاً ([24]) ، ورغم أن هذه التقسيمات التي تبدو لأول وهلة بأنها تختلف عن الأخرى ، لكنها بواقع الحال قريبة منها ، فمثلاً التقية المحرمة يعنون بها ما تقدم من حرمة التقية في المسح على الخفين ومتعة الحج وشرب الخمر ، والروايات في كتب القوم تفيد هذا المعنى ، بل تحث عليه ،وتعده من أفضل القربات فقد روى ابن بابويه عن أبي عبد الله أنه قال : (( من استعمل التقية في ديـن الله فقـد تسنم الذروة العليا من القرآن  )) ([25]) ، وفي هذه الرواية إشارة إلى أن التقية مرغب فيها عند الإمامية على كل حال ، ولذا أدخل علمائهم معظم الروايات الواردة في هذا الباب تحت قسم المستحب([26]) .

ثالثاً : هناك تقسيم آخر للتقية عند الإمامية ، فهي عندهم يمكن أن تقسم إلى : التقية الخوفية والتقية التحبيبة ، والتقية لمصالح آخر ، ومثّل الإمامية للأولى بما أوردناه في المبحث الثاني من كونها من دين الله عز وجل ، ولا دين لمن لا تقية له ، أما التقية التحبيبي : فيعنون بها القيام بالأعمال التي تقربهم إلى أهل السنة والجماعة من أجل التحبب إليهم لاستجلاب المنافع ودفع المضار ، ومثّل لها بما رواه ابن بابويه عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله أنه قال : (( ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضأ إلا كتب الله له بها خمساً وعشــرين درجة ، فارغبوا في ذلك )) ([27]) ، وفي هذه الرواية تأكيد على أن صلاة الإمامي مع أهل السنة تقية مرغب فيهم عندهم ، بل هي من أقسام المستحب والمندوب ، وهذا الأمر له دلالة خطيرة  في كونهم لا يعتدون بتلك الأعمال ، بل ينبغي لمن أراد الصلاة مع أهل السنة أن يصلي قبلها أو بعدها .

أما النوع الثالث فهو ما يعرف عندهم بالتقية لمصالح آخر ، وقد أورد الإمامية روايات عن أئمتهم تعضد ما ذهبوا إليه ، منها ما روي عن أبي عبد الله جعفر أنه قال : (( عليكم بالتقية ، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره )) ([28]) .

رابعاً : هناك بعض علماء الإمامية من يجعل لها قسماً أخراً ، وهو ما يقابل الإشاعة وإذاعة السر ويعبر عنها بأنها تعني : (( وجوب كتمان عقيدة الحق أو إظهار غيره في الموارد التي تكون من الأسرار التي يجب كتمانها عن غير أهلها )) ([29]) ، والروايات في كتب الإمامية في هذا الباب كثيرة ، منها ما روي عن أبي عبد الله أنه قال : (( ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتل عمد )) ([30]) ، وكذلك ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أنه تـلا هـذه الآيـة : (( ] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ [ [ آل عمران : 112 ] قال : والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية )) ([31]) .

أما من حيث الشروط ، فلا وجود لها في تحديد التقية عند الإمامية ، وإنما هي تترك لاجتهاد الفرد وتقديره ، وربما تجاوزت الحدود الشرعية في معظم الأحيان ؛ لأنها وفق الروايات التالية تتعدى فهم أهل السنة والجماعة للتقية والإكراه على حد سواء ، وهذه الأمور تتمثل بالآتي : 

1.          إن التقية جائزة في كل أمر من أمور الدين بل هي الدين عينه ، كما في روايات الشيعة الإمامية المنسوبة إلى الأئمة ، وقد تقدم بعضها ، منها ما رواه صاحب الشرائع عن أبي عبد الله قـال : (( إن التقية دين الله عز وجل ، قلت : من دين الله عز وجل ؟ قال : أي والله من دين الله )) . وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنه قال : (( لا إيمان لمن لا تقية له )) .

2.          إن التقية هي من أعظم الفرائض ، وهي بمثابة الرأس من الجسد ، وأنها من أحب الأعمال إلى الله تعالى من ذلك ما رواه حبيب بن بشير قال : (( قال أبو عبد الله u : سمعت أبي يقول :  لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب من التقية )) ([32]) .

3.          إن أكثر الشيعة كانوا يتركون العشرة مع غيرهم من المسلمين لأنهم إن أظهروا عقيدتهم ربما وقعوا في الخطر العظيم وجلب البغضاء والعداوة ، وإن أخفوه كانوا مقصرين في أداء ما عليهم من الحق مرتكبين للأكاذيب كما يقول الشيرازي([33]) .

4.          إن التقية تسد الأبواب أمام المخالفين فلا يستطيعون الوصول إلى حقيقة الدين ومذهب الإمامية ، ففي التفسير المنسوب إلى العسكري في قوله تعالى : ] فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [ [ الكهف : 97 ] قال : (( إن هذا هو التقية ، فإنها الحصن الحصين بينك وبين أعداء الله إذا عملت بها لم يقدروا على حيلة )) ([34]) .

5.          لا ينحصر دور التقية عند الإمامية في إخفاء العقيدة وإظهار خلافها ، وإنما أيضاً من أهم أغراضها جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء عن طريق إخفاء عقيدتهم التي ربما أثارت النفور الاستهجان في قلوب المسلمين ، وبهذا فسّر الإمامية الروايات الواردة في كتبهم ، مثل ما روي عن الصادق أنه قال : (( من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان )) ([35]) ، وهذه الرواية فيها تناقض عجيب ؛ لأن روايات الأئمة إذا حبست فكيف يعلم الناس حقيقة مذهب أهل البيت الذي يدعي الإمامية اتباعه ؟.

لكننا نتساءل هنا : أين شروط الإكراه وأركانه ؟ بل أين مقومات الرخصة في كل ما تقدم ؟. والإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما ليس بالأمر الصعب ، فقد تبين أن أحكام الإكراه لا تبنى على الظن أو الشك ، بل يجب أن يغلب على المكرَه بأن التهديد واقع لا محالة ، قال الكاساني في تقرير هذا المبدأ : (( أن يقع في غالب رأي المكرَه وأكثر ظنه لأنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما وعد به ؛ لأن غالب الرأي حجة ... )) إلى أن قال : (( فإن تحقق عنده أن المكرِه لا يحقق ما أوعده لا يثبت الحكم شرعاً )) ([36]) ، وقال في مكان آخر ( رحمه الله ) : (( وإن كـان الإكراه ناقصاً لا يحـل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضاً ؛ لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ، فكانت الحرمة بحكمها قائمة )) ([37]) .

إن هذا الاستدلال الذي تضمن نفي حكم الظن في أحكام الإكراه مهم لنا في هذا الباب ؛ لأن أغلب أحكام التقية عند الشيعة الإمامية مبينة على الظن : ] وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا [ [ النجم : 28 ] بل لازال علمائهم لهذه اللحظة يذكرون ما تعرض أسلافهم المزعومين على يد بني أمية وبني العباس من أذى واضطهاد ، بعد مضي أكثر من ألف عام على ذلك ، وظهرت لهم أكثر من دولة ، وانتشرت سطوتهم في أكثر من بلاد ، وقد أدى ذلك إلى استنكار الإمامية أنفسهم لمثل هذا الأمر ، حتى أصبحت أخبارهم أعظم من أخبار بني إسرائيل وأشد تناقضاً وكل ذلك بسبب عقيدة التقية المزعومة والمنسوبة زوراً إلى أهل البيت ، كـما روى الصفار عن زرارة قال : (( قال أبو جعفر u : حدث عن بني إسرائيل ولا حرج ، فقلت : جعلت فداك في حديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديثهم ؟ قال : فأي شيء هو يا زرارة ؟ قال : فاختلس من قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد ، قال : لعلك تريد التقية ؟ ، قلت : نعم ، قال : صدّق بها فإنها حق )) ([38]) .

فمن خلال هذه الروايات يتبين أن التقية عند الإمامية غير مرهونة بشرط الإكراه ، بل قد تكون هي أصل العمل ومدار عبادة المكلف ، وهناك أكثر من رواية في كتب القوم ترجح ما ذهبنا إليه من كون المكلف عندهم يمكن أن يعمل التقية في ( دار التقية ) على كل حال ، وإن كان الإمامية قد اختلفوا في الاعتداد بهذه العبادات التي قد تكون مرهونة بالاضطرار لا بالتقية ، بعبارة أخرى أن العمل مرهون بتقدير المقلد باحتمال وقوع الأذى عليه من عدمه ، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً ، فإن هذا بواقع الحال لا يشكل مانعا من العمل بالتقية ، ويعضد كلامنا هذا رواية القوم في كتبهم عن الصادق أنه قال : (( إن التقية في كل ضرورة )) ([39]) ، وفي رواية أخرى عنه أيضاً : (( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له )) ([40]) ، وأنت ترى أن لا استثناء في الرواية الأخيرة ، ولا حدود للتقية ، وهذا قول مردود لأن أفعال القلوب لا إكراه فيها ، كما هو الحال هنا ، وقد نقل السيوطي الإجماع على ذلك([41]) .

والمطلع على روايات الإمامية في كتبهم يجد تناقضاً عجيباً بين هذه الروايات في صحة العبادات التي قام بها المكلف تقية ، وإن كان الراجح منها – على قول فقهاء القوم أنفسهم – الاكتفاء بأدائها في حال التقية وعدم إعادتها عند زوالها ، إلا أننا نعرض بعض هذه الروايات من أجل بيان أن التقية بعيدة بعد المشرق والمغرب عن الإكراه عند أهل السنة ، لأننا بينا شروط الإكراه سلفاً ويمكن أن تقيس أنت على ذلك .

فقد روى ابن بابويه وغيره عن حماد عن أبي عبد الله أنه قال : (( من صلى في منـزله ثم أتى مسجداً من مساجدهم فصلى معهم خرج بحسناتهم )) ([42]) وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمار قال : (( قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا إسحاق أتصلي معهم فـي المسجد ؟ قلت : نعم ، قال : صلِ معهم فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله )) ([43]) ، قـال الشيرازي : (( وظاهر هذه الأحاديث رجحان الصلاة معهم مع نية الاقتداء بهم كما أن ظاهرها جواز الاكتفاء بها وعدم وجوب إعادتها )) ([44]) .

ومن ذلك رواه سماعة قال : (( سألت عن رجل يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثم ليتم صلاته معه على قدر ما استطاع ، فإن التقية واسعة ، وليس في شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها )) ([45]) ، ففي هذه الرواية أمر الإمام هذا الرجل بإتمام صلاته مع غير عدلٍ وليبني عليها ، ولم تشر الرواية إلى أمر الإمام هذا الرجل بإعادة الصلاة دلالة على صحتها ، من جهة أخرى نفهم من هذه الخبر بأن هذا الرجل لم يكره على أداء الصلاة مع هذا الإمام ، وإنما دخل بإرادته واختياره ، وليس في الرواية وعيد أو ترهيب من هذا الإمام كما يفهم من عباراتها ، فأين الإكراه في هذه الرواية ؟ ، بل لا نرى شرطاً واحداً من شروطه .

ومنها ما رواه الكليني وغيره عن زرارة قال : (( سألت أبا عبد الله عن المسح على الخفين تقية ؟ فقال : ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً شرب الخمر والمسح على الخفين ومتعة الحج . قال زرارة : ولم يقل الواجب عليكم ألا تتقوا فيهم أحداً )) ([46]) ، فيفهم من كلام الإمام أن التقية في كل العبادات سوى ما استثنى منها ، ولم يذكر هنا الإكراه شرطاً لعمل المكلف بها ، بل فهم الإمامية من كلام الإمام هنا – كما هو حال زرارة بن أعين راوي الخبر – بأن التقية في هذه الأشياء جائزة أيضاً ، إذ هي واجبة على الإمام وليست عليكم ، فعلى هذا الأساس فإن التقية مرافقة لعمل المكلف مطلقاً حتى في شرب الخمر !.

يمكن أن نقرر في ختام هذا الفصل أن مدلول الإكراه لا يمكن أن ينطبق على معاني التقية لا من حيث الجوهر أو المضمون ، وإنما التقية عند الإمامية هي أصل العمل وغايته ، باعتبارها عقيدة تُعتمد في سائر الأعمال ، وأصل من أصول الدين ، لذا فهي تتخذ حيزاً أكبر بكثير مما يمكن أن يتصوره القارئ ، وقد أثبتنا بشيء لا يقبل الشك - والفضل لله وحده – الفرق بينها وبين الإكراه  من حيث الدلالة والمغزى ؛ لأن الإكراه عند أهل السنة له شروطه وحالاته الخاصة ، كما يجب أن نشير إلى أن الإكراه هو من فروع الدين عند أهل السنة لا من أصوله كما يدعيه الإمامية ، وبهذا يمكن أن تتضح الصورة واضحة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..

 

مصادر الشيعة الإمامية([47]) :

ابن إدريس ، أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد الحلي ( ت 895هـ ) :

1.     السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، ( مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1410هـ ) .

ابن بابويه ، أبو جعفر محمد بن علي بن موسى القمي ( الصدوق ) ، ( ت 381هـ ) :

2.    تفسير العسكري ( منسوب له ) ، ( مؤسسة الإمام المهدي ، قم ، 1409هـ ) .

3.    عقائـد الصدوق ، تحقيق : هبة الله الشهرستاني ( دار الكتاب الإسلامي ، بيروت ، 1403هـ/ 1983م ) .

4.    كمال الدين وتمام النعمة ، تحقيق علي أكبر الغفاري ( قم ، 1395هـ ) .

5.    من لا يحضره الفقيه ( طبعة طهران ) .

الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحسين ( ت 1033هـ ) :

6.    وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة ( مؤسسة آل البيت لإحياء التراث  ، بيروت ) .

السجاد ، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( ت 94هـ ) :

7.    الصحيفة السجادية ( منسوبة له ) ، ( مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، 1413هـ / 1992م ).

الطوسي ، ( شيخ الطائفة ) أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي ( ت 460هـ ) :

8.    تهذيب الأحكام في شرح المقنعة ، ( طبعة طهران ، 1390هـ/ 1970م  ) .

العياشي ، أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السمرقندي ( ت 340هـ ) :

9.    تفسير العياشي ( طهران ، المكتبة العلمية الإسلامية ) .

الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الأعور ( ت 329هـ ) :

10.    الكافي ( طبعة دار الكتب الإسلامية ، طهران ) .

المفيد ، محمد بن محمد بن النعمان ( ت 413هـ ) :

11.    الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ( شيراز ، طبعة عربية وبهامشها ترجمة فارسية ) .

12.  تصحيح الاعتقاد بصواب الاعتقاد أو شرح عقائد الصدوق ، تحقيق هبة الله الشهرستـاني  ( دار الكتاب الإسلامي ، بيروت ، 1403هـ / 1983م ) . 


([1])  مكرم الشيرازي ، القواعد الفقهية : 1/386.

([2])  لسان العرب ، مادة كره : 12/80  .    

([3])  البحر الرائق : 8/79 .    

([4])  التعريفات : ص 84 .    

([5])  القواعد الفقهية : ص 188.    

([6])  المبسوط : 24/38 .    

([7])  المصدر نفسه : 24/39 .    

([8])  تفسير ابن كثير : 1/311 .    

([9])  أخرجه ابن ماجة ، السنن ، كتاب الطلاق ، باب طلاق المكره والناسي : 1/659 ، رقم 2043 ؛ الحاكم ، المستدرك : 2/216 ، رقم 2801 ؛ البيهقي ، السنن الكبرى : 6/84 .    

([10])  قال الحافظ ابن حجر لفظ : (( لا قيلولة في الطلاق ذكره ابن أبي حاتم في ( العلل ) عن أبي زرعة وأنه واهٍ جداً )) . تلخيص الحبير : 3/217 .    

([11])  الكافي : 2/220 ؛ وسائل الشيعة : 16/204 .    

([12])  الكافي : 2/221 ؛ وسائل الشيعة : 16/205 .    

([13])  بدائع الصنائع : 7/176 .    

([14])  رد المختار :6/128 ؛ بدائع الصنائع : 7/175 .    

([15])  المحلى : 8/329 .    

([16])  .    

([17])  المحلى : 8/230 .    

([18])  المصدر نفسه : 8/230 .    

([19])  المصدر نفسه : 8/230 .    

([20])  السيوطي ، الأشباه والنظائر : ص 209 .    

([21])  الكافي : 2/220 ؛ تهذيب الأحكام : 1/362 .    

([22])  تهذيب الأحكام : 9/114 ؛ من لا يحضره الفقيه : 1/48 .    

([23])  جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : 16/262 .    

([24])  الشيرازي ، القواعد الفقهية : 1/389 .    

([25])  معاني الأخبار : ص 386 ؛ المجلسي بحار الأنوار : 13/135.    

([26])  الشيرازي ، القواعد الفقهية : 1/412 .    

([27])  من لا يحضره الفقيه : 1/382 .    

([28])  الحر العاملي ، الوسائل : 16/212 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 75/395 .    

([29])  القواعد الفقهية : 1/491 .    

([30])  البرقي ، المحاسن : ص 256 ؛ الكافي : 2/370 .    

([31])  البرقي ، المحاسن : ص 257 ؛ الكافي : 2/371 .    

([32])  الكافي : 2/217.

([33])  القواعد الفقهية : 1/408 .

([34])  تفسير العياشي : 2/351 ؛ وسائل الشيعة : 16/213 .

([35])  الكافي : 2/363 .    

([36])  بدائع الصنائع : 7/176 .    

([37])  المصدر نفسه : 7/177 .    

([38])  بصائر الدرجات : ص 240 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 2/237 .    

([39])  الكافي : 2/219 ؛ من لا يحضره الفقيه : 3/363 .    

([40])  الكافي : 2/220 .    

([41])  الأشباه والنظائر : ص 208.    

([42])  الكافي : 3/380 ؛ تهذيب الأحكام : 3/270 .    

([43])  الكافي : 2/621 ؛ تهذيب الأحكام : 5/496 .    

([44])  القواعد الفقهية : 1/452 .    

([45])  الطوسي ، تهذيب الأحكام : 3/380 .    

([46])  الكافي : 3/32 .    

([47])  اقتصرنا هنا على مصادر الشيعة الإمامية ؛ لأن مصادر أهل السنة متداولة معروفة .    

 

أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

Hit Counter