من نحن

اجعلنا صفحة البداية

  اخبر صديقك عن

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

الرئيسيةالمقالاتالكتبالبحوث العلميةالفرق الاسلاميةجواهر ثمينةعجائب وغرائبشجرات الفرقمواقع مفيدة

 

 

مفهوم الأصلح في السياسة الشرعية

لقد كثرت المصطلحات السياسية في عصرنا الحاضر ، وتنوعت مضامينها ، وكثر تداول الناس لها ، من العامة والخاصة ، إلا أن معظم هذه المصطلحات هي مصطلحات غربية بعيدة كل البعد عن تراثنا الإسلامي ، الذي أعطى للإنسانية ما لم يعطه أي دين آخر ، وأسس قواعد التعامل بين الراعي والرعية وفق شرع الله تعالى ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ووجدنا ساستنا قد ابتعدوا كثيراً عن تراثنا الأصيل ، وتمسكوا بهذه المصطلحات الغربية والبعيدة عن قيمنا وحضارتنا  

تعريف الأصلح :

الأصلح في اللغة هو نقيض الفساد : (( وأصلح الشيء بعد إفساده أقامه ، وأصلح الدابة أحسن إليها )) ([1]) ، أما من حيث الاصطلاح ، فليس هناك تعريف دقيق له ، مع الإشارة إلى الفرق الواقع بين المصطلح الشرعي ، والمصطلح العقائدي ، فنعني بالأصلح في السياسية الشرعية هو : استعمال أصلح الموجود من الناس في المهام السياسية والعسكرية ، ويكون ذلك بأن يختار الأمثل فالأمثل كل منصب بحسبه([2]) .

ولا بد من التفريق بين المصطلح أعلاه ، وما يعنيه مصطلح ( الأصلح ) عند المتكلمين ، خاصة  المعتزلة ومن وافقهم ، فهم يعتقدون أن ( الأصلح ) في صفات الله تعالى يعني : أنه يجب على الله تعالى أن يفعل الأنفع لعباده في الدنيا والدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( وأما كونه لا يفعل ما هو  الأصلح لعباده ، أو لا يراعي مصالح العباد ، فهذا مما اختلف فيه الناس ، فذهبت طائفة من المثبتين للقدر إلى ذلك ، وقالوا : خلقه وأمره متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة ، وهذا قول الجهم ، وذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم ، ونهاهم عما فيه فسادهم ، وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله ، وأن إرساله الرسل مصلحة عامة ، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته )) ([3]) .

 

الأصلح في القرآن الكريم :

لقد جاءت الآيات القرآنية دالةً على مفهوم الأصلح من حيث مغزاه الشرعي ، في حين أن القرآن الكريم لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما عناه المعتزلة بالأصلح في صفات الله تعالى ، ولا يخفى أنهم خالفوا العقل والنقل في هذا الباب ، قال تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنفال : 1 ] والمفهوم السياسي لهذه الآية واضح ، خاصة وأن سبب نزولها كان في اختلاف الصحابة في قسمة الغنائم ، قال القرطبي ( رحمه الله ) : (( أمر الله بالتقوى والإصلاح ، أي يكونوا مجتمعين على أمر الله، وفي الدعاء : اللهم أصلح ذات البين ، أي الحال التي يقع فيها الاجتماع )) ([4]) ، وتدل الآية في معناها الآخر على أن الإصلاح السياسي – بالمعنى المعاصر – له عمق كبير في المجتمع ؛ لأنه يؤدي إلى إصلاح طائفة كبيرة من الناس ، وهذه هي وظيفة الأنبياء التي أرسلوا من أجلها بعد توحيد الله تعالى، قال شعيب ( عليه السلام ) لقومه ، بعد أن كذبوه وجحدوا رسالته : ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود : 88 ] ، قال ابن كثير في تفسير الإصلاح في هذه الآية : (( أي فيما آمركم وأنهاكم ، إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي )) ([5]) ، وهذا الإصلاح لا يأتي إلا بتوحيد الله تعالى ، والإقرار بإلوهيته ، لأنه الأصل العظيم الذي يجب أن يبنى عليه كل شيء ، وعليه تدور السياسة الشرعية في تأصيل العلاقة ما بين الراعي والرعية .

ومن المعلوم بالضرورة أن الولاية الشرعية تقوم على ركنين أساسين : القوة والأمانة ، وإليه أشار الذكر الحكيم : ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [ القصص : 26 ] وقيل إن الخليفة الصديق ( رضي الله عنه ) قد استدل بهذه الآية للوصية المسلمين بتولية عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) من بعده ، وتعقب أبو بكر ابن العربي ذلك على بعض المفسرين فقال : (( وليس كذلك فيما نقلوه ؛ لأن الصديق إنما ولى عمر ( رضي الله عنه ) بالتجربة في الأعمال ، والمواظبة على الصحبة وطولها ، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة )) ([6]) ، ولا يستبعد بتقديرنا أن يكون الصديق ( رضي الله عنه ) قد نظر إلى قوة عمر وأمانته ، كما أخذ بالتجربة والخبرة والمعاشرة الطويلة مع عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ، فوجد في توليته أمور المسلمين هو الأصلح بالنسبة لهم ، وكان أبو بكر الصديق هو الإمام الواجب الطاعة في حينه ، فاختار الأصلح لهم في ذلك ، وكان موفقاً أشد التوفيق في ذلك .

وقد عاب بعض الشيعة على الصديق ( رضي الله عنه ) استخلافه ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يستخلف ، ويجاب عن ذلك بأمور :

الأول : أنه قد ثبت عند أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بالاستخلاف إلى أبي بكر الصديق ، والدليل عليها قوله عليه الصلاة والسلام في مرضه الأخير : (( مروا أبا بكر فليصلِ بالناس ... الحديث )) ([7]) ، وهناك أدلة أخرى كثيرة مذكورة في محلها([8]) .

الثاني : أن الصديق ( رضي الله عنه ) كان رشيد الرأي في ذلك ، إذ أنه اعتبر من ارتداد الأعراب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخشي أن يحصل ذلك مرة أخرى ، يضاف إلى ذلك كثرة المسلمين من العرب والعجم ، وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله ؛ ولذلك لم يشر كإشارة النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، وإنما صرح في ذلك تصريحاً .

الثالث : أن الصديق ( رضي الله عنه ) أوصى الصحابة بالبيعة لعمر بن الخطاب ولم يلزمهم ، وأخذ الصحابة بنصيحة أبي بكر الصديق ، فبايعوا عمر بالخلافة ، وإن لم يبايعوه لم تصح له الخلافة ، فالوصية غير واجبة ، والبيعة التي تمت لعمر بن الخطاب بالخلافة لم يختلف عليها الصحابة ، وإنما بايعوه جميعاً ، فكانت البيعة واجبة ، وبذلك كان هذا هو الأصلح للأمة برأي الصديق والصحابة معاً .

وضمن هذا السياق جاء قول صاحب مصر ليوسف عليه السلام في قوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ [ يوسف : 54 ] ، وهذه الآية أيضاً هي من أصول قاعدة الأصلح في السياسة الشرعية ، إذ وجد يوسف عليه السلام في قيامه بأمر الرعية هو الأصلح لهم ، فقال : ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف : 55] ، خاصة بعد الرؤيا التي رآها الملك ، ولا يدخل هذا في باب النهي عن طلب الإمارة الوارد في بعض الأحاديث ، وإنما يدخل تحت باب التطوع المرغوب فيه في أعمال الخير إن وجد الإنسان في نفسه القدرة على ذلك، وحديث من : (( يأخذه بحقه يصح )) للاستشهاد به في هذا المقام ، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن عدم طلب الأمارة أولى من طلبها ، وقد نسبت رواية للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب : (( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته )) ([9]) ، وهذا الحديث وإن لم يصح ، ولكن الآية كافية في ضرورة اختيار الأكفاء في المناصب السياسية والاقتصادية في الدولة المسلمة ، فالحفظ لأموال الناس وحسن التصرف فيها هو الأساس في القيام بأمور الرعية ، وقد ذكر المفسرون ما يدل على حسن تدبير يوسف عليه السلام في منصبه وولايته ، فقيل إنه أول من كتب القراطيس ، ودون الدواوين([10]).

 

الأصلح في السنة النبوية :

أما في السنة النبوية ، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وقد أهتم مصنفو كتب الحديث بذلك ، وأفردوا أبواباً في الصلح بوجه عام ، فقد روى البخاري ( رحمه الله ) في كتاب الصلح من صحيحه ، باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل سلامي من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس ، يعدل بين الناس صدقة )) ([11]) ، والشاهد من الباب والحديث الذي تضمنه قوله صلى الله عليه وسلم : (( يعدل بين الناس صدقة )) ، قال ابن رجب ( رحمه الله ) : (( والعدل بين الناس إما في الحكم بينهم أو في الإصلاح )) ([12]) ويعني بالإصلاح هنا : سياسة أمور دنياهم بما فيه خيرهم وفلاحهم .

ويبدو من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصاً على جعل الإصلاح السمة التي يتفق عليها المسلمون في علاقتهم ببعضهم ، خاصة عند البيعة وعقد العهود ، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين([13]) .

والأصلح يكون في طاعة الله تعالى ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، ويكون ذلك حسب الطاقة ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) ([14]) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( في هذا المعنى ) : (( فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد أطاع الله ورسوله ، لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه أو خيانة عواقب على ذلك )) ([15]) ، ووفق هذه القاعدة الشرعية سارت سنته الشريفة في اختيار الأصلح للأمة ، سواء كان ذلك من حيث الأفراد أو المواقف التي تقدم فيها مصلحة الأمة على غيرها .

ومما لا شك فيه أن المجتمع لا يصلح إلا بصلاح الدين ، وكان هذا هو الأساس الذي سار كان عليه منهج النبوة ، فكانت ولاية الدين والدنيا متلازمة ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على الحرب كان هو الذي يؤمر للصلاة بأصحابه ، وكذلك إذا استعمل رجلاً نائباً على المدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف ، ولما بعث معاذاُ إلى اليمن قال : يا معاذ إن أهم أمرك عندي الصلاة )) ، قال ابن تيمية ( رحمه الله ) : (( فإذا أقام المتولي عماد الدين : فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعـات )) ([16]) كما قال الله تعالى : ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [ البقرة : 45] ، وقال سبحانه وتعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [ البقرة : 153 ] . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [ طه : 132) . وقال تَعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ` مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ` إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [ الذاريات : 56-58 ] .

ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن واجب الإمام يتمثل في شيئين : الأول إصلاح أمور دينهم ، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم([17]) ، وقد سار الخلفاء الراشدون من بعده على نهجه ، فهذا عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) كتب إلى عماله : (( إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب الله ، وسنة نبيكم ، ويقسموا بينكم فيئكم )) ([18]) ، ولما تغيرت الرعية تغير الراعي ، وأفضل الرعاة هم القائمون بشرع الله تعالى ، السائرين على نهج النبوة في ذلك ، لأن إقامة أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وزكاة لا تقوم إلا بوجود الإمام الذي يحث على ذلك ، وقوام بين الناس بالقسط والعدل ، فعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أحب الناس إلى الله عز وجل يوم القيامة ، وأقربهم منه مجلسا إمام عادل ، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة ، وأشده عذابا إمام جائر )) ([19]) ، والأحاديث في هذا الباب معلومة .

أما فيما يخص أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، فإن حادثة الحديبية أفضل مثال يمكن أن نقف عنده، إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة يريد زيارة البيت معتمراً ، لا يريد قتالاً ، وساق معه سبعين بدنة ، وكان معه من أصحابه سبعمائة نفس ، فمنعت قريش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن العمرة تلك السنة ، واختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يعود إلى المدينة بدون عمرة ، وفقا للاتفاق مع قريش ، فأثار ذلك حفيظة بعض الصحابة ، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى ، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى ، قلت: فلم نعطي الدنية ؟ في ديننا إذن ؟ ، قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري )) ([20]) ، ولم يكن عمر بن الخطاب يدرك أن الأصلح للمسلمين في تلك المرحلة هو الصلح الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش ، وقد اتضحت فوائد هذا الصلح فيما بعد ، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء من بعده من الأئمة اختيار الأصلح للأمة ، وإن كان ذلك لا يوفق ميول الرعية .

 

الخلاصة :

إن مفهوم الأصلح في السياسية الشرعية ، يستند على أصول ثابتة من الكتاب والسنة ، وقد تناولها عدد من العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية ، ولكن كان لشيخ الإسلام ابن تيمية قصب السبق في تأصيل هذه القاعدة الشرعية وتيسيرها بيد الأمراء والولاة ، ويمكن أيجاز أهم هذه القواعد الشرعية وفق الآتي([21]) :

1.  الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها ، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة ، قدم أنفعهما لتلك الولاية ، وأقلهما ضررا فيها ، فيقدم في أمار الحروب الرجل القوي الشجاع – وإن كان فيه فجور – على الرجل الضعيف العاجز ، وإن كان أميناً ، كما سئل الإمام أحمد ( رحمه الله ) عن رجلين يكونان أميرين في الغزو ، وأحدهما قوي فاجر ، والآخر صالح ضعيف ، مع أيهما يغزى ؟ فقال : أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين ، وفجوره على نفسه ، وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه وضعفه للمسلمين ، فيغزى مع القوي الفاجر .

2.  استعمال الرجل لمصلحة راجحة مع وجود من هو أفضل منه ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل – استعطافاً لقاربه الذين بعثه إليهم – على من هو أفضل منه ، وأمر أسامة بن زيد لأجل ثأر أبيه ، وكذلك فعل خلفاء النبي الراشدون من بعده ، فقد استعمل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في حروب أهل الردة ، وفي فتوح الشام والعراق على هفوات كان له فيها تأويل ، فلم يعزله لأجلها ، بل عاتبه ونبهه عليها ، لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه .

3.  أما في باب القضاء ، فيقدم الأعلم الأورع الأكفأ ، فإن كان أحدهما أعلم ، والآخر أورع ، قدم – فيما قد يظهر حكمه ويخالف فيه الهوى – الأورع ، وفيما يدق حكمه ، ويخاف فيه الأشتباه الأعلم ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يحب البصر النافذ عند وررد الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات )) ([22]) .

4.  وأهم ما في هذا الباب – نعني معرفة الأصلح كما قرره شيخ الإسلام – هو معرفة مقصود الولاية ، ومعرفة طريق المقصود ، فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر ، فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين ، قدموا في ولايتهم من يعينهم على نلك المقاصد ، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته ، ولذلك فالمقصود الواجب بالولايات : إصلاح دين الخلق الذي متى خسروه خسروا خسراناً مبيناً .

 

17 ربيع الأول 1428هـ/ 4نيسان 2007م

 


 

([1]) لسان العرب ، مادة صلح .

([2]) السياسة الشرعية : ص 13 .

([3]) منهاج السنة النبوية : 1/462 .

([4]) تفسير القرطبي : 7/364 .

([5]) تفسير ابن كثير :  2/427 .

([6]) تفسير القرطبي : 9/160 .

([7]) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب حد المريض أن يشهد الجماعة : 1/236 ، رقم 633 ؛ وأخرجه أيضاً مسلم ، في كتاب الصلاة ، باب استخلاف الإمام : 1/313 ، رقم 418 .

([8]) ينظر للتفاصل السيوف المشرقة ، لمحمود شكري الآلوسي ( مخطوط ) : 100/ب .

([9]) الحديث موضوع كما في السلسة الضعيفة : رقم 329 .

([10]) تفسير القرطبي : 9/211 .

([11]) صحيح البخاري : رقم 2560 .

([12]) جامع العلوم والحكم : ص 407 .

([13]) مسند الإمام أحمد : 1/271 .

([14]) صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام بالسنة ، باب الاقتداء بسنن رسول الله e : رقم 6744 ؛ مسلم ، كتاب الفضائل ، باب توق¡